النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
التَََّّ
هـ
عناصر الموضوع
مفهوم التربية
٣٠٤
التربية في الاستعمال القرآني
٣٠٦
الألفاظ ذات الصلة
٣٠٧
٣٠٩
الله تعالى المربي لعباده
٣١٢
الأنبياء عليهم السلام والتربية
٣١٤
مجالات التربية
٣٢١
خصائص التربية في القرآن
٣٢٧
مقاصد التربية في القرآن
٣٣١
من أساليب التربية في القرآن
٣٣٩
التربية بين القرآن والمناهج البشرية
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ

حرف التاء
مفهوم التربية
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل كلمة التربية: إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية وجدنا لكلمة التربية أصولًا ثلاثة:
الأول :رہا يربو.
الثاني:ربا یربي على وزن خفى يخفي.
الثالث: ربّ يربّ بوزن مدّ يمدٌ (١).
وكلمة التربية في المعاجم العربية استخدمت لعدة معان، ويمكن إرجاع تلك المعاني
إلى أصول خمسة، وهي:
١. النماء والزيادة: من ربا يربو بمعنى زاد ونما، ويقول ابن منظور: ((ورب المعروف
والصنيعة والنعمة، أي: نماها وأتمها وأصلحها))(٢).
٢. النشأة: قال ابن منظور: «ربي یربی علی وزن خفي يخفى، أي: نشأ وترعرع، وعليه قول
ابن الأعرابي: فمن يكون سائلًا عني فإني بمكة منزلي، وبها ربيت))(٣).
٣. الحفظ والرعاية: قال تعالى: ﴿قَالَ أَمْ تُرَيِّكَ فِيِنَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ فِينَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ﴾
[الشعراء: ١٨]. أي: ألم ننعم عليك ونقم بتربيتك منذ كنت وليدًا في مهدك ولم تزل
كذلك. ولبثت فينا من عمرك سنين» (٤).
٤. الإصلاح والتأسيس: قال ابن سيده: ((ربّت أي: أصلحت))(٥). ويقول أبو هلال
العسكري: ((والصفة برب أيضًا تقتضي معنى المصلح، ومنه ربّيت النعمة إذا أصلحتها
بإتمامها)»(٦). ولم نجد غيرهما يذكر هذا المعنى.
٥. الرسوخ في العلم: قال ابن منظور: ((الرّبّاني من الرب بمعنى التربية، وقال ابن الأعرابي:
الرباني: العالم المعلم الذي يغذو الناس بصغار العلوم قبل كبارها. والرباني: الراسخ
(١) انظر: الخلاصة في أصول التربية الإسلامية، علي الشحود، ص ٧-٨، أصول التربية الإسلامية، خالد
الحازمي ص ١٧ -١٨.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١/ ٣٩٩.
(٣) المصدر السابق ١٤/ ٣٠٤.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ١٩/ ٣٦٧.
وانظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٣٨٢.
(٥) المخصص، ابن سيده ٣/ ١٠.
(٦) الفروق اللغوية ١/ ٢٤٧.
مَوَسوبر البقية
القرآن الكريم
٣٠٤

التربية
في العلم، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله تعالى))(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هناك اختلاف فى معنى التربية بين القدماء والمعاصرين:
فالتربية في القديم هي وسيلة لتحصيل المعرفة، ولكن التربية عند المعاصرين أخذت
معنى أشمل، فالتربية عندهم طريقة لإعداد الإنسان الصحيح والصالح والمتميز بسلوكه
الفكري والإنساني والقادر على توظيف مصادر المعرفة لديه في حل مشاكله ومشاكل
مجتمعه(٢).
فالتربية هي: «كل عملية أو مجهود أو نشاط تؤثر في سلوك الإنسان أو تكوينه، أيًّا كان
مصدر هذه العملية: سواء أكان الإنسان بنفسه، أم البيئة الطبيعية، أم المجتمع الذي يعيش
فيه. فالإنسان خاضع باستمرار لعمليات تغيير في تكوينه الجسمي والعقلي والخلقي
والنفسي والاجتماعي، وهذه العمليات هي التربية. فغاية التربية هي مساعدة الإنسان على
تنمية ملكاته وقدراته واستعداداته ودوافعه جميعها، وتكييفها، وإيجاد التوازن بينها وبين
البيئة التي تعيش بها))(٣).
(١) لسان العرب، ٤٠٠/١.
(٢) انظر: المباديء التربوية في القرآن الكريم، محمد صالح، ص ٤.
(٣) مدخل إلى أصول التربية الإسلامية، محمد الدخيل، ص ١٢.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف التاء
التربية في الاستعمال القرآني
وردت (التربية) في القرآن الكريم مرتين(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
١
﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَِّانِى صَغِيرًا
﴾ [الإسراء: ٢٤]
٢٤
الفعل المضارع
١
﴿ قَالَ أَلَمَّ نُرَيِكَ فِنَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨]
وجاءت التربية في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: الحفظ والرعاية(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الراء، ص ٥٦٣.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٣٨٢.
٣٠٦
مَوَسُوبَةُ الْمَّسيد
القرآن الكريم

التربية
الألفاظ ذات الصلة
التزكية:
١
التزكية: لغة:
التزكية في مادتها اللغوية تدور حول: الإصلاح، والتطهير، والثناء الجميل والمدح،
والنماء والزيادة (١).
التزكية اصطلاحًا:
تخليص النفس الإنسانية من كل ما يتعلق بها من شوائب، ونواقص، وسلبيات، وترسيخ
الفضائل والقيم النبيلة والأخلاق السامية فيها، وتوجيهها إلى كل ما فيه الخير والصلاح (٢).
الصلة بين التزكية والتربية:
عن العلاقة بينهما يقول الشيخ محمد الغزالي: ((والتزكية أقرب الكلمات وأدلها على
معنى التربية، بل تكاد التزكية والتربية تترادفان في إصلاح النفس، وتهذيب الطباع، وشد
الإنسان إلى أعلى؛ كلما حاولت المثبطات والهواجس أن تسفّ به وتعوجٌ))(٣).
الرعاية:
٢
الرّعاية لغةً:
الحفظ؛ يقال: رعاه يرعاه رعيًا ورعاية: حفظه. وكلّ من ولي أمر قوم فهو راعيهم وهم
رعيّته. وقد استرعاه إياهم: استحفظه، واسترعيته الشيء فرعاه: حفظه. وفي المثل: من
استرعى الذئب ظلم؛ لأنّ من ائتمن خائنًا فقد وضع الأمانة في غير موضعها (٤).
الرعاية اصطلاحًا:
من معاني الرعاية في مجال التربية والتعليم -كما ذكر أحد الباحثين- المسؤولية
والإشراف والحرص والمساعدة والإرشاد والتوجيه ومراقبة الطفل والسهر عليه (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٨، مختار الصحاح، الرازي ١ / ١٣٦، لسان العرب، ابن منظور
١٤/ ٣٥٨.
(٢) مفهوم التزكية، نايف الشريف ص ٢١٩.
(٣) نظرية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع، ص١.
(٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣/ ١٦٢ - ١٦٤، لسان العرب، ابن منظور ٤/ ١٨١ - ١٨٣.
(٥) انظر: مدخل إلى التربية الإسلامية، الغامدي، ص ٦.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف التاء
الصلة بين الرعاية والتربية:
المربي يشرف على التربية ويرشد ويرعى مراحل التربية.
التأديب:
٣
التأديب لغة:
أصل مادة الكلمة (الهمزة والدال والباء) تدل على (الجمع والدعاء)، يقال: أدبهم
على الأمر، أي: جمعهم عليه، ومنه سمي حسن الخلق أدبًا؛ لأنه أمرٌ قد أجمع عليه وعلى
استحسانه (١).
التأدیب اصطلاحًا:
هو التعليم والمعاقبة على الإساءة بقصد الإصلاح، يقال: أدّبه، أي: علّمه الأدب،
وعاقبه على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب، و(التأديب) لفظ يدل على المبالغة
والتكثير (٢).
الصلة بين التأديب والتربية:
وظيفة المؤدب والمربي واحدة.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٤/١، أساس البلاغة، الزمخشري، ٣/١.
(٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٩/١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٧٥.
٣٠٨
جوبيبو
القرآن الكريم

التعبير
الله تعالى المربي لعباده
أضاف الله سبحانه لنفسه كلمة العالمين
بقوله: ﴿رَبِ الْصَلَّمِينَ﴾، يقول الطبري:
((والعالمون جمع عالم، والعالم: جمعٌ لا
واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش،
ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات
على جماع لا واحد له من لفظه. والعالم
اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالمٌ،
وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك
القرن وذلك الزمان. فالإنس عالم، وكل
أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان. والجنّ
عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ
جنس منها عالم زمانه. ولذلك جمع فقيل:
عالمون، وواحده جمعٌ»(١).
والله سبحانه هو المربي للخلق، كما
يدل عليه كلمة (الرب). يقول ابن الجوزي:
((فأما الرب فقيل: هو مأخوذ من التربية،
يقال: رب فلان صنیعتها یربها ربًّا: إذا أتمها
وأصلحها))(٢).
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: ((وقيل:
إن ربوبية الله تظهر بتربيته إياهم، وهي تربية
خلقية بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم
وقواهم النفسية والعقلية، وتربية شرعية
تعليمية للمحافظة على فطرتهم))(٣).
(١) جامع البيان، ١/ ١٤٣.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي، ١/ ١٨.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ١/ ٥١.
ويذكر الرازي في تفسيره أهم الفروق
بين تربية الله تعالى وتربية الخلق بعضهم
لبعض،منها:
١. أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه،
بل لغرضهم، وغيره يربون لغرض
أنفسهم لا لغرض غيرهم.
٢. أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر
النقصان في خزائنه وفي ماله، وهو
تعالى متعال عن النقصان والضرر.
٣. أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير
عليه أبغضه وحرمه ومنعه، والحق
تعالى بخلاف ذلك.
٤. أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه
الإحسان لم يعط، أما الحق تعالى فأنه
يعطي قبل السؤال.
٥. أن غيره من المحسنين ينقطع
إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو
الموت، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه
البتة.
٦. أن غيره من المحسنين يختص
إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه
التعميم، أما الحق تعالى فقد وصل
تربيته وإحسانه إلی الکل (٤).
وقد قسم العلماء والمربون هذه التربية
إلى قسمين: تربية عامة وتربية خاصة، فإن
أطلقت فالمراد بها المعنى الأول، مثل قوله
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، ١/ ١٩٩.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف التاء
﴿رَبْ ◌ْسَلَّمِينَ﴾ ونحو ذلك.
وحیث قيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع
السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم. فإن المراد
بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى الأول
وزيادة؛ لهذا تجد أدعية الأنبياء وأتباعهم في
القرآن باسم الرب غالبًا، فإن مطالبهم كلها
داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
أولًا: تربية عامة.
يقول العلامة السعدي رحمه الله حول
تربية لله سبحانه العامة لعباده: ((وهي خلقه
تعالى للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم
لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في
الدنيا))(١).
فالتربية العامة تشمل نقاطًا ثلاثة:
١. خلق الله تعالى المخلوقات: يقول
العلامة العثيمين: ((الرب هو من اجتمع
فيه ثلاثة أوصاف: الخلق والملك
والتدبير، فهو الخالق المالك لكل شيء
المدبر لجميع الأمور))(٢).
٢. رزقهم، بعد أن يذكر الرازي كيفية
تكوين الشجرة من الغصن والساق
والعروق والثمار، يبين لنا هذا
الجانب من تربية الله سبحانه، وهي
رزقهم فيقول: ((والحكمة في كل هذه
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٤.
(٢) تفسير القرآن الكريم، سورتي الفاتحة والبقرة،
١٠/١.
التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبد إليه
من الغذاء والأدام والفواكه والأشربة
والأدوية، كما قال تعالى: ﴿أَنََّ صَبَيْنَا ◌َلْمَآءَ
صَبَّاُنْ ثُمَ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥-
٢٦]))(٣)
٣. هدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها
بقاؤهم في الدنيا، يقول الراغب
الأصفهاني: ((رب العالمين هو
المتكفل بمصلحتهم»(٤).
ويذكر الرازي رحمه الله في تفسيره
وجوهًا كثيرة لتربية الله سبحانه للعبد، منها
خلقه للإنسان من نطفة فعلقة فمضغة فعظام،
ثم خلق السماوات والأرض والشمس
والقمر والأرض والجبال والمعادن،
والنبات والحيوان، ثم يعلق على كل ذلك
بقوله رحمه الله: ((واعلم أنك إذا تأملت في
عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان
وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان قضى
صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة،
ودلائل رحمته لائحة ظاهرة)»(٥).
فالتربية العامة تكون بالنعم التي أنعمها
الله على عباده من رزق وإرسال الرسل،
فیهدي بهدايته العامة من ینیب إليه، بعد أن
عرف النعمة وأحس بجميع الدلائل الكونية
والشرعية على أن الله تعالى هو رب البرية،
(٣) مفاتيح الغيب، ١/ ٢٠٠.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني، ١/ ٥٤.
(٥) مفاتيح الغيب، ١/ ٢٠٠.
٣١٠
القرآن الكريم

التربية
فأناب إلیه، ثم هداه تعالى ووفقه (١).
ثانيًا: تربية خاصة.
يقول الشيخ السعدي مبينًا التربية
الخاصة: ((وهي تربية لأوليائه فيربيهم
بالإيمان ويوفقهم له ويكملهم به ويدفع
عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم
وبينه.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَّبِّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ
وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[الشورى: ١٣].
والمعنى: الله يجتبي إليه من يشاء أي:
يختار من خلقه من يعلم أنه يصلح للإجتباء
برسالته وولايته، ومنه أن اجتبى هذه الأمة
وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل
الأدیان وآخرها»(٢).
ويقول البيضاوي مفسرًا آية ﴿رَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾: ((ثم سمى به المالك لأنه
يحفظ ما يملكه ويربيه» (٣)
.
فالله سبحانه هو الحافظ للخلق لأنه
مربيهم وخالقهم.
وقيل في قوله تعالى: ﴿لَمَّا جَآءَ بِ الْبَيِّنَتُ
مِن رَّبِ﴾ [غافر: ٦٦].
أي: المربي لي تربية خاصة، هي أعلى
من كل مخلوق سواي، فأنا أعبده عبادة
(١) انظر: أصول التربية الإسلامية، خالد الحازمي،
ص ٢١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ٤ / ٤١٤.
(٣) أنوار التنزيل، ١/ ٢٨.
تفوق عبادة کل عابد (٤).
فالتربية الخاصة لله سبحانه، تكون
لأنبيائه والصالحين. يقول الشيخ الشعراوي
في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾
[طه: ١٢]: ((أي: ربك أنت بالذات، لا الرب
المطلق، لأن الرسل مختلفون عن الخلق
جميعا، فلهم تربية مخصوصة، كما قال
تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِىِ﴾ [طه:٣٩]. وقال
سبحانه: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١].
فالحق تبارك وتعالى يربي الرسل تربية
تناسب المهمة التي سيقومون بها)»(٥).
ويعرف صاحب تفسير التحرير والتنوير
كلمة الاصطناع في الآية بأنها: ((صنع
الشيء باعتناء، واللام للأجل، أي: لأجل
نفسي، والكلام تمثيل لهيئة الاصطفاء لتبليغ
الشريعة بهيئة من يصطنع شيئًا لفائدة نفسه،
فيصرف فيه غاية إتقان صنعه))(٦).
فالنبي صلى الله عليه وسلم اصطفاه
ربه و تولی أمر تربيته حیث صانه عن أفعال
الجاهلية المنكرة، فلم يعبد الأصنام، ولم
يلهو كأقرانه ولم يسمع لهوا قط. فهذه تربية
ورعاية ربانية خاصة (٧).
(٤) انظر: السراج المنير، الشربيني، ٣/ ٤٩٥.
(٥) تفسير الشعراوي، ١٥/ ٩٢٣١.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦/ ٢٢٣.
(٧) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر
الأصلية، مهدي رزق الله أحمد، ص ١٢٥ -
١٢٦.
www. modoee.com
٣١١

حرف التاء
مما سبق عرفنا أن الله سبحانه يربي
أوليائه وأصفيائه تربية خاصة، وهذه التربية
تكون بتوفيقهم للإيمان والهداية ودفع
الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.
الأنبياء عليهم السلام والتربية
الأنبياء عليهم السلام صفوة الخلق
اختارهم الله تعالى لأداء الأمانة وتبليغ
الرسالة وتربية الناس. فهم عليهم السلام أكثر
الناس حاجة للتربية نظرًا للمسؤلية الثقيلة
عليهم. فالله سبحانه رباهم تربية خاصة
ليكونوا أهلا للحمل الثقيل. وهم بدورهم
حملوا أمانة تربية الناس وإصلاحهم. ومن
هنا قسمنا هذا المبحث إلى:
أولا: تربية الله سبحانه للأنبياء.
قال تعالى لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾
[طه: ١٢].
﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ١)﴾ [طه: ٤١].
يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري في
معنى هذه الآية: «أنعمت عليك يا موسى
هذه النعم، ومننت علیك هذه المنن، اجتباء
مني لك واختيارًا لرسالتي والبلاغ عني
والقيام بأمري ونهبي)»(١).
ثانيا: تربية الأنبياء عليهم السلام
لأقوامهم.
يقول الدكتور أحمد أبو زيد حول مهمة
الأنبياء عليهم السلام في الحياة وكيفية
تربيتهم لأقوامهم: ((قامت دعوات الأنبياء
عليهم السلام على تكوين الإنسان الذي
یوحد الله تعالی ویراقبه في سره وعلانيته،
(١) جامع البيان، ١٦/ ٧٢.
٣١٢
جَوَسُوع
القرآن الكريم

التعبير
ويسارع في الخيرات، لذلك تبدأ بغرس
كلمة الإيمان في النفس وتعمل بوسائل
شتى على ترسيخها وتثبيت جذورها في
القلب، لأن الإيمان إذا تغلغل في القلب كان
قوة ذاتية تدفع الإنسان إلى السلوك القويم
والتحلي بالأخلاق الحميدة والاستقامة
على طريق الصلاح))(١).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
ومهمة تکوین الإنسان الموحد لله تعالى
المسارع إلى الخيرات، ليست مهمة سهلة.
إن تربية الأنبياء ودعوتهم - كما
ذكرها الشيخ التويجري في مختصر
الفقه الإسلامي - اشتملت على أربعة
أمور: تحصيل الإيمان، وحفظ الإيمان،
والاستفادة من الإيمان، ونشر الإيمان.
فالاجتهاد لتحصيل الإيمان بالنظر
والتفكر في آيات الله ومخلوقاته، والعبادة
والتزكية وكثرة ذكر الله. واجتهادهم لحفظ
الإيمان، بلزوم الإيمان والبيئات الصالحة
والعمل الصالح، والإكثار من ذكر الله،
ومواصلة الدعوة إلى الله وبذل کل جهد في
سبيل إعلاء كلمة الله.
ثم اجتهدوا لقضاء حاجاتهم وحاجات
(١) الأبعاد التربوية للعبادة في الإسلام، أحمد أبو
زید، ص٧٧.
الدين بالاستفادة من الإيمان، فيرون أن
الله معهم حیثما کانوا، ويطلبون منه وحده
كل شيء ... وهكذا استفادوا من قدرة الله
وخزائنه. ثم اجتهدوا على نشر هذا الإيمان
وهذا الیقین بین أقوامهم، ومن أرسلوا إليه،
ليعبدوا الله وحده لا شريك له(٢).
والدارس لقصص الأنبياء في القرآن
الكريم يجد نماذج عديدة لتربية الأنبياء
لغيرهم وتعليمهم بشتى الوسائل. وما عانوه
في سبیل أداء مهمتهم على أكمل وجه.
(٢) نقل بتصرف من: مختصر الفقه الإسلامي
في ضوء القرآن والسنة، محمد بن إبراهيم
التويجري، ٧٩/١-٠٨٠
www. modoee.com
٣١٣

حرف التاء
مجالات التربية
أولًا: التربية الإيمانية:
يقصد بالتربية الإيمانية: «ربط المسلم
منذ نعومة أظفاره بأصول الايمان وأركانه
وترسيخها في خوالج نفسه ابتداءً بوجود الله
تعالى وصفاته، مرورًا بعظمة كلام الله تعالى
وإعجازه وبيانه بالسنة المشرفة، وإنتهاءًا
بالاعتياد على تطبيق أركان الإسلام، وتمثل
مباديء الشريعة الغراء حتى تتسامى روحه
إلی الأفق الأعلى بإيمان صادق ويقين ليس
بعده كفر. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
حَنِيفًاْ فِطَرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَاً لَا
نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]))(١).
ويراد بأصول الإيمان: الحقائق الإيمانية
والأمور الغيبية الثابتة عن طريق الخبر
الصادق: کالإيمان بالله سبحانه، والإيمان
بملائكته، والإيمان بالكتب السماوية،
والإيمان بالرسل، والبعث والحساب
والجنة والنار وسائر المغيبات. وأركان
الإسلام هي: كل العبادات البدنية والمالية،
وهي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج
من استطاع إليه سبيلا. ونعني بمبادىء
(١) التربية وأساليبها في التشريع الإسلامي، سناء
هدلة، مجلة جامعة النجاح للأبحاث، عدد
٢٥٨، سنة ٢٠١١، ص ٢٠٣١.
الشريعة: كل ما يتصل بالمنهج الرباني من
عقيدة وعبادة وأخلاق وتشريع وأنظمة (٢).
فالتربية الإيمانية عملية متدرجة
ومقصودة، لتوجيه الإنسان نحو خالقه
من خلال مجموعة من المباديء، والقيم
المستمدة من الكتاب، والسنة، والتي
تعمل على النمو السليم المتوازن بالروح،
والعقل، والنفس، والجسم، وتحدث
التكيف الاجتماعي(٣).
والناظر للآيات القرآنية التي تبحث في
قضية الإيمان يجد أن هذه الآيات تعمل
بشتى الوسائل والأساليب بغرس الإيمان
في النفس وترسيخها وتثبيت جذورها في
قلب الإنسان، والإيمان يدفع الإنسان إلى
التحلي بالأخلاق والاستقامة على الطريق
الصحيح.
وقد استخدم القرآن الكريم أساليب عدة
لغرس هذا الإيمان في النفس، منها:
١. الأساليب البنائية.
فقد ذكر القرآن الكريم أساليب لتقوية
الإيمان وتنميته وغرسه في النفوس، منها:
١. النظر في الآفاق والأنفس، قال تعالى:
﴿سَيُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ
(٢) انظر: تربية الأولاد في الإسلام، عبدالله
ناصح علوان، ١ / ١٤٤.
(٣) انظر: من أساليب التربية في القرآن الكريم،
زينب بشارة يوسف، ص ٢٤.
مَهُوَالَرُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
٣١٤

التهمبية
يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾
[فصلت: ٥٣].
٢. تلاوة آيات القرآن الکریم وتدبر معانيه،
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِىِ
١٠٠٠ ٠٠
هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَِّحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:
٩]. وعن جندب بن عبد الله، قال: كنّا
مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونحن
فتيانٌ حزاورةٌ، فتعلّمنا الإيمان قبل أن
نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا
به إيمانًا)(١).
٣. معرفة أسماء الله وصفاته، لاشك أن
النظر في الأسماء والصفات بتدبر
معانيها ودلالاتها في المخلوقات مما
يزيد الإيمان ويقويه. قال تعالى: ﴿وَللَّهِ
اٌلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ
يُّلْحِدُونَ فِي أَسْمَّيِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
٤. العبادة المتمثلة في اتباع الأوامر
واجتناب النواهي. قال تعالى: ﴿وَأَنْ
أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَأَثَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىَ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢].
٥. التفكر في الموت، فالموت هو الطريق
الذي يبعبر من خلاله الإنسان، عند
انتقاله من الحياة الدنيا إلى الحياة
(١) أخرجه في سننه، باب في الإيمان، ٣٧/١ -
٣٨.
الآخرة. قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا قَانِ
﴿١ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ﴾
[الرحمن: ٢٦ -٢٧ ].
٢. الأساليب الوقائية.
فالتربية القرآنية لا تقف عند تنمية
الإيمان وتقويته، بل تستمر في المحافظة
عليه بأساليب أخرى، منها:
١. التمسك بالكتاب والسنة، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا
تَفَّبِعُوا السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.
ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٣].
٢. التقوى والعمل الصالح، قال تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَءَامِنُواْ
بِرَسُولِهِ، يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل
لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
[الحديد: ٢٨].
٣. التحلي بالصبر، وللصبر أثر كبير في
المداومة على العبادات، قال تعالى:
يَبُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ
وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ إِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
٣. الأساليب العلاجية.
بعد الأساليب البنائية والأساليب
الوقائية، يعالج القرآن الكريم ضعف الإيمان
حين يقع المؤمن في الأخطاء بأساليب،
www. modoee.com
٣١٥

حرف التاء
منها:
١. التوبة، فقد ذكر القرآن الکریم في کثیر
من الآيات هذا الأسلوب منبهًا لهم
أنه لا فلاح ولا نجاة لكل مؤمن إلا
بالتوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها.
قال تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا
أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[النور: ٣١].
٢. الاستغفار، من صفات المتقين
إذا وقعوا في ذنب المسارعة إلى
الاستغفار؛ لإيمانهم بأن الله غفور
رحيم. قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ
فَأَسْتَغْفَرُواْلِذُّنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥](١).
فالقرآن الكريم - كما رأينا- يولي أهمية
خاصة للتربية الإيمانية، مستخدمًا شتى
الوسائل والأساليب والطرق. وهذا التنويع
في الوسائل كفيل بتحقيق الغاية المنشودة،
وهي غرس الإيمان في النفس.
ثانيًا: التربية الأخلاقية:
التربية الأخلاقية هي: «تنشئة الفرد
على المباديء الخلقية والفضائل السلوكية
والوجدانية التي توجه الفرد من وقت
(١) انظر: الفكر التربوي عند بديع الزمان سعيد
النورسي، سعيد القرني، ص ١٨٣ -٢٢٤.
تمییزه، حتی یعتاد الصلاح وترسخ في نفسه
القيم، فتكون دافعًا له إلى كل فضيلة وعونًا
له علی کمال دينه ومروءته وشخصيته،
ومنها بر الوالدين واحترامهم والتزام الأدب
في التعامل مع الغير ابتداءًا بالأسرة، وانتهاءًا
بمختلف المؤسسات الاجتماعية»(٢).
والمتأمل للقرآن الكريم يرى بوضوح
مدى الاهتمام بالتربية الخلقية للإنسان
وتوجيهه نحو الخير، وما فيها من توجيهات
خير شاهد على ما نقول.
فمن هذه الآيات التي توجه السلوك
وترسم خط الاستقامة: قوله تعالى: ﴿قَدْ
أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ
خَشِعُونَ ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ ، وَالَّذِينَ
هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِفُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ )
فَمَنِ أَنْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[المؤمنون: ١-٧].
وفي التربية على القول الحسن يقول
تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ أَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ
الشَّيْطَانَ يَنْزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ
عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
وفي الصدق يقول عزوجل: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ
(٢) التربية وأساليبها في التشريع الإسلامي، سناء
هدلة، ص ٢٠٣١ - ٢٠٣٢.
٣١٦
مَوَسود
القرآن الكريم

التربية
الصََّدِقِينَ﴾[التوبة: ١١٩].
وَلَا
وحينما يأمرنا بالتواضع يقول:
تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ٨ فى مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ
مِن صَوْتِكَّ إِنَّ أَنْكَرَ اْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾
[لقمان: ١٨ - ١٩].
ويأمرنا بالعفة والاحتشام بقوله: ﴿قُل
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَتَحْفَظُواْ
فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزََّى لَُّ إِنَّ اللَّهَ خَيْرٌ بِمَا
يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠](١).
ويأمرنا سبحانه بالابتعاد عن سوء الظن
بقوله: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ
بَعْضَ الَّنِ إِنَّ وَلَا تَهْتَّسُواْ وَلَا يَغْتَب ◌َّعْضُّكُم
بَعْضَأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّبٌ رَّحِيمٌ﴾
[الحجرات: ١٢].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن
فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا
ولا تجسسوا ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا
ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله
إخوانا)(٢).
فالتربية الأخلاقية أخذت حيزًا كبيرًا من
(١) انظر: أصول التربية الإسلامية، الحازمي، ص
٢٢٢-٢٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما ينهى من التحاسد والتدابر، رقم
٦٠٦٦.
آيات القرآن الکریم.
ثالثًا: التربية العقلية:
العقل هي الأداة التي عن طريقها يسلك
الفرد طريق النجاة في الدارين، وعقول
الناس تتفاوت في سلوك هذا الطريق.
وهذا ما لا خلاف فيه. ولكن العقول قابلة
للنماء والتطور والارتقاء حسب استخدامها
في مجالها المقدر لها. والارتقاء بها تكون
«بتدريبها على ممارسة العمليات العقلية
من تفكر وتدبر وتأمل؛ لذلك نجد أن الكثير
من الآيات القرآنية تختم بقوله تعالى:
﴿يَعْقِلُونَ﴾، ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾. وعقول
الأفراد مجتمعة تكون عقل المجتمع أو
الأمة؛ لذلك كان الاهتمام بالقدرات العقلية
ومحاولة تطويرها على النطاق الفردي أو
الجماعي عمل في غاية الأهمية»(٣).
ويدل على أهمية العقل في القران الكريم
أنه حث على التعقل والتفكير في مخلوقات
الله تعالى، وأن الانحراف والضلال نتيجة
لعدم التعقل والنظر بالحكمة في الأمور.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَا فِ
أَسْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ
السُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٢].
لذلك نرى الله سبحانه يشبه الذين لا
(٣) من أساليب التربية في القرآن الكريم، زينب
بشارة یوسف، ص ١٨.
www. modoee.com
٣١٧

حرف التاء
يستخدمون عقولهم بالدواب.
يقول الرازي: ((شبههم بالدواب لجهلهم
وعدولهم عن الانتفاع بما يقولون، ويقال
لهم؛ ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم
لا يعقلون. وقيل: بل هم من الدواب؛ لأنه
اسم لما دب على الأرض، ولم يذكره في
معرض التشبيه، بل وصفهم بصفة تليق بهم
على طريقة الذم، كما يقال لمن لا يفهم
الكلام: هو شبح وجسد وطلل، على جهة
الذم»(١).
وفي عملية تربية العقل اتبع القرآن
الكريم أساليب تربوية عدة، منها:
١. تربية العقل بالعلم والمعرفة.
٢. تربية العمليات العقلية.
٣. تربية العقل وتزكيته بالقيم والمباديء والشهوات بالعلم والمعرفة ودعا إلى
الاسلامية.
٤. تربية العقل من خلال علاقة الانسان
بالله عزوجل والكون والحياة(٢).
وقد حرر القرآن الكريم عقل الإنسان من
عوائق عدة تعیقه عن مهامه المو کلة له:
فقد حرره من الخرافة والمعتقدات
الباطلة التي تتنافى وتکریم الله له ((وقدم
الإجابات الواضحة للإنسان عن الكون
ومفرداته وفلسفته، وحقيقة خلقه، وكيف
(١) مفاتيح الغيب، ١٥/ ٤٦٩.
(٢) انظر: منهاج التربية الاسلامية في بناء
الشخصية، أحمد الغامدي، ص٤٢.
تتم إدارته وحركة القوة فيه»(٣). وحرره من
التبعية والعبودية لغير الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اللّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَابَآءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
[البقرة: ١٧٠].
يقول الرازي في تفسير هذه الآية: ((إن
الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من
الدلائل الباهرة، فهم قالوا: لا نتبع ذلك،
وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا، فكأنهم عارضوا
الدلالة بالتقليد، وأجاب الله تعالى عنهم
بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾))(٤).
لقد حرر القرآن العقل من إتباع الهوى
التحرر من عبادة غير الله تعالى فكل الخلق
في ميزان العبودية سواء، «فإذا تمكنت
عبوديته لله من قلبه، وتحرر من عبودية
غیر الله، کان أهلا لأن یأمنه الناس علی کل
شيء؛ لأنه لا يستجيب لرغبة، ولا يخضع
لرهبة، ولا يقوده إغراء ولا شهوة، ولا يتبع
هوی، وإنما يستجيب لأمر الله، وأمر الله لا
يوجد فيه إلا عمل الخير الذي فيه غاية الأمن
لكل البشر)»(٥).
(٣) أثر التربية القرآنية في آمن المجتمع، عبد الله
قادري الأهدل، ص٨٥.
(٤) مفاتيح الغيب، ٥/ ١٨٨.
(٥) أثر التربية القرآنية في آمن المجتمع، عبد الله
٣١٨
مُوسُوبَةُ النَّقِّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

التربية
والقرآن الكريم دعا من خلال تشريعاته المظهر، وعليها المعول والحساب))
٠
إلى المحافظة على العقل من التلف. ((وقد
بنى القرآن الكريم تربية العقل على ضرورة
ترك كل ما يمكن أن يتلفه أو يضره، فحرم
الخمر وجميع المذهبات للعقل، قال
تعالى: ﴿كَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ◌ٌلْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠]))(١).
والقرآن الكريم يدعو إلى الحوار والإقناع
ويبتعد عن الإكراه. قال تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِي
اُلْدِينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أُنْفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٥٦].
قال الزمخشري: ((أي: لم يجر الله أمر
الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على
التمكين والإختيار)»(٢).
ومن أجل احترام العقل وتربيته جعل
الإيمان على الإقتناع لا الإجبار، ((فإذا كان
الدين لا إكراه فیه، فلا إكراه فيما سواه وهي
دعوة صريحة في غالب آيات القرآن الكريم
تدعوا إلى التفكر والتأمل في كل ما يعرض،
وعدم الاغترار بالظواهر، فالحقيقة أهم من
(٣)
مما سبق عرفنا أهم ملامح التربية القرآنية
للعقل، وهي: حثه على التفكر في مخلوقات
الله، وتحريره العقل البشري من الخرافات
والتبعية والجمود واتباع الهوى.
رابعًا: التربية البدنية:
عنى القرآن الكريم عناية بالغة بجسم
الإنسان ووضع له منهاجًا للتربية السليمة،
تتجلى مفردات هذا المنهج في التشريعات
والتوجيهات المذكورة في القرآن الكريم.
والمقصود بالتربية الجسمية: ((أنها
التربية التي تهتم ببناء وتنمية الجانب
الجسمي وكيفية تفاعله الإيجابي مع غيره
من الجوانب الأخرى للشخصية الإنسانية،
لأداء وظائفه في الحياة، وتحقيق التكيف
اللازم مع ما يحيط بها من کائنات ومكونات
أخرى وفق منهج الله سبحانه)) (٤).
والله سبحانه خلق الإنسان في أحسن
تقويم، وصوره في أحسن صورة، وخلقه
فسواه فعدله، وجعل له السمع والبصر
والفؤاد. كل ذلك ليدلنا على أهمية البدن
والجسم للإنسان. يقول العلامة السعدي
في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِىّ
قادري الأهدل، ص٨٥.
(١) من أساليب التربية في القرآن الكريم، زينب
بشارة یوسف، ص ٢١.
(٢) الكشاف، ١/ ٣٣١.
(٣) من أساليب التربية في القرآن الكريم، زينب
بشارة یوسف، ص ٢١.
(٤) مقومات التربية الجسمية في الإسلام، صالح
بن علي أبو عراد الشهري، ص ٥٠.
www. modoee.com
٣١٩

حرف التاء
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
أي: ((تام الخلق، مستقيمًا، معتدل
القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا وباطنًا
شيء))(١). والقرآن كلام الله سبحانه جاء
لتربية الإنسان، عقله وقلبه وروحه وبدنه.
ومن خلال تتبعنا للآيات القرآنية التي
تهتم بجسم الإنسان وجدنا ملامح أساسية
للتربية البدنية أو الجسمية في القرآن. ومن
أبرز تلك الملامح:
من حق الطفل أن يرضع رضاعة طبيعية
مدة عامین کاملین، حتی ینشأ نشأة سليمة،
قال تعالى: ﴿وَأَلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
تناول الحلال من الأطعمة الطيبة لإشباع
حاجات الجسم، والبعد عن الحرام.
قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلًا
طَيِّبَا﴾ [المائدة: ٨٨].
يقول السعدي: ((كلوا من رزقه الذي
ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب، إذا كان
حلالًا لا سرقةً ولا غصبًا ولا غير ذلك من
أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حق، وكان
أيضًا طيبًا، وهو الذي لا خبث فیه، فخرج
بذلك الخبيث من السباع والخبائث)» (٢).
وحفاظًا على سلامة الجسم، يجب
الابتعاد عن أكل الميتة ولحم الخنزير وكل
ما يضر الجسم أكله، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَّيْنَةُ وَالدَّمُ وَمُ ﴾ [المائدة: ٣].
قال سيد قطب: ((وسواء وصل العلم
البشري إلی حکمة هذا التحریم أم لم يصل،
فقد قرر العلم الإلهي أن هذه المطاعم ليست
طيبة وهذا وحده يكفي. فالله لا يحرم إلا
الخبائث. وإلا ما يؤذي الحياة البشرية في
جانب من جوانبها. سواء علم الناس بهذا
الأذى أو جهلوه))(٣).
وإشباع الحاجة الجنسية بالطريقة
الشرعية كما أمر الله تعالى والبعد عن اللذة
المحرمة.
قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١].
الاهتمام بممارسة التدريبات الرياضية
التي تقوي الجسم، تحقيقًا لقوله تعالى:
﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةِ﴾
[الأنفال: ٦٠].
الاهتمام بالرعاية الصحية والنظافة في
المأكل والمشرب والملبس، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَِّينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[البقرة: ٢٢٢].
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٩٢٩.
(٢) المصدر السابق ص ٢٤٢.
(٣) في ظلال القرآن، ٢/ ٨٤٠.
٣٢٠
مُوسوبر النفسية الوضوء
القرآن الكريم

التنبية
خصائص التربية في القرآن
أولًا: الربانية:
من أهم خصائص التربية في القرآن
الكريم: الربانية. فالإنسان من خلق الله
سبحانه، وليس هناك أعلم من الله عزوجل
به.
قيل في نسبتها أقوال كثيرة ذكرها
الراغب الأصفهاني، منها: ((إنه منسوب إلى
الربان، وقيل: منسوب إلى الرب الذي هو
المصدر، وهو الذي یرب العلم كالحكيم،
وقيل: منسوب إلى الرب أي: الله سبحانه
وتعالى))(١). والمعنى المراد هنا: الإنتساب
إلى الرب، أي: الله سبحانه، ويطلق على
الإنسان أنه رباني إذا كان وثيق الصلة بالله
عالمًا بدينه وكتابه، معلمًا له. وفي القرآن
الكريم: ﴿وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَّنِيْتِنَ بِمَا كُنْتُمْ
تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل
عمران: ٧٩].
قال ابن كثير في تفسير الآية: ((ولكن
یقول الرسول للناس: كونوا ربانيين. قال ابن
عباس وأبو رزين وغير واحد، أي: حكماء
علماء حلماء. وقال الحسن وغير واحد:
فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس، وسعيد
بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، وعطية
العوفي، والربيع بن أنس. وعن الحسن
(١) مفردات ألفاظ القرآن، ص ١٨٤.
أيضًا: يعني: أهل عبادة وأهل تقوى))(٢).
معنى الربانية في التربية:
يراد بالربانية أمران:
ربانية الغاية والوجهة.
فالتربية القرآنية «ربانية في غايتها تهدف
إلى تربية الإنسان المسلم الذي يحسن صلته
بربه، فیعیش في سعادة ورضا تام، يبعده عن
الصراعات النفسية والفكرية، فيعمل لدنياه
کأنه یعیش أبدًا، ویعمل لآخرته کأنه يموت
غدًا))(٣).
ربانية المصدر والمنهج.
فالقرآن الكريم هو المصدر الرئيسي
للتربية القرآنية، تستمد منها أصولها
وتوجيهاتها.
((وأساس التربية الربانية أنها تنزيل من
الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ
◌ِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩].
فهي تقوم على أسس ربانية، فتأتي مبرأة
من كل عيب وقصور))(٤)
.
ومن معاني الربانية في التربية:
تربية الإنسان على التحرر من الأهواء
والأشخاص وعدم الخضوع والإنقياد
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٦٦.
(٣) فصول في تدريس التربية الإسلامية، حسن
جعفر الخلیفة و کمال الدین محمد، ص ٦.
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٢١

حرف التاء
إلا لله وحده، انطلاقًا من قوله تعالى: المتعلمين، والقدرة العقلية على الفهم
والاستيعاب، حيث إن فروقًا كثيرة بين
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ وَمَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
الناس في استعداداتهم وقدراتهم النفسية
العقلية)» (٢).
يقول السعدي: ((من أخلص في صلاته
ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر
أعماله. وقوله: ﴿وَمَحْيَاىَ وَمَمَاقٍ ﴾أي: ما
آتيه في حياتي، وما يجريه الله علي، وما
يقدر علي في مماتي، الجميع ﴿للهِرَبّ
الْعَلَمِينَ { لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في العبادة، كما أنه
ليس له شريك في الملك والتدبير، ولیس
هذا الإخلاص لله ابتداعًا مني، وبدعًا أتيته
من تلقاء نفسي، بل ﴿وَيَذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ أمرًا
حتمًا، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله ﴿وَأَنَا
أَوَّلُ الْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة))(١).
ثانيًا: التدرج:
التدرج سنة كونية ابتداءً في إنشاء هذا
الكون؛ فالله سبحانه لم ينشأ الكون دفعة
واحدة مع القدرة عليه، بل خلق السماوات
والأرض في ستة أيام.
ويعرف المختصون التدرج في التربية
بأنه: ((الارتقاء التصاعدي في إكساب الفرد
معالي الأمور)) (٢). أو ((البدء بالسهل ثم
الصعب والانتقال في التعلم من البسيط
إلى المعقد مراعاة الفروق الفردية بين
(١) تيسير الكريم الرحمن، ١/ ٢٨٢.
(٢) أصول التربية الإسلامية، خالد الحازمي، ص
٢٧٣.
والتدرج في التربية أسلوب يدلّ على
حكمة صاحبه، وقدرته على التلطف فى
مخاطبة العقول والأفهام، فينتقل من فكرة
إلى فكرة، معتمدًا على المحاكمة العقلية،
والحجة المقنعة، والبرهان الواضح.
التدرج في التربية في القرآن الكريم:
نزل القرآن الكريم منجمًا رحمة
للمؤمنين حتى يمكنهم من حفظه وتلاوته
وفهمه وإدراك الأمور ويكون ذلك عونًا
على ثباته في أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَحِدَةً
كَذَلِكَ لِنُكَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَقَلْنَهُ تَرْبِيلًا ﴾
[الفرقان: ٣٢].
يقول السعدي حول التدرج المشار إليه
في الآية الكريمة: ((كلما نزل عليه شيء من
القرآن إزداد طمأنينة وثباتًا وخصوصًا عند
ورود أسباب القلق فإن نزول القرآن عند
حدوث السبب یکون له موقع عظيم وتثبيت
کثیر أبلغ مما لو كان نازلًا قبل ذلك، ثم
تذكره عند حلول سبیه» (٤).
والتدرج مظهر من مظاهر التبشير
(٣) منهاج التربية الاسلامية في بناء الشخصية،
أحمد الغامدي، ص٤٢٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، ١/ ٥٨٢.
٣٢٢
صَوَسُو ◌َرُ النَّقِينَ
جوبيبو
القرآن الكريم