النص المفهرس

صفحات 61-64

البيوت
بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله ثالثًا: العدة:
والحكمة، فاشكرن الله علی ذلك، واحمدنه
عليه، وعني بقوله ﴿وَأَذْكُرْنَ مَايُتْلَ
فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾: واذكرن ما يقرأ
في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة،
ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله
صلی الله عليه وسلم من أحكام دين الله،
ولم ينزل به قرآن، وذلك السنة (١).
ولفظ (الذكر) هنا يحتمل مقصدين
كلاهما موعظة وتعديد نعمة: أحدهما:
أن يريد ﴿وَأَذْكُرْنَ﴾، أي: تذكرنه
واقدرنه قدره وفكرن في أن من هذه حاله
ينبغي أن تحسن أفعاله، والآخر: أن يريد
﴿وَأَذْكُرْنَ﴾ بمعنى: احفظن واقرأن
والزمنه الألسنة، فكأنه يقول: واحفظوا
أوامر الله ونواهيه، وذلك هو الذي يتلى في
بیوتکن من آيات الله، وذلك مؤد بكن إلى
الاستقامة (٢).
وهذا حث لهن على حفظ القرآن
والأخبار، ومذاكرتهن بهما للإحاطة
بحدود الشريعة، والخطاب وإن اختص
بهن فغيرهن داخل منه؛ لأن مبنى الشريعة
على هذين القرآن والسنة، وبهما يؤقت على
حدود الله ومفترضاته ﴿إِنَّاللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾
بأوليائه، ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٧/٢٠.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٤/٤.
(٣) انظر: الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٧٠.
نهى الله تعالى الرجال عن إخراج
المطلقات من البيوت، كما نهى المطلقات
عن الخروج باختيارهن.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِسَآءَ
فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ وَأَحْضُواْ أَلْمِدَّةٌ وَأَنَّقُواْ
اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا
يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ تُبِهِنَةٍ وَلْكَ
حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
ماره بدرة جم
لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[الطلاق: ١].
والمعنى: لا تخرجوهن من بيوتهن،
يَخْرُجْنَ﴾ أي: لا تخرجوا المطلقات من
بیوتهن في مدة العدة، فلكل امرأة معتدة حق
السكنى على الزوج، ما دامت معتدة منه،
فلیس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها
أيضًا الخروج، فليس للمعتدات الزوجات
الخروج من تلك البيوت ما دمن في العدة
إلا لأمر ضروري، رعاية لحق الزوج، فإذا
خرجت المعتدة لغیر ضرورة ليلا أو نهارًا،
کان الخروج حرامًا.
وفيه دليل على وجوب السكنى
للزوجات المطلقات أو المعتدات ما دمن
في العدة، وأضاف البيوت إليهن، وهي
لأزواجهن لتأكيد النهي عن الإخراج
والخروج، ببيان كمال استحقاقهن للسكنى،
www. modoee.com
١٢١

حرف الباء
أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ١٥].
كأنها ملك لهن(١).
وقد جعل الله لهن هذا الحق ما لم يأتين
بفاحشة، والمعنى: أي لا یخرجن من بیوتهن
إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة فتخرج
من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا،
کما قاله ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن
المسيب والشعبي، والحسن وابن سيرين
ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو
قلابة، وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم
وعطاء الخراساني والسدي وسعيد بن أبي
هلال وغيرهم، وتشمل ما إذا نشزت المرأة
أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام
والفعال، كما قاله أبي بن كعب وابن عباس
وعكرمة وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي:
شرائعه ومحارمه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي: يخرج عنها ويتجاوزها
إلى غيرها ولا يأتمر بها، فقد ظلم نفسه أي
بفعل ذلك (٢).
رابعًا: الإمساك في البيوت:
كان من حكم النساء اللاتي يأتين
بالفاحشة ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَالَّتِى
يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ
فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٨/٢٨.
قال ابن كثير: «كان الحكم في ابتداء
الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة
العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من
الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال
﴿وَأَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا منِ
نسائكم ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ
فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ اَلْبُيُوتِ حَقَّ
يَتَوَقَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾
[النساء: ١٥].
فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ
لذلك، قال ابن عباس رضي الله عنه: كان
الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور
فنسخها بالجلد أو الرجم، و کذا روي عن
عكرمة، وسعيد بن جبير والحسن وعطاء
الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن
أسلم والضحاك: أنها منسوخة، وهو أمر
متفق عليه)»(٣).
قال الرازي: ((واعلم أنه كان في
أول الإسلام عقوبة الزاني الحبس إلى
الممات في حق الثيب، والأذى بالكلام
في حق البكر، ثم نسخ ذلك فجعل حد
الزنا على الثيب الرجم وحد البكر الجلد
والتغريب)» (٤)، والحجة عليه: حديث عبادة
ابن الصامت رضي الله عنه: (خذوا عني
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢٠٤/٢، وانظر: نواسخ
القرآن لابن الجوزي٢/ ٣٥٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٦/٨. (٤) مفاتيح الغيب ٣٠٥/٢٣.
١٢٢
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم

البيوت
خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر
بالبکر جلدمائة وتغریب عام، والثيب بالثيب
جلد مائة ورجم بالحجارة)(١) (٢).
موضوعات ذات صلة:
الاستئذان، بيت النبوة، العذاب، الفتنة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الزنى، رقم ١٣١٦/٣،١٦٩٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١ / ٤٠٦.
www. modoee.com
١٢٣