النص المفهرس
صفحات 21-38
التدي وإن من أجلّ العبادات التي يجب أن نلجأ إلى الله ليوفقنا لها، هي التدبر في اليأس، وترك الدعاء، وحسبنا في ذلك ما كتابه، ولقد حثّنا الرسول صلى الله عليه رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (يستجاب وسلم على طلب العون من الله سبحانه لأداء عبادة الذكر وتلاوة القرآن. لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي)(٣). فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أخذ بيدي رسول الله صلی الله علیه وسلم، فقال: (إنّ لأحبّك يا معاذ)، فقلت: وأنا أحبّك یا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلا تدع أن تقول في كلّ صلاةٍ: ربّ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)(١)، ومعلوم أن تلاوة القرآن من إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]. أفضل الذكر. وإن العامل الرئيس لتدبر القرآن، الاستغفار والتوبة، ولنداوم قرع الباب، وإن وتذوقه، واستخراج كنوزه، هو استشعار رددنا. الحاجة إليه والرغبة فيه، وهذا الشعور لابد ٣. القراءة في الصلاة مع حضور القلب. أن یترجم في هيئة دعاء وتضرع إلى الله، بأن ييسّر لنا فهم كتابه، وحسن تدبره، والعمل بما فیه، وندعوه سبحانه وتعالى بأن يمنع عنا كل ما يثبّط عزائمنا، ويبعدنا عن التدبر، ونلحّ عليه بأن يحبّب إلى قلوبنا تدبر القرآن، وأن ينوّر قلوبنا بنوره(٢). (١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب السهو، باب الداء بعد الذكر، ٣/ ٥٣، رقم ١٣٠٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٣٢٠، رقم ٧٩٦٩. (٢) انظر: العودة إلى القرآن، مجدي الهلالي، ص٩٥. ولا ينبغي أن يدفعنا تأخر الإجابة إلى وبحسب الاستعداد من العبد، يكون الإمداد من الله، كما قال تعالى: ﴿إِن يَعْلَم اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْيِّكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠]. فالبداية تكون من العبد: ﴿إِن يُرِيدَآ فلنر الله من أنفسنا خيرًا، ولنكثر من إن من الأسباب المهمة التي تعين العبد على تدبر القرآن الكريم: حضور القلب في أثناء قراءته، وخاصة في الصلاة، ويجب على العبد إذا أراد الانتفاع بالقرآن أن يجمع قلبه عند تلاوته وسماعه، وأن يحضر حضور من يخاطب به، فإنه خطاب من الله للعبد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، ٨/ ٧٤، رقم ٣٦٤٠. www. modoee.com ٢٤٣ حرف التاء قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ, قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: ٣٧]. وذلك أن تمام التأثير يجب أن يكون موقوفًا على مؤثر، ومحل قابل للتأثر، وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الّذي يمنع منه، وقد تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ، وأبينه، وأدلّه على المراد (١). وإلقاء السمع: مستعار لشدة الإصغاء للقرآن، ولمواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم، كأن أسماعهم طرحت في ذلك، فلا يشغلها شيء آخر تسمعه. والشهيد: صيغة مبالغة للدلالة على قوة المشاهدة، أي: تحديق العين إليه؛ للحرص على فهم مراده، فإن النظر يعين على الفهم(٢). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (اقرأ عليّ). قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري). فقرأت عليه سورة النّساء، حتى بلغت: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍوَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. قال: (أمسك)، فإذا عيناه تذرفان (٣). (١) انظر: الفوائد، ابن القيم ص ٣ (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٢٤/٢٦. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهید)، ٦/ ٤٥، رقم ٤٥٨٣. ومما يعين على تدبر القرآن: القيام به في الليل، وهو من أهم مفاتح تدبر القرآن، وأعظمها شأنًا، وقد ورد عدد من النصوص تؤكد أهميته، من ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَتِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وعن ابن عمر رضي الله عنه، عن النّبيّ صلی الله علیه وسلم قال: (وإذا قام صاحب القرآن فقرأه باللّيل والنّهار، ذكره، وإذا لم يقم به نسيه) (٤). وأهم شيء في تدبر القرآن، هو تذكّر آيات القرآن الكريم، وكونها حاضرة في القلب في كل آن، وخاصة في المواقف الصعبة في الحياة، مواقف الشدة والذهول، المواقف التي يفتتن فيها المرء ويمتحن ويختبر، فمن كان يقوم به آناء النهار فتجد إجابته حاضرة وسريعة وقوية، تجده وقّافًا عند كتاب الله تعالى، تجده آمناً مطمئنًّا في جمیع المواقف، تجده قويًّا متماسگا حتى في أصعب الظروف. ٤. التفكر في معاني الآيات والتفاعل معها. وإن مما يعين على تدبر القرآن: التفكر في معاني الآيات والتفاعل معها، والقرآن (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب مثل صاحب القرآن كمثل الإبل، ١٩١/٢، رقم ١٧٩٠. موسوعة النفسية الموضو لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ ٢٤٤ التدبر يحثنا علي التأمل والتفكر، وإعمال العقل، النّساء، فقرأها، ثمّ افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسّلًا، إذا مرّ بآيةٍ فيها تسبيحُ سبّح، وإذا مرّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرّ بتعوّذٍ تعوّذ)(٢). والنظر في هدايات الآيات؛ لننتفع بها في الدنيا والآخرة، حیث یقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وفي عطف لعلهم يتفكرون حكمة أخرى من حكم إنزال القرآن، وهي تهيئة تفگّر الناس في معانیه وفهم فوائده، وتأملهم فيما يقرّبهم إلى رضا الله تعالى (١). وأن يستحضر أنّه مخاطب بما يقرأ، فيتأمّل ذكر التّوحيد والإيمان، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، ويلاحظ ما يلزمه من ذلك من التّصديق والامتثال والاعتبار، ويراعي الجواب في موضع السّؤال، ولا يفوّت ما تقتضیه الآية من تسبيح أو تحمید أو تكبير أو استغفار أو دعاء، ويغتنم ذكر الجنّة بالرّغبة إلى ربّه وسؤاله الفوز بدخولها، وذكر النّار بالرهبة وسؤاله ربّه النّجاة منها. وفي السنة المطهرة ما يدلنا علي هذا الأمر كذلك، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صلّيت مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثمّ مضى، فقلت: يصلّ بها في ركعةٍ، فمضى، فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٠١٦٤/١٤ وعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: كان إذا قرأ: (سَتِّج [الأعلى: ١] قال: (سبحان أَسْمَ رَبَّكَ الأعلى ربي الأعلى)(٣). وقد أثنى الله ورسوله على من يقرأ القرآن، ويفقه معانيه، ويعمل بما جاء فيه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَفَبُواْ الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَنَبُوْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَّ فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُوَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَبَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ١٧-١٨]. وفي قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. قال الإمام الطبري: ((يعني: الفهم في القرآن» (٤). إن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، ١/ ٥٣٦، رقم ٧٧٢. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصّلاة، باب الدّعاء في الصّلاة، ١/ ٢٣٣، رقم ٨٨٣. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم، ٤/ ٣٨. (٤) جامع البيان، ٥٧٦/٥. www. modoee.com ٢٤٥ حرف التاء القرآن فهمه والتفقه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى التدبر فيه. وقال بعض العلماء: ((إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرًا، وإن ثواب كثرة القراءة أكثر عددًا»(١). ولا يجب أن تكون صيغة الجواب توقيفيّة، بل لك أن تجتهد فيه؛ فإنّ عموم الهدي النّبويّ في ذلك يجعل للمتدبّر السّعة في أن يستعمل من الصّيغ ما بدا له ممّا يتحقّق به المقصود، كذلك فهمه السّلف، وذلك في الصلاة وفي غيرها (٢). وأخيرًا يجب علينا المداومة على استخدام هذه الوسيلة، والتي سنجد لها أثرًا عظيمًا بمشيئة الله في دوام يقظة العقل، وسرعة تجاوب القلب. ٥. اختيار الوقت المناسب. إنّ من العوامل المساعدة على التدبر في القرآن أيضًا: قراءته وسماعه في موضع سكون، وتجتنب القراءة في مواضع اللّغط وارتفاع الأصوات؛ لما يقع بها من التّشويش عليه، فلا يتحقّق له المقصود من التّلاوة على وجهه(٣). إن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، أما (١) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ١/ ٢٠٨. (٢) العودة إلى القرآن، مجدي الهلالي، ص ٩٩. (٣) انظر: المقدمات الأساسية، عبد الله الجديع، ص ٤٩٥. القراءة في غير الصلاة، فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح، ولا كراهية في القراءة في أي وقت من الأوقات (٤) ويحثنا الله عز وجل على إطالة القراءة في الصلاة، وخاصة صلاة الفجر فقال سبحانه: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَتْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. و﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ﴾ حثًّا على تطويل القراءة في صلاة الفجر؛ لأن هذا الوقت يكون مشهودًا تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار (٥). ولهذین الوقتین خاصّیتهما، وهما إدبار النهار وإقبال الليل، وإدبار الليل وإقبال النهار. ولهما وقعهما العميق في النفس، فإن قدوم الليل وزحف الظلام، كمطلع النور وانكشاف الظلمة، وكلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال التأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة، ولا تختل مرة. وللقرآن -كما للصلاة- إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته، ونسماته (٤) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، ص ١٥٦. (٥) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٥٪ ١٨٩. ٢٤٦ جوسى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ التديّ الرخية، وهدوئه السارب، وتفتّحه بالنور، وفي غيرها. وليس هناك ما يخصص هذا التوجيه القرآني العام بالصلاة فقط (٢). ونبضه بالحركة، وتنفّسه بالحياة(١). ٦. الإنصات عند سماع القراءة. وقد أمر الله تعالى من حضر التّلاوة بالإنصات؛ لئلّا يشغل عن القرآن بغيره وهو يسمعه، ولئلّا يرد عليه من التّشویش ما يفوّت عليه التّدبّر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وإن الناس يخسرون خسارة كبيرة عندما ينصرفون عن القرآن، وإن الآية الواحدة لتصنع أحيانًا في النفس -حین تستمع لها وتنصت- أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والإدراك، والطمأنينة والراحة، وإنّ العكوف على هذا القرآن في وعي وتدبر لا مجرد التلاوة والترنم لينشيء في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى، ومن المعرفة المطمئنة المستيقنة، ومن الحرارة والحيوية والانطلاق، ومن الإيجابية والعزم والتصميم ما لا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب، وإن رؤية حقائق الوجود، ورؤية الحياة البشرية وطبيعتها وحاجاتها من خلال التصوير القرآني، لهي رؤية واضحة عميقة. وهذا كله أرجى إلى الرحمة، ويكون ذلك في الصلاة (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٤٪ ٢٢٤٦. وقال الإمام السعدي: ((والفرق بين الاستماع والإنصات: أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له: فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبّر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى کتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه؛ ولهذا رتّب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير)) (٣). . وقال العلامة ابن قيم الجوزية في معنى السماع في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: ((والمقصود: أن سماع خاصة الخاصة المقرّبين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا وفهمًا، وتدبرًا، وإجابة، وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنی علیھم، وأمر به أولياءه، فهو هذا السماع)»(٤). ولتحقيق هذا المعنى منع المصلّي من (٢) انظر: المصدر السابق، ٣/ ١٤٢٥. (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣١٤. (٤) مدارج السالكين، ١/ ٤٨١. www. modoee.com ٢٤٧ حرف التاء رفع صوته بالقراءة إذا كان مع غيره، كما في حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على النّاس وهم يصلّون. وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ المصلّ يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعضٍ بالقرآن)(١). ٧. الخشوع عند سماع القرآن. ومن الأسباب المعينة على التدبر أيضًا الاجتهاد في الخشوع عند سماع القرآن، ولا بأس بالبكاء، بل هو حسن لمن قدر عليه من غير تكلّف، وأنه تقشعرٌ، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم من سماعه؛ تأثرًا بما فيه من ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم؛ استبشارًا بما فيه من وعد وترغيب، وذلك كله من تأثير الخشوع، قال تعالى: ﴿نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِيِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال عز وجل: ﴿أَلَمَّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَّخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَّلَ مِنَ الِّْ﴾ [الحديد: ١٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِنْ (١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب العمل في القراءة، ١ / ٨٠، رقم ٢٩. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤ /١٢٨. قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَاْ إِن كَانَ وَعَدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وكما قال عز وجل في وصف الذين أنعم عليهم: ﴿إِذَا تُثَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. فهذه الآيات البيّنات واضحة الدّلالة على الأمر بالخشوع، وبيان ما يكون من حال الصّفوة من عباد الله من النّبيّن، وأولي العلم عند سماع الآيات تتلى عليهم من الخضوع والبكاء من خشية الله. وفي حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، عندما قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة النساء، قال: (فإذا عيناه تذرفان)(٢). وهذا معنى يشترك فيه التّالي والمستمع. وعلى هذه الصّفة كان أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء)(٣). وذلك واقع في صلاة وفي غيرها، وهو أمر يجلبه الخشوع للقرآن، ولا يملك الخاشعون ردّه، وهم يتلون آيات الله، أو تتلى عليهم؛ ولذا سيق ذلك عنهم مساق المدح. (٢) سبق تخريجه. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، بابٌ: أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة، ١٣٦/١، رقم ٦٧٨. مَوَسُورُ النَّقُ القرآن الكريم ٢٤٨ التدبر ـمَا فَبِأَيْ ءَالَاءِرَبّـ وکذلك حکت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما من حال الصّحابة: فعن عبد الله بن عروة بن الزّبير، عن جدّته أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها قال: قلت لها: کیف کان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: «کانوا کما نعتهم الله، تدمع أعینھم، وتقشعرّ جلودهم))، قال: فإنّ ناسًا إذا قرئ عليهم القرآن خرّ أحدهم مغشيًّا علیه، قالت: (أعوذ بالله من الشيطان))(١). وإنّما ذلك بالقشعريرة ودمع العين، كذلك کان حال النّبيّ صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه، ولا یعرف ذلك الغشیان فيهم، ولا یثبت عن أحد منهم، آنّه کان یصعق عند القرآن، إنّما ذکر ذلك عمّن بعدهم، وهدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحسن الهدي وأكمله(٢). ٨. ترديد الآيات وتكرارها. إنّ ترديد الآية وتكرارها وإعادتها مع التأمل وزيادة التفهم لها، من الأسباب المعينة على التدبر، وقد استعمل القرآن هذا الأسلوب، فمثلًا في سورة الرحمن كرّر (١) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق، ٣٥٩/١. (٢) انظر: المقدمات الأساسية، عبد الله الجديع، ص ٥٠٦. الله سبحانه وتعالى آية تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]. إحدى وثلاثين مرة؛ لتذكير الجن والإنس بهذه النعم؛ کي يشكروا الله تعالى عليها شكرًا جزيلاً(٣). وفي سورة الشعراء كرّر الله سبحانه وتعالى ﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [الشعراء: ١٠٨]. ثماني مرات، مما يجعلنا نتدبرها ونتفكر بها مرة بعد مرة؛ حتى نصل إلى أفضل النتائج من التدبر، والقرآن العظيم متشابهٌ في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تكرّر فيه القصص وفي هذا إنکار من أسماء رضي الله عنها أن يبلغ الخشوع بصاحبه إلى الغشيان، والأحكام، والحجج والبينات، وتعاد تلاوته فلا يملّ على كثرة الترداد ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ ﴾ [الزمر: ٢٣](٤). وقد ثبت من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: (قام النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى إذا أصبح بآيةٍ)، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ # [المائدة: ١١٨](٥) الْحَكِيمُ وإن النبي صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية طول الليل، وهذا الترديد من أجل أن يعلّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته تأمل (٣) انظر: الوسيط، طنطاوي، ١٤/ ١٢٧. (٤) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ١ / ٤٦١. (٥) أخرجه النسائي في سننه، كتاب السهو، باب الداء بعد الذكر، ٢/ ١٧٧، رقم ١٠١٠. وحسنه الألباني في أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ٢/ ٥٣٤. www. modoee.com ٢٤٩ حرف التاء وتفهم خطورة هذه الآية، وتظل هذه الأمة تسأل، وتتوقف عند دلالاتٍ كثيرةٍ في الآية. يقول ابن القيم: ((ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفکر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كرّرها ولو مائة مرة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر ولا تفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف، يردد أحدهم الآية إلى الصباح)»(١). والهدف من التكرار، هو التوقف لاستحضار المعاني، وكلما كثر التكرار زادت المعاني التي تفهم من النص، والتكرار أيضًا قد يحصل لا إراديًّا تعظيمًا أو إعجابًا بما قرأ (٢). ولنعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى قلوبنا بترديد تلك الآية مرات ومرات، وعلينا ألا نمل من ذلك طالما وجد التجاوب، وشيئًا فشيئًا ستتبدد الظلمات من القلب ويطرد الهوى، ويصبح النور هو الغالب فيه، فيسهل عليه التأثر بالآيات ويزداد لينه وخشوعه بها(٣). ٩. الترسّل والتمهّل عند القراءة. (١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم، ١/ ١٨٧ (٢) انظر: علوم القرآن الكريم، نور الدين عتر، ص ٢٧٨. (٣) انظر: العودة إلى القرآن، مجدي الهلالي، ص ٩٩. ومن الأسباب المعينة على التدبر أيضًا الترسل والتمهل أثناء القراءة، قال الله تعالى: ﴿أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِلًا ﴾ [المزمل: ٤]. والترتيل يعني: الترسل والتمهل، ومن ذلك مراعاة المقاطع والمبادئ وتمام المعنى، بحيث يكون القارئ متفكرًا فيما يقرأ، فمن أسرع القراءة، فقد اقتصر على مقصد واحد من مقاصد قراءة القرآن، وهو: ثواب القراءة، ومن رتّل وتأمل، فقد حقّق المقاصد كلها وکمل انتفاعه بالقرآن، واتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم (٤). قال ابن كثير في تفسيره للآية: ((أي: اقرأه على تمهّل؛ فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره»(٥)، وعندما سئل أنس کیف کانت قراءة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: (كانت مدًّا، ثمّ قرأ: ﴿ِِ الَّهِالَّغْنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. يمدّ ببسم اللّه، ويمدّ بالرّحمن، ويمدّ بالرّحيم)(٦). وقد أمر الله تعالى بالترتيل وأكّده بقوله: ﴿نَّرِلاً﴾، وهو مفعول مطلق مؤكّد، وهذا ما يجعله للوجوب، لكن جمهور العلماء (٤) انظر: مفاتح تدبر القرآن، خالد اللاحم، ص٤٨. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ٢٥٠. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب مدّ القراءة، ٦/ ١٩٥، رقم ٥٠٤٦. جَوَسُولَةُ النَّقِبـ القرآن الكريم ٢٥٠ التديّ على أن الأمر للندب، ويقرأ القرآن على الأوفر من الترحيب))(٣)، ولا شكّ أن من تمام التلاوة والذكر المدارسة الجماعية لهذا منازله: فإن كان يقرأ تهديدًا كان أداؤه كالمتهدّد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم كان القرآن الكريم بتدبر الآيات، والعيش معها، أداؤه على التعظيم، وإن كان تساؤلًا كان فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قومٌ في بيتٍ أداؤه كالمتسائل، وهكذا(١). من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلّ نزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّاً به عمله، لم يسرع به نسبه) (٤). ٠ وقال الإمام النووي: ((واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع ويسمى: الهذّ، قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيل، قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب؛ ولهذا يستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم معناه))(٢). ١٠. المدارسة الجماعية. ومن المعينات على التدبر كذلك: حلقات المدارسة الجماعية، حيث قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ تعالى: وَأَقَامُواْ الصَّلَّوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ نِجَرَةٌ لَّنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. ومعنى هذه الآية: ((أنّ الذين يستغرق جميع أوقاتهم قيامهم بذكر الله وبحقّه، وإتيانهم بأنواع العبادات وصنوف القرب فلهم القدر الأجلّ من التقريب، والنصيب (١) انظر: علوم القرآن الكريم، نور الدين عتر، ص ٢٧٩. (٢) المجموع شرح المهذب، النووي، ٢/ ١٦٥. إن وجود حلقات المدارسة القرآنية من الأهمية بمكان لتعليم الناس، کیف يدخلون إلى عالم القرآن فيهتدون بهداه، ويستشفون بشفائه. قال الإمام النووي: ((اعلم أن قراءة الجماعة مستحبة بالدلائل الظاهرة، وأفعال السلف والخلف المتظاهرة»(٥). وهذه الحلقات، وإن كانت منتشرة في المساجد هنا وهناك إلا أن مفهومها قد اختزل على تعلم أحكام التجويد، وتصحيح النطق فقط، وهذا الأمر مهم وضروري، ولكنه لا يكفي لتعلم القرآن كما يريد الله عز وجل، بل هو بداية لابد أن يتبعها تعلّم (٣) لطائف الإشارات، القشيري، ٢٠٣/٣. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن الذّكر، ٨/ ٧١، رقم ١٦٦٨. (٥) التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، ص ١٠١. www. modoee.com ٢٥١ حرف التاء المعاني وجوانب الهدى والإيمان فیما یتلی من آيات، فيسهل على من يواظب عليها، التعامل مع القرآن بمفرده. وأما القراءة بالدور: وعبّروا عنها بقولهم (الإدارة بالقرآن)، وهو أن يجتمع جماعة يقرأ بعضهم عشرًا، أو أكثر أو أقل، ثم یسکت ويقرأ الآخر من حيث انتهى الذي قبله، فهذا جائز حسن أيضًا، ولا إشكال فيه، وثوابه عظیم -إن شاء الله-(١). صوارف التدبّر تركّز هذه النقاط على الأمور التي تكون مانعًا لتدبّر الإنسان في خلق الله تعالى، أو في القرآن الكريم، ومن ثمّ يصل ذلك الإنسان إلى مراحل متقدمة من الجحود والإنكار لكافة جوانب الدين؛ لأنه لا يمارس هذه العبادة، التي هي من أعظم معينات الطاعة، وصوارف التدبر كثيرة، منها: أولًا: الطبع والختم على القلوب: وقد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فقد بيّنت الآية السابقة أن الله تعالى طرد المنافقين أشدّ الطرد لما ذكر من إفسادهم وتقطیعھم الرحم، ثم بيّن سبب لعنهم، وهو أنهم صمّوا عن الانتفاع بما يسمعون، وعميت أبصارهم عن الارتفاق بما يبصرون، وتأتي هذه الآية الكريمة لتبين السبب الموجب للعن المسبب للصمم والعمى، وذلك من خلال قول الله تعالى المنكر الموبّخ المظهر (٢)، ((لتاء التفعّل إشارة إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة إلى التأمل: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ﴾، أي: کل من له أهلية التدبر بقلوب منفتحة منشرحة؛ ليهتدوا إلى كل خير ﴿الْقُرْءَانَ ﴾، بأن (١) انظر: علوم القرآن الكريم، نور الدين عتر، ص ٢٨٤. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٢٤٣/١٨. ٢٥٢ مَوَسُوبَة النفسية القرآن الكريم التديّ يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب السماوات والأرض بالحق، ولتجزى كل الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس تفكر نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، ويقرر من ينظر في أدبار الأمور، وماذا يلزم من عواقبها؛ ليعلموا أنه لا عون على الإصلاح في الأرض، وصلة الأرحام، والإخلاص لله في لزوم كل طاعة والبراءة من كل معصية، مثل الأمر بالمعروف من الجهاد بالسيف وما دونه، وربما دل إظهار التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني، فلا يحتاج في العثور علیه إلی کبیر تدبر))(١)، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لهذه الآية الكريمة فتبدأ بحرف الإضراب ﴿أم﴾ الذي هو بمعنى: بل؛ للانتقال من توبيخ إلی توبيخ، فيكون المعنى: بل إن أولئك المنافقين بلغوا من هول حالهم وفظاعة شأنهم أنّ قلوبھم مطبوعٌ علیھا؛ فهم لا يعقلون ولا يسمعون(٢). ثانيًا: اتباع الهوى: قد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَُّ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلِ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِوِهِ غِشَوَّةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقد بيّت الآيات السابقة أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة، واستدلّ على صحة هذا القول بأنه خلق (١) المصدر السابق. (٢) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٧١/١٣. الله تعالى في هذه الآية الكريمة أسباب ضلال المضلّين بقوله: أنظرت يا محمد صلى الله عليه وسلم فرأيت من ترك متابعة الهدى والمداومة عليها، إلى مطاوعة الهوى والعبودية لها من دون الله تعالى، وأضله الله تعالى؛ حيث إن الكافر عالم بأنه ضالٌّ، وأنه يبدّل فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها؛ حتى أصبح مختومًا على سمعه وقلبه؛ فلا يتأثر بالمواعظ، ولا يتفكّر في الآيات والنذر، ولم يكتف بذلك؛ بل جعل على بصره غشاوةً مانعةً من الاستبصار والاعتبار. وإن الاستفهام استفهام تعجبي، فالله عز وجل في الآية يعجّب محمدًا صلى الله عليه وسلم وكل مخاطب، ولا يقتصر على تعجبه هو عز وجل، وتأتي الفاصلة القرآنية في سؤالٍ يفيد القدرة الإلهية، وأن الله تعالى وحده المتفرد بالهداية التوفيقية، وذلك بقوله: فمن يهدي ذلك الكافر المتبع للهوى من بعد إضلاله تعالى إياه بموجب تعامیه عن ذلك الهدى، وتمادیه في الغيّ، وسؤالٌ آخر غرضه الحث والحضّ للكافرين على الانصراف عمّا هم عليه، بقوله: أفلا تلاحظون فتتذكرون واجباتكم والتزاماتكم؟(٣). (٣) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري، ١١٣/٦، www. modoee.com ٢٥٣ حرف التاء ثالثًا: الكبر: قد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلٍَ غَيْرِى فَأَوْقِدْلِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَأَجْعَل ◌ِى صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَلِعُ إِلَِّلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ، مِنَ الْكَذِبِينَ * وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَحُنُودُهُ، فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَالَا يُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: ٣٨-٣٩]. فقد بينت الآيات السابقة تكذیب فرعون وقومه لنبى الله موسی صلى الله عليه وسلم؛ فرغم مجيء المعجزات البیان على يد ذلك النبي المؤيّد من الله تعالى، إلا أنهم ردّوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم بقولهم: ((ما هذا الذي جئتنا به إلا سحرٌ افتريته من قبلك وتخرّصته كذبًا وباطلًا ﴿وَمَا سَمِعْنَا الذي تدعونا إليه من عبادة من تدعونا إلى عبادته في أسلافنا وآبائنا الأولين الذين مضوا قبلنا))(١). وعندها قال موسى صلى الله عليه وسلم مجيبًا فرعون: ربي أعلم بمن هو على حقّ منا يا فرعون من المبطل، ومن الذي جاء بالرشاد إلى طريق الصواب والبيان، من خلال واضح الحجة من عنده، وربي أعلم من الذي له العقبى المحمودة في الدار إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٨/ ٧٣. (١) جامع البيان، الطبري، ٥٧٩/١٩. الآخرة منّا(٢)، وتأتي هذه الآيات الكريمات لتستأنف الحوار بين موسى صلى الله عليه وسلم وفرعون، فقد بينت هذه الآيات مدی فظاعة العلو والاستكبار عند فرعون وقومه، حیث تعمّد الكذب؛ إذ إنه يعلم أن موسى صلی الله عليه وسلم رسول الله، ولكنه بيّن بلسانه أنه ما علم لقومه من إله غيره، فأمر هامان أن یطبخ له آجرًا، وأن يبني له قصرًا، ففعل ذلك، وبنی له صرحًا عاليًا(٣). ولم يكتف فرعون بذلك، بل استكبر استكبارًا عظيمًا هو وجنوده في شتى بقاع الأرض التي يحكمونها عن ظلمٍ كبيرٍ منهم، وإن هذا الكبر صرفهم عن التدبّر في عبادة الله تعالى؛ إذ إنهم ظنّوا أنهم لن يرجعوا إلى الله تعالى، فلم يتدبّروا هذه اللحظات التي سیورد إليها الکل ملگًا كان أو جنديًّا. وقد وردت آیةٌ أخرى تبيّن صرف الله تعالى المتكبرين عن التدبر في آيات الله تعالی، حیث قال جل جلاله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ أَلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَإِن يَرَوْأُ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِعَايَدِتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. (٢) انظر: المصدر السابق، ١٩ / ٥٨٠. (٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، ٣٢٦/٣. ٢٥٤ القرآن الكريم التديّ أي: سأصرفهم أن يتفكّروا في آياتي، وسأمنع قلوبهم من التفكير في أمري؛ إذ إنهم إن يروا الآيات الدالة على صدق النبوة لا يؤمنوا بها، وإن يروا الحق لا يتبعوه، وكذلك إن يروا الباطل يتبعوه، ذلك بأنهم كذبوا بآيات الله تعالى، وغفلوا عن هذه الآيات (١). رابعًا: ارتكاب المعاصي: قد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَةُ، أَلَّ إِنَّمَا طَيْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢) وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ () فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ اَلْقُلُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَاَلْقُمَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَالدَّمَ ءَايَتِ ١٣٣ مُفَضَّلَتٍ فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُّجُِّمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرِِّيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ ١٣٤ هُمْ بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ (٣٥) فَأَنَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ : [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٦]. عَنْهَا غَفِلِينَ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ٠١٥٦٧/٥ هذه الآيات وما قبلها تبيّن مدى غرق فرعون وقومه بالمعاصى الكفرية، من جميع جوانبها، فقد بيّنت الآيات السابقة قصة موسى صلى الله عليه وسلم مع قومه من بني إسرائيل، حيث إنه بعد إيمان السحرة الذين شاهدوا المعجزات برب العالمين، فأيقنوا بنبوته صلی الله عليه وسلم؛ إذ بالنبي موسى عليه السلام يجتهد في إحالة هؤلاء المؤمنين من بني إسرائيل على الله تعالى حاًّا إياهم على رجوعهم إليه، وتوكلهم عليه، وتعرّضهم لنفحات يسره، فإنه تعالى حكم لأهل الصبر بجميل العقبى، فكان رد هؤلاء المؤمنين من بني إسرائيل، بأنهم توالت علیهم البلايا، ففي حالك يا موسى صلى الله عليه وسلم بلاء، وقبلك شقاء، فما الفضل؟ فأجابهم موسى عليه السلام بما علّق رجاءهم بکشف البلاء، فقال: عسی ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون(٢). وتبيّن هذه الآيات أن الله تعالى أراد أن يأخذ آل فرعون المكذّبين ببعض العذابات الدنيا، منها الجدوب لأهل البوادي، والنقص من الثمرات لأهل القرى، وصرّف الله تعالى الآيات وبيّنها لهم من كل نوعٍ؛ لعلهم يتعظون ويتدبّرون بعقولهم وقلوبهم؛ كي يرجعوا إلى ربهم، لكنهم ردّوا على (٢) انظر: لطائف الإشارات، القشيري، ٥٥٩/١. www. modoee.com ٢٥٥ حرف التاء هذا البلاء بأنهم إذا جاءتهم سعة الرزق الله تعالى نعمتهم بالعذاب، وأغرقهم في البحر، جزاء تکذیبھم وعدم اعتبارهم بآیات الله تعالى، وتفكّرهم بقلوبهم وعقولهم؛ حيث إنهم لم يتوجّهوا إلى الله تعالى بالصدق، ولم یتذگّروا الله تعالی (١). والخصب قالوا: إن هذا هو استحقاقنا على العادة التي جرت لنا من النعمة، فينسون بذلك أنه من الله تعالى، ومن ثمّ لا يشكرونه على نعمه، وإن يصبهم قحط وجدب يتشاءموا بنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم وقومه، ويقولون: إنما أصابنا هذا الشر بشؤمهم، فيرد الله تعالى عليهم بقوله: ألا إنما شؤمهم جاء بكفرهم بالله تعالی، ولکنهم أكثرهم لا يعلمون أن الذي أصابهم من الله تعالى، ولم يكتف هؤلاء القوم الكافرون بذلك؛ بل قالوا: مهما تأتنا به يا موسى عليه السلام من آية معجزة لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين، فأرسل الله تعالى في سبعة أيام الطوفان والجراد والقمّل والضفادع فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين، ولكنهم لما وقع علیهم ذلك العذاب، إذ بهم يدعون موسى عليه السلام لأن يدعو الله تعالی بما أوصاه به، وهم یظنون أنھم یمنّون على نبيهم موسى عليه السلام، بأنهم إن كشف الله تعالى عنهم هذا العذاب يؤمنوا لموسی صلی الله عليه وسلم، وسيرسلون بني إسرائيل من المؤمنين الضعاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم، فلمّا كشف عنهم العذاب إلى الأجل الذي غرّقهم فيه، إذا هم ينقضون العهد، ولا يوفون، فكان لابدّ من الانتقام باستئصال شأفتهم، فسلب خامسًا: زيغ القلوب: وقد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأَخَرُ مُتَشَِهَتٌ فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيٌْ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءٍ اَلْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِّنْ عِنْدِ رَيِّنَا وَمَا يَذَكَوْإِلَّا أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾[آل عمران: ٧]. حيث بيّنت هذه الآية ذينكما النوعين اللذين يختصان بالقرآن الكريم، ومعلومٌ أن القرآن الکریم کله محکمٌ إحكامًا عامًا؛ لقوله تعالى: ﴿الَرْ كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكٍِ خَبِيرٍ ﴾ [هود: ١]. كما أن القرآن الكريم كله متشابهٌ؛ إذ إنه يشبه بعضه بعضًا في الإحكام والإتقان، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣]. إلا أن هذه الآية التي هي شاهد هذا العنوان تبيّن أن الإحكام المقصود هنا والتشابه، هو ذانكما الإحكام والتشابه (١) انظر: الوجيز، الواحدي، ص٤٠٩، ٤١٠. ٢٥٦ جوبيه الْقُرآن الكَرِيْمِ التديّ الخاصان(١). هو التدبّر الذي يكون في غير محله، بل فأما المحكم الخاص هنا فهو بمعنى: يصرف الإنسان عن التدبر الحق. الإحكام والإتقان والمنع عمّا لا ينبغي؛ بمعنى: أنه ما لا يحتمل التأويل ولا التخصيص ولا النسخ ولا التدرج، ویکون معناه واضحًا وضوحًا قويًّا، وأما المتشابه فقد اختلف العلماء فيه، وليس هذا العنوان هو مقام عرض الخلاف، ولكن يكفي القول بأن المتشابه هو ما استأثر الله تعالى بعلمه، وعلى هذا فإن معنى الآية، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، أي: ((طلبًا منهم لفتنة الناس في دينهم، والتلبيس عليهم، وإفساد ذات بينهم، وابتغاء تأويله، أي: طلبًا لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسد))(٢)، ومعنى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ إِلَّا اللّهُ﴾، أي: وما يعلم المراد منه إلا الله تعالى، ثم يستأنف الربّ تعالى مقررً الحقيقةٍ ألا وهي أن الراسخين في العلم يقولون: آمنا به كلّ من عند ربنا، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبین أنه لا یتدبّر ولا یتذکر آیات الله تعالی ولا محكمه أو متشابهه إلا أصحاب العقول، وعلى هذا فإن الآية تبيّن أن من كان يتصف بالعقل، وأنه صاحب لبِّ ينبغي أن يسلّم بالمتشابه، ولا يقحم عقله بفهم مراده، فهذا (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣٨،١٣٧/٧، الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ٣/٣. (٢) فتح القدير، الشوكاني، ٣٦١/١. سادسًا: التعصب والتقليد: وقد ورد ذلك واضحًا في آياتٍ، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَاءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. حيث إن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن كفار قريش، فتبيّن أن الله تعالى ذمّهم بأنهم أبطلوا ما خص الله تعالى به الإنسان من الفكر والرويّة، وركزه فيه من المعارف، وذلك أن الله تعالى ميّز الإنسان بالفكر؛ ليعرف به الخير من الشر في الاعتقاد، والصدق من الكذب في المقال، والجميل من القبيح في الفعال(٣)، فحال الكافرين إذا قيل لهم -من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام -: اتّبعوا ما أنزل الله تعالى من القرآن، وما شرعت به السنة النبوية، يقولون: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا؛ فهم كانوا أفضل وأعلم منا، ثم تأتي الفاصلة القرآنية في هذه الآية لتبيّن في تساؤلٍ غرضه التوبيخ، کیف يتبعون آباءهم، وآباؤهم لا يعقلون شيئًا، فهم كانوا جهّالًا لا يعرفون شيئًا من أمور الدين، ولا يهتدون (٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني، ١/ ٣٦٧. www. modoee.com ٢٥٧ حرف التاء لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لعدم تعقّلهم (١). وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ اُلْقَوْلَ أَمْ جَاءَ هُمْمَّا لَوْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]. فقد بيّنت الآيات السابقة حال الكافرين من الاستكبار والعلو والبعد عن الطاعة، والإدبار عن التفكّر في آيات الله تعالى، وتأتي هذه الآية الكريمة لتبيّن في تساؤلٍ غرضه التوبيخ، وذلك بما جاء في قول الله تعالى: أفلم يتدبّروا هذا القرآن الذي خوطبوا به، بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، ولذلك أنكروه وتركوا التدبر به (٢). سابعًا: تعطيل أدوات التدبر: ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا ◌ِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْفَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. حیث إن الكفار بعدما وصلوا من ضلال وإضلال؛ إذ بأدوات التدبر عندهم من قلب وعين وأذن تتعطل عن الاستجابة إلى الهدى؛ حتى وصموا بالأنعام، بل هم أضل، وأنهم هم الغافلون(٣). (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٩٨/١ ١٩٩. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٣٩/١٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، أساليب القرآن في الحث على تدبرّه تنوعت أساليب القرآن الكريم في الحث على تدبّره؛ فمنها ما جاء بأسلوب الحض على التدبر في آياته وأحكامه، ومنها ما كان بجعل التدبّر حكمةً لإنزاله، وهذا بيان لهذه الأساليب، من خلال ما يأتي: أولًا: الحض على التدبر: وقد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيِّتَ طَآئِقَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولٌ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ وَكَفَ بِاللَّهِ وَكِيلًا * أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ وا فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: ٨١-٨٢]. حيث إن الآية الأولى بيّنت أن المنافقين يقولون باللسان: مرنا؛ فإن أمرك طاعة، فإذا خرجوا من عند النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدّل طائفة منهم غير الذي تقول، فيخاطب الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، بقوله: إن الله تعالى يحصي ويحفظ ما يبدّلون؛ ليجازي كلَّ بما قدّم، فعليك ألّا تخبر بأسمائهم -وكان عليه الصلاة والسلام يعرف المنافقين-، وعليك أيضًا أن تتوكل على الله فهو حسيبك وكافيك، وتأتي الآية الكريمة الثانية لتبيّن ٢٥٨ مُوسُو ◌َ النَّبـ الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢/ ١٥٤. التديّ فقد بيّنت الآيات السابقة أن الله تعالى في تساؤلٍ غرضه الحث على انصراف المنافقين عمّا هم عليه، والإقبال إلى ما لم يخلق السماء والأرض وما بينهما هزلًا عند الله تعالی، کما وضّح في کتابه الکریم، فيقول تعالى: أفلا يتدبرون بنظرهم في الأمر إلى آخره، وبالتفكير في هذا القرآن الذي ليس فيه تناقض ولا تفاوت؛ إذ لو كان من عند غير الله تعالی مهما عظمت فصاحته- لما استطاع هذا المفتري على القرآن أن يخبر عن الغيب أو غيره مما هو في القرآن؛ بل لوجد الناس بعضه صدقًا، ومعظمه كذبًا (١). ولا شكّ أن هذه الآية الكريمة كافية للمؤمن المخاطب بها بطريقة غير مباشرة؛ کي تكون زادًا له في الحث على تدبّر القرآن الكريم آيةً آيَةً، بل كلمةً كلمةً، كيف لا؟! وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حکیمٍ حمید. ثانيًا: جعل التدبّر حكمة إنزال القرآن: ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ غَنّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٧) أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى اْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ن كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَنَّبَرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِسَنَذَكَّرَ أُوْلُواْ ﴾ [ص: ٢٧ -٢٩]. ٢٩ الْأَلْبَب (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ٤٥٣/١. ولعبًا، وأن ذلك حسبان الذين كفروا؛ فهم الذين أعدّ الله تعالى لهم ويلًا ونارًا، وتساءلت الآية السابقة سؤالًا غرضه التقرير للمؤمنين، والتوبيخ للکافرین، وذلك بقوله: أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات کالمفسدين في الأرض، أم نجعل أصحاب محمد عليه السلام المتقين كالكفار، وتأتي هذه الآية الكريمة بأسلوب استئنافيٌّ؛ لتقرير حقيقةٍ، ألا وهي: أنّ هذا الكتاب الكريم الذي هو القرآن إنما هو منزّلٌ من الله تعالى إلى قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو مباركٌ؛ ليتدبّر الناس هذا القرآن، بل يتوجّب عليهم معرفة معانيه، والترتيل لآياته؛ إذ لا يصح التدبر إلا إذا قرئت أحكام التلاوة، وتأتي الفاصلة القرآنية لتبيّن سببًا آخر لإنزال هذا القرآن المبارك، وهو أن يتعظ ويعتبر أصحاب العقول بما فيه من أحكام وهدايات(٢). موضوعات ذات صلة: الآيات الكونية، التفكر، العقل، الغفلة، الفقه، القرآن (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٠١٩٢/١٥ www. modoee.com ٢٥٩