النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٧١ التَّبِى عناصر الموضوع مفهوم التبني ١٢٦ الألفاظ ذات الصلة ١٢٧ تنزيه الله تعالى عن التبني ١٣٠ ١٣٢ التبني في الأمم السابقة ١٣٤ التبني عند العرب في الجاهلية ١٣٧ أساليب القرآن في إبطال التبني ١٥٣ بدائل التبني في الإسلام المُجَلََّ الثَّامِنْ حرف التاء مفهوم التبني أولًا: المعنى اللغوي: أصله من بنى: بنا في الشرف يبنو (١)، ويقال: تبنيته، أي: ادعيت بنوته، وتبناه: اتخذه ابنًا (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: هو ضم طفل أجنبي إلى أسرة معينة، وجعله بمنزلة الابن الحقيقي أو الصلبي، له ما له، وعليه ما عليه من واجبات، يثبت له النسب كما يثبت للابن الحقيقي(٣). ولم يرد لفظ (التبني) في القرآن الكريم. (١) لسان العرب، ابن منظور ٨٩/١٤. (٢) الصحاح، الجوهري، ٢٢٨٧/٦، لسان العرب، ابن منظور ١٤ / ٩١ .. (٣) حقوق الطفولة في الشريعة، هلالي عبد الإله أحمد ص ٧٨٩، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، عبدالكريم زيدان، ٩/ ٤٣٧. جَوَسُولَهُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ١٢٦ التبنى الألفاظ ذات الصلة الذّعيّ: ١ الدّعيّ لغة: المتبنّي: الذي تبناه رجل فدعاه ابنه ونسبُه إلى غيره(١)، وادعى فلانًا: صيّره يُدعى إلى غير أبيه، والدّعيُّ: المتهم في نسبه والمنسوب إلى غير أبيه. والدُّعوة بكسر الدال: ادعاء الولد الدَّعِي غير أبيه(٢). قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أي: من تبنيتموه من أولاد غيركم، جمع دعي، فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مدعو بالبنوة(٣). وقد يطلق على الدَّعي: المستلاط، أي: المستلحق في النسب، ويدعى له، أي: يُنسب إلیه، فيقال: فلان بن فلان، ويدعى به، أي: يكنّى، فيقال: هو أبو فلان، وهو مع ذلك لا يرث؛ لأنه ليس بولد حقيقي (٤). الدعىّ اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين التبني والدعي: غلب في استعمال العرب لفظ (ادعاء) على التبني(٥). البنوة: ٢ البنوة لغة: ابن أصله: (بنو) الباء والنون والواو كلمة واحدة، وهو الشيء يتولد عن الشيء، كابن الإنسان وغيره (٦)، والبِنْو عند بعض أهل العربية: أصل بناء الابن والنسبة إليه بنوي (٧)، وسماه بذلك لكونه بناء للأب، فإن الأب هو الذي بناه، وجعله الله بناءً في إيجاده، ويقال (١) لسان العرب، ابن منظور ٢٦١/١٤. (٢) المصدر السابق. (٣) جامع البيان في مفردات القرآن، عبدالحميد هنداوى، ١١٩٢/٣، السراج في بيان غريب القرآن، محمد الخضيري، ص٢١٥. (٤) لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٦١ - ٢٦٢. (٥) انظر: المصباح المنير، الفيومي ص ١٩٥. (٦) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠٣/١. (٧) مجمل اللغة، ابن فارس ٢٣٦/١. www. modoee.com ١٢٧ حرف التاء لكل ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو کثر خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه، وجمع ابن: أبناء وبنون(١). البنوة اصطلاحًا: قال فيه الراغب: ((يقال لكلّ ما يحصل من جهة شيء أو من تربيته، أو بتفقده أو كثرة خدمته له أو قيامه بأمره: هو ابنه»(٢). الصلة بين التبني والبنوة: الفرق بين البنوة والتبني: أن البنوة ترجع إلى النسب الأصلي، أما التبني فهو ادعاء الرجل أو المرأة من ليس ولدًا لهما (٣). الأبوة: ٣ الأبوة لغة: الأب بالتخفيف بمعنى الوالد الذي إليه يرجع النسب (٤). الأبوة اصطلاحًا: قال المناوي ((الأب: الوالد، والأبوان: الأب والأم أو الأب والجد أو الأب والعم أو الأب والمعلم، وكذا كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره))(٥)، وقال الجرجاني: الأب هو كل من تكون من نطفته شخص آخر من نوعه (٦). الصلة بين التبني والأبوة: الأبوة هو ما يرجع إليه النسب، ولا يحصل بالتبني، ويحرم على الأب أن يتزوج زوجة ابنه الذي من صلبه و ليس المتبنى، كذا لا يحصل التوارث بالتبني. (١) جامع البيان في مفردات القرآن، عبد الحميد هنداوي ١٢٩/١. (٢) المفردات ص ١٤٧. (٣) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠/ ١٢٠. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢/ ٦. (٥) التوقيف ص ٣٥، وانظر: مفردات غريب القرآن، الأصفهاني، ١/ ٧. (٦) انظر: التعريفات، ٧/١. مُوسُوبَةُ الْبَقِنَّة القرآن الكريم ١٢٨ التبنى الأمومة: ٤ الأم لغةً: أم الشيء أصله، والأم: الوالدة، وتجمع على أُمَّت، وأصل الأُم: أُمَّهة؛ لذا تجمع على أمهات (١). الأم اصطلاحًا: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون»(٢). وعرف بعض العلماء الأمومة بأنها: ((نظام تعلو فِيهِ مكانة الْأُم على مكانة الْأَب فِي الحكم وَيرجع فِيهِ إِلَى الْأُمْ فِي النّسَب أَو الوراثة)»(٣). الصلة بين التبني والأمومة: المتبنى - إن كان ذكرًا - شخص أجنبي، ولا يحصل المحرمية بمجرد التبني، بل على الأم بالتبني أن تتحجب عنه، كذا لا يحصل التوارث بينهما. (١) انظر: الصحاح، الجوهري، ١٨٦٣/٥. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٨/٥. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٢٧. www. modoee.com ١٢٩ حرف التاء تنزيه الله تعالى عن التبني إن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية(١). والله سبحانه لیس کمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزهٌ عنه حقيقة، فالله تعالى مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه(٢). قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصَّمَدُ ل لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١-٤]. فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته؛ إذ لا يوجد شيء إلا وُجد من شيء ما خلا الله تعالى، فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئًا من الذوات، وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئًا من الصفات، فاسمه ﴿أَحَدُّ ﴾ دل على نفي المشاركة والمماثلة، واسمه ﴿الصَّمَدُ ﴾ دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال، فهذان الاسمان العظيمان ﴿أَحَدُّ﴾ ﴿اُلْضَّمَدُ ﴾ يتضمنان تنزيهه من كل نقص وعيب، وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء (١) تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية، خالد فوزي ١/ ١٠٨. (٢) العقيدة الصافية للفرقة الناجية، سيد سعيد ص ٣٣٠. منها، واسمه ﴿الصََّمَدُ﴾ يتضمن إثبات جميع صفات الكمال، فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال، ونفي جميع صفات النقص. لذلك نزّه الله تعالی نفسه عن اتخاذ الولد کما زعمه اليهود والنصارى والمشركون، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأُ سُبْحَنَةٌ، بَل لَّهُ، مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلِّ لَُّ، قَنِئُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُّ الْجِبَالُ هَذًّا ٢) أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (١) وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨-٩٢]. ما دلت عليه الآيات: ١. قالت اليهود والنصارى (٣) والمشركون (٤): ﴿أَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ فنسبوه إلى مالا يليق بجلاله، وأساءوا كل الإساءة وظلموا أنفسهم(٥). ٢. قال جل ثناؤه مكذّبًا قيلهم ما قالوا من ذلك، ومنتفيًا مما نحلوه، وأضافوا إليه بکذبهم وفریتهم ﴿ سُبحنَهُ ﴾أي: تنزيها (٣) قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزِيُرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَقْوَهِهِمْ يُضَهُونَ قَوَّلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَطَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْنَكُونَ ﴾ [التوبة: ٣٠]. (٤) قال جل شأنه عن المشركين: ﴿وَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [النحل: ٥٧]. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٨. ١٣٠ جوسى القرآن الكريم التبنى له أن يكون له ولد؛ لأنه الغني بذاته عن بنهاية الوقاحة والجهل والجرأة (٧) . جميع مخلوقاته(١)، وهو سبحانه مالك لجميع المخلوقات، ومن له ملك السموات والأرض، لا يحتاج إلى ولد، ولأنه لو كان له ولد لكان الولد مماثلًا له، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء(٢). وأصل التسبيح: التنزيه له من إضافة ما ليس له من صفاته إليه والتبرئة له من ذلك (٣)، فسبحان من له الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا يعتریہ نقص بوجه من الوجوه (٤). ٣. أنكر الله تعالى على من زعم أن له ولدًا -تقدس وتنزه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا - فقال: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا ﴾ أي: الذي لا منعم غيره، فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد (٥). ٤. ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا﴾ أي: عظيمًا، ثقيلًا منكرًا (٦). وهو رةٌّ لمقالتهم الباطلة، وتهويلٌ لأمرها بطريق الالتفات المنبيء عن كمال السخط، وشدة الغضب المفصح عن غاية التشنيع والتقبيح، وتسجيل عليهم (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢/ ٤٦١. (٢) تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين، ١٦/١. (٣) جامع البيان، الطبري ١/ ٥٠٤. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٨. (٥) نظم الدرر، البقاعي ٤/ ٥٥٨. نظم الدرر، البقاعي ٤/ ٥٥٨. ٥. بيَّن الله ثقل هذا القول من فجرة بني آدم بقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُّ الْجِبَالُ هَذًّا﴾ [مريم: ٩٠]. إن السموات على إحكامها مع بُعدها عن أصحاب هذا القول ﴿يَفَطَّرْنَ﴾ أي: تتشقق فرقًا من عظمة الله وغضبًا له، ﴿وَتَنشَقُّ اَلْأَرْضُ﴾ على تحتها شقًّا نافذًا واسعًا ﴿ وَخِرُّ الْجِبَالُ﴾ أي: تسقط الجبال سقوطًا شديدًا ويتكسر بعضها على بعض بالرغم من صلابتها (٨). ٦. إن هذه المخلوقات مؤسسة على توحيده عز وجل وأنه لا إله إلا هو، ولا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد؛ لذلك لم تطق هذه الأجرام العظام هول تلك الكلمة الشنيعة فتفتّت، ولولا حلمه تعالى لخرب العالم ويُدِّدت قوائمه غضبًا على من تفوه بها (٩). ٧. ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ استحالة تحقق مضمونها فلا يليق به سبحانه اتخاذ الولد، ولا يتطلب له طلب (٧) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٤٤٥. (٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٣/٤، نظم الدرر، البقاعي ٥٥٨/٤. (٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٢/٤، (٩) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٢/٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٤٤٥. www. modoee.com ١٣١ حرف التاء مثل لاستحالته في نفسه، ووضع (الرحمن) موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه، فكيف يتسنى أن يجانس من هو مبدأ النعم ومولي أصولها وفروعها حتى يتوهم أن يتخذه ولدًا!؟(١)، فاتخاذ الولد ينافي كمال صمديته عز وجل وغناه وملكه، وتعبيد كل شيء له(٢). إن نسبة مالا يليق بكمال الله وجلاله إليه، تقدست أسماؤه، تغيير لمعالم الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وإحلال للباطل والزيف مكان الحكمة والعدل. إن نسبة هذه الأمور إليه -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- نسبة الحاجة، والنقص، والافتقار، والعجز إلى الكمال المطلق، وهو هدم لنظام الكون الذي يقوم على الحق والعدل والميزان(٣). (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٤٥/٣- ٤٤٦. (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١ / ٣٥. (٣) مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم ص ١٥٩. التبني في الأمم السابقة التبني معروف منذ القدم، وقد أشار القرآن الكريم إليه في موضعين: أولًا: تبني عزيز مصر ليوسف عليه السلام: قص الله تعالى علينا قصة يوسف عليه السلام ، فقد كان أشرف إخوته وأجلّهم وأعظمهم(٤)، رأى رؤيا قبل أن يبلغ الحُلم فقصّها على أبيه يعقوب عليه السلام . قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَابَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ ، قَالَ يَبُّنِيَّ لَا نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَى إِخْوَيِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّمُّبِينٌ ﴾ [يوسف: ٤ -٥]. فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية، ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة؛ لذلك أمره بكتمانها وألا يقصّها على إخوته؛ كيلا يحسدوه ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر (٥). وقد كان من أمره وأمرهم ما قصّه الله علينا في القرآن الكريم حتى استقر به المقام في بيت عزيز مصر، قال تعالى: ﴿ وَقَالَالَّذِى أُشْتَرَنَهُ مِن مِصْرَ لِأَمْرَأَنِ: أَكْرِمِي مَثْوَنُهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَّا أَوْ نَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [يوسف: ٢١]. (٤) البداية والنهاية، ابن كثير ١/ ٢٣١. (٥) المصدر السابق ١/ ٢٣٢. ١٣٢ مَهْشَابَةُ التَّسيد الْقُرْآنِ الكَرِيمِ التبنى و کان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها، وهو الوزير بها، الذي كانت الخزائن مسلمة إليه (١)، ومعنى ﴿أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾ أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة، وقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام (٢)، ﴿عَسَىَّ أَنْ يَنْفَعَنَآَ﴾ أي: عسى أن ينفعنا ببیعہ بالربح إن أردنا البيع، أو یکفینا بعمله بعض أمورنا إذا بلغ (٣). ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ أي: نتخذه ولدًا، أي: نتبناه (٤)، ولعل ذلك أنه لم یکن لهما ولد(٥)، وكان ذلك لما تفرّس فيه من مخايل الرشد والنجابة (٦). وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه، بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة(٧). ثانيًا: تبني فرعون لموسى عليه السلام: عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت من نحو بیت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل. فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والسحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلام يولد (١) المصدر السابق ٢٣٥/١. (٢) معالم التنزيل، البغوي، ٤ / ٢٢٥. (٣) انظر: المصدر السابق ٢٢٥/٤. زهرة في الآخرة فأسكنها الله جنته بسببه. التفاسير، أبو زهرة، ٣٨١٣/٧. (٤) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٦٣. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢/ ٤٠٦. (٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٩٠. (٧) البداية والنهاية، ابن كثير ٢٣٥/١. من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان (٨). ثم إن فرعون لما أکثر من قتل ذكور بني إسرائيل خافت القبط أن يُفنى بنو إسرائيل، فيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة؛ فأمر فرعون بقتل الولدان عامًا وترکهم عامًا، ووُلد موسى عليه السلام في العام الذي يُقتل فيه الولدان، فأُلهمت أمه وأُلقي في خلدها ونُفث في روعها (٩)، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْبَدِّ وَلَا تَّخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. وهکذا ذهب به الماء إلى دار فرعون ولما رأته امرأة فرعون أوقع الله محبته في قلبها وقالت لزوجها: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِِّ وَلَكَ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ، وَلَدَا وَهُمْ لَا ◌َشْعُرُونَ ﴾ [القصص: ٩]. أي: أترجی نفعه لنا لو كان له أبوان معروفان؛ فإن فيه مخايل اليُمن ودلائل النفع لأهله، فقد توسّمت في سيماه النجابة المؤذنة بكونه نفعًا، وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنیا فهداها الله به، وأما أو عسى أن نتبناه إذا لم يعرف له أبوان، (٨) المصدر السابق ١/ ٢٧٤. (٩) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٧. www. modoee.com ١٣٣ حرف التاء فإنه أهل للتبني؛ لما فيه من الوسامة وجمال المنظر التي تجعله أهلًا لتبني الملوك، وكانت امرأة فرعون لا تلد، ولم يكن لفرعون ولد ذكر (١)، وهكذا تربى موسى عليه السلام في بيت فرعون يركب ركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون (٢). ثالثًا: التبني عند الرومان: كان التبني معروفًا في القانون الروماني، فمن حق الأب أن يجعل له ابنًا من غير سلالته، ومن غير ذريته، ولو كان المتبنَّی له أب معروف ونسب ثابت(٣)، فلم يقتصر التبني على مجهول النسب، وإذا كان من ألحقه بنسبه كبيرًا، كان الإلحاق بما يشبه العقد (٤)، وكان للابن بالتبني كافة الحقوق الشرعية في ممتلكات أبيه المتبنِّ، فهو لم یکن یعتبر ابنًا من الدرجة الثانية، بل كان مساويًا لسائر الأبناء. (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٦٦/٣، البداية والنهاية، ابن كثير ٢٧٦/١. (٢) الكشاف، الزمخشري ١٦٩/٣. (٣) تنظيم الإسلام للمجتمع، محمد أبو زهرة ص ٧. (٤) المصدر السابق ص ١٢٥. التبني عند العرب في الجاهلية كان المجتمع العربي في الجاهلية كغيره من المجتمعات الأخری من یونان ورومان وغيرهما، يسير على مزاج ذاتي، وتصورات ضيقة الأفق، مما أدى إلى وجود بعض العادات والتقاليد الموروثة التي تتعارض مع أصول الأخلاق القويمة وسلامة المجتمع، ووحدة الأسرة وانسجامها. وكان التبني أحد هذه العادات الشائعة المتأصلة فيهم والمتمكنة عندهم، يتوراث به ويتناصر(٥)، وكان الرجل يتبنى ولد غيره فتجري عليه أحكام البنوة كلها (٦)، وكان هذا يقع بخاصة في السبي؛ حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات، فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدًا من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها (٧). أولًا: دواعي التبني في الجاهلية: كان العربي إذا أعجبه من الفتى قوته ووسامته ضمه إلى نفسه، ونسبه إليه، فيقال: فلان بن فلان. وجعل له نصيبًا من الميراث كأحد أولاده (٨)، لا فرق بينه وبين أحد من أبنائه من نكاح أو غيره. (٥) المصدر السابق ص ١٤ . (٦) ثبوت النسب، ياسين الخطيب ص ٣٣٥. (٧) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٦/ ٥٣٥. (٨) تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة ص ١٤ . ١٣٤ مَوَسُولَة النشـ القرآن الكريم التبنى للتجاوب مع النزعة الفطرية في حب الأولاد حال العقم، أو اليأس من الإنجاب، أو الاستلطاف، أو استحسان ولد أو بنت الآخر. رعاية ولد لقيط، أو مفقود، أو مجهول النسب، أو لا عائل ولا مربي له. وظل العمل بهذه العادة حتى ظهر الإسلام، نظرً الأن الله تبارك وتعالى تدرج في التشريع، فالعادات المستهجنة المستحكمة في النفوس، المتشبئة بالأذهان لم تُحرّم في العهد المكي، وإنما أُخّر تحريمها إلى العهد المدني؛ حتى تتعمق العقيدة والوحدانية في القلوب، فتكون الاستجابة والطاعة أسرع وأعمق، ومنها التبني الذي حُرِّم في السنة الخامسة من الهجرة لما نزل قوله تعالى: ﴿ أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِى أَلِدِينِ وَمَوْلِيكُمَّ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]. ومن الصحابة الذين وقع عليهم التبني: ١. المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراوي، المعروف بالمقداد بن الأسود، وهذا الأسود الذي يُنسب إليه هو الأسود بن عبد يغوث الزهري، وإنما نُسب إليه لأن المقداد حالفه(١)، فتبناه الأسود (١) حالفه: أي: تحالفا بالأيمان أن يكون أمرهما في الجاهلية فنُسب إليه، وهو قديم الإسلام من السابقين، وهاجر إلى أرض الحبشة، وشهد بدرًا، وله فيها مقام مشهور، وشهد المشاهد مع النبي صلی الله عليه وسلم وشهد فتح مصر، كانت وفاته بالمدينة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكان عمره ٧٠ سنة (٢). ٢. سالم مولى أبي حذيفة، وهو سالم بن عبيد بن ربيعة، كان من أهل فارس من اصطخر، وكان من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم، تبناه أبو حذيفة لما أعتقته زوجته ثُبيتة الأنصارية، وكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وشهد سالم المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وقُتل يوم اليمامة شهيدًا (٣). ٣. زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأمه سعدى بنت ثعلبة من طي (٤)، خرجت أمه لزيارة قومها، فأغارت علیهم خیل، فأسروا زيدًا وباعوه، واشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد (٥)، وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزءًا واحدًا بالوفاء. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٩/ ٥٤. (٢) أسد الغابة، ابن الأثير ٤٧٥/٤-٤٧٨. (٣) المصدر السابق ٢/ ١٥٥ - ١٥٦. (٤) الروض الأنف، السهيلي ٢٨٦/١. (٥) تاريخ الإسلام، الذهبي ٣٣/١. www. modoee.com ١٣٥ حرف التاء شديدًا، ولما علم بوجوده بمكة قدم هو وأخوه إلى مكة لفدائه(١)، فاختار زيد البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: (أشهدكم أن زيدًا ابني يرثني وأرثه)، فصار يُدعى زيد بن محمد(٢). عن ابن عمر رضي الله عنهما: (إن زید بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ أَدْعُوهُمْ لِأَ بَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللَّهِ﴾﴾(٣) . أسلم في أول يوم من أيام الدعوة (٤)، ويعتبر من كبار السابقين الأولين (٥)، رافق النبي صلی الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف للدعوة في السنة العاشرة من البعثة (٦). هاجر إلى المدينة قبل النبي صلى الله عليه وسلم (٧)، شهد المشاهد كلها (١) أسد الغابة، ابن الأثير ١٢٩/٢ - ١٣٠. (٢) زاد المعاد، ابن القيم ٢/ ٤٣. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَبْآَبِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ ٤٧١/٩ رقم ٤٧٨٢. (٤) الرحيق المختوم، المبار کفوري، ص ٦٥. (٥) تاريخ الاسلام، الذهبي ٣٣٠/١. (٦) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٢/ ٤٦. الرحيق المختوم، المباركفوري ص ١١٣. (٧) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٤٤٨/٢، الروض الأنف، السهيلي ٢/ ٢٢٠. مع النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء غزوة بني المصطلق (٨)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة (٩)، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أمیرًا على سبع سرايا. عن سلمة بن الأكوع قال: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا) (١٠)، وهو حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (وأيم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ) (١١). وهو الصحابي الوحيد الذي ذُكر اسمه صراحة في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَبْدٌ مِنْهَا وَطَرًا (٨) كانت في شعبان سنة ست من الهجرة. انظر: الرحيق المختوم، المباركفوري ص ٢٩٨. (٩) الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢/ ٦٣. (١٠) أخرجهالبخاريفيصحيحه،كتابالمغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، ٣٠٨/٨، رقم ٤٢٧٢. وهذا الحديث ورد في بعث أسامة، لكن ذکر ابن حجر العسقلاني في الفتح في شرح باب غزوة زيد بن حارثة هذا الحديث وعلق بأن الصواب هو زيد بن حارثة بلفظ: غزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا. انظر: فتح الباري ٢٨٤/٨. (١١) أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله ابن عمر، كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب زيد بن حارثة، ٧/ ٤٥٤، رقم ٣٧٣٠. مُوسُوبة النفسية القرآن الكَرِيْمِ ١٣٦ التبنى زَوَّحْتَكَهَا ﴾[الأحزاب: ٣٧]. استُشهد في غزوة مؤتة في السنة الثامنة من الهجرة، وكان أميرًا على الجيش رضي الله عنه وأرضاه (١). (١) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شهبة ٢/ ٤٢٧. أساليب القرآن في إبطال التبني أولًا: نفي البنوة عن المتبنَّى: قال تعالى: ﴿ مَّاجَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهٍ، وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَمِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقِّ وَهُوَ يَهْدِى أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ السَّبِيلَ عِندَ اللّهِّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَّلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤- ٥]. يقول الله تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا یکون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: (أنت عليّ كظهر أمي) أمَّا له، كذلك لا يصير الدَّعي ولدًا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنًا له. فبيّنت الآية أن الأمور الثلاثة باطلة لا حقيقة لها، ولقد ساوت الآية بين شيء محسوس ظاهر بين، وهو عدم وجود قلبين في جوف الرجل، وبين عادتين مستعملتين عند العرب وهما الظهار والتبني، وذلك ليبين فظاعتهما وأنهما مخالفتان للواقع(٢). فعندما أراد الله تعالى أن يبطلهما (٢) جامع البيان، الطبري ١٠/١٩. تفسير القرآن العظیم، ابن كثير ١٤٣/٥. www. modoee.com ١٣٧ حرف التاء ویزیلهما -الظهار والتبني- قدّم بين يدي ذلك بيان قبحه وأنه باطل وكذب؛ وكل إلى معنى لطيف؛ وهو أن العاقل ينبغي أن باطل وکذب لا يوجد في شرع الله ولا يتصف به عباد الله(١). فقد حرص الإسلام على صفاء النسب، فالنسب لا يثبت إلا بولادة حقيقية ناشئة من علاقة غير محرمة؛ لذلك نفى الإسلام أن يكون التبني سببًا لثبوت النسب، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَاءَكُمَّ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَِكُمْ ﴾ [الأحزاب: ٤]. فكل موضع علّق الله فيه حكم القول بالفم فإشارة إلى الكذب وتنبيه إلى أن الاعتقاد لا يطابقه، فالبنوة نسب أصيل عريق، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلًا وغير أصيل (٢) فذلكم ادعاؤكم بقولكم: هذا ابني ﴿ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَمِكُمْ﴾ فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الأعيان، فإذن هو بمعزل من استتباع أحكام البنوة كما زعمتم(٣)، فالتبني حرام؛ لأنه يخلط بين الأنساب وفيه قلب للحقائق وتغيير للحقيقة، وهو يؤدي لمفاسد كثيرة أخرى(٤). وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ إشارة يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع، وفي الدَّعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به، فهذا خلاف الحق، وقول الله هو الحق لا غیر؛ لأن قائله هو الحق تعالی، ولا يصدر عنه إلا الحق؛ لذلك يجب اتباعه(٥). وقوله: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَايِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾ أمر تبارك وتعالى بوجوب دعوة الأبناء إلى آبائهم ولادة ونسبًا وتحريم دعوتهم لغیر آبائهم، فالإنسان يدعى لأبيه بظاهر فراش أمه، ویثبت به النسب والميراث وتجري به الأحكام، وأن هذا هو العدل والقسط والبر (٦)، عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية، وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه ويكون امتدادًا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع (٧). روی ابن عمر رضي الله عنهما: (ماکنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٤ / ١٣٤. (٢) حدائق الروح والريحان، الهرري ٢٢/ ٤٠٥. (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣٠٧/٤. (٤) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين، ٧٦/٦-٧٧. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٢/٢٥، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦/ ٧٤. (٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٤/٥، نكت القرآن، القصاب ٦٤١/٣. (٧) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٣٦/٦. مُوسْو ◌َرُ الْتَفِيد القرآن الكريم ١٣٨ التبنی نزل القرآن: ﴿أَدْعُوهُمْ لَِّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾[الأحزاب: ٥])(١). وأوضحت الآية وجوب أن يُدعى الإنسان إلى أبيه، ويحرم دعوته إلى غير أبيه لفظًا وحقيقةً، وهو محرم بالإجماع(٢)، فالله تعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألحِق نسب زيد بأبيه حارثة ولا تدعه زيد بن محمد، فهذا أعدل عند الله، وأصوب وأصدق من دعائكم إياهم لغير آبائهم، ونسبتكموهم إلى من تبناهم وادعاهم، وليسوا له بنین(٣). قال صلی الله عليه وسلم: (ليس من رجل ادعي لغير أبيه وهو يعلمه إلا کفر بالله، ومن ادعی قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار)(٤)، وقال النبي صلى الله علیه وسلم: (لا ترغبوا عن آبائکم فمن رغب عن أبيه فهو ◌ُفٌّ)(٥). الحديثان فيهما زجر وتغليظ وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، فمن استحل هذا القول مع علمه بالتحريم (١) سبق تخريجه. (٢) منحة الكريم الوهاب، سليمان اللاحم ص ٢١ - ٢٢. ثبوت النسب، ياسين الخطيب ص ٣٣٦. (٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب ٢٢٧/٧،٥، رقم ٣٥٠٨. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، ٥٤٧/١٣، رقم ٦٧٦٨. فقد فعل فعلًا شبيهًا بفعل أهل الكفر؛ لأن فیه كذبًا على الله كأنه يقول: خلقني الله من ماء فلان ولیس کذلك. قال العلماء في معنى (كفر): إنه من يعتقد إباحة ذلك فقد كفر وخرج عن الإسلام. وإن لم يعتقد إباحته ففي معنی کفره وجهان: أحدهما: أنه أشبه فعله فعل الكفار أهل الجاهلية. ثانيهما: أنه كافر نعمة الله والإسلام عليه (٦). فلو انتمی مُتتم إلی أب من الناس، وهو لا يعلم الحقیقة في ضدذلك، لم یکن داخلاً في هذا الوعيد؛ وذلك لأن ارتكاب الفاحشة إذا کان منها ما تُعرُّ له الأعراض، وتنکس له الرءوس وتخجل فيه الوجوه؛ فإنما ذلك كله من أجل نتيجته أن يكون شخص لغير أبیه، فإذا سعی إنسان في أن ينتمي إلى غير أبيه راضيًا بأحوال أولاد الزنا، فقد رضي من الدناءة وسقوط المنزلة بما ينافي أخلاق أهل الجنة (٧). إن تحريم الإسلام وسائر الأديان السماوية للتبني له أسباب: ١. أن التبني مخالف للفطرة الإنسانية وكذب، فإنّ جعل شخص ولدًا وهو (٦) تفسير آيات الأحكام، محمد السايس، ص ٦٢٨. (٧) الإفصاح عن معاني الصحاح، ابن هبيرة، ٣٣٧/١. www. modoee.com ١٣٩ حرف التاء ليس بمولود له، هو افتراء على الحقيقة وضد الطبيعة الإنسانية؛ ذلك أن الأبوة والأمومة ليست ألفاظًا تُردّد ولا عقدًا يُعقد فحسب، إنما هو ارتباط لحم ودم، وارتباط علاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة عن كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي، فهذه هي علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية؛ لذلك قرر القرآن الکریم أن التبني لیس إلا بنوة بالأفواه، لا بالطبع والفطرة والحقيقة، والكلام لا يغيّر واقعًا، ولا ينشيء علاقة، فإقامة العلاقات الحقيقية لا تكون إلا على أساس الولادة الحقيقية وليس على أساس التبني(١). ٢. منع اغتصاب الأنساب وتجريد الطفل من نسبه الأصلي؛ لقوله تعالى: أَدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب: ٥]. ٣. الإسلام يقوم في جميع علاقاته الاجتماعية على أساس من الحق والعدل ورعاية الحقيقة، وهذا يقتضي نسبة الولد إلى أبيه الحقيقي، لا لأبيه المزعوم أو المزوّر، والحق أحق أن (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٣٥/٦، تنظيم الإسلام للمجتمع، أبو زهرة ص ١٢٧ . جويق القرآن الكريم يُتبع. ٤. الواجب على الوالد أن ينسب ابنه إليه لا إلى غيره، فيكون التبني ظلمًا للوالد الحقيقي، وإهدارًا لمعنوياته، و مساسًا بکرامته وحقوقه. ٥. التبني مجرد تحقيق نسب مزعوم أو قول باللسان، لا أساس له من شرع أو منطق أو حكمة ثابتة، وحينئذ لا تكون نسبة الولد إلى غير أبيه الصحيح نسبة صحيحة، وإنما هي مزوّرة(٢). ٦. بنسخ نظام التبني وإبطال آثاره بطل النسب عن طريق التبني، فلا يجوز لأحد أن يفعله لأي سبب كان، فما يفعله بعض الناس اليوم من تبني بعض اللقطاء أو مجهولي النسب بحجة الرحمة به والعطف عليه وتربيته أو غيرها من الأسباب، لا تجعله حلالًا؛ بل يبقى حرامًا، ولا يترتب على الولد بالتبني أي آثار شرعية، ولا أيّ حكم من أحكام البنوة الحقيقية (٣). ٧. إن المتبنَّى سيكتشف الحقيقة آجلاً أو عاجلًا، ومن ثَمَّ ستسبب له اضطرابات نفسية، وينشأ نشأة غير طبيعية؛ لأنه يدرك أن أباه الحقيقي تخلى عنه. (٢) أحكام اللقيط، عمر السبيل ص ١٧٥. (٣) المفصل في أحكام المرأة، عبدالكريم زيدان ص٤٣٩. ١٤٠ التبنى آثار التبني ومفاسده في الماضي والحاضر، تتضح فيما يأتي: ١. أنه مخالف للفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية؛ لما فيه من الكذب والزور واختلاط الأنساب. ٢. فيه ظلم للوالدين الحقيقين، وإهدار لمعنوياتهما، ومساس بكرامتهما ١٠. تخلّي المتبنَّى عن جنسيته الأصلية؛ وحقوقھما. ٣. يؤدي إلى تحريم ما أحل الله من النكاح بتحريم زوجة المتبنَى على المتبنِّي أو أولاده، وبالعكس. ٤. قد يؤدي إلى الزواج بالمحارم لانقطاع صلة المتبنَّى بأسرته الأصلية. ٥. فيه اعتداء على المحرمات باختلاط زوجة المتبنِّ وبناته وجميع محارمه بهذا المتبنَّى، والخلوة بهن، والسفر معهن. ٦. التبني فيه مشاركة الآخرين حقوقهم المالية من النفقة والميراث، فهو أخذ حق مالي بغير وجه شرعي. ٧. قد يُتخذ التبني ذريعة للكيد بأحد الورثة؛ لحرمانه من حقه الذي خصّصه الشرع له. ٨. المتبنَّى غالبًا لا يوجد لديه انتماء حقيقي لأسرته المتبناة ولا لمجتمعه الذي يعيش فيه؛ لأنه يعرف أنه غریب عنهم، وقد يتخلون عنه لأي ظرف أو عند أول طارئ یطرأ علیھم. ٩. قد يكون التبني بدون موافقة الزوجين (المتبنِّ وزوجته) مما يجعل المتبنَّی في وضع مأساوي؛ لأنه يلاقي من الطرف الذي لا يوافق على تبنيه الذل والهوان، وينشأ نشأة معقّدة. لأنه تبع لجنسية المتنِّي له، وتبعًا لذلك تخلّيه عن الأعراف والتقاليد التي تؤمن بها أسرته الأصلية. ١١. بما أن الله تعالى جعل في كل جسد من جينات مورثة ما هو ظاهر في شكله وأخلاقه وكثير من تصرفاته؛ فإن هذا ينعكس سلبًا على المتبنَّی فیما لو كان متبنيه من بلد آخر، وعادات وتقاليد مختلفة تمامًا، مما يجعله يصطدم بالقيم الاجتماعية والدينية. ١٢ . إذا كان المتبنَّی فتاة، فقد یمارس من تبنّاها معها الفاحشة؛ لعدم وجود الحاجز المعنوي الذي يتولد عند المرء بسبب القرابة القريبة المحرّمة، وعندما يكون ذكرًا فقد يقع في الفاحشة مع أحد محارم متبنيه. www. modoee.com ١٤١ حرف التاء ثانيًا: بيان الأم الحقيقية: قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُطَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَابِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمٌ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا أَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ ﴾ [المجادلة: ٢]. يقول تعالى ذكره: الذين يُحرّمون نساءهم على أنفسهم، فيقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، وذلك كان طلاق الرجل امرأته في الجاهلية (١) ﴿مَا هُنَ أُتَّهَتِهِمٌ﴾ لا تصير المرأة بقول الرجل: أنت عليّ كظهر أمي أو كأمي أمَّا (٢)؛ لأن الزوجة محللة، والأم محرّمة، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب (٣). ﴿إِنّ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمْ﴾ أي: إنما أمه التي ولدته (٤)، فأمهاتهم على الحقيقة اللائي ولدنهم، فلا يشبّه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن (٥) (٦) وهن: (١) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٥٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٥/٦. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٢٥٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٤٥. (٥) تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٧٢٠. (٦) حرم الإسلام النكاح بأصناف من النساء هن سبع من النسب: الأمهات مهما علون، والبنات مهما نزلن، والأخوات، والعمات، والخالات سواء الشقيقات أو لأب أو لأم، وبنات الأخوة والأخوات مهما نزلن، ومثلهن من الرضاع. وسبع من المصاهرة: زوجات الأبناء، وقيد الله تعالى حلائل الأبناء بـ الذين من أصلابكم ليخرج الابن الدعيّ، فهذا تحل حليلته لمن تبناه، وذلك فائدة التقييد، ١. أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿ الَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُ: أَمَّهَمُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. قررت الآية الأمومة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك حرمة له وتشريفًا لقدره صلى الله عليه وسلم(٧). فهن منزّلات منزلة الأمهات في تحريم نکاحهن، واستحقاق تعظیمهن، ومن حیث وجوب أداء حقوقهن من الاحترام والإكرام والتوقير والإعظام ومحبتهن والدفاع عنهن، وعدم أذیتهن وبغضهن، وأما غير ذلك فهن أجنبيات، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وليس أمومتهن لهم من حيث الميراث، ولا من حيث جواز خلوتھم بهن، ولا کونھم محارم لهن؛ بل حرمتهن علیهم أشد من حرمة غیرهن(٨). ٢. الأم من الرضاع. قال الله عز وجل في شأن المحرمات وأمهات الزوجات، وبنت الزوجة المدخول بها، والجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٢٥٧، التفسير المنير، وهبة الزحيلي، ٤/ ٣١٢ - ٣١٥. (٧) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين ٦ / ٧٧. (٨) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ١٤٧، منحة الكريم الوهاب، اللاحم ص٣٢-٣٣، تفسير آيات الأحكام، السايس ص٦٢٩ - ٦٣٠. مَوَسُورَةُ الْتَّخِّ لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ ١٤٢ التبنى وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَعَّةِ﴾ [النساء: ٢٣]. أي: وُجِّرمت عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وسواء امتص الطفل من ثدي المرأة مباشرة، أو وضعت اللبن في إناء وأسقته للطفل، فإنها تُسمّى أمه من الرضاع مادام تغذى بلبنها امتصاصًا أو شربًا (١)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)(٢)، وفي رواية: (فإنما الرضاعة من المجاعة)(٣). والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكوّن جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءًا منها، كما هو جزء من أمه التي حملته، وإذا كانت هذه غذّته بدمها في بطنها، فتلك غذّته بلبنها فى حجرها، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرًا من مدة الحمل، فكان لابد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبيه من حرمة وكرامة، وفي هذا التحريم تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم؛ لأنهم إذا علموا أن من النساء: ﴿وَأَمَّهَتُكُمُ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية، والدماء النقية التي لا يدنّسها مرض ينتقل بالوراثة، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخیرون مراضع أولادهم لهذه المعاني (٤). أما الأم من التبني فهي أمومة مصنوعة تؤتي ثمارها وتنكشف حقيقتها إذا ما دارت الأيام، قال تعالى عن امرأة العزيز: ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣]. ولولا أنه نبي معصوم لوقع في الخطأ أو المحظور ﴿ لَوْلَا أَن ◌َّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ» [يوسف: ٢٤]. فألهمه الله أن الفرار من هذا الموقف هو الخير (٥). هذا ما حدث مع نبي، إِذًا فمن يفلت من الوقوع في المعصية مع التبني واستباحة العورات، مع أن أحدهم ليس من محارم الآخر، مما يكون سببًا للوقوع في المعاصي (٦). (١) تفسير آيات الأحكام في سورة النساء، سليمان اللاحم ٣٧٩/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ٥/ ٥٨٠، رقم ٢٦٤٥. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، ٥٨٠/٥، رقم ٢٦٤٧. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٦٣٢. (٥) تفسير المراغي ٤/ ٣٩٣. (٦) انظر: التبني في الإسلام، يحيى الشامي ص ٣٧. www. modoee.com ١٤٣ حرف التاء ثالثًا: زواج النبي من زينب: قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ◌َللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَةٌ فَلَمَّا قَضَىْ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَقَّحْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِيَّ أَزَّوَجٍ أَدْعِيَآَيِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ) مَّا كَانَ عَلَى النَّبِ مِنْ حَرَجٌ فِيمَا فَرَضَ اَللَّهُ لَّهُه سُنَّةَ اللَّهِ فِ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: ٣٧-٣٨]. لما زوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش رضي الله عنهما وكان من أغراض هذا الزواج: إلغاء الفوارق الطبقية. أنه کان مقدمة لتشریع آخر یقوم علیه، وإن لم تُعلم الحكمة في بداية الأمر للزوجين (١). فمكثت عنده تقريبًا من سنة أو فوقها(٢)، لکن حیاہ الزوجین لم تصفُ لهما، فکان زید مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله اضطراب حياته معها، والنبي صلى الله عليه وسلم يحسّ ثِقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب، فيواجه القوم بتحطيم ذلك التقليد (١) انظر: مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش، زاهر الألمعي ص ٦٤. (٢) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٣١٢/٣. العميق(٣). قال سبحانه: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وتبنّاه (٤)، ﴿أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللَّهَ ﴾ الآية، یعاتب الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يقول لزيد: أبقِ زوجك زينب بنت جحش ولا تعجل بطلاقها، واتق الله یا زيد في أمرها(٥). ويدل هذا على أنه ينبغي لمن بدا له طلاق زوجته أن لا يتعجل، وأن يستشير من يثق به من أهل العلم والرأي والنصح والشفقة، وأن المستشار عليه أن یأمر بالإمساك مهما أمكن صلاح الحال فهو خير من الفرقة (٦). وَتَخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ والذي کان یخفیه النبي صلى الله علیه وسلم ما أوحى الله تعالى به إليه أنزينب سيطلّقها زيد، ويتزوجها بعدُ النبي صلى الله عليه وسلم والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خوف لوم الناس وتعبيرهم بأن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٩٥/٦. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٤ /٣٤٤. (٥) انظر: المصدر السابق . (٦) انظر: منحة الكريم الوهاب، سليمان اللاحم ص ١١١. مَوَسوبر التشيك الوضوء القرآن الكريم ١٤٤