النص المفهرس

صفحات 41-54

البيعة
عن إعلان الولاء والطاعة والاعتراف بالأمر العصا)) (٣).
الواقع، وعدم الخروج على الجماعة (١).
فإذا بايع الإمام أهل الحل والعقد، وهم
العلماء والفضلاء ووجوه الناس ثبتت
ولايته، ولا يجب على عامة الناس أن
يبايعوه بأنفسهم؛ وإنما الواجب عليهم أن
يلتزموا طاعته في غير معصية الله تعالى؛ لأن
المقصود بذلك المجموع لا الجمیع؛ لأنه لو
كلف الناس كلهم أن يبايعوا ويباشروا البيعة
لشق ذلك على السلطان نفسه، وللحق الناس
من ذلك المشقة العظيمة، بل يكفي أن يبايع
أهل الحل والعقد، ويكون الناس تبعًا لهم،
قال المازري: ((يكفي في بيعة الإمام أن يقع
من أهل الحل والعقد ولا يجب الاستيعاب،
ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده
في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له
بأن لا یخالفه ولا یشق العصا علیه»(٢).
وقال النووي رحمه الله: ((أما البيعة فقد
اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها
مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل
والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر
إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه
الناس ... ، ولا يجب على كل واحد أن يأتي
إلی الإمام فيضع يده في يده ویبایعه، وإنما
يلزمه الانقياد له، وألا يظهر خلافًا، ولا يشق
(١) انظر: البيعة في النظام السياسي الإسلامي،
أحمد صدیق عبد الرحمن، ص ٣٤ - ٣٥.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ٧ / ٤٩٤.
١. عدد من تنعقد بمبايعتهم الإمامة.
ليس من شرط البيعة إجماع الناس
عليها، ومبايعتهم جميعهم، كما هو مقرر
عند العلماء في السياسة الشرعية، قال ابن
جماعة: ((ولا يشترط في أهل البيعة عدد
مخصوص، بل من تيسر حضوره عند
عقدها، ولا تتوقف صحتها على مبايعة أهل
الأمصار، بل متى بلغتهم لزمهم الموافقة إذا
كان المعقود له أهلًا لها)» (٤).
وقال المازري: ((يكفي في بيعة الإمام
أن يقع من أهل الحل والعقد، ولا يجب
الاستيعاب، ولا يلزم كل أحد أن يحضر
عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام
طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه، ولا يشق
العصا علیه»(٥).
وقال النووي رحمه الله: ((أما البيعة فقد
اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها
مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد،
وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من
العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم
القدح فيه؛ فلأنه لا يجب على كل واحد أن
يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ویبایعه،
وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام
(٣) شرح صحيح مسلم، ١٢/ ٧٧.
(٤) تحرير الأحكام، ابن جماعة ص ٥٣.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ٧/ ٤٩٤.
www. modoee.com
٤٧

حرف الباء
الانقياد له، وأن لا يظهر خلافًا، ولا يشق الحل والعقد، أم بكونهم أكثر الممثلين
العصا))(١).
للأمة، أو كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم
له، أو مسارعتهم بالطاعة بناء على هذه
وقال أبو يعلى: «أما انعقاد الإمامة باختيار
أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل
الحل والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن
إبراهيم: الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل
والعقد علیہ کلھم یقول: هذا إمام، قال أبو
یعلی: وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم»(٢).
البيعة، أو بأي وسيلة من الوسائل، ما دام قد
توفّر لهم التمكين التام من إبداء رأيهم، ولا
یشترط کونھم أربعین، أو أكثر أو أقل، أو
كونهم أهل العاصمة، أو الأقاليم والأمصار؛
لأن كل ذلك يرتبط بالحال والواقع الذي
يشير إلى يسر وسائل الاتصال أو صعوبتها،
وقيل: تنعقد بأقل من ذلك، وممن قال
بعدم انعقادها إلا بجمهور أهل الحل والعقد
المالكية والحنابلة، وقال المعتزلة بانعقادها
بخمسة، وقال الشافعية بانعقادها بالأربعة
والثلاثة والاثنين. وقال الحنفية بانعقادها
بواحد (٣).
فمع ثورة الاتصالات وإمكان التعرف على
الآراء في وقت قصير يمكن بوساطة ما
الاستدلال على الرضا والاختيار، فإن ذلك
یعد من قبیل الوسائل التي يتم بها الواجب،
وعلى هذا فإن الخلافة تنعقد إذا جرت البيعة
والصواب ما قدمناه من أنه لا يشترط من أكثر الممثلين لأكثر الأمة الإسلامية
في البيعة إجماع الناس عليها، ولا عدد ممن يدخلون تحت طاعة الخليفة الذي
مخصوص.
والناظر في أدلة معظم هذه الأقوال التي
فيها اشتراط عدد معين لا يجد فيها حجة
ناهضة، أو دليلًا شرعيًّا معتبرًا، وعلى ذلك
فالحكم الشرعي هو أن يقوم بانتخاب
الخلیفة جمعٌ يتحقق في تنصیبهم له رضا
المسلمين بأي أمارة من أمارات التحقق،
سواء أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل
(١) شرح صحيح مسلم ١٢/ ٧٧.
(٢) الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء ص٢٣.
(٣) انظر: الأحكام السلطانية، الماوردي ص٦ -
٧.
يراد انتخاب خليفة مكانه، كما جرت الحال
في عهد الخلفاء الراشدين، وتكون بيعتهم
حينئذٍ بيعة عقد للخلافة، أما من عداهم فإن
بيعتهم تصير بيعة طاعة.
٢. العبرة في البيعة بأهل الحل
والعقد.
أهل الحل والعقد من المسلمين
هم الذين يتولون اختيار إمام المسلمين
وخليفتهم ولا عبرة بقول العوام في بيعة
الانعقاد، قال القرطبي: ((إذا انعقدت الإمامة
باتفاق أهل الحل والعقد، أو بواحد على ما
٤٨
جوبي
القرآن الكريم

البيعة
تقدّم، وجب على الناس كافة مبايعته على
السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة
رسوله صلی الله علیه وسلم ، ومن تأمی عن
البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر
وقهر؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين))(١). وقد
سبق قول الرملي: ((أما بيعة غير أهل الحل
والعقد من العوام فلا عبرة بها)»(٢).
والمقصود أن البيعة في إطارها العام
تتكون من ثلاثة عناصر رئيسة، أولها:
الطرف الذي أخذت البيعة له، وهو الشخص
الذي يتولى منصب الإمامة. وثانيها: الطرف
الذي أعطى البيعة لمن يستحق الإمامة،
وهم أهل الحل والعقد خاصة، وجماهير
الأمة الإسلامية عامة. وثالثها: موضوع
البيعة، وهو إقامة نظام الخلافة الإسلامية،
وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم .
(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٧٢.
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ٤١٠.
آثار البيعة
أولًا: وحدة الكلمة وجمع الشمل:
من آثار البيعة وحدة الكلمة، وجمع
الشمل، ومن المعلوم أن الاجتماع في
شريعة الإسلام له أهمية کبری، بل هو من
مقاصد الشريعة؛ فالإسلام دين الاجتماع،
ينهى عن الفرقة، ويأمر باجتماع الكلمة
تحت لواء واحد، وسلطان واحد، وإمام
واحد، ولهذا شرعت الجمع والجماعات
من أجل الاجتماع، ومنع من إقامة جماعتين
في آن واحد؛ لئلا تتفرق الكلمة.
ومن أجل هذا المقصد العظيم شرع
الاجتماع على ولي أمر واحد، ومبايعته،
وعدم منازعته، أو الخروج عليه.
ونجد أن الشارع الحكيم قد رتب القتل،
وأمر به نتيجة الخروج على الإمام، مما
يدل على حرمة هذا الفعل؛ لأنه به يحصل
النزاع والشقاق، قال صلى الله عليه وسلم:
(من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد،
یرید أن یشق عصاکم، أو یفرق جماعتكم،
فاقتلوه)(٣).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ومن بايع
إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو
مجتمع، ٣ / ١٤٨٠، رقم ١٨٥٢.
www. modoee.com
٤٩

حرف الباء
ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحدًا لا
عنق الآخر)(١).
وهذا يدل على أهمية اجتماع الناس إلى غيرة أحدهما من الآخر، ومنافسته له،
على البيعة؛ لما لها من أهمية في استقرار
المجتمع، وجمع الشمل، ووحدة الصف.
وقد ورد في القرآن الكريم العديد من
الآيات التي تدعو المسلمين، وتأمرهم
بالاجتماع والتآلف، وتنهى عن التفرق
والاختلاف المؤديين إلى التنازع والفشل،
فمن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ
بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران:
١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَذِينَ تَغَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَيْكَ لَمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:
٤٦].
المعنى، ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها
جميعًا جاءت متفقة على الأمر بالوحدة
والتضامن، والنهي عن التشتت والافتراق
والاختلاف؛ لما ينجم عن ذلك عادة من
التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على
وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول،
٣/ ١٤٧٢، رقم ١٨٤٤.
ینازعه أحد؛ إذ إن وجود إمامين فأكثر يؤدي
ومحاولة التعالي عليه، ومن ثم إلى الشقاق
والتناحر لا محالة، وهذا مما نهى الإسلام
عنه، فدل على وجوب أن يكون إمام
المسلمين واحدًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا
به فهو واجب.
ونتعلم من مبايعة الأمة للصديق رضي
الله عنه بأن الحاكم في الدولة الإسلامية
إذا وصل إلى الحكم عن طريق أهل الحل
والعقد، وبايعته الأمة بعد أن توفرت فيه
الشروط المعتبرة، فإنه يجب على المسلمين
جميعًا مبايعته، والاجتماع عليه، ونصرته
على من يخرج عليه؛ حفاظًا على وحدة
الأمة، وتماسك بنيانها أمام الأعداء في
داخل الدولة الإسلامية وخارجها (٢).
ومن أجل هذا أوجب النبي صلى الله
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا عليه وسلم البيعة بقوله: (ومن مات وليس
في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(٣). فهذا
الحديث فيه حث على وجوب إعطاء البيعة،
والتوعد على تركها، فمن مات ولم يبايع
(٢) انظر: نظام الحكم في الإسلام، عارف أبو عيد
ص٢٤٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن
وتحذير الدعاة إلى الكفر، ٣/ ١٤٧٨، رقم
١٨٥١.
مَوَسُولَةُ النَفسِير
القرآن الكَرِيْمِ

البيعة
مات على الضلال؛ ومن هنا ندرك أهمية جماعة))(٣).
إعطاء البيعة، والوفاء بها، وليس هذا في
الإمامة العظمى فقط، بل حتى فيما دون
ذلك. وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية
على الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (لا یحل لثلاثة یکونون بفلاة من
الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم) (١) قائلاً:
«فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد
في الاجتماع القليل العارض في السفر؛
تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن
الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة ... ،
فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة إلى الله،
فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله
من أفضل القربات))(٢).
ولأن البيعة الغرض منها اجتماع الناس
على إمام واحد وجمع الكلمة، فقد ورد أن
ابن عمر رضي الله عنه ما- کان من عادته
عدم البيعة في حال الاختلاف، وكان يبايع
عند اجتماع الكلمة.
فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ((ما
كنت لأعطي بيعتي في فرقة، ولا أمنعها من
(١) أخرجه أحمد في المسند، ١١/ ٢٢٧، رقم
٠٦٦٤٧
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨/ ٣٩١.
وقد روى البخاري عن عبد الله بن دینار
قال: شهدت عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما حيث اجتمع الناس على عبدالملك،
قال: ((إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله
عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله
وسنة رسوله ما استطعت، وإن بنيّ قد أقرّوا
بذلك» (٤).
قال ابن حجر: (قوله: (حيث اجتمع
الناس على عبد الملك) یرید ابن مروان بن
الحكم، والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة،
وكانت قبل ذلك مفرقة، وكان في الأرض
قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة،
وهما: عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن
الزبير)»(٥).
وقال: ((وكان ابن عمر في تلك المدة
امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك،
فلما غلب عبد الملك، واستقام له الأمر
بایعه»(٦).
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع
والطاعة، فقال: (اسمعوا وأطيعوا، وإن
استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١٣ / ١٩٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
باب كيف يبايع الإمام الناس، ٧٨/٩، رقم
٧٢٠٥.
(٥) فتح الباري ١٣ / ١٩٤.
(٦) المصدر السابق ١٣ / ١٩٥.
www. modoee.com

حرف الباء
زبيبة)(١).
قال المناوي: ((وهذا حث على السمع
والطاعة للإمام ولو جائرًا؛ وذلك لما يترتب
عليه من اجتماع الكلمة، وعز الإسلام،
وقمع العدو، وإقامة الحدود، وغير ذلك،
وفيه التسوية في وجوب الطاعة بين ما
يشق على النفس وغيره، وقد بين ذلك
في رواية بقوله: (فيما أحب وكره)(٢)،
ووجوب الاستماع لكل من تجب طاعته،
كالزوج والسيد والوالد، واستدل به على
أن الإمام إذا أمر بعض رعيته بالقيام ببعض
الحرف والصنائع من زراعة وتجارة وعمل
أنه يتعين على من عينه لذلك، وينتقل من
فرض الكفاية إلى فرض العين عليه بتعيين
الإمام))(٣).
وجاء عن عبادة بن الصامت رضي الله
عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم على العسر واليسر، في المنشط
والمكره، على أن نقول، أو نقوم بالحق لا
نخاف في الله لومة لائم) (٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان،
باب إمامة العبد والمولى، ١/ ١٤٠، رقم
٦٩٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم
تكن معصية، ٦٣/٩، رقم ٧١٤٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة
الأمراء في غير معصية، رقم ١٨٣٩.
(٣) فيض القدير ١/ ٥١٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
وهذه الطاعة في العسر واليسر، والمنشط
والمكره لولي الأمر لا تنافي النصح، فالدين
النصیحة حتى لأئمة المسلمين، فلا يعني أن
الإنسان إذا أسدى النصيحة لولي الأمر أنه
یکون قد نقض بیعته، وانتقص حقه.
قال ابن جماعة: ((وعلى طائفة الأمير
امتثال أمره، والتزام طاعته، والرجوع إلى
تدبيره ورأيه لتكون الكلمة مجتمعة والآراء
متفقة، فإن الخير في اجتماع الكلمة، فإن
ظهر لبعضهم صواب خفي على أميره، بينه
له بأدب، وإن نابهم أمر رفعوه إلیه»(٥).
وكما أن للناس حقوقًا على ولي الأمر
فكذلك له عليهم حقوق أعظمها وأهمها
محبته، وطاعته في غير معصية الله، والدعاء
له بالصلاح والهداية والتوفيق والإعانة،
ونحو ذلك مما فيه منفعة له؛ ولعموم رعيته
وللمسلمين عامة، وعلى هذا المنهج كان
سلفنا الصالح من عهد النبي صلى الله
عليه وسلم إلى يومنا هذا، حتى وإن نالهم
شيء منهم، كما حصل للإمام أحمد وشيخ
الإسلام ابن تيمية وغيرهما، وقد كان الإمام
أحمد يقول: ((لو كان لنا دعوة مستجابة
باب كيف يبايع الإمام الناس، ٩/ ٧٧، رقم
٧١٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية،
وتحريمها في المعصية، ٣/ ١٤٧٠، رقم
١٧٠٩.
(٥) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام
ص٨٦.
مَوسُوبَةُ النَّ
القرآن الكريم
٥٢

البيعة
لدعونا بها لإمام عادل؛ لأن في صلاحه فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا،
صلاحًا للمسلمين))(١).
وقال: ((إني لأدعو له بالتوفيق
والتسدید»(٢)، وذلك اتباعًا لما يعلمونه من
شرع الله عز وجل، وإيمانًا منهم بما يحصل
من طاعته وصلاحه من اجتماع الكلمة،
ووحدة الصف، واستتباب الأمن، وأداء
الحقوق، و قیام مصالح الناس وحیاتهم على
الوجه السوي، وما يحصل بضدّ ذلك من
الأضرار والمفاسد التي لا يعلم قدرها إلا
الله عز وجل، ولا يعرف ذلك إلا من جربه.
ثانيًا: تأييد الله سبحانه وتعالى
ومبار کته:
ومن آثار البيعة تأييد الله سبحانه وتعالى
للمتبايعين، ومباركته لهم، وفيض نعمه
عليهم بسبب مبايعتهم، ووفائهم مع ربهم،
قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اَللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمَّ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى
نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًّاً
عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ١٠].
قال السعدي: ((هذه المبايعة التي أشار
الله إليها هي (بيعة الرضوان)، التي بايع
الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله
صلى الله عليه وسلم على أن لا يفروا عنه،
(١) انظر: الفروع، ابن مفلح، ٢/ ١٢٠، الإنصاف،
المرداوي، ٢/ ٣٩٨.
(٢) انظر: الفروع، ابن مفلح، ٢/ ١٢٠.
ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في
حال يجوز الفرار فيها»(٣). وهؤلاء الموفون
بالبيعة، وما عاهدوا الله ورسوله عليه
کانت عاقبة صدقهم تأييد الله لهم، وكبت
أعدائهم، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة
الذين كفروا السفلى.
والحصر المفاد من (إنما) حصر الفعل
في مفعوله، أي: لا يبايعون إلا الله، وهو
قصر ادعائي بادعاء أن غاية البيعة وغرضها
هو النصر لدين الله ورسوله، فنزل الغرض
منزلة الوسيلة، فادعى أنهم بايعوا الله لا
الرسول (٤).
فلما كانوا صادقين مع الله في تلك
المبايعة أيدهم ونصرهم، وآتاهم أجرًا
عظيمًا، وجعل يده فوق أيديهم، قال
ابن كثير: ((أي: هو حاضر معهم، يسمع
أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم
وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة
رسوله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ يُقَئِلُونَ فِىِ
سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ
حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ
أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٩٢.
(٤) انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٥٧.
www. modoee.com
٥٣

حرف الباء
الَّذِى بَايَعْتُم بِّ وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾
[التوبة: ١١١](١).
فهؤلاء في حقيقة الأمر أنما ﴿يُبَايِعُونَ
اللَّهُ ﴾
ـيدُ
ويعقدون العقد معه، وقوله:
اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: كأنهم بايعوا الله
وصافحوه بتلك المبايعة، فقوة الله تعالى
وقدرته ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، كما
يقال: اليد في هذه المسألة لفلان، أي: الغلبة
والنصرة له، أو المعنی: يد الله تعالی بالوفاء
بما وعدهم من الخير والنصرة فوق أيديهم)).
والمراد بهذه الجملة زيادة التأكيد على
وجوب الوفاء والثبات، وتقرير أن عقد
الميثاق من الرسول صلى الله عليه وسلم
كعقده مع الله تعالى؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ
تَكَثَ﴾ فلم يف بما عاهد الله عليه ﴿فَإِنَّمَا
ینگتُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: وبال ذلك راجع إليه،
وعقوبته واصلة له(٢).
قال سيد قطب: ((أما الحديث عن الوفاء
بالبيعة، والنكث فيها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيِهِمَّ فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِهُ وَمَنْ
أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اَللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[الفتح: ١٠].
فالإيحاء فیہ أکثر إلی تکریم المبایعین،
وتعظيم شأن البيعة، والإشارة إلى النكث
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٦/٧.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧٩٢.
جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب
المتخلفين؛ وكذلك الإشارة إلى المنافقين
والمنافقات، فهي إشارة عابرة، تدل على
ضعف موقف هذه الطائفة)) (٣).
والمقصود أن جملة ﴿﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيهِمْ ﴾ فيها ترغيب في الوفاء، وفيها دلالة
أن الله حاضر معهم بتأييده ونصره إن هم
صدقوا في البيعة، وعزموا الوفاء، وأخلصوا
النية، وقد حصل هذا منهم رضوان الله
علیهم .
ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها
من آيات الصفات أنه يجب الإيمان بها،
وتفويض كيفيتها إلى الله تعالى، وترك
تأویلها، وإن کان ابن کثیر - كما سبق- قد
قال: إن المعنى هو أنه سبحانه و تعالى حاضر
معهم، یسمع أقوالهم، ویری مکانھم، ويعلم
ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع
بواسطة رسوله.
ثم بيّن سبحانه سوء عاقبة الناكثين،
فقال: ﴿فَمَن ◌َّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾
أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله
غني عنه، فمن نكث البيعة، ولم يف بما بايع
عليه فإنما نكثه راجع عليه؛ لأنه يحرم نفسه
الأجر الجزيل، والعطاء العظيم في الآخرة،
والتأييد والنصر في الدنيا.
قال ابن کثیر: «وقد قال محمد بن کعب
(٣) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣١٥.
٥٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ

البيعة
به، من مکر، أو بغی، أو نکث، وتصديقها
في كتاب الله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُّ إِلَّا
بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. ﴿فَمَنْ تَّكَثَ فَإِنَّمَا
يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]))(١).
فالإنسان الذي يخدع تحیق به خدیعته،
والإنسان الذي ينكث في عهده ويغدر
يتسبب في إصابة نفسه وهلاكها، كذلك
الإنسان الذي يبغي ويظلم عقوبته على نفسه
في النهاية؛ ولذلك قيل: لا تمكر ولا تعن
ماکرًا، ولا تخدع أحدًا؛ لأن خداعك سيعود
عليك، ولا تبغ ولا تعن باغيًا، ولا تظلم
ولا تعن ظالمًا، فهذه الأعمال بعواقبها،
فمن مکر بغیره مکر به، ومن بغی علی غيره
فالبغي في الحقيقة علیه، ومن نكث فإنما
ینکث على نفسه.
ثم بيّن سبحانه جزاء الموفين، فقال:
﴿وَمَنْ أَوْقَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللّهَ﴾ أي: أتى به
كاملًا موفرًا ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا
يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه.
والمقصود أن النصر والتأييد حليف
الموفین ببیعتهم وعهودهم مع الله ورسوله،
والخذلان رفيق الناكثين الباغين.
يقول سيد رحمه الله: ((وما يزال القرآن
يعمل بحقيقته الكبيرة، وبما يتضمنه من
(١) تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٥٥٩.
القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل مثل هذه الحقيقة، إنّ وعد الله بهزيمة
الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن
منهج الله قائم في كل لحظة، ووعد الله
بنصر الفئة المؤمنة -ولو قل عددها- قائم
كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على
تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة
لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف، وليس
على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه
الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر
عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى
يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال
عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر
بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه
الحكمة»(٢).
ثالثًا: رضوان الله تعالى والأجر العظيم
في الآخرة:
لما كانت البيعة هي التعاهد والتعاقد
على الالتزام بالإسلام، أو بعض شرائعه،
كالمبايعة على الجهاد، وبذل النفس
والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى،
ونشر دينه، ونصرة نبيه، فالموفي بهذه البيعة
ينال رضوان الله تعالى، والأجر العظيم
في الآخرة، وقد قال الله تعالى في شأن
أصحاب بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ
(٢) في ظلال القرآن ١/ ٣٧٢.
www. modoee.com

حرف الباء
مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِنَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
فالله تعالى هنا يخبر عن رضاه عن
المؤمنين؛ إذ يبايعون الرسول صلى الله عليه
وسلم تلك المبايعة التي بيّضت وجوههم،
واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة، وكان
سبب هذه البيعة -التي يقال لها: بيعة
الرضوان، لرضا الله عن المؤمنين فيها- أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دار
الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية
في شأن مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد،
وإنما جاء زائرًا هذا البيت، معظمًا له، فبعث
رسول الله صلی الله عليه وسلم عثمان بن
عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر غیر صادق،
أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله
صلی الله عليه وسلم من معه من المؤمنین،
وكانوا نحوًا من ألف وخمسمائة، فبايعوه
تحت شجرة على قتال المشرکین، وأن لا
یفروا حتی یموتوا(١). فأخبر تعالى أنه رضي
عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من
أكبر الطاعات وأجل القربات(٢).
فیا له من فوزا ویا له من رضوان!؛ لأن
مصدره من الله العظيم لعبيده الضعفاء، فقد
أنال المبايعين رضوانه، وهو أعظم خير في
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٣١٥/٢،
السيرة النبوية، ابن كثير ٣١٩/٣.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٧٩٣.
الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ
مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
[التوبة: ٧٢].
وشهد لهم بإخلاص النية، وأنزل السكينة
علی قلوبهم، ووعدهم بفتح قریب، ومغانم
كثيرة.
فالله سبحانه وتعالى يرضى ويرضي،
يرضى عن عباده المحسنين، ويرضيهم
بإحسانه، كما قال سبحانه عن النفس
المؤمنة: ﴿أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَضِيَّةٌ مَرْضِيَّةٌ﴾ [الفجر:
٢٨].
ففي الجمع بين صفة الرضا للنفس
والرضا من الله عنها، إشارة إلى أن هذا
الرضا الذي تجده النفس هو رضا دائم
متصل؛ لأنه مستمد من رضا الله عنها،
وأنه ليس مجرد شعور يطرقها، أو خاطر
يطوف بها، ثم يذهب هذا الشعور ويغيب
هذا الخاطر مع موجات الخواطر والمشاعر
التي تموج في کیان الإنسان، کلا إنه رضا لا
ينقطع أبدًا (٣).
وفي هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه
إنسان، وهو رضا الله تعالى عنه ودخوله في
زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته سبحانه
ورحمته (٤). ((فيا لله! كيف تلقوا - أولئك
السعداء - تلك اللحظة القدسية، وذلك
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١٦ / ١٥٦٣.
(٤) الوسيط، طنطاوي ١٣/ ٢٧٧.
٥٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البيعة
التبليغ الإلهي؟! التبليغ الذي يشير إلى كل وهدوء ووقار، تضفي على تلك القلوب
أحد في ذات نفسه، ويقول له: أنت، أنت
بذاتك، يبلغك الله: لقد رضي عنك، وأنت
تبايع تحت الشجرة، وعلم ما في نفسك،
فأنزل السكينة عليك. إن الواحد منا ليقرأ
أو يسمع: ﴿اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ [البقرة:
٢٥٧].
فيسعد، يقول في نفسه: ألست أطمع
أن أكون داخلاً في هذا العموم؟! ويقرأ أو
يسمع: ﴿إِنَّاللّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
فیطمئن، يقول في نفسه: ألست أرجو
أن أكون من هؤلاء الصابرين؟! وأولئك
الرجال يسمعون ويبلغون واحدًا واحدًا أن
الله يقصده بعينه وبذاته، ويبلغه: لقد رضي
عنه، وعلم ما في نفسه، ورضي عما في
نفسه، يا لله! إنه أمر مهول ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ
مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
علم ما في قلوبهم من حمیة لدینهم لا
لأنفسهم، وعلم ما في قلوبهم من الصدق
في بيعتهم، وعلم ما في قلوبهم من كظم
لانفعالاتهم تجاه الاستفزاز، وضبط
لمشاعرهم ليقفوا خلف كلمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم طائعين مسلمين
صابرين، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ بهذا
التعبير الذي يرسم السكينة نازلة في هيئة
الحارة المتحمسة المتأهبة المنفعلة بردًا
وسلامًا وطمأنينة وارتياحًا ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾ هو هذا الصلح بظروفه التي جعلت
منه فتحًا، وجعلته بدء فتوح كثيرة، قد يكون
فتح خيبر واحدًا منها، وهو الفتح الذي
يذكره أغلب المفسرين على أنه هو هذا
الفتح القريب الذي جعله الله للمسلمين،
﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ إما مع الفتح
إن کان المقصود هو فتح خيبر، وإما تالیًا له
إن كان الفتح هو هذا الصلح الذي تفرغ به
المسلمون لفتوح شتى))(١).
واللام في قوله: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هي الموطئة للقسم(٢).
والرضا: ما يقابل السخط ﴿عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
عن جميع المؤمنين، وهم أهل الحديبية
الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وقد
علم الله ما في قلوبهم من الصدق والإيمان،
وولاء وتسلیم لله، مع ما كانوا يجدون في
صدورهم من حرج في التوفيق بين ما جاءوا
له، وهو دخول المسجد الحرام، وبين هذا
الصلح، فرضى الله عنهم لمبايعتهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم وصدقهم في
بیعتهم.
و﴿إِذْ يُبَابِعُونَكَ﴾ ظرف متعلق
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٢٦.
(٢) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٣ / ٢٧٥.
www. modoee.com
٥٧

حرف الباء
ب﴿رَضِى﴾، وفي تعليق هذا الظرف ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر
بلغه أن قومًا يأتون الشجرة، فیصلّون عندها،
بفعل الرضا ما يفهم أن الرضا مسبب عن
مفاد ذلك الظرف الخاص بما أضيف هو
إليه ... ، والمضارع في قوله: ﴿يَاِعُونَكَ ﴾
مستعمل في الزمان الماضي؛ لاستحضار
حالة المبايعة الجليلة(١).
فتوعّدهم، ثم أمر بقطعها، فقطعت)) (٤).
والحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان
لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن
تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى
بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما
نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى
ذلك أشار ابن عمر رضي الله عنهما بقوله:
(رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان
على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة
من الله)(٥). أي: كان خفاؤها عليهم بعد
ذلك رحمة من الله تعالى.
والتعريف في الشجرة للعهد، وهي:
الشجرة التي عهدها أهل البيعة حين كان
النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلها،
وهي شجرة من شجر السّمر - بفتح السين
المهملة وضم الميم - وهو شجر الطلح ... ،
وذكر تحت الشجرة؛ لاستحضار تلك
الصورة تنويهًا بالمكان، فإن لذكر مواضع
الحوادث وأزمانها معاني تزيد السامع
تصورًا؛ ولما في تلك الحوادث من ذکری
مثل مواقع الحروب والحوادث، كقول
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (ويوم
الخمیس وما یوم الخمیس اشتد برسول الله
صلى الله عليه وسلم وجعه)(٢) الحديث (٣).
وقد کان الناس بعد ذلك يترددون على
تلك الشجرة ويصلون تحتها، ويدعون الله
تعالى، فأمر عمر رضي الله عنه بقطعها خشية
الافتتان بها. قال الحافظ ابن حجر: ((روى
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَافِ قُلُوبِهِمْ﴾ من الإيمان
﴿فَأَنَزَلَ السَّكِيْنَةَ عَلَيْهِمْ ﴾؛ شكرًا لهم على
ما في قلوبهم، وزادهم هدى، وعلم ما في
قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي
شرطها المشركون على رسوله، فأنزل
عليهم السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم
﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو: فتح خيبر،
لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا
بخیپر وغنائمها، جزاءً لهم، وشكرًا على ما
فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته.
(١) انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه
وسلم ووفاته، ٦/ ٩، رقم ٤٤٣١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٦/ ١٧٥.
(٤) فتح الباري، ٧/ ٤٤٨.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا،
وقال بعضهم: على الموت، ٤ /٥٠، رقم
٢٩٥٨.
٥٨
موسوبر النفسية العضو
القرآن الكريم

البيعة
ووصف الفتح بأنه قریب وذلك لقرب
زمانه؛ إذ كان على أيام من صلح الحديبية،
ثم لقرب تناوله؛ إذ لم يلق المسلمون من
أهل خيبر بلاء كثيرًا، بل سرعان ما استسلم
يهود خيبر لید النبي صلى الله عليه وسلم،
ونزلوا على حكمه (١).
وإضافةً إلى رضوانه عنهم وعدهم
سبحانه وتعالى مغانم، فقال: ﴿وَمَغَانِمَ
كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾، والمغانم الكثيرة
المذكورة هنا هي: مغانم أرض خيبر،
والأنعام والمتاع والحوائط، فوصفت
بکثیرة لتعدد أنواعها، وهي أول المغانم التي
كانت فيها الحوائط، وفائدة وصف المغانم
بجملة: ﴿يَأْخُذُونَهَا ﴾ تحقيق حصول فائدة
هذا الوعد لجميع أهل البيعة قبل أن يقع
بالفعل، ففیه زیادة تحقیق لکون الفتح قريبًا،
وبشارة لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل
(٢)
رؤية هذا الفتح
.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ أي: له
العزة والقدرة التي قهر بها الأشياء، فلو شاء
لانتصر من الكفار في كل وقعة تكون بينهم
وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم
ببعض، ويمتحن المؤمن بالكافر(٣).
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب،
١٣/ ٤١٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٦ / ١٧٦.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٧٩٣.
وهو تعقيب مناسب للآيات قبله، ففي
الرضا والفتح والوعد بالغنائم تتجلى القوة
والقدرة، كما تتجلى الحكمة والتدبير،
وبهما يتم تحقيق الوعد الإلهي الكريم (٤).
والمقصود أن في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِىَ
اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوِ
أسلوبًا تبشیریًّا وتنویھیًّا، كما هو ظاهر للذين
بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة
الحديبية تحت الشجرة ... ، والجملتان
منطويتان كذلك على القصد التطميني
والتبشيري الذي استهدفته آيات السورة.
وقد رويت بعض الأحاديث في فضل
الذين بايعوا تحت الشجرة؛ منها:
# حدیث عن جابر رضي الله عنه قال:
(قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما
بايعه الناس تحت الشجرة: (أنتم خير
أهل الأرض)(٥).
وحديث أم مبشر، قالت: (سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
عند حفصة: (لا يدخل النار إن شاء الله
تعالى من أصحاب الشجرة التي بايعوا
تحتها أحد)(٦).
(٤) في ظلال القرآن ٦/ ٣٣٢٦.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة الحديبية، ٥/ ١٢٣، رقم
٤١٥٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة
القتال، رقم ١٨٥٦.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
www. modoee.com
٥٩

حرف الباء
من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل،
والوفاء التام، وقد نوه عن إخلاصهم بالاسم
المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿فَعَلِمَ
مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الإيمان والإخلاص،
وكان من نتائج ذلك ما ذكره الله جل وعلا
في قوله: ﴿وَأَخْرَىْ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ
بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا﴾ [الفتح:
٢١].
فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم
لم يقدروا عليها، وأن الله جل وعلا أحاط
بها، فأقدرهم عليها؛ وذلك من نتائج قوة
إيمانهم، وشدة إخلاصهم، فدلت الآية
على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به
هو السبب لقدرة الضعيف على القوي،
وغلبته له ﴿كَمْ مِّنِ فِتَةٍ قَلِيلَةٍ خَلَتْ
فِئَةٌ كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾
[البقرة: ٢٤٩].
فقوله: ﴿لَمْ تَقِّدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ في معنى:
لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع
أنواع القدرة؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل
على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد
الداخلة تحت العنوان، كما هو معروف في
محله؛ وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة
عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جل وعلا
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من
فضائل أصحاب الشجرة، ٤ / ١٩٤٢، رقم
٢٤٩٦.
وكل هذه الفضائل لهم لما علم جل وعلا أحاط بها، فأقدرهم عليها؛ لما علم من
الإيمان والإخلاص في قلوبهم ... ، وقد
جاء ما یبین سبب رضوان الله تعالی علیھم،
وهو بسبب أعمالهم، كما في قوله تعالى:
﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَحْتَ الشَّجَرَوَ﴾ فكانت المبايعة سببًا
للرضوان (١).
وفي هذه الآية رد على طعن الرافضة
في الصحابة رضوان الله عليهم ، ولا سيما
أصحاب بيعة الرضوان، الذين أثنى الله
تعالى عليهم في القرآن، وأقسم أنه رضي
عنهم، وجعل ذلك مما يتعبد به المسلمون
إلی آخر الزمان.
موضوعات ذات صلة:
السياسة، العهد، والميثاق، الوفاء
(١) انظر: أضواء البيان ٣/ ٥٢ بتصرف.
٦٠
القرآن الكريم