النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
عناصر الموضوع
مفهوم البر
٣٤
البر في الاستعمال القرآني
٣٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٦
صلة البر بالإيمان والتقوى
٣٩
مجالات البر
٤٢
البر والصلات الاجتماعية
٦٠
آثار البر في الدنيا والآخرة
٦٥
المُجَلَّدَ السَّابِعْ

حرف الباء
مفهوم البر
أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والراء في المضاعف أربعة أصولٍ: الصدق، وحكاية صوتٍ، وخلاف البحر، ونبتٌ.
أما الصدق، فكالقول: فلانٌ بارٌ في يمينه، أي صادقٌ فيها، وأما حكاية الصوت، فالبر
الصوت بالغنم إذا سيقت، والبربرة صوت المعز، وأما خلاف البحر، فيقال: أبر الرجل، أي
صار على البر، وأبحر الرجل، أي صار في البحر، وخرج إلى البرية أي ذهب إلى الصحراء،
وأما النبت، فالبر هو الحنطة (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر العلماء عدة معانٍ للبر، منها: التقوى والجنة والخير والإسلام والإيمان (٢)، وقد
عرفه أبو حيان الأندلسي بأنه: ((الإتيان بما كلفه الإنسان من تكاليف الشرع، اعتقادًا وفعلًا
وقولً))(٣)، وعرفه الشوكاني بأنه: ((اسمٌ جامعٌ للخير)) (٤)، وعرفه أحمد المراغي بأنه:
((الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتصاف البار بها وقيامه بعملها))(٥).
وبالنظر في التعريفات السابقة يمكن القول بأنه يمكن دمجها في تعريف واحد هو: البر
اسم جامع لكل ما يرضي ربنا جل وعلا.
مما سبق يظهر ترابط وثيق بين المعنى اللغوي لكلمة البر الذي بمعنى الصدق والطاعة،
وبين المعنى الاصطلاحي لها، ولكن المعنى اللغوي أعم من الاصطلاحي، فالمعنى اللغوي
يشمل الصدق مع أي كان وطاعته، أما المعنى الاصطلاحي فيقتصر على الصدق مع الله
تعالى، وطاعته جل وعلا، وهذا يتفق مع مفهوم العبادة.
(١) انظر: جمهرة اللغة، أبو بكر الأزدي ١/ ٦٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٩،١٨١/١، المحكم، ابن
سيده ١٠/ ٢٤٣، ٢٤٠، مشارق الأنوار، السبتي ١ / ٨٤.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٢٥/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٩/٨، لباب التأويل،
الخازن ١/ ٢٦٨.
(٣) البحر المحيط ٢/ ١٧٠.
(٤) فتح القدير ١٩٩/١.
(٥) تفسير المراغي ٢/ ٥٤.
٣٤
مُوسُوبَةُ الْتَظِيمـ
جوب
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البر
البر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بر) في القرآن الكريم (٢٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٢
وَتَتَّقُواْ ﴾ [البقرة: ٢٢٤]
إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ, هُوَ أَلْبَرُّ الرَّحِيمُ
٢٨
صفة مشبهة
٩
[الطور: ٢٨]
اسم فاعل
١
٠٠٠
(١٦) ﴾ [عبس: ١٦]
ـرامٍ بردةٍ
اسم
٨
﴿وَتَنَجَوْ بِآلِّرِّ وَالنَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩]
وورد البر في القرآن على ثلاثة أوجه (٢).
الأول: الصلة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ
[البقرة: ٢٢٤]. لئلا تصلوا القرابة.
الثاني: الطاعة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ
[المائدة: ٢]. أراد بالبر الطاعة وترك المعصية.
الثالث: التقوى: ومنه قوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَتّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
يعني لن تنالوا التقوى.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١١٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٢٩،١٣٠.
www. modoee.com
٣٥
﴿وَلَا تَجْعَلُواْ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُّوَأْ

حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
١
التقوى:
التقوى لغةً:
من وقى. الواو والقاف والياء كلمة واحدة تدل على دفع شيء بشيء آخر. (١)
التقوى اصطلاحًا:
أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقایةً
تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه (٢
٠
الصلة بين البر والتقوى:
من خلال تعريف كلٍ من البر والتقوى يمكن القول بأن البر فعل ما يرضي الله تعالى،
واجتناب معصيته، بينما التقوى هي الاحتراز والوقاية من عذاب الله تعالى بأعمال البر.
الخير:
٢
الخير لغة:
الخير ضد الشر (٣).
الخير اصطلاحًا:
الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (٤).
الصلة بين البر والخير:
يفهم من تعريفي البر والخير السابقين أن بينهما فارقًا وهو أن البر هو اسم جامع لكل ما
يرضي ربنا عن قصد، أما الخير فقد لا يكون عن قصد إرضاء الله تعالى فقد يقع الخير من
كافر كأن يتبرع لبناء مستشفى، أو لعلاج مريض، أو لتعليم طالب فقير أو غير ذلك. (٥)
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣١/٦.
(٢) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص١٣٨
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١١/ ٢٣٨.
(٤) روح البيان، إسماعيل حقي ٧/ ٣٤٨.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ١/ ١٧٠.
٣٦
جوسو بر التقنية الوضوء
القرآن الكريم

البر
الإحسان:
٣
الإحسان لغة:
مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة (١)
الإحسان اصطلاحًا:
هو: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل
منه (٢).
الصلة بين البر والإحسان:
يظهر من خلال تعريفي البر والإحسان أن الإحسان أعلى درجة من البر فالبر هو اتيان
العمل الصالح، بينما الإحسان هو اتقان العمل الصالح.
الإثم:
٤
الإثم لغة:
من أثم. الهمزة والثاء والميم أصل واحد، يدل على التأخر(٣)
الإثم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني بأنه: "ما يجب التحرز منه شرعًا وطبعًا))(٤)، وهو أيضًا التأخر عن فعل
الطاعات(٥)، وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:) والإثم ما حاك في صدرك،
وكرهت أن يطلع عليه الناس) (٦)، وهذا يعني أن ارتكاب الآثام أمر يشعر صاحبه بالضيق.
الصلة بين البر والإثم:
البر من القربات التي حث عليها ربنا جل وعلا، أما الإثم فهو مما نفر منه الشارع الحكيم،
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢].
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١٧/١٣.
(٢) التفسير المنير ١٤ / ٢١٢.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٦٠.
(٤) التعريفات ص ٩.
(٥) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٦٤٨/٥.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم ٤/ ١٩٨٠، رقم
٢٥٥٣.
www. modoee.com
٣٧

حرف الباء
العدوان:
٥
العدوان لغة:
التعدي في الأمر، وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه(١).
العدوان اصطلاحًا:
التجاوز ومنافاة الالتئام، والإخلال بالعدالة في المعاملة(٢).
الصلة بين البر والعدوان:
البراجتهاد في طاعة الله تعالى، أما العدوان فهو تجاوز لحدود ما شرع الله تعالى لعباده،
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢].
المعصية:
٦
المعصية لغة:
من عصوى. العين والصاد والحرف المعتل أصلان صحيحان، إلا أن بينهما تباينًا
فأحدهما يدل على التجمع، والآخر يدل على الفرقة، والمعصية هي المخالفة، والعاصي
هو المخالف، والمعصية ضدها الطاعة.(٣)
المعصية اصطلاحًا:
هي (مخالفة الأمر قصدًا)).(٤)
الصلة بين البر والمعصية:
يلاحظ من خلال تعريفي البر والمعصية أن هنالك اختلافًا بينهما فالبر هو الطاعة عن
قصد، والمعصية هي المخالفة عن قصد.
(١) العين الفراهيدي ٢/ ٢١٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٥٣.
(٣) انظر: المصباح المنير، أحمد الفيومي ٢/ ٤١٤.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص٢٢٢.
٣٨
مُوسِو ◌َ النَّسيد
القرآن الكريم

البر
صلة البر بالإيمان والتقوى
إن المتتبع لنصوص القرآن الكريم التي
ورد فيها لفظ ((البر)) يجد أن هنالك اقترانًا
بين البر وبين الإيمان والتقوى.
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِي الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِىِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَآءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة
أن حقيقة البر تكمن في الإيمان بالله،
والآخرة، والملائكة، والقرآن، والأنبياء،
وكذلك في الإنفاق في سبيل الله تعالى
على المحتاجين من الأقارب، والأيتام،
والمساكين، والمنقطع عن ماله وأهله في
سفر، والسائلين، والعبيد، ويكمن الإيمان
كذلك في المداومة على إقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، وبالصبر على
الشدائد، وعند مواجهة العدو، ثم يعقب
تعالى بالتأكيد على أن الملتزمين بما سبق
من مكامن البرهم الأتقياء الصادقون.(١)
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي
٢٢٤،٢٢٨/١.
ويلاحظ أن الآية الكريمة قد بينت أن
الذي يجمع بين العناصر التي یکمن فيها
البر هو العبد التقي، وفي ذلك دلالة واضحة
على أن لزوم البر يؤدي إلى الحصول على
مرتبة التقوى. (٢)
وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلْ
هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن
تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ أَلْبِرَّ مَنِ
أَنَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَيِهَاً وَأَتَّقُواْ
اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
يعلم الله تعالى عباده في هذه الآية
أن الأهم في السؤال هو أن يكون سبيلاً
للحصول على الجواب النافع لأمر الدين،
فقد أوحى الله تعالى لرسوله الكريم صلى
الله عليه وسلم إجابة للسؤال عن الأهلة
تبين علاقة الأهلة بما ينفع الناس من أحكام
الدين، وتحديدًا علاقة الأهلة بتحديد
المواقيت الزمانية لأشهر الحج، ثم يبين
الله تعالى أنه ليس من البر أن يدخل المحرم
بيته من ظهره، ولكن البر بلزوم تقوى الله
تعالى في السر والعلن، ثم يأمر الله تعالى
عباده بالدخول إلى البيوت من أبوابها حتى
في حال الإحرام، ويلزوم التقوى في القول
والعمل. (٣)
تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْيْرِ
وقال
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
١٠ /٤٤٩.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ١٢١،١٢٠.
www. modoee.com
٣٩

حرف الباء
وَالنَّقْوَى ﴾ [المائدة: ٢].
يأمر الله تعالى عباده في هذه الآية
الكريمة بالتعاون على أداء الطاعات التي
يتقى بها من العذاب الأليم(١).
ويلاحظ أن الآية الكريمة قد قرنت بين
البر والتقوى؛ وذلك لبيان أن أعمال الخير
لا بد وأن يراعى فيها تقوى الله عز وجل(٢)،
فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَاً
إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآَهُ مَنُورًا﴾
[الفرقان: ٢٣].
أن الله تعالى يجعل ما عمله الكفار في
الدنیا من أعمال البر باطلًا لا ثواب له(٣).
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَنَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ وَتَنَّوْ بِآلِرِّ وَاَلنَّقْوَىُّ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىّ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩].
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين في
هذه الآية الكريمة عن التناجي بالقبيح من
الأقوال مما لا يتفق مع ما دعا إليه الإسلام،
ثم يبين لهم جل وعلا أنه في حال لزمت
النجوى فلتكن بما فيه الخير (٤).
ويلاحظ من الآية السابقة اقتران البر
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢١٨.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٢٩٠٨/٥.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣١١/٣.
(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
الحنبلي ٥٣٩/١٨.
بالتقوى، ولعل السبب في ذلك هو أنه لابد
عند التناجي من مراعات أمرين، الأول:
التناجي بما فيه المصلحة للمؤمنين، الثاني:
الحذر من التناجي بالمعصية (٥).
مما سبق يتضح أن اقتران البر بالتقوى
يرجع إلى الأسباب الآتية:
١. بیان أن لزوم البر یرقی بالعبد حتى يصل
إلى مرتبة التقوى.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ
لَعَلَّكُمْ تَفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فقدم الله تعالى في هذه الآية أمره لعباده
المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة،
على أمره لهم بالتقوى، وذلك لأن الأمور
المتقدمة ترقى بالعبد المؤمن إلى مرتبة
التقوى، وشرح ذلك أن أمر الله تعالى
لعباده المؤمنين بالصبر يشمل الصبر على
طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته،
والصبر على المحن والشدائد، كما يتضمن
أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمصابرة
الجلد مع الأعداء بحیث یفوق صبرهم صبر
أعداءهم، وكذا يتضمن أمر الله تعالى لعباده
المؤمنين بالمرابطة حماية حدود المسلمين
من أذى المتربصين بهم من أعداء الإسلام
والمسلمين(٦)، ويعد جميع ما سبق من
(٥) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣٤١/٧.
(٦) انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي
٣٨٢/٢.
مَوَسُولَةُ النَّصـ
القرآن الكريم
٤٠

البر
أعمال البر التي من شأنها أن تقي صاحبها [يونس: ٦٢ - ٦٤].
من عذاب الله تعالی وسخطه.
٢. لابد من مراعاة تقوى الله تعالى عند
القيام بالأعمال الصالحة، وذلك حتى
ينتفع بها صاحبها يوم الدين.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَثَّقَوْاْ
مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ
دَارُ الْمُتَّقِينَ ، جَنَّتُ عَدِّنٍ يَدْ خُلُونَها تَجْرِى مِن
تَّحْتِهَا الْأَنْهَِّ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى
اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠ - ٣١].
تبين هذه الآيات الكريمة أن جزاء
الصالحين من عباده الأتقياء الأنقياء الذين
يستشعرون مراقبة الله تعالى لهم في كل
عمل يقومون به، ويجتهدون في التقرب إليه
سبحانه بما يحب من الطاعات، ويحذرون
من الوقوع فيما نهاهم عنه من المخالفات
هو الدخول في جنان النعيم المقيم في
الآخرة(١).
وقال تعالى أيضًا في بيان حسن عاقبة
المؤمنين الأتقياء: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَثُونَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ { لَهُمُ الْبُشْرَى
فِىِ الْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ
لِكَلِمَتِ الَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٣٩.
٣. لبيان أنه لابد للمؤمن أن يكون بارًا فلا
يقدم إلا على الطاعات، وأن يكون تقيّا
ورعًا، فيحذر من الوقوع في المعاصي.
فائدة:
تختلف لفظتا البر والتقوى في المعنى إذا
اجتمعتا في الآية، وذلك كما في قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
فالبر هنا بمعنى اتيان الطاعات، والتقوى
الاحتراز عن المنهيات (٢)، وتتفق اللفظتان
في المعنى إذا افترقتا في الآية، وذلك كما
في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْبَتَّمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِ الرِّقَّابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَّةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّنَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فمعنى البر هنا هو التقوى كما هو واضح
من الآية الكريمة (٣).
(٢) انظر: تفسير ابن عرفة ٢/ ٨٤.
(٣) انظر: الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري
ص١٣٢.
www. modoee.com
٤١

حرف الباء
مجالات البر
أكرم الله تعالى عباده بدين البر والرشاد،
قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ
مِنَ الْغَيُّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللّهِ
فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاَللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٥٦
وكما يتضح من الآية الكريمة فإن الله
تعالى قد ميز للناس طريق الهداية من طريق
الضلال، وبعدها ترك لهم الخيار في سلوك
أحد الطريقين، وبين أن المحق من العباد هو
من سيختار طريق الهدى والرشاد، وذلك
لما تميز به هذا الطريق من الدعوة إلى لزوم
البر في كافة المجالات والتي منها ما يأتي:
أولًا: البر في الإيمان:
قرن الله تعالى أركان الإيمان بالبر في
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَاَلْيَتَعِىّ
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِي الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَأَلْضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ويتضح من الآية الكريمة أن الله تعالى
قد بین أن ارضاءه والتقرب منه لا یکون
بمجرد القيام بأداء بعض هيئات العبادات،
وإنما يكون بإخلاص النية وسلامة المعتقد،
ويتمثل ذلك بما يأتي:
١. البر في الإيمان بالله تعالى.
الإيمان بالله تعالى هو الركن الأول من
أركان الإيمان، وهو كذلك الركيزة التي
استندت إليها دعوات الرسل عليهم الصلاة
والسلام، قال تعالى: ﴿رَبَّنَاْ إِنَّنَا سَمِعْنَا
مُنَادِيًّا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَشَامَتًا
رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
والمنادي الذي نادی للإيمان هو محمد
صلى الله عليه وسلم (١)، ويفهم من دعاء
المؤمنين الوارد في فاصلة هذه الآية الكريمة
أن الذي يموت على الإيمان بالله تعالى فهو
من الأبرار المقبولين عند الله تعالى، وقال
تعالى أيضًا على لسان يوسف عليه السلام:
﴿قَالَ لَا يَأْتِيَكُمَا طَعَامٌ تُزَقَائِ* إِلَّا بَبَأْتَكُمَا
بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَّكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِّ
إِ تَرَّكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ
هُمْ كَفِرُونَ ﴿ وَأَتَبَعْتُ مِنَّةَ ءَا بَآءِىّ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَّا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ
مِن شَىْءٍّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٥ يَصَحِبِ
السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ
اَلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٧ - ٣٩].
(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، ٣٢١/١.
٤٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البر
ويفهم من هذه الآيات الكريمة أن يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَيْكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ
ملازمة البر في المعتقد تتطلب الإيمان بالله الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
تعالی وحده.
٢. البر في الإيمان باليوم الآخر .
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس
من أركان الإيمان وقد تقدم على غيره من
الأركان في آية البقرة؛ لأنه من أبرز ما أنكره
الكفار والمنافقين من أركان الإيمان بعد
الإيمان بالله تعالى، وهذا ما هون عليهم
انكار باقي أركان الإيمان، وكما هو معلوم
فإن الكفار والمنافقين أنكروا على المؤمنين
تحويل القبلة، ورأوا أن ذلك أمر جلل،
ومن شأنه أن يشوه أمر المسلمين ويقدح
في دينهم، فكان الرد عليهم من الله تعالى:
بأن صلاح أمر المسلمين وبرهم بخالقهم
جل وعلا لا يكون بالتوجه بالصلاة إلى هذه
الناحية أو تلك بالدرجة الأولى، وإنما يكون
بالتجرد لله تعالى وسلامة المعتقد قبل
كل شيء، لا كما فعلتم أنتم یا من أفسدتم
معتقداتکم وأنکر تم ما هو أعظم من تحويل
القبلة(١).
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم قد
قرن العديد من أعمال البر بالإيمان باليوم
الآخر وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١ /٤٨١.
ويأتي هذا الاقتران نظرًا لأن المكافأة
على تلك الأعمال إنما يكون في الآخرة، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَّفِى نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٢].
كما أن الإيمان باليوم الآخر هو أحد أبرز
الدوافع للقيام بأعمال البر.
٣. البر في الإيمان بالملائكة.
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من
أركان الإيمان، وقد جعل الله تعالى الاعتقاد
به من أصناف البر التي لا یصح إیمان عبد
دونه، وهو من المعتقدات التي خالف فيها
أهل الضلال النھج السليم الذي بينه ربنا جل
وعلا في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا
الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَأْ أَشَهِدُوا
خَلْقَهُمُّ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْشَلُونَ﴾
[الزخرف: ١٩].
وتظهر هذه الآية الكريمة أن المشركون
وصفوا الملائكة بالأنوثة، وهذا أمر غير
جائز كما هو معلوم؛ والعلة في عدم الجواز
أن الملائكة عالم غيبي بالنسبة للبشر،
والحديث عن تفاصيل تخص هذا العالم
أمر يحتاج إلى دليل شرعي، وبما أنه لا
دليل شرعي يصف الملائكة بالذكورة أو
الأنوثة، فإن ادعاء المشركين بأن الملائكة
إناثًا هو محض افتراء على الله تعالى،
والأمر لم يقف عند هذا الوصف بل تعداه
www. modoee.com
٤٣

حرف الباء
إلى مناصبة أهل الشرك والضلال العداوة
للملائكة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا
لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا
لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَبُشْرَىْ لِلْمُؤْمِنِينَ
أُ مَن كَانَ عَدُوًا لِلَّهِ وَمَلَبِكَيْهِ، وَرُسُِّهِ،
٩٧
وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ ﴾
[البقرة: ٩٧ - ٩٨].
وقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه
قال: (سمع عبد الله بن سلام، بقدوم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في أرضٍ
یخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا
نبيٌّ: فما أول أشراط الساعة؟، وما أول طعام
أهل الجنة؟، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى
أمه؟ قال: (أخبرني بهن جبريل آنفًا) قال:
جبريل؟: قال: (نعم)، قال: ذاك عدو اليهود
من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَن كَانَ
عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ٩٧].
يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوتٍ، وإذاً
سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا
سبق ماء المرأة نزعت)، قال: أشهد أن لا إله
إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول
الله، إن اليهود قومٌ بهتٌ، وإنهم إن يعلموا
بإسلامي قبل أن تسألهم بيهتوني، فجاءت
اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(أي رجلٍ عبد الله فيكم). قالوا: خيرنا وابن
خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: (أرأيتم إن
أسلم عبد الله بن سلام). فقالوا: أعاذه الله
من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا
إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقالوا:
شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي
کنت أخاف یا رسول الله)(١).
والشاهد من الحديث الشريف أن
اليهود كانوا يعادون جبريل عليه السلام من
الملائكة، ومن المعلوم أن معاداة الملائكة
إنما هي معاداة لله تعالى؛ وذلك لأن
الملائكة لا تقوم بشيء حتى يأمرها ربها
جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَابَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْيُونَ ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْفِهِمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ ﴾﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
وبالتالي فإن البر يقتضي الإيمان
(أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس بالملائكة لا بإنكارها، أو وصفها بما لا دليل
من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام من القرآن أو السنة عليه، أو مناصبتها العداء
خصوصًا وأن مناصبة الملائكة العداء من
أعمال الكافرين الباطلة.
٤. البر في الإيمان بالكتب .
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (من كان عدوًا لجبريل)، ١٩/٦،
رقم ٤٤٨٠.
مُوسُوبَة النَِّية
العَرَآن الكَرِيْمِ
٤٤

البر
الثالث من أركان الإيمان، وتعتبر الكتب
السماوية المصدر الأساس لمعرفة أعمال
البر المطلوب من العباد لزومها سواءً
بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل، وذلك نظرًا
لما تحويه من قواعد وتشريعات إلهية يعد
الالتزام بها من أعمال الخير والبر التي تقرب
العباد من ربهم جل وعلا، وقد جاء تصديق
ذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ
عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَ يَجْعَل لَّهُ عِوَمَاً ) فَتِّمًا
لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشْرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًّاً
حَسَنًا﴾ [الكهف: ١- ٢].
ومعنى قيمًا: أي مستقيمًا بذاته فلا
اعوجاج فيه، مقومًا لغيره ممن لزمه واقعًا
تطبيقيًا(١)، كما جاء في قوله تعالى أيضًا:
﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرِّ يِّنَ اَلِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا
سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَبً لِ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَثَامَنَا بِهِ،
وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ١ - ٢].
وبالتالي فإن الإيمان بالقرآن من أعمال
البر وهو النتيجة التي أدت إليها دعوة القرآن
إلى الرشد كما يتضح من الآيتين الکریمتین،
ويقال في باقي الكتب السماوية ما قيل في
القرآن الکریم فالکل صادر عن الله تعالی،
ولو لم يكن الإيمان بجميع الكتب من البر
(١) انظر: معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن
الكريم، حسن الجمل ٤٢١/٣.
الإيمان بالكتب السماوية هو الركن لما دعا إلى ذلك ربنا جل وعلا في كتابه
العزيز في قوله: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْنَا وَمَآ أَنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّاً
أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
٥. البر في الإيمان بالرسل.
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من
أركان الإيمان، ويعد الرسل هم الأساتذة
الذين يعلمون البشرية الاستقامة على طريق
الهدى والرشاد، وهم القدوة الحسنة التى
يجب على العباد السير على خطاهم، ولو
لم يكونوا كذلك لما أمر الله تعالى بطاعتهم
وحسن اتباعهم في غير موضع من کتاب الله
تعالى، منها قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى
اللٌّ فَبِهُدَ نُهُمُ أَقْتَدِةٌ قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْرَاْ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام:
٩٠].
وهذا يدل على وجوب الاقتداء بالأنبياء
عليهم السلام فيما اتفقوا عليه من الأصول
التشريعية والخلقية والتعبدية (٢).
ومما يدلل أيضًا على وجوب اتباع
الأنبياء والاقتداء بهم قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ
إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أَمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا ٢ يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٤٦٦.
www. modoee.com
٤٥

حرف الباء
اُللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤١ - ٤٢].
وكلمة رسول هنا اسم جنس(١)، وبالتالي
فالمقصود بها كل رسول يرسله الله تعالى
إلى قوم من الأقوام.
ولو لم يكن الإيمان بالرسل واتباعهم
من أعمال البر لما أثاب الله تعالى الرجل
الداعية الذي دعا قومه للإيمان بالرسل
واتباعهم بالجنة كما جاء في قوله تعالى:
﴿وَجَآءُ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ
يَنْقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ ( أُتَّبِعُواْ مَنْ
لَّا يَسْتَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم ◌ُهْتَدُونَ (١) وَمَا لَِ لَآَ
أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ءَأَّخِذُ
مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا
تُغْنِ عَنِِّ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِدُونِ
٢٣
إِّ إِذَا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِنَّ ءَامَنْتُ
بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ ) قِيلَ أَدْخُلِ اَلْجَنَّةٌ قَالَ
پِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ
يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (١)
وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٧].
ولما وعد الله تعالى المؤمنين بالرسل
بالمغفرة والرحمة (٢)، كما في قوله تعالی:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَمَامِنُواْ
بِرَسُولِهِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ
نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[الحديد: ٢٨].
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي
٦٤٤/٣.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٩ /٥٤١.
٦. البر بملازمة التقوى.
من أكثر ما حثت عليه الشريعة الإسلامية
تقوى الله تعالى في السر والعلن، ففي
القرآن الكريم جاء قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم
◌ُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وجاء في السنة المطهرة عن أبي هريرة
رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (تدرون ما أكثر ما يدخل النار؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الأجوفان:
الفرج والفم، وأكثر ما يدخل الجنة؟ تقوى
الله وحسن الخلق)(٣).
وتكمن أهمية التقوى في كونها الضابط
الذي يلزم العباد بالقيام بأعمال البر التي
تقرب صاحبها من نعيم الله تعالى وتبعده
عن عذابه.
وبالتالي يكون المراد بالأمر الإلهي
بالوقاية من عذاب النار الوارد في قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنْفُسَكٍُ وَأَهْلِيكُمْ
نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَتَكَةُ غِلَاظٌ
شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
هو الإقبال على أعمال البر وحث الأهل
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد،
باب حسن الخلق إذا فقهوا ص ١٠٨، رقم
٢٨٩.
قال عنه أبو عيسى الترمذي: حديث صحيح
غريب.
مَوْسُو ◌َرُ النَّهِبـ
القرآن الكريم
٤٦

البر
علیھا، والحذر من أعمال الفجور وتحذير
الأهل منها (١).
كما أن قوله تعالى: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
فيه الدعوة إلى ضرورة أن يتلازم كل من
التقوى وأعمال البر في كل عمل يقوم به
المؤمن، وكذا قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[التوبة: ١١٩].
وكذا قوله صلی الله عليه وسلم: (اتقوا
النار ولو بشق تمرةٍ، فإن لم تجد فبكلمةٍ
طيبةٍ)(٢)، فيه الدعوة إلى لزوم التقوى من
خلال أعمال البر المتمثلة بالصدقة وإن
كانت قليلة، وبالكلام الطيب.
ثانيًا: البر في العبادة:
كما بيَّن الله تعالى أن حقيقة البر تكمن
في سلامة المعتقد، بيّن أنها تكمن أيضًا في
حسن العبادة.
فقال تعالى: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَاَلْمُوقُّونَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩١/٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب طيب الكلام ١١/٨، رقم ٦٠٢٨.
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد ذكرت الآية الكريمة أن البر يكون
في صنفين أساسيين من أصناف العبادات
هما الصلاة والزكاة، وتفصيل ذلك كما
يأتي:
١. البر في إقامة الصلاة.
الصلاة هي عمود الدين والركن الثاني
من أركان الإسلام الخمسة وذلك كما بين
المصطفى صلی الله عليه وسلم ، فقد جاء
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال:
کنا مع رسول الله صلی الله عليه وسلم في
غزوة تبوك فقال لي: (إن شئت أنبأتك برأس
الأمر وعموده وذروة سنامه قال: قلت: أجل
يا رسول الله، قال: أما رأس الأمر فالإسلام،
وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه
فالجهاد)(٣).
وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا
الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)(٤).
(٣) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب الجهاد
٨٦/٢، رقم ٢٤٠٨.
وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين
ولم يخرجاه.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
www. modoee.com
٤٧

حرف الباء
ولهذا كانت الصلاة من أعظم أعمال البر والذكر وغير ذلك.
التي تقرب العبد من ربه جل وعلا، وقد اهتم
القرآن الكريم بعبادة الصلاة اهتمامًا بالغًا
فأوجب إقامتها على وقتها، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًّا
مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وشرع الطهارة قبل أدائها، فقال تعالى:
﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
اُلْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطّهَرُواْ وَإِن كُنتُم
مَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ
لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
◌َيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
وجعلها الواقي من اتيان الفواحش
والمنكرات، فقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ
إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا
تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وما كان لهذا الاهتمام أن يكون إلا لأن
الله تعالى عالم بما للصلاة من كبير أثر على
من أقامها، كيف لا يكون ذلك وهي عبادة
جامعة للعديد من أوجه البر التي دعا إليها
الإسلام الحنيف كقراءة القرآن، والدعاء،
باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((بني
الإسلام على خمس)) ١/ ١١، رقم ٨.
٢. البر في إيتاء الزكاة .
كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الركن الثاني
من أركان الإسلام الصلاة، وبين الركن
الثالث الزكاة، وذلك في آيات من الذكر
الحكيم، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
كما قرن الرسول صلى الله عليه وسلم
كذلك بين الصلاة والزكاة، في عدة مواطن
منها ما جاء عن جرير بن عبد الله رضي
الله عنه أنه قال: (بايعت النبي صلى الله
علیه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
والنصح لكل مسلم)(١).
ويفهم من الآية الكريمة أن العبد إذا أقام
الصلاة، وآتى الزكاة، ولازم جماعة المؤمنين
فإنه يكون بذلك ملك الأسس التي من شأنها
أن تقوده إلى الالتزام بباقي متطلبات الدین،
كما يفهم من الحديث الشريف أن أخذ النبي
صلى الله عليه وسلم البيعة على ثلاثة أمور
منها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة دليل على عظم
مكانة هاتین العبادتین عند الله تعالى، ومدی
تأثيرهما على حياة العباد، فالصلاة تطهر
الأبدان، والزكاة تطهر الأموال، ولعل هذا
من أبرز ما أدى إلى اقتران الصلاة بالزكاة في
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب البيعة على ايتاء الزكاة ١٠٦/٢، رقم
١٤٠١.
٤٨
مَوَةُ التَسيِالوضوي
القرآن الكريم

البر
﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ فيه بيان الغاية المرجوة
كثير من النصوص الشرعية.
ومن المعلوم أن الزكاة بتطهيرها للأموال من تشريع صيام شهر رمضان وهي الوصول
بالعباد إلى درجة التقوى (١).
تعين أيضًا على تطهير القلوب من البخل
والكبر والحقد والحسد، ولهذا عظيم الأثر
في توطين النفوس على طاعة الله تعالى
وبره في اتيان كل ما أمر، واجتناب كل ما
نھی، ولکی یتحقق البر في إيتاء الزكاة لابد
من الالتزام بشروطها، وانفاقها في مصارفها
الثمانية التي حددها القرآن الكريم، وذلك
في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِيْنِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ
وَفِى الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ وَاللّهُ عَلِيةٌ
حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٦٠].
وكذلك أن تحقق الغرض الذي شرعت
من أجله وهو تحقيق التكافل والتعاضد،
والحث على صدقة التطوع، وعلى غيرها
من أعمال البر.
٣. البر في الصيام .
صوم رمضان هو الركن الرابع من
أركان الإسلام، وقد شرعه الله تعالى
لعباده المؤمنين لیکون بابًا من أوسع أبواب
البر والطاعة، يدل على ذلك قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
فقوله تعالى في فاصلة الآية الكريمة:
ومما يدلل على أن الصيام من أعظم
أبواب البر ما جاء عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم في عدة أحاديث منها ما جاء عن
معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (کنت
مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ،
فأصبحت یومًا قريبًا منه ونحن نسیر، فقلت:
يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة
ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن
عظیم، وإنه لیسیرٌ على من يسره الله علیه،
تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة،
وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج
البيت)(٢).
ومنها ما جاء أيضًا عن أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي صلی الله علیه وسلم قال:
(كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا
أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند
الله من ريح المسك)(٣).
فهذان الحدیثان وغيرهما من الأحاديث
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٣٧/١.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الإيمان،
باب ما جاء في حرمة الصلاة ٤ / ٣٠٨، رقم
٢٢٦١٦
وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس،
باب ما يذكر في المسك ٧/ ١٦٤، رقم
٥٩٢٧.
www. modoee.com
٤٩

حرف الباء
مما يبرز قيمة الصوم في تقريب العباد من
رضوان الله تعالی، وابعادهم عن سخطه،
ولو لم يكن الأمر كذلك لما خصص الله
تعالى أحد أبواب الجنة الثمانية للصائمين،
وسماه باب الريان.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه
وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة
رضي الله تعالى عنه: (من أنفق زوجين في
سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا
خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من
باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي
من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة،
دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل
الصيام، دعي من باب الريان) (١).
ومما يعزز مكانة الصيام كأحد أبرز
أعمال البر ارتباطه بأوجه أخرى عظيمة
من أوجه البر، ومن هذه الأوجه العظيمة
الاجتهاد في قراءة القرآن الكريم.
والسر في ارتباط الصيام بقراءة القرآن هو
أن نزول القرآن الكريم كان في شهر رمضان
المبارك، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ
مِنَ اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ومن الأوجه أيضًا الصدقة، ومن المعلوم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
من جمع الصدقة، وأعمال البر ٢/ ٧١١، رقم
٠١٠٢٧
أن زكاة الفطر واجبة في شهر رمضان، كما
أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حث
المسلمين على التبرع للمحتاجين من خلال
جوده في التصدق خلال شهر رمضان على
ذوي الفاقة والعوز، حتى أن ابن عباس
رضي الله عنهما وصفه قائلًا: (كان رسول
الله صلی الله علیه وسلم أجود الناس، و کان
أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه
القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم
أجود بالخير من الريح المرسلة)(٢).
ومن أوجه البر المرتبطة بالصيام العمرة،
وصلة الأرحام، وقيام الليل وغير ذلك من
الأوجه المباركة الخيرة.
٤. البر في الحج.
الحج هو الركن الخامس من أركان
الإسلام، وله عند الله تعالى من القدر
والجلال ما له؛ وذلك لأهميته في تقوية
الإیمان، وتهذيب الأخلاق، وتكفير الذنوب
والخطايا، وهذا الذي أهل هذه العبادة
العظيمة لأن تكون من أهم وأعظم أوجه البر
التي يتقرب بها المؤمن من ربه جل وعلا.
وتأصيلًا لذلك يقول الله تعالى: ﴿الْحَمُّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَتَ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول
الله عليه الصلاة والسلام ٨/١، رقم ٦.
مُوسُوبَة النَّهِ
القرآن الكريم

البر
وَلَا فُسُوْفَ وَلَا جِدَالَ فِ الْحَجُّ وَمَا تَفْعَلُواْ
مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ
النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة:
١٩٧].
فقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرِ
يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ بعد نھیه عن فعل الشر لحث
العباد على اغتنام الحج للاستزادة من الخير
بفعل الخيرات، واجتناب المعاصي(١).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع کیوم
ولدته أمه)(٢).
و قوله صلى الله عليه وسلم: (رجع كيوم
ولدته أمه) يعني أن الحاج الذي خلا حجه
من الرفث والفسق يعود من حجه وقد حط
الله تعالى عنه سائر ذنوبه وخطاياه (٣).
ويعد الحج من الأعمال التي حث
النبي صلى الله عليه وسلم على تكرارها
بقوله: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما
ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث
الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة
المبرورة ثوابٌ إلا الجنة) (٤).
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٣٠/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب فضل الحج المبرور ١٣٣/٢، رقم
١٥٢١.
(٣) انظر: الإفصاح عن معاني الإصحاح، ابن
هبيرة ٦/ ٤١٠.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحج، باب
ما جاء في ثواب الحج والعمرة ١٦٦/٣، رقم
وبما أن ما ذكر في الحديثين الشريفين من
الوعد بالمغفرة والنعيم هو الغاية الأسمى
التي يسعى عباد الله تعالى الأبرار للوصول
إليها من خلال محافظتهم على أعمال البر
التي شرعها الله تعالى لهم.
ثالثًا: البر في الأخلاق:
يتميز الدين الإسلامي باهتمامه بالتحلي
بالأخلاق الحميدة؛ وذلك لما لها من عظيم
الأثر على الفرد في ضبط سلوكه وتقويمها،
وعلى المجتمع في رقيه وزيادة تماسك
أفراده، وقد مدح الله تعالی نبیه محمد صلى
الله عليه وسلم بسمو أخلاقه.
فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[القلم: ٤].
کما نبه النبي صلى الله عليه وسلم على
أهمية التحلي بالأخلاق الحسنة بقوله: (إن
خياركم أحاسنكم أخلاقًا)(٥).
كما فسر صلى الله عليه وسلم البر بأنه
هو حسن الخلق بقوله: (البر حسن الخلق،
والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع
عليه الناس)(٦).
٨١٠.
قال: حسن صحيح غريب.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من
البخل ١٣/٨، رقم ٦٠٣٥.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تفسير البر والإثم ٤ / ١٩٨٠،
رقم ٢٥٥٣.
www. modoee.com

حرف الباء
ومن الأخلاق الرئيسية التي لابد للبر أن بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَِّينَ فِ اَلْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ أَلْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
يتوجها ما يأتي:
١. الوفاء بالعهد.
الوفاء بالعهد من الأخلاق التي أمر الله
تعالى بها، قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
والعقود هي أوثق العهود(١) كما جعل
الله تعالى هذه صفة من الصفات التي
يتحلى بها المؤمنون السائرون على طريق
الصلاح والفلاح، فقال تعالى: ﴿قَدْأَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ (١)
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ
هُمْ لِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
خَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَئُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ فَمَنِ أَبْتَغَى
وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) وَالَّذِيْنَ هُوْ
◌ِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ (٥)﴾ [المؤمنون:
١ - ٨].
كما عد الله تعالى الاتصاف بالوفاء
بالعهود من الأخلاقيات الملازمة للأبرار،
فقال تعالى: ﴿لَّيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّيْنَ
وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى
وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِى الْرِقَابِ
وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَاَلْمُوقُونَ
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص٣٠٦.
مَوَسُورُ النَفسِيقِ الوضوح
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
وقد رفع الله تعالى من قدر خلق الوفاء
بالعهد لما له من أهمية بالغة في إعلاء شأن
المؤمنين، وإعطاء الصورة المشرقة عن
الإسلام، ولكي يعد الوفاء بالعهد من أوجه
البر الأمور الآتية:
١. الوفاء بالعهود مع الله تعالی.
والتي في مقدمتها الإيمان بوحدانية
الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسماءه
وصفاته، وقد أخذ الله تعالى على بني آدم
العهد والميثاق على ذلك، وهذا ما ورد في
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
◌ِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىْ شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ويقود هذا العهد العباد إلى الإيمان
بوحدانية الله تعالى في ألوهيته وأسمائه
وصفاته، وبيان ذلك أن الآية ذكرت إقرار
بني آدم عليه السلام جميعًا بربوبية الله
تعالى، وتوحيد الربوبية لله تعالى أساس
لتوحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يشمل
الاعتقاد بأن الله تعالى هو الذي خلق ورزق
وأنعم، وهذا الفضل والإنعام يستوجب
الطاعة والانقياد ممن انتفع وتنعم، وبعبارة
أخرى فإن الرب جل وعلا الذي خلق العباد
٥٢