النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ البُشْرِى عناصر الموضوع مفهوم البشرى ١٣٠ البشرى في الاستعمال القرآني ١٣١ الألفاظ ذات الصلة ١٣٢ اقتران البشارة بالنذارة في القرآن ١٣٤ ١٣٥ أنواع البشارات ١٤٠ المبشر به ١٤٥ المبشرون في القرآن ١٥٥ المبشرون بالثواب أو العقاب ١٦٢ المستبشرون ١٦٧ آثار البشرى المُجَلَّدَ السَّابِعْ حرف الباء مفهوم البشرى أولًا: المعنى اللغوي : الباء والشين والراء أصل واحد: هو ظهور الشيء مع حسن وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، وسمي البشر بشرًا لظهورهم، والبشير الحسن الوجه، والبشارة الجمال، وأبشرت الرجل وبشرته وبشرته: أخبرته بسار بسط بشرة وجهه؛ وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح، ويقال للخبر السار: البشارة والبشرى، ويقال: أبشر، أي: وجد بشارة، وتباشير الوجه وبشره: ما يبدو من سروره، وتباشير الصبح: ما يبدو من أوائله، وتباشير النخيل: ما يبدو من رطبه، ويسمى ما يعطى المبشر: بشرى وبشارة، والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكني بها عن الجماع، والبشرى: ما يبشر به، وما يعطاه المُبشر (١). من خلال ما سبق تبين أن المعنى اللغوي للبشرى يدور حول الخبر السار والمفرح، والحسن والجمال الذي يظهر على الوجه. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرف الجرجاني البشارة بقوله: ((كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب))(٢). وقال الراغب الأصفهاني البشرى: ((إظهار غيب المسرة بالقول)) (٣). وذكر ابن عاشور تعريف للبشرى بقوله: ((خبر بحصول ما فيه نفع ومسرة للمخبر به)) (٤). وقال الفخر الرازي البشرى: ((عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم)) (٥). ويتضح مما سبق أن البشرى في الاصطلاح تعني نقل الأخبار السارة التي تحمل النفع والمسرة والاستبشار بحصول الخير لمن نقل إليه الخبر. وبهذا تظهر العلاقة الواضحة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظة البشرى (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ١٢٥، مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٥١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٥٨/١. (٢) التعريفات، ص ٤٥. (٣) المفردات، ص ٧٨. (٤) التحرير والتنوير، ٤/ ٧٨. (٥) مفاتيح الغيب، ٦١٣/٣. العضوي مَوَسُولَةُ النَّفِيَة القرآن الكريم ١٣٠ البشرى البشرى في الاستعمال القرآني ووردت مادة (بشر) في القرآن الكريم (١٢٣) مرة، يخص موضوع البشرى منها (٨٤) مرة. والصيغ التي وردت هي(١): الصيغة عدد المرات وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ ٩ [الصافات: ١١٢] ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ الهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَّتِ الفعل المضارع ١٦ [الشورى: ٢٣] ـوم ٤٧ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٧] المصدر ١٨ (١٧) [البقرة: ٩٧] ◌َوَهُدَى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اسم الفاعل ١١ (٢٨ ﴾ [ الفتح: ٨] إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا صيغة المبالغة ٩ نَذِيرٌ )﴾ [فاطر: ٢٤] وجاءت البشرى في الاستعمال القرآني بالمعنى اللغوي وهو: الإخبار بخبر سارٍ ببسط بشرة الوجه(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١١٩ - ١٢١. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٢٥-١٢٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٥١/١، بصائر ذوي التمییز، الفيروز آبادي ٢/ ٢٠٠ . www. modoee.com ١٣١ المثال الفعل الماضي فعل الأمر ٢١ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَإِن مِّنْ أُمَّةِ إِلَّ خَلَا فِيَهَا حرف الباء الألفاظ ذات الصلة ١ السرور: السرور لغة: يقال: سررت برؤية فلانٍ وسرني لقاؤه، وقد سررته أسره أي فرحته، السرور خلاف الحزن؛ تقول: سرني فلانٌ مسرةً، والسرور: ما ينكتم من الفرح (١). السرور اصطلاحًا: ((حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد وعلم أو ظن لحصول شيء لذيذ))(٢). الصلة بين البشرى والسرور: إن الاستبشار هو السرور بالبشارة، والاستفعال للطلب، والمستبشر بمنزلة من طلب السرور في البشارة فوجد، وأصل البشرة من ذلك لظهور السرور في بشرة الوجه (٣). الضحك: ٢ الضحك لغة: يقال ضحك يضحك ضَحِكًا، ومن ذلك الضحك وهو دليل الانكشاف والبروز (٤). الضحك اصطلاحًا: "انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس" (٥). الصلة بين البشرى والضحك: الضحك: انبساط الوجه ویکون بعد سماع الخبر السار کالبشرى مثلًا، فالضحك يكون بعد البشرى السارة. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤ /٣٦١. (٢) التوقيف، المناوي، ص ١٩٣. (٣) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٢٦٥. (٤) لسان العرب، ابن منظور، ١٠/ ٤٥٩، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣/ ٣٩٣. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٠١. مُوسُوبَةُ الَّ القرآن الكريم ١٣٢ البشري الفرح: ٣ الفرح لغة: يقال فرح يفرح فرحًا، فهو فرحٌ على خلاف الحزن (١). الفرح اصطلاحًا: ((انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية))(٢). الصلة بين البشرى والفرح: الفرح قد يكون بما ليس فيه نفع ولا لذة، والبشرى على الأكثر تستعمل في الخير، والخبر السار الذي يصاحبه النفع واللذة (٣). الإنذار: ٤ الإنذار لغة: أصلها النون والذال والراء كلمةٌ تدل على تخويفٍ أو تخوفٍ، منه الإنذار: الإبلاغ ا ولا یکاد یکون إلا في التخويف (٤). الإنذار اصطلاحًا: ((الإعلام بما يحذر، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه الاحتراز)) (٥). الصلة بين البشرى والإنذار: الإنذار: إخبارٌ وإعلام معه تخويف، عكسه التبشير: الذي هو إخبار فيه سرور ولذة ومنفعة (٦). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ / ٤٩٩. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٦٢٨. (٣) الفروق اللغوية، العسكري، ٢٦٥/١. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٥/ ٤١٤. (٥) التوقيف، المناوي، ص ٦٤. (٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٧٩٧، الفروق اللغوية، العسكري، ص٧٨. www. modoee.com ١٣٣ حرف الباء اقتران البشارة بالنذارة في القرآن قرن الله سبحانه وتعالى في القرآن بين البشارة والنذارة في آيات كثيرة، وقدم فيها البشارة على النذارة إلا في آيتين مكيتين، هما: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيْرٌ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعَبُّدُوَاْ إِلَّ اللَّهُّ إِنَِّى لَكُرْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]. من الآيات التي قدمت فيها البشارة على النذارة: وَنَذِيرًا قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا ﴾ [البقرة: ١١٩]. ﴿ وَمَّ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا وقوله تعالى: كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر: ٢٤] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: ٤٥]. لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وهنا تساؤل: لماذا قال: مع أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين؟ والجواب فيه قولان: أحدهما: أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلا أنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذکر الثانیة؛ لأن ذکر إحداهما یفید ذکر الأخرى. والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان نذيرًا وبشيرًا للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون. فلهذا السبب خصهم الله بالذكر (١). وبدأ بالنذارة لأن السائلين عن الساعة كانوا كفارًا، إما مشركو قريش وإما اليهود، فکان الاهتمام بذکر الوصف من قوله: ﴿إِن أَنَاْ إِلَّا تَذِيرٌ﴾ آكد وأولى بالتقديم(٢). ((والرسول صلى الله عليه وسلم نذير ويشير للناس أجمعين، ولكن الذين يؤمنون هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة، فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به، ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذین یخلص بهم الرسول من الناس أجمعين، إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثمارە إلا لقوم يؤمنون»(٣). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٦/١٥. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٢٤٢. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤١٠/٣. ١٣٤ جوبيـ القرآن الكريم البشري أنواع البشارات تنوعت البشارات في القرآن على النحو الآتي: أولًا: البشارات العامة: بُشِّرَ المؤمنون ببشارات عامة، لم یذکر فيها المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فإن قلت: لم لم یذکر ما یبشرهم به؟ قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: ((لم يذكر ما يبشرهم به لتعظيم شأنه، وشموله لخير الدنيا، وسعادة الآخرة)» (١). فإن قلت: لم لم يذكر مقدار البشرى وصفتها؟ قيل: لأن مقدارها وصفتها بحسب حال المؤمنين وإيمانهم، قوة وضعفًا، وعملًا بمقتضاه. وهذه البشرى للمؤمنين تدل دلالة واضحة على محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما یسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي. وقد ذكرت صفات للمؤمنين المبشرين بالبشارات العامة في آيات منها: ١. المقيمون الصلاة. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى مُوسَى وَلَغِهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةٌ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧]. أي: وبشر مقيمي الصلاة المطيعي الله بحفظ الله إياهم من فتنة فرعون وملئه الظالمين لهم وتنجيتهم من ظلمهم وبالنصر والتأييد، وإظهار دينهم. ٢. الممتثلون لأحكام الله عز وجل. قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرِثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حرّئَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكٍُ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُلَقُّوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. فالآية تبشر المؤمنين الذين يتقون الله عز وجل في إتیان أزواجهم في موضع الحرث، بأن هذا العمل عبادة لله عز وجل؛ لأنهم يحققون حكمة الله من خلقه للزوجين، وذرء النسل وخلافة البشر في الأرض. ٣. المجاهدون في سبيل الله. قال تعالى: ﴿وَأَغْرَى ◌ُّبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ قَرِبُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]. أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إیاهم على عدوهم، وفتحِ عاجلٍ لهم (٢). (٢) جامع البيان، الطبري ٦١٩/٢٢. (١) المنار ٤٤/١١. www. modoee.com ١٣٥ حرف الباء ٤. الموفون ببيعتهم مع الله. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَآَيَعْتُم بِّ. وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١) التََِّّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ الَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اَللَّهِ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: ١١١- ١١٢]. هاتان الآيتان تبينان حال المؤمنین حق الإيمان، البالغين فيه ما هو غايةٌ له من الكمال، وهم: ﴿التََّيُونَ﴾ أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات. ﴿الْعَبِدُونَ﴾ أي: المتصفون بالعبودية لله، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين. ﴿اَلْحَمِدُونَ﴾ لله في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما لله عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على الله بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار. ﴿الشَّيِحُونَ﴾ فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة: السفر في القربات، کالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك. ﴿اَلَّكِمُونَ السَّجِدُونَ﴾ أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود. ﴿الَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات. ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهي جميع ما نهی الله ورسوله عنه. ﴿وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ بتعلمهم حدود ما أنزل الله على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلًا وتركًا(١). ثم أمر الله رسوله بيشارتهم، فقال: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي الآيتين بالبشارة تارة من الخالق ﴿فَأَسْتَبْشِرُواْ﴾، وتارة من أكمل الخلائق ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أعظم مزية للمؤمنين، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد، وأعلی حث على خوض (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٥٣. ١٣٦ جوب القرآن الكريم لبشرى غمرات الجلاد(١). فيه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وأنتم بالخصوص -يا أهل هذا البيت- رحمة قاعدتا الثواب في القرآن: يقرن القرآن دائمًا بين الإيمان والعمل الله وبركاته عليكم فلا يستغرب فضل الله (٢) . وإحسانه إليكم الصالح، كلما ذكر العمل والجزاء، فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل، ولا يثمر، ولا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان. ثانيًا: البشارات الخاصة: ١. التبشير بالولد. من أعظم ما يبشر به المؤمن في الدنيا الولد الصالح الحامل لنور الهداية: تبشير إبراهيم بإسحاق عليهما السلام من عند أنفسكم واجتهادكم؟ (٣). مع کبر سنه وامرأته عجوز. وقال أبو حیان رحمه الله « قولهم له: فلا قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام: تكن من القانطين نهي، والنهي عن الشيء لا ﴿قَالُواْ لَا نَوَجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلٍَ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]. وهو إسحاق عليه السلام ، تضمنت هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى، عليم، أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى: ﴿وَبِثَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِّيَّامِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢]. فقال لهم متعجبًا من هذه البشارة: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِ﴾ بالولد ﴿عَلَى أَنْ مَسَِّىَ الْكِبرُ﴾ وصار نوع إياس منه ﴿فَيِّمَ تُشِرُونَ ﴾ أي: على أي وجه تبشرون، وقد عدمت الأسباب؟ قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ الذي لا شك (١) نظم الدرر، البقاعي ٣٩٢/٣. وقوله: ﴿فَبِمَ تُّبَشِّرُونَ﴾ قيل: إنه يستطيب تلك البشارة، فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى، ومرتين وأكثر طلبًا للالتذاذ بسماع تلك البشارة، وطلبًا لزيادة الطمأنينة والوثوق، مثل قوله: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وقيل أيضًا: استفهم أبأمر الله تبشرون أم يدل على تلبس المنهي عنه به ولا بمقارنته. وقوله: ومن يقنط رد عليهم، وأن المحاورة في البشارة لا تدل على القنوط، بل ذلك على سبيل الاستبعاد لما جرت به العادة، وفي ذلك إشارة إلى أن هبة الولد على الكبر من رحمة الله؛ إذ يشد عضد والده به ويؤازره حالة كونه لا يستقل ویرث منه علمه ودينه)» (٤). * تبشير زكريا بيحيى عليهما السلام مع کېر سنه و امرأته عاقر. قال تعالى: ﴿يَنْزَكَرِيََّ إِنَّا نُبَشِرُكَ بِغُلٍَ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٢. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ١٥١. (٤) البحر المحيط ٤٨٦/٦. www. modoee.com ١٣٧ حرف الباء أَسْمُهُ يَحِْى لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ يكن شيئًا(١). رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمْ وَكَانَتِ آَمْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ، قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْتَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: ٧-٩]. أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بایحیی» وسماه الله له ((یحیی» و کان اسمًا موافقًا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين ﴿لَمْ نَجْعَل لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود قَالَ الذي طلبه استغرب وتعجب، وقال: رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمْ وَكَانَتِ آَمْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِعِنِيًّا﴾ [مريم: ٨]. والحال أن المانع من وجود الولد، موجود پي وزوجتي؟ وکأنه وقت دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على الولد، وفي هذه الحال، حین قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنَّ﴾ [مريم: ٩]. أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم وهنا تساؤل: لماذا تعجب زكريا عليه السلام من البشارة بالولد؟ هذا التعجب تعجب مکنی به عن الشكر، فهو اعتراف بأنها عطية عزيزة غير مألوفة؟ لأنه لا يجوز أن یسأل الله أن یھب له ولدًا، ثم يتعجب من استجابة الله له(٢). تبشير مريم بعيسى عليهما السلام. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَ وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله؛ لأنه كان بالكلمة من الله؛ لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته (٣). . ٢. تبشير عيسى عليه السلام بمحمد صلی الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَقِيّ إِسْرَّهِيلَ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُرْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَقَّ مِنَ التَّوْرَيَّةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَنْمَرٍّ فَلَا جَآءَ هُمْ بِالْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌّ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٩٠. (٢) انظر: التحرير والتنوير ١٤/١٦. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٣٠. ١٣٨ مُوسُو ◌َةُ النَّطِّ القرآن الكريم لبشرى لقد بشر کل نبي قومه بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والله أفرد عيسى بالذكر في هذا الموضع لأنه آخر نبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، فبين أن البشارة به عمت جمیع الأنبياء واحدًا بعد واحد حتى انتهت إلى عيسى عليه السلام. العلامات والدلائل التي بشرت برسالة الرسول صلی الله علیه وسلم: لما أراد الله تعالى إعداد البشر لقبول رسالة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم استودعهم أشراطه وعلاماته على لسان كل رسول أرسله إلى الناس. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيشَقَ النَّبِئِنَ لَمَا ءَاتَّيْتُكُمْ مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ. قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَوْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم ◌ِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: ٨١-٨٢]. أي: أأخذتم إصري من أممكم على الإيمان بالرسول الذي يجيء مصدقًا للرسل، وقوله: ﴿فَأَشْهَدُوا﴾ أي: على أممکم. وقال تعالى في خصوص ما لقنه إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وأوصى به عيسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَِّىّ إِسْرَّهِيلَ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًالِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَنَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَخْمٌَّ ◌َلَّا جَآءَ هُم ◌ِالبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَاسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦]. وصية جامعة لما تقدمها من وصايا الأنبياء (١). (١) انظر: التحرير والتنوير ١٦٠/٢٨. www. modoee.com ١٣٩ حرف الباء المبشر به بشر الله تعالی أولياءه بیشارات في الدنیا والآخرة نتناولها فيما يأتي: أولًا: البشارة بالثواب: ١. البشارة بالثواب في الدنيا. بشر أولياء الله في الدنيا ببشارات، كما قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَثُونَ ٢ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ﴾ [يونس: ٦٢ -٦٤]. من هذه البشارات: الرؤيا الصالحة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات) قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة)(١). وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوفٌ خلف أبى بكرٍ، فقال: (أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تری له)(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب المبشرات ٣١/٩، رقم ٦٩٩٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ١/ ٣٤٨، رقم ٤٧٩. ٢. البشارة بنصر من الله وفتح قریب. قال تعالى: ﴿وَأُغْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ قَرِيبُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]. أي: وبشر يا محمد المؤمنين بنصر الله إياهم على عدوهم، وفتحِ عاجلٍ لهم(٣) تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع. وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإخبار بالغيب (٤). ثانيًا: البشارة بالثواب في الآخرة: ١. البشارة بالأجر الكبير. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يُّهْدِى لِلَِّى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ أَجْرًا كَبِيْرًا﴾ [الإسراء: ٩]. عن ابن جريج رحمه الله ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ قال: ((الجنة، وكل شيءٍ في القرآن أجرٌ كبيرٌ، أجرٌ كريمٌ، ورزقٌ كريمٌ فهو الجنة»(٥). ٢. البشارة بالمغفرة والأجر الكريم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَبَشِرُهُ بِمَغْفِرَوْ وَأَجْرٍ ڪَرِيمٍ ﴾ [يس: ١١]. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٦١٩. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ١٧٥. (٥) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٥١١. مَوَسُو حَر النفسي القرآن الكريم ١٤٠ البشرى أي: بشرهم بمغفرة الذنوب، ودخول الجنات. ٣. البشارة بالأجر الحسن. قال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢]. الأجر الحسن: هو الفوز برضا الله، ودخول الجنة، وفي وصفه بالحسن دلالة على أنه لا مكدر فيه، ولا منغص بوجه من الوجوه، إذ لو وجد فيه شيء من ذلك لم يكن حسنه تامًا، ومع ذلك فهذا الأجر الحسن لا یزول عنهم، ولا یزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزاید. ٤. البشارة بالفضل الكبير. قال تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴿ وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ ◌ِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٦) وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنََّم مِّنَ اَللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ -٤٧]. الفضل: العطاء الذي يزيده المعطي زيادة على العطية؛ لأنه لا يكون فضلًا إلا إذا كان زائدًا على العطية، والمراد أن لهم ثواب أعمالهم الموعود بها وزيادة من عند ربهم(١). قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٤/٢١. وذكر في هذه الآية الكريمة: المبشر، وهم المؤمنون، وذكر المبشر به، وهو الفضل الكبير، أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدارة، وحصول النعم السارة، والفوز برضا ربهم وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه. وهذا مما ينشط العاملين أن يذكر لهم من ثواب الله علی أعمالهم، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع(٢). وفي أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبشير تأنيس عظيم، ووعد كريم (٣) بالثواب الجزيل ٠ ٥. البشارة بقدم صدق عند الله. قال تعالى: ﴿وَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]. أي: ((لهم أعمالاً صالحةً عند الله يستوجبون بها منه الثواب» (٤) . وكلمة قدم صدق تعني أيضًا: (( قدم ثابتة راسخة موقنة لا تتزعزع ولا تضطرب ولا تتزلزل ولا تتردد، في جو الإنذار وفي ظلال الخوف، وفي ساعات الحرج ﴿قَدَمَ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦٧. (٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٤٣٢. (٤) جامع البيان، الطبري ١٢/ ١١١. www. modoee.com ١٤١ حرف الباء صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ في الحضرة التي تطمئن فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]. فيها النفوس المؤمنة، حينما تتزلزل القلوب والأقدام))(١). ٦. البشارة بالجنة ونعيمها. قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّدَلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَّخْتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِه مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةً وَهُمْ فِيهَا خَلدُونَ ﴾ [البقرة: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَ بِأَيْمَتِهِمْ بُشْرَّكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتُ تَجْرِى مِن تَمْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَأَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]. أي: بشرهم يا محمد أن لهم بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة، والظل المديد، تجري من تحتها أنهار الماء، واللبن، والعسل، والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار المتشابهة في الحسن واللذة والفكاهة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس لهم وقت خال من اللذة، فهم دائمًا متلذذون بأكلها. ثم لما ذكر مسكنهم، وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٧٦٠. جَوَسُوع القرآن الكريم فلم يقل (مطهرة من العيب الفلاني)) ليشمل جميع أنواع التطهير فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن أنهن عرب متحبیات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضًا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح (٢). وهذه الآية الكريمة من الآيات الجامعة في البشرى حيث ذكر فيها: المبشر والمبشر، والمبشر به، والسبب الموصل لهذه البشارة. فالمبشر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن قام مقامه من أمته. والمبشر: هم المؤمنون العاملون الصالحات. والمبشر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦ بتصرف يسير. ١٤٢ البشرى والسبب الموصل لذلك: هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب. ثانيًا: البشارة بالعقاب: الغالب في استعمال البشارة أن تكون في الإخبار بما يسر، فهي إذًا مأخوذةٌ من انبساط بشرة الوجه، كما أن السرور مأخوذٌ من انبساط أساريره، وعلى هذا يقولون: إن استعمالها فيما يسوء يكون من باب التهكم، وقيل: إن البشارة تستعمل فيما يسر وفيما يسوء استعمالًا حقيقيًا؛ لأن أصلها الإخبار بما يظهر أثره في بشرة الوجه في الانبساط والتمدد، أو الانقباض والتغضن(١). ١. البشارة بالعذاب الأليم. تستعمل البشرى في الشر بقيد، كما قال تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. والعذاب الأليم: هو الموجع، وذلك عذاب جهنم. قال ابن عطية رحمه الله: («جاءت البشارة هنا مصرحًا بقيدها، فلذلك حسن استعمالها في المكروه، ومتى جاءت مطلقة فإنما (١) المنار، محمد رشيد رضا ٣٧٦/٥. عرفها في المحبوب» (٢). ٢. رؤية المجرمين للملائكة لا تبشرهم بخیر. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَتَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]. أي: لا یرون الملائکة في یوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ لهم؛ وذلك يصدق في ثلاث مواضع: ١. وقت الاحتضار: حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم، وظل من يحموم، فتأبى الخروج، وتتفرق في البدن، فيضربونه(٣). كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَقَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ بَرِىٌَّ﴾ [الأنفال: ٥٠]. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ أَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣]. أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمٌ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى (٢) المحرر الوجيز ٢١١/٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٠١. www. modoee.com ١٤٣ حرف الباء اُللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. ٢. في القبر: حيث يأتيهم منكر ونكير فیسألهم عن ربهم ونبيهم و دینھم، فلا یجیبون جوابًا ينجيهم فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة. کما روى أبو داود بسنده عن البراء بن عازبٍ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما یلحد، فجلس رسول الله صلی الله علیه وسلم وجلسنا حوله، كأنما على رءوسنا الطير، وفي يده عودٌ ینکت به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القبر) مرتين أو ثلاثًا ... ، ثم قال: (وإن الكافر) فذكر موته قال: (وتعاد روحه في جسده، ویأتیه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار) قال: (فیأتیه من حرها وسمومها) قال: (ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه) زاد في حديث جرير، قال: (ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبةٌ من حديدٍ لو ضرب بها جبلٌ لصار ترابًا) قال: (فيضربه بها ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا) قال: (ثم تعاد فيه الروح) (١). ٣. يوم القيامة: حين تسوقهم الملائكة إلى النار، ثم يسلمونهم لخزنة جهنم الذين يتولون عذابهم، ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه، وهذا الذي طلبوه إن استمروا على إجرامهم، لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذٍ يتعوذون من الملائکة ویفرون، ولکن لا مفر لهم. كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمُرًا حَفَّى إِذَا جَءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا أَمَّ يَأْيِّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمٍ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اُلْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، رقم ٤٧٥٥. وصححه الألباني في المشكاة ١/ ٤٧. ١٤٤ القرآن الكريم البشرى المبشرون في القرآن أولًا: الله عز وجل: بشر الله سبحانه وتعالى عباده بيشارات تنشرح بها الصدور، وتتلألأ بها الوجوه نورًا وبهجة وحسنًا من عظمة ما بشروا به من خير الدنيا والآخرة، من هؤلاء: الأنبياء والرسل، والمهاجرون المجاهدون في سبيله، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وترجع عظمة البشرى لعظمة المبشر بها، وعظمة ما قام به المبشرون. ١. تبشير الأنبياء والرسل بالأولاد الصالحين. بشر الله الأنبياء والرسل بخير ما في الدنيا وهم الأولاد الصالحين الذين يحملون ميراث الآباء، وهو ميراث النبوة، وأعظم به میراثًا، من هؤلاء: بشر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام بإسماعيل عليه السلام. كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]. وصف الله إسماعيل عليه السلام بالحلم، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى. وقال ابن عاشور رحمه الله: ((الحليم: الموصوف بالحلم، وهو اسم يجمع أصالة الرأي، ومكارم الأخلاق، والرحمة بالمخلوق)) (١). بشر الله سبحانه وتعالى زكريا عليه السلام بيحيى عليه السلام. كما قال تعالى: ﴿يَزَكَرِنَّا إِنَّا تُبَشِرُكَ بِعُلَيٍ أَسْمُهُ يَحَْى لَمْ نَجْعَل لَّهُ، مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]. وسماه الله له ((یحیی)) وكان اسمًا موافقًا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين. ٢. تبشير الله سبحانه وتعالى المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله بالرحمة والرضوان. بشر الله تعالى المؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله بالرحمة الواسعة والرضوان الذي لا سخط بعده، ومصيرهم إلى جنات الخلد والنعيم الدائم. ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ قال تعالى: وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأَوْلَيْكَ هُ الْفَآيِرُونَ ) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيَهَا نَعِيدٌ مُقِيمُ (٥ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٠-٢٢]. «قال ابن عباس رضي الله عنه: هي في المهاجرين خاصة، وأسند التبشير إلى قوله: (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ١٤٩. www. modoee.com ١٤٥ حرف الباء (ربهم)) لما في ذلك من الإحسان إليهم بأن مالك أمرهم والناظر في مصالحهم هو الذي يبشرهم؛ فذلك على تحقيق عبوديتهم لربهم؛ ولما كانت الأوصاف التي تحلوا بها وصاروا بها عبيده حقيقة هي ثلاثة: الإيمان، والهجرة، والجهاد بالمال والنفس، قوبلوا في التبشير بثلاثة: الرحمة، والرضوان، والجنات، فبدأ بالرحمة لأنها الوصف الأعم الناشئ عنھا تیسیر الإیمان لهم، وثنی بالرضوان؛ لأنه الغاية من إحسان الرب لعبده، وهو مقابل الجهاد؛ إذ هو بذل النفس والمال، وقدم على الجنات؛ لأن رضا الله عن العبد أفضل من إسكانهم الجنة))(١). وقد روى مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: یا رب وأي شيء أفضل من ذلك، فيقول: أحل علیکم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)(٢). (١) البحر المحيط، أبو حيان ٣٨٩/٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار ٨/ ١١٤، رقم ٦٥٤٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على وأتى ثالثًا بقوله: ﴿وَجَنَّتِ لَّمْ فِيهَانَعِيدٌ تُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢]. أي: دائم لا ينقطع، وهذا مقابل لقوله: ((وهاجروا)) لأنهم تركوا أوطانهم التي نشأوا فيها، وكانوا فيها منعمين، فآثروا الهجرة على دار الكفر إلى مستقر الإيمان والرسالة، فقوبلوا على ذلك بالجنات ذوات النعيم الدائم، فجاء الترتيب في أوصافهم على حسب الواقع: الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، وجاء الترتيب في المقابل على حسب الأعم، ثم الأشرف، ثم التكميل (٣). ((وإسناد التبشير إلى الرب بصيغة المضارع، المفيد للتجدد، مؤذن بتعاقب الخيرات عليهم، وتجدد إدخال السرور بذلك لهم؛ لأن تجدد التبشير يؤذن بأن المبشر به شيء لم يكن معلوما للمبشر)» (٤). ٣. تبشير الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات. أخبر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم النعيم والكرامة في الآخرة، وهو البشری التي یبشر الله بها عباده. كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا ٤ / ٢١٧٦، رقم ٢٨٢٩. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٣٩٠/٥. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٣/١٠. ١٤٦ القرآن الكريم البشري يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢) ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اَللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ﴾ [الشورى: ٢٢-٢٣]. وهذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان، وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا یعلم کنھه إلا الله تعالی. الثاني: أنه تعالى قال: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وقوله: ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الگيرُ ﴾ والذي یحکم بکبره من له الکبریاء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر. الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم، فقال: ﴿الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ وذلك يدل أيضًا على غاية العظمة (١). وجمع العباد المضاف إلى اسم الجلالة للتقريب، ورفع الشأن. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٩٣/٢٧. ثانيًا: الملائكة: ١. تبشير الملائكة مريم بعيسى عليهما السلام. أخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة الله عبده ورسوله عیسی ابن مريم، قال تعالی: إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ پِكَلِمَةٍ مِنْهُ اُسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْیَمَ وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. ٢. تبشير الملائكة إبراهيم عليه السلام وزوجه بإسحاق ويعقوب عليهما السلام. أخبر تعالى أن الملائكة بشرت إبراهيم عليه السلام بإسحاق عليه السلام ، قال تعالى: ﴿قَالُواْ لَا نَوَجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِعُلَمٍ عَلِيمٍ ﴾ [الحجر: ٥٣]. والعليم: أي عليم بالشريعة بأن يكون وَبَشَّرْنَهُ نبيًا، كما قال في آية الصافات: ﴿ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. والملائكة بشرت زوج إبراهيم عليه السلام بإسحاق ويعقوب عليهما السلام، قال تعالى: ﴿ وَأَمْرَأَتُّهُ قَآيِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْطَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. فالمبشر إبراهيم وزوجه، لكن وقت البشارة قد یکون في وقت واحد، وقد يكون في وقتین متقاربین بشروه بانفراد، ثم جاءت www. modoee.com ١٤٧ حرف الباء امرأته فبشروها. ٣. تبشير المستقيمين على الصراط المستقيم بالجنة. قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ قَالُواْ رَسُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَنَزَُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلََّّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ اَلَتِى كُتُمْ تَوْعَـ ـدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَوَةِ ٣٠ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ () ثُلًا مِّنْ غَفُورٍ تَّحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٢]. یخبر تعالی عن أولیاته، وفي ضمن ذلك، تنشيطهم، والحث على الاقتداء بهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]. أي: اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى ، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملًا، فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ﴿تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ ﴾ الكرام، أي: یتکرر نزولهم علیھم، مبشرین لهم عند الاحتضار ﴿أَلََّتَّخَافُواْ﴾ على ما يستقبل من أمركم ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوْعَدُونَ﴾ فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولًا ويقولون لهم أيضًا، مثبتين لهم، ومبشرين ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيووِ الدُّنْيَا وَفِيِ الْآَخِرَةَ﴾ يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بکرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبِرْتُمْ فِعْمَ عُقْىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]. ويقولون لهم أيضًا: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ قد أعد وهيئ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿نُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم المقيم، نزلٌ وضيافة ﴿مِّنْ غَفُورِ﴾ غفر لكم السيئات ﴿زَّحِيم﴾ حيث وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم، فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته أنالكم المطلوب (١). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٤٨. مُوسُو ◌َةُ النَِّية القرآن الكريم ١٤٨