النص المفهرس

صفحات 21-40

بيت النبوة
المتعلق بها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ثالثًا: مخاطبة نساء أهل البيت من وراء
حجاب:
يستح في إخبارها بذلك. ولعلها لم تجد من
يسأل لها أو لم تر لزامًا أن تستنيب عنها من
يسأل لها عن حكم يخص ذاتها))(١).
ويمكن القول مثل ذلك عن قول الله
تعالى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا﴾ أيضًا ذهبت
مثلًا بين الناس، فإذا بقي بعض الناس في
المجلس بعد الأكل قال أحدهم، فذكر الآية
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنَّشِرُواْ﴾.
وهذه الآية وإن كانت تشتمل على أدب
يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن فيها
حفظًا للأدب وتعليمًا ((أن الرجل إذا كان
ضيفًا لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلًا، ولكنه
إذا أكل ينبغي أن يخرج»(٢).
((وما أحوج المسلمين اليوم إلى
هذا الأدب الذي يجافيه الكثيرون، فإن
المدعوين إلى الطعام يتخلفون بعده، بل
إنهم ليتخلفون على المائدة، ويطول بهم
الحديث؛ وأهل البيت الذين يحتفظون
ببقية من أمر الإسلام بالاحتجاب متأذون
محتبسون، والأضياف ماضون في حديثهم
وفي سمرهم لا يشعرون! وفي الأدب
الإسلامي غناءٌ وكفاءٌ لكل حالة، لو كنا نأخذ
بهذا الأدب الإلهي القويم))(٣).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٣/٢١.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٦٦/٣.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٨/٥.
نص غير واحد من العلماء على أن من
فضائل نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل
أن يسأل زوجاته صلى الله عليه وسلم إلا
من وراء حجاب (٤).
ثم إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم
(«أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط
لا في المحرمية فليس لأحد أن يخلو بهن
ولا ينظر إليهن بل قد أمرهن الله بالاحتجاب
عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن
ومن بینھن وبینه رضائع»(٥) .
بل إنهن خصصن بهذا الحكم الزائد
عن بقية النساء، فلا يجوز مخاطبتهن
ومشافهتهن إلا من وراء سترٍ، مع وجوب
ارتدائهن للحجاب، هذا التوجيه الإلهي
مذكور في قوله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا
فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ﴾ أي: واكما نهيتكم عن
الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن
بالکلیة، ولو کان لأحدکم حاجة يريد تناولها
منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا
من وراء حجاب))(٦).
(٤) انظر: غاية السول في خصائص الرسول صلى
الله عليه وسلم، ابن الملقن ص ٦٣، سبل
الهدى والرشاد، الصالحي ٤٤٨/١٠.
(٥) زاد المعاد، ابن القيم ٤٩١/٥.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٥٥.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الباء
﴿َلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ أنتم أيها ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق!
الرجال وقلوبهن أيتها الأمهات؛ أنقى من وحين يقول الله قولًا ويقول خلق من خلقه
الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء
وللنساء في أمر الرجال(١) .
((وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحدٍ أن
يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له؛ فإن
مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه،
وأتم لعصمته))(٢).
والآية «تقرر أن هذا الحجاب أطهر
لقلوب الجميع: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَ﴾ فلا يقل أحدٌ غير ما قال الله،
لا يقل أحدٌّ إن الاختلاط وإزالة الحجب،
والترخص في الحديث واللقاء والجلوس
والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب،
وأعف للضمائر، وأعون على تصريف
الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين
بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك .. إلى
آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف
المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحدٌ
شيئًا من هذا والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ
مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات.
أمهات المؤمنين. وعن رجال الصدر الأول
من صحابة رسول الله صلی الله عليه وسلم
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩٦/٤،
أيسر التفاسير، الجزائري ٤ /٢٨٨.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٦١٦/٣.
قولًا. فالقول لله سبحانه و تعالی و کل قولٍ
آخر هراءٌ، لا يردده إلا من يجرؤ على القول
بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من
الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد!
والواقع العملي الملموس يهتف بصدق
الله، وكذب المدعين غير ما يقوله الله.
والتجارب المعروضة اليوم في العالم
مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ
الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا
وأقطع من کل دلیل. وأمریکا أول هذه البلاد
التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار)»(٣).
بينما فهم فريق آخر من العلماء أن المراد
هو الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة،
وعليه يكون لفظ الآية خاصًا بأزواج النبي
صلى الله عليه وسلم ، إلا أن حكمها عام
لجميع المسلمات، فإن تعليله تعالى لهذا
الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه
أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة
في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم
الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين
إن غیر أزواج النبي صلی الله علیه وسلم لا
حاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال
من الريبة منهن.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٨/٥.
٣٩٠
مُوسُو ◌َب النفسية
القرآن الكريم

بيت النبوة
معلولها، ففيها إذًا الدليل الواضح على
أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع
النساء، وليس خاصًا بأزواجه صلى الله عليه
وسلم وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن؛ لأن
عموم علته دليل على عموم الحكم فيه (١).
ويكون وجه الخطاب لهن لمكان القدوة
بالنسبة لهن، فهن قدوة لبقية نساء الأمة.
رابعًا: النهي عن نكاح نساء رسول الله
بعد وفاته:
النبي صلى الله عليه وسلم له مكانته
الخاصة، فهو ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ
وَأَزْوَجُهُ أُمَهَنُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
أمهاتهم في المكانة والمنزلة، والتوقير
والاحترام، وحرمة الزواج بهن، وحرمة
الزواج بهن مراعاة لحرمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم نفسه، فإن الرجل الغيور
يأنف أن تتزوج امرأته برجل آخر، ولذلك
لما نزلت آية القذف ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ
ثُمَّلَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَكَةَ فَاجْلِدُ وهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ
لَمْ شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[النور: ٤].
قال سعد بن عبادة - وهو سيد الأنصار -:
أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٤٢.
وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم تسمعون إلی ما یقول سیدکم؟! قالوا: يا
رسول الله؛ لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله
ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة
له قط فاجترأ رجلٌ منا على أن يتزوجها من
شدة غيرته ... ))(٢) فمن غيرة سعد لم يجرؤ
رجل على أن يتزوج بامرأة طلقها، ورسول
الله صلى الله عليه وسلم أشد غيرةً منه،
كما قال في القصة ذاتها (أتعجبون من غيرة
سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني)(٣).
فلكي يطمئن الله رسوله من هذه الجهة
حرم على جميع الأمة الزواج بأمهات
المؤمنين فقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَآَ أَنْ تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ
بَعْدِهِ: أَبَدَأْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: ٥٣].
وكأن هذا تقريرٌ لحكم أمومتهن للمؤمنين
المتقدم ذكره في أول السورة، وبيانٌ لهذه
الأمومة، فهو في أشياء خاصةٍ، في المكانة
والاحترام وحرمة التزوج بهن، أما بالنسبة
للخلوة بهن وحجابهن أمام الرجال فيعاملن
كبقية النساء، بل أشد من بقية النساء-كما
تقدم -.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ، ٢٣٨/١ رقم
٢١٣١ قال الأرنؤوط: حسن.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المحاربين من أهل الكفر والردة باب من
رأى مع امرأته رجلا فقتله، ٦/ ٢٥١١، رقم
٠٦٤٥٤
www. modoee.com
٣٩١

حرف الباء
النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حكم
دائم في حياة النبي صلی الله عليه وسلم
ومن بعده، ولذلك اقتصر هنا على التصريح
بأنه حکم ثابت من بعد، لأن ثبوت ذلك في
حياته قد علم من قوله
[الأحزاب: ٦]))(١).
وقوله ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ
عَظِيمًا﴾ ((العظم هنا في الإثم والجريمة،
وتقييد العظيم بكونه عند الله («للتهويل
والتخويف، لأنه عظيم في الشناعة. وعلة
کون تزوج أحد المسلمین إحدی نساء
النبي صلى الله عليه وسلم إثمًا عظيمًا عند
الله: أن الله جعل نساء النبي صلى الله عليه
وسلم أمهات للمؤمنين، فاقتضى ذلك أن
تزوج أحد المسلمین إحداهن له حکم تزوج
المرء أمه، وذلك إثمٌ عظيمٌ)»(٢).
وهنا مسألة ذكرها العلماء وأطالوا فيها
الكلام، لا أرى في إطالة الكلام فيها كبير
فائدةٍ، حيث إنهن كلهن قد توفين، وهي أنه
هل يدخل في أزواجه اللاتي يحرمن على
الأمة من طلقها النبي صلى الله عليه وسلم؟
لذا فإني أکتفي بنقل كلام الإمام ابن کثیر
في المسألة، قال رحمه الله: «أجمع العلماء
قاطبةً على أن من توفي عنها رسول الله
قلت: ذكر بعض المفسرين هنا قصة
کسبب لنزول هذه الآية، ولم أرها تروی من
طريق صحيح، لذا أعرضت عن ذكرها، إذ
لا حاجة بها، ولا يلزم أن تكون الآية نزلت
على سبب، فإن كثيرًا من آي القرآن نزل
ابتداءً بدون سبب.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٧/٢١.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٥٥.
٣٩٢
جَوَسُو ◌َرُ الْبَشِ
القرآن الكريم
وقد («شرعت الآية أن حكم أمومة أزواج صلى الله عليه وسلم من أزواجه أنه يحرم
على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه
في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين.
واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته
هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين،
مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم
طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها
لغيره -والحالة هذه -نزاعًا))(٣).
فأزواجه اللاتي مات عنهن وهن في
عصمته يحرم على الأمة الزاج بواحدة
منهن، بلا خلاف بين العلماء. ومن تزوجها
وطلقها قبل أن يدخل بها فلا تحرم على
غيره من الأمة بلا خلاف، وإنما الخلاف
فيمن طلقها بعد أن دخل بها، والبحث في
المسألة قليل الجدوى لأمرين:
الأول: ما تقدم من أنهن كلهن قد توفين.
والثاني: أنه لم يوجد واحدة من نسائه
بهذه الصفة، فهي مسألة افتراضية.

بيت النبوة
خامسًا: مضاعفة الأجر أو العقوبة لآل ثلاثة))(٣)
البيت:
ولأهل البيت خصيصة أخرى، وهي
مضاعفة العذاب لمن يفعل فاحشة، وبما
أن الغنم بالغرم، فإنه في المقابل من يفعل
حسنة يضاعف له ثوابها.
قال تعالى: ﴿وَفِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَ
بِفَحِشَةٍ تُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
ضِعْفَيْنٍّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا
تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا
﴾ [الأحزاب: ٣٠- ٣١].
الضعف: ((من الألفاظ المتضايفة التي
يقتضى وجود أحدهما وجود الآخر،
كالنصف والزوج، وهو تركب قدرين
متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل
أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته ضممت
إليه مثله فصاعدًا))(١).
والمراد بمضاعفة العذاب: ((مثليه))(٢).
((﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
وقيل:
ضِعْفَيْنِ﴾ أي: يجعل لها العذاب ثلاثة
أعذبة، لأن ضعف الشيء مثله، وضعفي
الشيء مثلا الشيء، ومجاز ﴿يُضَعَفْ﴾
أي: يجعل الشيء شيئين حتى يكون
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٩٩.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٣٧٢، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ٧ / ١٠١.
والأول أظهر لمقابلته بإعطاء الأجر
مرتین.
قال الزجاج عن هذا القول: ((وليس هذا
بشيء؛ لأن معنى ﴿يُضَعَفْ﴾ يجعل عذاب
جرمها كعذاب جرمين. الدليل عليه قوله
﴿تُؤْتِهَا ◌َجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، فلا يكون أن تعطى
على الطاعة أجرين وعلى المعصية ثلاث
أعذبة» (٤).
وجه تضعيف العذاب لهن على الفاحشة:
((شرف منزلتهن، وفضل درجتهن،
وتقدمهن على سائر النساء أجمع؛ وقد
ثبت في الشريعة أنه كلما تضاعفت
الحرمات فهتكت تضاعفت العقوبات؛
ولذلك ضوعف حد الحر على حد
العبد، والثيب على البكر؛ لزيادة الفضل
والشرف فيهما على قرينهما))(٥).
((أنهن لما شاهدن من الزواجر وما
يروع من الذنوب ينبغي أن يمتنعن
منها أكثر مما يمتنع من لا يشاهد ذلك
ولا يحضره، فإذا لم يمتنعن استحققن
تضعيف العذاب)) (٦)، و((ليست
المعصية في القرب كالمعصية في
(٣) مجاز القرآن، أبو عبيدة ٢/ ١٣٧.
(٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /١٧١،
وانظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٢٩/١٨.
(٥) أحكام القرآن، ابن العربي ٣/ ٥٦٧.
(٦) التفسير البسيط، الواحدي ١٨/ ٢٣١.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الباء
البعد))(١).
أنه «إن حدث من إحداهن ذنبٌ بینھا
وبين نفسها فهو ذنبٌ واحدٌ مقصورٌ
عليها، فإن كان علانيةً فهو مضاعفٌ؛
لأنهن أسوة وقدوة تتطلع العيون إلى
سلوکھن، فإن ظهرت منهن فاحشة كان
تشجيعًا للأخریات، ولم لا وقد جاءت
الفاحشة من زوجة النبي صلى الله عليه
وسلم ، فمضاعفة العذاب - إذن- لأن
الفساد تعدى الذات إلى الآخرين،
وأحدث قدوة سوء في بيت النبي صلى
الله عليه وسلم ، فاستحقت مضاعفة
العذاب، فإن ضاعف لها الله العذاب
ضعفین فحسب فهو رفق بها، ومراعاة
لماضيها في زوجية رسول الله)) (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرًا﴾ ((إيذان بأن كونهن نساءً للنبي
صلى الله عليه وسلم ليس بمغنٍ عنهن
شیئا، و کیف یغني عنهن وهو سبب
مضاعفة العذاب، فكان داعيًا إلى تشديد
الأمر عليهن غير صارف عنه))(٣).
ثم وعد من تفعل طاعة لله تعالى
بمضاعفة الثواب، فتؤتى مثلي ثواب غيرها،
((وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٥/٦.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ١٩/ ١٢٠١١.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٥٤٤/٣، السراج
المنير، الشربيني ٢٩٨/٣، روح المعاني،
الألوسي ٢١/ ١٨٤.
رسول الله، بحسن الخلق وطيب المعاشرة
والقناعة والتوقر على عبادة الله))(٤).
مع
الزوم الطاعة
والقنوت:
الخضوع)» (٥).
والرزق الكريم، وهو ((رزق الجنة قال
تعالى ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍرِّزْقًا﴾
[البقرة: ٢٥]. ووصفه بالكريم لأنه أفضل
جنسه)) (٦).
أو أنه منازلهن في الجنة ((فإنهن في
منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم في
أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق،
في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى
العرش»(٧).
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٢١/٧،
وانظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٧/ ١٠٢.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤١٤.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٩/٢١.
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٨/٦.
فَضْو
مَوْمَوَالَرُ النَِّيَّة
القرآن الكريم
٣٩٤

بيت النبوة
قصص من بيت النبوة
البيت النبوي الشريف شأنه شأن أي بيت
له واقعه المعاش، وما الواقع إلا أحداثٌ
تصير قصصًا بعد ذلك، إلا أن كثيرًا من
البيوت يطوي قصصها الأيام، وينساها
الزمان، بيد أن بيت النبوة لا يمكن أن يحدث
له ذلك، فهو محط أنظار المسلمين، وموضع
اهتمامهم، لذلك فإنه عرف عنه كل صغيرة
و كبيرة، وسجل التاريخ عنه كل شيء، كيف
لا وهذا البيت قدوتهم الذي به يقتدون،
ونورهم الذي به يهتدون؟! وقد ذكر القرآن
الكريم بعض هذا القصص، ونذكر بعضًا منه
في المطالب الآتية- إن شاء الله -.
أولًا: قصة الغيرة بين نساء بيت النبوة:
الغيرة المعتدلة خلق محمود، فقد روي
(الغيرة من الإيمان) (١).
خلق محمود إذا دفعت صاحبها للذود
عن الحرمات والابتعاد عن المحرمات، ولم
تؤد إلى الشك في سلوك الآخرين، أو إلى
فعل مذمومٍ، فإذا أدت إلى ذلك تكون خلقًا
(١) أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم، مرسلاً، في
السنن الكبرى: ٢٢٥/١٠ رقم ٢٠٨١٢، وفي
شعب الإيمان: ٧/ ٤١١ رقم ١٠٧٩٧ ووصله
الشهاب في مسنده عن زيدين أسلم عن عطاء
بن يسار عن أبي سعيد الخدري، مرفوعًا،
انظر: مسند الشهاب: ١٢٣/١ رقم ١٥٤ وهو
ضعيف. انظر: لسان الميزان: ٤ /٧، السلسلة
الضعيفة مختصرة ٢٨٩/٤.
مشیناً، وسلوگًا بغيضًا، وغالبًا ما يحدث هذا
النوع بين النساء، ولا سيما إن كن ضرائر،
ونساء النبي صلی الله عليه وسلم باعتبار
أنهن ضرائر كن-أحيانًا- يغلب عليهن
الطبع النسوي، فيقعن في شيءٍ من هذا
النوع، رغم مكانتهن، والتزامهن بالآداب
الإسلامية الرفيعة.
ورغم أن الوحي کان ينزل في بيوتهن،
وقد عاتبهن الله تعالى على شيءٍ فعلنه
من هذا النوع، فقد صحبن النبي صلى الله
عليه وسلم الكريم وعاونه على أداء رسالته
وارتفعن إلى ما يتلى في بيوتهن من آيات
الله والحكمة.
وقد آخذهن الله بأمرين معروفين في
السيرة:
الأول: اتفاقهن على مطالبة النبي بالمزید
من النفقة، وضيقهن بالمعيشة الناشفة التي
التزمها. وقد رضین جميعًا بالبقاء معه عندما
أكد لهن أنه ما بدٌّ من هذه الحياة لمن يريد
الله ورسوله والدار الآخرة!
أما الأمر الثاني: فإن النبي صلى الله
عليه وسلم كان لطيف العشرة لين الجانب
دمث الأخلاق، فأطمع ذلك بعض نسائه في
الجراءة عليه. وكانت الغيرة هي السبب.
فزعمت إحداهن أنها شمت منه رائحةً
غير طبيعية، فقال: شربت عسلًا عند زینب!
فقالت: لعل نحله وقع على نباتٍ سيٍء.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الباء
فقال: (لا أعود إليه ولا تخبري أحدًا). ثم
ظهر أن القصة مفتعلة، وأنها مؤامرة لتزهیده
في فلانة! وغضب الرسول لما وقع، وهجر
نساءه جميعًا حتى شاع أنه طلقهن! ونزلت
سورة التحريم تطفئ هذه الفتنة وتؤدب من
أحرج الرسول وأساء المسلك(١).
والقصة كما رواها أصحاب الصحاح
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان
النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند
زينب بنت جحش ویشرب عندها عسلًا،
فتواصیت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها
النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد
فيك ربح مغافير (٢) أكلت مغافير، فدخل
على إحداهما فقالت له ذلك، فقال (بل
شربت عسلًا عند زينب بنت جحش ولن
أعود له) فنزلت ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ
لَكَ﴾ إلى ﴿إِن نَنُبَّ إِلَى اَللَّهِ﴾ [التحريم:١ -٤].
لعائشة وحفصة)(٣).
(١) انظر: نحو تفسير موضوعي، محمد الغزالي
٤٦٩/١.
(٢) شيءٌ شبيه بالصمغ ينضجه شجر العرفط،
حلّوٌ له ربحٌ منكرةٌ، واحدها مغفور.
انظر: غریب الحدیث، ابن سلام ٢٥٦/٢،
النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير ٧٠٣/٣،
غريب الحديث، ابن الجوزي ١٥٩/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له،
كتاب الطلاق باب : يا أيها النبي لم تحرم
ما أحل الله لك)، ٢٠١٦/٥، رقم ٤٩٦٦،
ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب
وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو
الطلاق، ١١٠٠/٢ ن رقم ١٤٧٤ .
القصة أشارت إليها الآيات الأولى من
سورة التحريم، فالسورة تبدأ بالإنكار على
النبي صلی الله عليه وسلم لتحريمه شرب
العسل على نفسه ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَيِّمُ مَآ أَحَلَّ
اللّهُ لَكٌّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
((استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله عز و
جل نھيٌّ، وتحريم الحلال مكروه، ولا يحرم
الحلال إلا بتحريم الله عز وجل»(٤).
وهذا التحريم من النبي صلى الله عليه
وسلم «تحريم امتناع عن الانتفاع بها أو
بالعسل لا تحريم اعتقاد بكونه حرامًا بعد
ما أحله الله فالنبي صلى الله عليه وسلم
امتنع عن الانتفاع بذلك مع اعتقاده أن ذلك
حلال»(٥) .
ثم یذکر سبحانه و تعالى أنه شرع لنا
تحلة القسم، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ شَعِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ
وَاللَّهُ مَوْلَنْكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [التحريم: ٢].
فمن حلف على يمين ورأى غيره خيرًا
منها فليفعل ما أخبر به النبي صلى الله عليه
وسلم ، فعن عبد الرحمن بن سمرة، قال:
قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا
حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها
فکفر عن يمينك وأت الذي هو خير) (٦).
(٤) التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/ ٨.
(٥) لباب التأويل، الخازن ٣١٢/٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان،
٦/ ٢٤٤٣، رقم٦٢٤٨ ، ومسلم في صحيحه،
كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينًا فرأى
جَوَسُو ◌َرَ النفسية الوضوء
القرآن الكريمِ
٣٩٦

بيت النبوة
ٹم یخبر سبحانه وتعالى ما تسارت به
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ
حفصة وعائشة
أَزْ وَجِ حَدِينًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اَللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ
بَعْضَهُ، وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِ فَلَمَا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ
هَذَا قَالَ نَبَأَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ .
«وإنما نبأها النبي صلى الله عليه وسلم
بأنه علم إنشاءها الحديث بأمر من الله لييني
عليه الموعظة والتأديب فإن الله ما أطلعه
على إنشائها إلا لغرض جليل.
ولم یختلف أهل العلم في أن التي أسر
إليها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث
هي حفصة ويأتي أن التي نبأتها حفصة هي
عائشة))(١).
ثم يرغبهما في التوبة ويرهبهما من
الاستمرار على حالهما ﴿إِن نَنُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾
من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم
بالإيذاء: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبِكُمَا﴾ عدلت
ومالت عن الحق(٢).
قوله ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ تعاونا على
إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ
هُوَمَوْلَئُهُ﴾ أي: وليه وناصره ﴿وَجِبْرِيلُ﴾
وليه وناصره أيضًا ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
المخلصون من المؤمنين الذين ليسوا
بمنافقين ﴿وَالْمَلَبِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ بعد
غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خيرٌ ويكفر
عن يمينه، ١٢٦٨/٣، رقم ١٦٥٢.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٣/٢٨.
(٢) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/ ١٦.
نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين أعوان
للنبي صلى الله عليه وسلم ينصرونه(٣).
ثم خوف نساءه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ:
إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ
مُؤْمِنَتٍ قَئِنَتِ تَيِّبَتِ عَبِدَاتٍ سَحَتٍ ثَيِّبَتِ
وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].
المعنى: واجب من الله إن طلقكن
رسوله أن يبدله أزواجا خیرًا منکن، والله
تعالی کان عالمًا أنه لن یطلقهن، ولکن أخبر
عن قدرته أنه إن طلقهن أبدل خيرًا منهن؛
تخويفًا لهن (٤).
وقد اختلف المفسرون هل المذكور
في الآيات الخمس قصة واحدة، أم أنهما
قصتان انتهت أولاهما مع الآية الثانية، وبقية
الآيات تذكر قصة أخرى؟
فذهب بعضهم إلى الأول، وقالوا: إن
الحديث الذي أسره النبي صلى الله عليه
وسلم إلى حفصة تحريم ما حرمه على
نفسه، فلما ذكرته لعائشة وأطلع الله نبيه
علی ذلك عرفها بعض ما ذكرت، وأعرض
عن بعضه. بينما ذهب فريق آخر إلى الثاني،
وقالوا إن الحديث الذي أسره النبي صلى
الله عليه وسلم إلى حفصة تحریم مارية،
وقال لها: اکتمیه عن عائشة و کان یومها منه،
وأسرك أن أبا بكر الخليفة من بعدي، وعمر
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨/ ١٦٨، لباب
التأويل، الخازن ٣١٥/٤.
(٤) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٠/٢٢.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الباء
الخليفة من بعده، فذكرتها لعائشة، فلما
أطلع الله نبيه ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِّ﴾
فکان الذي عرف ما ذكره من التحریم، و کان
الذي أعرض عنه ما ذكره من الخلافة لئلا
ينتشر (١).
والظاهر أن الآيات كلها تتحدث عن
قصة واحدة، وكأن قوله ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى
بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا﴾ بيان لبعض تفاصيل
القصة التي حرم النبي صلى الله عليه وسلم
بسببها بعض ما أحله الله له. لما في الصحيح
عن عبيد الله بن عمير يقول سمعت عائشة:
تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
یمکث عند زينب بنت جحش ویشرب
عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة أن
أیتنا دخل عليها النبي صلی الله عليه وسلم
فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت
مغافير! فدخل على إحداهما، فقالت ذلك
له، فقال: (لا بل شربت عسلا عند زينب
بنت جحش ولن أعود له) فنزلت ﴿يَأَيّهَا
النَِّىُّ لِمَ تُحُرُِّ مَا أَحَلَّ الَهُ لَكَ﴾ إلى قوله ﴿إِن
تَنُبَّ إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ
إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِيثًا﴾ لقوله: (بل شربت
عسلًا)(٢).
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٤٠.
(٢) أخرجه البخاري، في صحيحه، واللفظ
له، كتاب الأيمان والنذور باب إذا حرم
طعامًا، ٦/ ٢٤٦٢، رقم ٦٣١٣، ومسلم
في صحيحه، كتاب الطلاق، باب وجوب
تنبيه: ما تقدم من أن الآيات نزلت بسبب
القصة المذكورة هو أصح ما قيل فيها،
وهناك أقوالٌ أخری مبنیة علی روایات دون
المذكورة فى الصحة، منها، ما روي عن ابن
عباس: في قوله عز وجل ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إلَى
بَعْضِ أَزْوَچِهِ حَدِيثًا﴾ قال: اطلعت حفصة على
النبي صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم عليه
السلام، فقال: لا تخبري عائشة وقال لها: إن
أباك وأباها سیملکان، أو سیلیان بعدي، فلا
تخبري عائشة، فانطلقت حفصة فأخبرت
عائشة فأظهره الله عليه، فعرف بعضه
وأعرض عن بعضٍ، قال أعرض عن قوله
إن أباك وأباها يكونان بعدي، كره رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن ينشر ذلك في الناس
فأعرض عنه)(٣) .
الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق
٢/ ١١٠٠، رقم ١٤٧٤.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه كتاب الوصايا
٤/ ١٥٣، رقم ١٥، وبنحوه ابن سعد في
الطبقات الكبرى ١٨٥/٨، والطبراني في
المعجم الكبير ١١٧/١٢، رقم ١٢٦٤٠
وفي إسناد الدارقطني الكلبي عن أبي
صالح، قال ابن حجر: ((الكلبي هو محمد بن
السائب متروك الحديث بل كذاب. تلخيص
الحبير: ١/ ١٢٨. وفي إسناد ابن سعد
الواقدي، وهو ضعيف. انظر: النكت على
ابن الصلاح: ٦٦٦/٢. وفي رواية الطبراني
الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس، والضحاك
لم يثبت له سماع من ابن عباس، بل قال
العجلي: ليس بتابعي. تهذيب التهذيب: ٤/
٣٩٧.
٣٩٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

بيت النبوة
ولكن ما في الصحيح أصح.
ثانيًا: قصة الإفك:
الإفك: ((الكذب))(١) ولكنه ليس أي
كذب، بل هو ((أسوأ الكذب وأقبحه))(٢) .
فيفرق بينه وبين الكذب: ((أن الكذب
اسم موضوع للخبر الذي لا مخبر له على ما
هو به، والإفك هو الكذب الفاحش القبح،
مثل الكذب على الله ورسوله أو على القرآن
ومثل قذف المحصنة وغير ذلك مما یفحش
قبحه))(٣).
وأصبح الإفك علمًا بالغلبة على اتهام
أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها
العفيفة البريئة ورميها بالزنا. وتعد حادثة
الإفك من أشهر الأحداث التي مر بها البيت
النبوي الشريف، وهي حادثة كان لها أكبر
الأثر على هذا البيت، بل وعلى المجتمع
المسلم كله، كادت تودي ببعض المسلمين
الذين خاضوافيها، والقصة كما ترويها السيدة
عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا
أقرع بین أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج
بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج
سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب،
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٤١٦/٥، لسان
العرب، ابن منظور ١٠/ ٣٩٠، تاج العروس،
الزبيدي ٢٧/ ٤٤.
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ١٦ / ١٥١.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٥٠.
فأنا أحمل في هودچ وأنزل فيه، فسرنا حتى
إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من
غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن
ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل،
فمشیت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت
شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا
عقدٌ لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت
فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل
الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه
على بعيري الذي كنت أرکب وهم يحسبون
أني فيه - وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن
ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من
الطعام- فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل
الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة
السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت
عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم
وليس فيه أحد فأممت منزلي الذي كنت
به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي،
فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان
صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني
من وراء الجیش، فأصبح عند منزلي، فرأى
سواد إنسانٍ نائم، فأتاني وكان يراني قبل
الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حین أناخ
راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود
بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا
معرسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك
و کان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الباء
سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا أصبحت، فدعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد
یفیضون من قول أصحاب الإفك، ویریپني
في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله
عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حین
أمرض، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف
تیکم؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت.
حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق
أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم
في نفسه من الود لهم؛ فقال أسامة: أهلك
یا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خیرًا، وأما
علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله؛ لم
يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل
الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم بريرة؛ فقال: يا بريرة هل رأيت
شيئًا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك
بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها
أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن
العجين فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول
الله صلی الله عليه وسلم من يومه فاستعذر
من عبد الله بن أبي ابن سلول؛ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من
رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت
على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما
علمت علیه إلا خيرًا، وما كان يدخل على
أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ فقال: يا
رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من
الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من
الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد
ابن عبادة وهو سيد الخزرج - وكان قبل
ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية-
فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر
فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع
متبرزنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك
قبل أن نتخذ الکتف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا
أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه،
فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي،
فعثرت في مرطها: فقالت: تعس مسطح،
فقلت لها: بئس ما قلت؛ أتسبين رجلًا
شهد بدرًا! فقالت: يا هنتاه؛ ألم تسمعي ما
قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت
مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي
دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فسلم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي
إلی أبوي، قالت: وأنا حينئذ اربد أن أستیقن
الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فأتيت أبوي فقلت لأمي:
ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية؛ هوني
على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأةٌ
قط وضیئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا
أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد
پتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبت اللیلة حتى
أصبحت لا یرقا لي دمعٌ ولا أکتحل بنومٍ، ثم
مُوسُوبَة النَّفِيَة
القرآن الكريمِ
٤٠٠

بيت النبوة
على ذلك. فقام أسيد بن الحضير؛ فقال: جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن،
كذبت لعمر الله، والله لتقتلنه، فإنك منافق
فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما
يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم
به، ولئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم إني
البريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت
لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة - لتصدقني،
والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف
تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس
والخزرج حتى هموا ورسول الله صلى الله
عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم حتى
سكتوا وسكت، وبكيت يومي لا يرقألي دمع
ولا أکتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي قد
بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالقٌ إذا قال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَ مَا
تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨].
کبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا
أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت
لها، فجلست تبکي معي، فبینا نحن كذلك
إذ دخل رسول الله صلی الله عليه وسلم
فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل في
ما قیل قبلها، وقد مکث شهرًا لا یوحى إليه
في شأني شيء، قالت: فتشهد، ثم قال: (یا
عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن کنت
بريئةً فسیبرئك الله، وإن كنت ألممت بشيء.
فاستغفري الله وتوبي إلیه، فإن العبد إذا
اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه).
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه
وسلم مقالته قلص دمعي حتی ما أحس منه
قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدري ما
أقول لرسول الله صلی الله علیه وسلم فقلت
لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه
وسلم فیما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول
لرسول الله صلی الله علیه وسلم قالت: وأنا
ثم تحولت إلى فراشي وأنا أرجو أن
يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل
في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن
يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو
أن یری رسول الله صلی الله عليه وسلم في
النوم رؤيا يبرئني الله، فو الله ما رام مجلسه
ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه
الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء
حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق
في يومٍ شاتٍ، فلما سري عن رسول الله
صلى آلله عليه وسلم وهو يضحك فكان
أول كلمة تكلم بها أن قال لي: (يا عائشة،
احمدي الله فقد برأك الله) فقالت لي أمي:
قومي إلی رسول الله صلی الله عليه وسلم
فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا
الله، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ
عُصْبَةُ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١].
الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي
www. modoee.com
٤٠١

حرف الباء
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وكان على الإنفاق عليه، ثم تعود الآيات لذكر
الأدلة على براءة السيدة عائشة رضي الله
عنها، ويمكن إيجاز الحديث القرآني في
النقاط التالية:
ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه -:
والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما
قال لعائشة. فأنزل الله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ
اُلْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ
يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن
يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان
يجري عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري
فقال: (يا زينب ما علمت ما رأيت؟) فقالت:
یا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله
ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي
كانت تسامیني فعصمها الله بالورع)(١)
وقد ذكرت حادثة الإفك في القرآن
الكريم، في حديث مستفاضٍ عنها وعن
براءة السيدة عائشة رضي الله عنها وبراءة
الصحابي الجليل صفوان بن المعطل
رضي الله عنه، وعن الوعيد والتهديد لمن
خاض في الأمر، وعن تحذير المؤمنين
من الانجراف إلى مثل هذه الأمور، ثم إلى
الحديث عن موقف الصديق رضي الله عنه
حين حلف أن لا ينفق على مسطح، وحثه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له،
كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن
بعضًا:٢/ ٩٤٢، رقم ٢٥١٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك
وقبول توبة القاذف: ٢١٢٩/٤ رقم ٢٧٧٠.
تبدأ الآيات بالإخبار أنه خاض في
هذا الأمر جماعة من المؤمنين،
ـان
الَّذِينَ جَاءُو ◌ِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ((والذين
ذكروا منهم مسمى في الآثار: حسان
ابن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة
بنت جحش أخت عبد الله بن جحش
الأسدي، والمنافق عبد الله بن أبي))(٢).
ثم ثنی بالإخبار بأن هذا الأمر فيه خير
كثير للرسول عليه الصلاة والسلام،
وأبي بكر، وعائشة، وصفوان رضي
الله عنهم «لا کتسابهم الثواب العظیم،
وظهور كرامتهم على الله عز وجل
بإنزال القرآن الذي يتلى إلى يوم الدين
في نزاهة ساحتهم وتعظيم شأنهم،
وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيهم،
والثناء على من ظن خيرًا بهم، مع ما فيه
من صدق الرجعى إلى الله، والافتقار
إليه، والإياس مما سواه))(٣).
ثم ذكر وبال من وقع فيها بقوله: ﴿لِكُلِّ
أَمْرِيٍ مِنْهُم﴾ من أولئك العصبة ﴿مَّا
أَكْتَسَّبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ له من الجزاء بقدر
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ١٦/ ١٥٢.
(٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٥/ ٥٦.
مُوسُو ◌َة الَّتِي
القرآن الكريم
٤٠٢

بيت النبوة
ما خاض فیه، وكان بعضهم ضحك،
وبعضهم تكلم، وبعضهم سكت(١).
ثم ذكر عقابًا خاصًا لعبد الله بن أبي
بن سلول -قبحه الله ولعنه - (٢) الذي
تولى معظمه ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ.
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
* ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يجب أن
يتأدب به المؤمنون في قضية عائشة
رضي الله عنها ((حين أفاض بعضهم
في ذلك الكلام السيئ، وما ذكر من
* بمعنى:
شأن الإفك، فقال:
هلا ﴿إِذْسَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: ذلك الكلام،
أي: الذي رميت به أم المؤمنين ﴿ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ قاسوا
ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا
يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه
بطريق الأولى والأحرى، وهلا ظنوا
الخير، فإن أم المؤمنين أهله وأولى
به، هذا ما يتعلق بالباطن))(٣) أو ((ظن
بعضهم ببعض خيرًا، والبعض هاهنا
الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين،
وصفوان بن المعطل رضي الله
عنه»(٤).
((﴿وَقَالُواْ﴾ بألسنتهم ﴿هَذَآ إِنْكٌ
(١) المصدر السابق.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦/٦.
(٤) درج الدرر، الجرجاني ٣/ ١٢٨٢.
تُبِينٌ﴾ كذب ظاهر على أم المؤمنين،
فإن الذي وقع لم یکن ريبة، وذلك أن
مجيء أم المؤمنين راكبة جهرةً على
راحلة صفوان بن المعطل في وقت
الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون
ذلك، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم بین أظهرهم، لو كان هذا الأمر
فیہ ريبة لم یکن ھکذا جهرة، ولا کانا
يقدمان على مثل ذلك على رؤوس
الأشهاد، بل كان يكون هذا -لو
قدر- خفية مستورا، فتعين أن ما جاء
به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين
هو الكذب البحت، والقول الزور،
والرعونة الفاحشة الفاجرة والصفقة
الخاسرة»(٥) .
ثم یذکر دلیلا علی کذب القائلین، وهو
أنهم لم يحضروا شهداء على قولهم،
ولن يستطيعوا، لأنه لم يقع ﴿لَوْلَا جَآءُو
عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءُ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِلُّهَدَآءِ
فَأُوْلَِّكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ .
* ثم يذكر بعض نعمه تعالى عليهم،
﴿وَلَوْلًا
حيث لم يعاجلهم بالعقوبة
فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَاَلَآَخِرَقِ﴾
((أيها الخائضون في شأن عائشة، بأن
قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا،
وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٦.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الباء
الدار الآخرة ﴿لَسَتَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ
فِيهِ﴾، من قضية الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه
التوبة إليه، كمسطح، وحسان، وحمنة
بنت جحش، فأما من خاض فيه من
المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول
وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه
الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان
والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما
يعارضه. وهكذا شأن ما يرد من الوعيد
على فعل معين، يكون مطلقًا مشروطا
بعدم التوبة، أو ما يقابله من عمل صالح
یوازنه أو یرجح علیه))(١) .
ثم يصور حالهم وقت خوضهم في
هذا الجرم، بحيث استحقوا العقوبة
فعلًا ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ («تلقفونه،
ويلقيه بعضكم إلى بعض، وتستوشون
حديثه، وهو قول باطل ﴿وَتَقُولُونَ
◌ِأَفْوَهِكُرُ مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْمٌ﴾ والأمران
محظوران، التكلم بالباطل، والقول
بلا علم))(٢) ﴿وَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ
عَظِيمٌ﴾: ((تقولون ما تقولون في شأن أم
المؤمنین، وتحسبون ذلك یسیرًا سهلًا،
ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله
عليه وسلم لما كان هينا، فكيف وهي
(١) المصدر السابق ٢٨/٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦٣.
زوجة النبي الأمي، خاتم الأنبياء وسيد
المرسلين))(٣).
ثم یوجههم إلى أمر آخر كان ينبغي
أن يفعلوه ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَتَّكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ
عَظِيمٌ﴾ فهو («عتاب لجميع المؤمنين،
أي: کان ينبغي علیکم أن تنكروه ولا
يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة
الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى
عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه
الصلاة والسلام وأن تحكموا على هذه
المقالة بأنها بهتان)) (٤).
ثم يحذرهم من الوقوع في مثل هذا
الأمر مرة أخرى ﴿ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُواْ
لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُمْ مُؤْمِينَ * وَيُبَّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى ما يترتب على
إشاعة الفحشاء ونشرها بين الذين آمنوا
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِی
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وذلك لأنها إذا شاعت
في الأتقياء ذوی المکانة سهل ارتكاب
الفاحشة، فإذا تسامع من يكون في قلبه
نزغة أن فلانة من أزواج الكبراء، قد
ارتكبتها فلا تجد حرجًا أو لائمةً أن
ترتكبها، فكان الذين يلوكون بألسنتهم
اتهام أزواج الكبراء قاصدين إليها غير
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨/٦.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢ / ٢٠٥.
٤٠٤
مُؤَسُورُ النَّسيد
القرآن الكريم

بيت النبوة
متأثمين من ترويجها يحبون أن تشيع
الفاحشة في الذين آمنوا؟ لأنهم إذا
علموا النتائج المترتبة على قولهم،
واستمروا في غيهم، فهم يحبون
هذه النتيجة ويسعون بعملهم إليها،
وقد ذكر سبحانه و تعالى ذلك ليعلم
العابثون أنهم إن استمروا أنهم يحبون
هذا الفساد، وقد ذكر سبحانه و تعالى
جزاءهم، فقال ﴿لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ﴾ أما عذاب الدنيا فهو العقاب
الصارم وهو الحد، والحد يتضمن ثلاثة
أنواع لا يكفر إلا آخرها، وهى الجلد
ثمانين جلدة، والثانى: ألا تقبل لهم
شهادة أبدًا، والثالث: الحكم عليهم
بأنهم فاسقون، وهذا ما تكفره التوبة.
وأما عذاب الآخرة فإن الله تعالى
اختصه بعلمه، حتى نراه يوم القيامة
عيانا، ثم قال تعالى مؤكدا العواقب
الوخيمة من رمى البريئات والبرآء
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ الله وحده يعلم صحة
الاتهام إن كان صحيحًا، ومواضع
التهمة، ويعلم أثر ذلك في الجماعات
من إشاعة الفساد، وانحلال الرابطة
الاجتماعية، وإشاعة الأقوال الباطلة
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ هو أسرار البيوت
ودخائلها، فإن ذلك في كنٍ مستورٍ،
ومن المصلحة ستره))(١).
ثم يذكر المؤمنين مرة أخرى ﴿ وَلَوْلًا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ
رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ((إن الحدث لعظيم،
وإن الخطأ الجسيم، وإن الشر الكامن
فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة
کلها بالسوء. ولکن فضل الله ورحمته،
ورأفته ورعايته، ذلك ما وقاهم السوء،
ومن ثم يذكرهم به المرة بعد المرة)»(٢).
* ثم يصور («لهم عملهم بأنه اتباع
لخطوات الشيطان. وما كان لهم أن
يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من
قديم. وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه
من مثل هذا الشر المستطير ﴿﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ
يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ
وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، مَا
زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّاً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّيِ مَنْ
يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ وإنها لصورة
مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع
المؤمنون خطاه، وهم أجدر الناس
أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا
طريقًا غير طريقه المشؤوم !... ﴿وَمَنْ
يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ
وَالْمُنْكَرِ﴾ .. وحديث الإفك نموذج
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥١٦٤.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٥٠٤.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الباء
من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين
الذين خاضوا فيه. وهو نموذج منفر
شنيع. وإن الإنسان لضعيف، معرضٌ
للنزعات، عرضةٌ للتلوث. إلا أن يدركه
فضل الله ورحمته. حین یتجه إلى الله،
ويسير على نهجه))(١).
ثم یوجه الأغنياء أن لا یعبؤوا بمثل هذه
الأمور، ولا تمنعهم من فعل الخيرات
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ
يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِنَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ
أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لا
يحلف أصحاب الفضل والسعة ألا
يؤتوا أولى القربی کمسطح(٢). ((ولما
كان النهي عن ذلك غير صريح في
العفو، عطف عليه مصرحًا بالمقصود
قوله: ﴿وَلْيَعْفُواْ﴾ عن زللهم بأن
يمحوه ويغطوه بما يسبلونه عليه من
أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر.
ولما كان المحو لا ينفي التذكر قال
﴿وَلْيَصْفَحُواْ﴾ أي يعرضوا عنه أصلًا
ورأسًا، فلا يخطروه لهم على بال
ليثمر ذلك الإحسان، ولما كانت لذة
الخطاب تنسي کل عتاب، أقبل سبحانه
وتعالى بفضله ومنه وطوله على أولي
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢٥٠٤.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٦/٥.
الفضل، مرغبًا في أن يفعلوا بغيرهم
ما يحبون أن يفعل بهم، مرهبًا من أن
يشدد عليهم إن شددوا فقال ﴿أَلَا
تُحِبُّونَ﴾ يا أولي الفضل ﴿أَن يَغْفِرَ اَللَّهُ﴾
الملك الأعظم ﴿لَكُمْ﴾ ما قصرتم في
حقه ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ إن شاء يغفر
لكم ذنوبکم بأن یمحوها فلا یدع لها
أثرًا ويرحمكم بعد محوها بالفضل
عليكم كما فعلتم معهم، فإن الجزاء من
جنس العمل»(٣).
ثم يبين سبحانه وتعالى جزاء من
يرمي عفيفة بريئة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ
الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ أَايَوَّمَ
تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ { يَوْمَيِدٍ يُوَفِيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ
اُلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
٢٥
[النور: ٢٣-٢٥].
لهم الطرد من رحمة الله في الدنيا
والآخرة، ولهم عذاب عظيم يوم
القيامة، حین تشهد علیهم جوارحهم،
فيعطيهم الله تعالى جزاءهم الذي
يستحقونه، ووقتها يوقنون أن الله تعالى
هو الحق الواضح.
ثم يذكر سبحانه وتعالى أنه لا يتكلم
بالكلمات الخبيثات إلا الخبيث من
(٣) نظم الدرر، البقاعي ٢٤٨/٥.
٤٠٦
العضو
صُوَسُو ◌َهُ النَّقِّ
القرآن الكريم

بيت النبوة
الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات
إلا الطيب من الرجال والنساء،
وأن الكلمات الخبيثات إنما تلصق
بالخبيثات من النساء، والرجال، فأما
الطاهرات الطيبات فلا يلصق بهن
السب(١). ثم يأتي النص على براءة
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
صراحة، وبراءة صفوان رضي الله عنه
﴿أُوْلِكَ مُبَرَّدُونَ مِمَّا يَقُولُونَّ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ
وَرِزْقُّ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦].
«وما في اسم الإشارة من معنى البعد،
للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم،
وبعد منزلتهم في الفضل، أي: أولئك
الموصوفون بعلو الشأن: مبرؤون
مما يقوله أهله الإفك في حقهم من
الأكاذيب الباطلة)»(٢).
ثالثًا: قصة التخيير بين متاع الدنيا
والآخرة:
وهي من القصص ذات الأثر الكبير على
البيت النبوي الشريف.
ذكرها الله تعالى في سورة الأحزاب
في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزَّوَجِكَ إِن كُنَّ
تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
وَإِنِ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَيِّحْكُنَّ سَرَاعًا جَمِيلًا (٥)
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ
(١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ١٦ / ١٨٤.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٥/ ٦٣.
اللَّهُ أَهَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[الأحزاب: ٢٨-٢٩].
((لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم
لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزًا
عن حیاة المتاع، فقد عاش حتى فتحت
له الأرض، وكثرت غنائمها، وعم فيؤها،
واغتنی من لم یکن له من قبل مال ولا زادا
ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد
في بیوته نار. مع جوده بالصدقات والهبات
والهدايا. ولكن ذلك كان اختيارًا للاستعلاء
على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما
عند الله. رغبة الذي يملك ولكنه يعف
ويستعلي ويختار .. ولم يكن رسول الله
صلى الله عليه وسلم مكلفًا من عقيدته ولا
من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي
أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطيبات
محرمةً في عقيدته وشريعته؛ ولم يحرمها
على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوًا بلا
تکلف، وتحصل بین یدیه مصادفة واتفاقًا،
لا جريًا وراءها ولا تشهیًا لها، ولا انغماسًا
فيها ولا انشغالًا بها .. ولم يكلف أمته كذلك
أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا
أن يختارها من يريد، استعلاء على اللذائذ
والمتاع؛ وانطلاقًا من ثقلتها إلى حيث
الحرية التامة من رغبات النفس وميولها،
ولكن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن
نساءً من البشر، لهن مشاعر البشر. وعلى
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الباء
فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه
الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة وسلم شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن
ظلت حية في نفوسهن))(١).
ولما فتحت البلدان، ووجدن سعة
سبل سألنه في عرض الدنيا ومتاعها أشياء،
وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة
بعضهن بعضًا، فهجرهن رسول الله صلی
الله عليه وسلم وآلی -أي حلف- لا يقربهن
شهرًا(٢) فعن جابر بن عبدالله قال: دخل أبو
بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن
لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر، فدخل،
ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي
صلى الله عليه وسلم جالسًا حوله نساؤه
واجمًا ساكنًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا
أضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني
النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك
رسول الله صلی الله علیه وسلم، وقال: هن
حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر
إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة
يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فقلن:
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٥٣/٥.
(٢) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٢٥/١٨،
معالم التنزيل، البغوي ٣٤٥/٦، لباب
التأويل، الخازن ٤٢٣/٣، سبل الهدى
والرشاد، الصالحي ٩/ ٦٢.
شھرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه
الآية ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ حتى بلغ
﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ قال: فبدأ
بعائشة فقال: يا عائشة؛ إني أريد أن أعرض
عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى
تستشيري أبويك؛ قالت: وما هو يا رسول
الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول
الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله
والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة
من نساءك بالذي قلت. قال: لا تسألني امرأة
منهن إلا أخبرتها؛ إن الله لم يبعثني معتًا ولا
متعنتاً، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا)(٣).
وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه
وسلم قالت: لما أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأبي، فقال: (إني
ذاكرٌ لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتی
تستأمري أبويك) قالت: وقد علم أن أبوي
لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن
الله جل ثناؤه قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ
إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى
﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت:
فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد
الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا
بالنية، ١١٠٤/٢، رقم ١٤٧٨ .
جَوَمُوبَة النَّجيدة
القرآن الكريم
٤٠٨