النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
٧
بيت النبوة
عناصر الموضوع
مفهوم بيت النبوة
٣٧٠
بيت النبوة في الاستعمال القرآني
٣٧١
الألفاظ ذات الصلة
٣٧٢
رعاية الله تعالى لبيت النبوة
٣٧٤
خصوصيات بيت النبوة
٣٨٦
قصص من بيت النبوة
٣٩٥
حقوق بيت النبوة
٤١١
المُجَلَّدَ السَّابِعْ

حرف الباء
مفهوم بيت النبوة
أولًا: المعنى اللغوي:
بالنظر في مصطلح (بيت النبوة) نجد أنه مر کبٌ إضافي يتكون من كلمة (بيت) وكلمة
(النبوة) ولا بد من تعريف كل كلمة على حدة، ثم يعرف المرکب کله بعد ذلك.
أما كلمة (بَيْت) فأصلها: مأوى الإنسان بالليل؛ لأنه يقال: بات: أقام بالليل، كما يقال:
ظل بالنهار، ثم قد يقال للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت، لكن
البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشِعْر ... وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته، وصار أهل
البيت متعارفًا في آل النبي صلى الله عليه وسلم(١)
وأما النبوة فمختلف فيها، هل هي من النبأ أو من النبوة؟ فإن كانت من النبأ فهي متروكة
الهمزة، وإن كانت من النبوة فهي على أصلها، قال ابن السكيت: ((النبي وهو من أنبأ عن الله
عز وجل فترك همزه، وإن أخذته من النبوة وهو الارتفاع من الأرض، أي: شرف على سائر
الناس، فأصله غیر الهمز))(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفها ابن حزم بأنها ((الوحي من الله تعالى بأن يعلم الموحى إليه بأمرٍ ما يعلمه لم يكن
يعلمه قبل»(٣)
أقول: وإذا كانوا عرفوا النبي بأنه ((من اختصه الله سبحانه وتعالى بسماع وحي بحكم
شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا))(٤) فإنه يمكن أن تعرف النبوة بأنها إيحاء الله تعالى إلى
نبي من الأنبياء بأي طريقٍ من طرق الوحي بحكم أو شرع، أمر بتبليغه أو لم يؤمر.
بيت النبوة كمركب إضافي:
أما إذا أردنا تعریف مصطلح (بيت النبوة) باعتباره مركبًا إضافيًا، فيكون تعريفه باعتبار
مفرداته؛ فهو المنزل الذي كان ينزل فيه الوحي على أي نبي من الأنبياء.
وشاع إطلاقه على أسرة نبينا صلى الله عليه وسلم من شخصه وأقاربه.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧٥.
(٢) إصلاح المنطق ص ١٥٨.
(٣) المحلى، ١/ ٥٠.
(٤) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١ / ١٦٢.
٣٧٠
مُوسُق ◌َد
القرآن الكَرِيْمِ

بيت النبو
بيت النبوة في الاستعمال القرآني
لم يرد مصطلح (بيت النبوة) في الاستعمال القرآني.
وقد عبّر عن القرآن عن معناه بألفاظ أخرى، وهي:
١. بيوت النبي: قال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَآَمَنُواْ لَا نَدْ خُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ
تَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
٢. أهل البيت: قال عز وجل: ﴿إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِّرَكُمْ
تَظْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
٣. نساء النبي: قال تعالى: ﴿يَنِسَآَّةُ النَّيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
www. modoee.com
٣٧١

حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
١
أهل البيت:
أهل البيت لغة:
((أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت
ويلد، وأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل
الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا - إذا
قيل: أهل البيت- لقوله عز وجل ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
[الأحزاب: ٣٣]. وعبر بأهل الرجل عن امرأته))(١).
بل صرح بعضهم بأن أهل البيت ((عبارة عن النساء، الواحد والجمع فيه سواء. ولكن
الضمير الذي يرجع إليه يكون جمعًا ومذكرًا اجتنابًا عن التصريح، لأجل حرمة النساء))(٢).
أهل البيت اصطلاحًا:
«كل من يكون من ألزام النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء والأزواج والإماء
والأقارب، وكلما كان الإنسان منهم أقرب وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص وألزم كان
بالإرادة أحق وأجدر))(٣).
الصلة بين بيت النبوة وأهل البيت:
لفظان مترادفان، فأهل البيت، هم بيت النبوة.
آل البيت:
٢
آل البيت لغة:
الآل: ((أهل الرجل وعياله أيضًا: أتباعه وأولياؤه، ... وأصله أهلٌ، أبدلت الهاء همزةً،
فصارت: آآلٌ، توالت همزتان، فأبدلت الثانية ألفًا فصار: آل. وتصغيره: أويلٌ وأهيلٌ)) (٤)
((وقد ورد الآل في القرآن على ثلاثة أوجهٍ:
الأول: بمعنى القوم والتبع: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النَّذُرُ ﴾ [القمر: ٤١]
الثاني: بمعنى أهل البيت والحاضرين من أهل القوت والنفقة: ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤]
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٩.
(٢) مفردات القرآن، الفراهي، ص ٢٥٩.
(٣) نظم الدرر، البقاعي ١٠٢/٦، السراج المنير، الشربيني ٣٠٦/٣.
(٤) تاج العروس، الزبيدي ٢٨/ ٣٧.
مَؤُوابَرُ التفسير
القرآن الكريم
٣٧٢

بيت النبوة
﴿وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣].
الثالث: بمعنى القرابة والذرية الكلية:
﴿يَرِثُبِىِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦].
ويستعمل فيمن يختص بالإنسان (اختصاص ذاته) إما بقرابة قريبة، أو بموالاة.
آل البيت اصطلاحًا:
وآل النبي: أقاربه. وقيل: المختصون به من حيث العلم. وذلك أن أهل الدين ضربان:
ضرب مختص بالعلم المتقن والعمل المحكم. فيقال لهم: آل النبي وأمته وضرب مختصون
بالعمل على سبيل التقليد.
ويقال لهم: أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يقال لهم: آل النبي. وكل آل النبي أمته،
وليس كل أمته آله. وقيل لجعفر الصادق: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي صلى
الله عليه وسلم، فقال: صدقوا وكذبوا. فقيل: ما معناه؟ قال: (كذبوا في أن الأمة كافتهم آله،
وصدقوا أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته فهم آله))(١) وآل البيت أصبح علمًا على آل نبينا محمد
صلى الله عليه وسلم .
الصلة بين بيت النبوة والآل البيت:
آل البيت أعم من بيت النبوة، فـ(آل البيت) یشمل زوجاته صلی الله علیه وسلم، وقرابته،
سواء الذي كانوا في حیاته، أو الذين جاؤوا بعد مماته.
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢/ ١٦٢.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الباء
رعاية الله تعالى لبيت النبوة
بيت النبوة محط أنظار الأمة، وموطن
قدوتها، لذلك حظي برعاية خاصة من
المولى عز وجل، تتمثل هذه العناية في
إرادة الله تعالى تطهيرهم، وفي مجموعة
وصايا أمر الله بها أزواج النبي صلى الله
عليه وسلم.
أولًا: إرادة الله تعالى تطهير بيت النبوة:
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِرَكُونُ
تَظْهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
هذا جزء آية، بدايتها ﴿وَقَرْنَ فِى
بیوتگنَ ﴾ جاءت ضمن مجموعة وصايا
وتوجيهات لنساء النبي صلى الله عليه
وسلم فجاءت هذه في خاتمتها لتكون
بمثابة التعليل لها، فكأنه قال: إنه أمركم بهذه
الأوامر إرادة إذهاب الرجس عنكم، وإرادة
تطهيركم. ولئلا يقارف أهل بيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم المآثم، ولتصونوا عنها
بالتقوى (١).
فيخبر المولى عز وجل بأسلوب الحصر
أنه يريد إذهاب الرجس عن أهل بيت النبي
صلى الله عليه وسلم ويريد تطهيرهم،
والقصر قصر قلب، والمعنى: ((ما يريد الله
لكن مما أمركن ونهاكن إلا عصمتكن من
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥٤٦/٣.
النقائص وتحلیتکن بالكمالات ودوام ذلك،
أي: لا يريد من ذلك مقتًا لكن ولا نكاية)»(٢).
بعد جملة توجيهات لهذا البيت الطاهر،
بيت النبي صلى الله عليه وسلم تأتي هذه
الجملة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا﴾
فالتكاليف فيها مشقة على النفس الإنسانية،
فتأتي مثل هذه التعليلات لتخففها على
النفس، فالإنسان إذا علم الحكمة من
التكليف، والغاية السامية التي ترتب عليه
خفت شدته عليه، ويسر أمره، ((وفي التعبير
إيحاءاتٌ كثيرةٌ، کلها رفاف، رفیق، حنون؛
فهو يسميهم ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ بدون وصفٍ
للبيت ولا إضافة. كأنما هذا البيت هو
البيت الواحد في هذا العالم، المستحق
لهذه الصفة. فإذا قيل: ((البيت)) فقد عرف
وحدد ووصف ... فالتعبير عن بيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم كذلك تكريم
وتشریف واختصاص عظیم.
وهو يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُ
تَظْهِيرًا ﴾ .. وفي العبارة تلطف ببيان علة
التكليف وغايته. تلطفٌ يشي بأن الله سبحانه
و تعالى يشعرهم بأنه بذاته العلية يتولى
تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم. وهي
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٦/٢١.
٣٧٤
جوسى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

بيت النبوة
رعاية علوية مباشرة بأهل هذا البيت))(١).
وأهل البيت في هذه الآية يشمل أزواجه
صلى الله عليه وسلم ومن ذكر في الحديث
من ذريته وقرابته، فعن عائشة قالت: (خرج
النبي صلی الله عليه وسلم غداة وعليه مرط
مرحل (٢) من شعر أسود، فجاء الحسن بن
علي فأدخله، ثم جاء الحسین فدخل معه، ثم
جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله،
ثم قال ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَبُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾)(٣).
وعن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي
صلی الله عليه وسلم قال: (لما نزلت هذه
الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَبُطَهِّرَّكُمْ تَطَهِيْرًا ﴾ في بيت أم سلمة، فدعا
فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء (٤)
وعليّ خلف ظهره، فجللهم بکساء، ثم قال:
اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس
وطهرهم تطهيرًا، قالت: أم سلمة وأنا معهم
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٦٢/٥.
(٢) المرط: كساء من صوفٍ أو غيره كانوا يأتزرون
بها.
انظر: غريب الحديث، ابن الجوزي ٣٥٣/٢.
المرحل: الذي قد نقش فيه تصاوير الرحال.
انظر: غريب الحديث، ابن الجوزي ١/ ٣٨٧.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه
وسلم، ٤ /١٨٨٣، رقم ٢٤٢٤.
(٤) ألبسهم إياه.
انظر: غريب الحديث، الحربي ١/ ١١٧.
يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك، وأنت
علی خیر)(٥).
قيل: ((لم يدخلها لاستغنائها بظاهر
الكتاب، فليطمئن قلبها))(٦).
وفي بعض الروايات تقول السيدة أم
سلمة رضي الله عنها: (فأدخلت رأسي
البيت، فقلت: وأنا معکم یا رسول الله، قال:
إنك إلى خير، إنك إلى خير)(٧).
وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب
بعضهم إلی أن الآية خاصة بأزواجه صلى
الله عليه وسلم لأن الآية نزلت فيهن ابتداءً،
وذهب آخرون إلى أنها خاصة بذريته صلى
الله عليه وسلم للحديث المتقدم.
و ((توسطت طائفةٌ بين الطائفتين فجعلت
هذه الآية شاملةً للزوجات ولعلي وفاطمة
والحسن والحسين؛ أما الزوجات فلكونهن
المرادات في سياق هذه الآيات، ولکونهن
الساكنات في بيوته النازلات في منازله،
وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين
فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب،
ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث المصرحة
بدخولهم» (٨).
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب
سورة الأحزاب، ٣٥١/٥، رقم ٣٢٠٥.
وقال: هذا حديث غريب من حديث عطاء عن
عمر بن أبي سلمة.
(٦) درج الدرر، الجرجاني ١٤٠٨/٣.
(٧) أخرجه أحمد، ٦/ ٢٩٢، رقم ٢٦٥٥١.
(٨) انظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري ٤٩/٩.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الباء
ودخول أزواجه فيهم أمر لم يخالف فيه
إلا الرافضة، وهم مردود عليهم، ((والتحقيق
أنهن داخلات في الآية، وإن كانت الآية
تتناول غيرهن من أهل البيت. أما الدليل
على دخولهن في الآية، فهو أن سياق الآية
صريحٌ في أنها نازلة فيهن، والتحقيق: أن
صورة سبب النزول قطعية الدخول.
وأما الدليل على دخول غيرهن في الآية،
فهو الأحاديث التي تنص على دخول علي
وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنه.
وبما ذكر من دلالة القرآن والسنة، تعلم
أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج
النبي صلى الله عليه وسلم ولعلي وفاطمة
والحسن والحسين رضي الله عنه كلهم(١).
وقد اختلف في المراد بالرجس هنا على
أقوال كثيرة، فقيل: ((الإثم، وقيل: الشرك،
وقيل: الشيطان، وقيل: المعاصي، وقيل غير
ذلك»(٢).
والمعاني كلها متقاربة، ولا يوجد
تعارض بينها، ولعلها كلها مرادة.
فإذهاب الرجس إزالة الأقذار العالقة،
والتطهير: صيانة عن الأقذار التي يمكن
أن تلحق الإنسان، وفي الجمع بين إرادة
إذهاب الرجس وإرادة التطهير «لطيفة، وهي
أن الرجس قد يزول عينًا ولا يطهر المحل؟
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٣٧.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٠١/٤.
فقوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
الرِّحْسَ﴾ أي: يزيل عنكم الذنوب، ويطهركم
أي يلبسكم خلع الكرامة)) (٣)
ثانيًا: وصايا الله تعالى لنساء بيت
النبوة:
وإذا كان للبيت النبوي الشريف
خصوصياته وفضائله فإن عليه أيضًا تكاليف
كثيرة، وقد ذكر فى سورة الأحزاب مجموعة
من التكاليف والوصايا التي أمر بها نساء هذا
البيت الشريف.
ذكرت هذه التكاليف في قوله تعالى:
يَفِسَآءُ النَّيّ ◌َسْئُّنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ
أَنَّفَيَقُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ
قَلْبِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ( وَقَرْنَ فِي
بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَّجْنَ تَبُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ الْأُولِىّ
وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ وَءَاتِنَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
اُلْرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَظْهِيرًا )
وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْءَايَتِ
اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
﴾ [الأحزاب: ٣٢-٣٤].
وهذه التكاليف وإن كانت عامة في كافة
النساء إلا أنها أكدت في حق نساء هذا البيت
لمكان القدوة عندهن.
ولنتناول هذه التكاليف بشيء من
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٨١.
٣٧٦
مَوَسُولَة البقية
القرآن الكريم

بيت النبوة
الإيضاح الذي يجليها.
١. النهي عن إلانة القول، والأمر
بالقول المعروف.
تبدأ الآية الكريمة بنداء أمهات المؤمنين
بأفضل وصف لهن، وهو وصفهن بـ
﴿يَنِسَآَ اَلنَِّ﴾ ثم تذكرهن بمكانتهن،
وتخبرهن أن مكانتهن عالية جدًا، ومنزلتهن
رفيعة وذلك في حال ما إذا التزمن التقوى،
ثم ينهاهن ﴿فَلَ تَمْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَطْمَعَ الَّذِى
فِي قَلِهِ، مَرَضٌ﴾ ويأمرهن ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا
مَعْرُوفًا﴾ وفي تذكيرهن بهذه المكانة وأنهن
لسن كبقية لنساء لتنبيههن إلى أنه ينبغي أن
يبالغن في امتثال هذه التكاليف، فهو توجيه
لهيئة الكلام بأن يكون في غير ميوعة ولينٍ،
ولموضوع الكلام، فيما هو متعارف عليه
بين الناس.
والمعنى ((لا تلين القول، فيطمع الذي
في قلبه فجور ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ صحيحًا
لا يطمع فاجرًا))(١).
وهذا تحذیر من ھیئة الکلام ((فإن الناس
متفاوتون في لينه، والنساء في كلامهن رقةٌ
طبيعيةٌ وقد يكون لبعضهن من اللطافة ولين
النفس ما إذا انضم إلى لينها الجبلي قربت
هيئته لهيئة التدلل لقلة اعتياد مثله إلا في
تلك الحالة. فإذا بدا ذلك على بعض النساء
ظن بعض من يشافهها من الرجال أنها
(١) معاني القرآن، الفراء ٣٤٢/٢.
تحبب إليه، فربما اجترأت نفسه على الطمع
في المغازلة فبدرت منه بادرة تكون منافية
لحرمة المرأة)» (٢).
وفي الإتیان بقوله ﴿فيطمعَالّذِى فِى قَلپِهِ.
مَرَضٌ﴾ بعد فاء السببية لطيفة، وهي أنه
سبحانه وتعالى ينفي التهمة عنهن، فنهيهن
عن إلانة القول أمام الأجانب ليس اتهامًا
لهن، وإنما حفاظًا عليهن من الفساق مرضی
القلوب.
وبهذا يرد على أذناب الغرب الذين
يعيشون بيننا، فهم يقولون: أنتم ضعاف
القلوب، ولهذا تسترون نساءكم وتنهونهن
عن مخاطبة الرجال، وأما نحن فلسنا بحاجة
إلى مثل هذه الأمور لأنا أقوياء النفوس، لا
يتطرق إلى أذهاننا ما يتطرق إلى أذهانكم من
الفحشاء.
فنقول لهم: إننا لا نتهمكم، ولكن نحافظ
على نسائكم، فلنفترض جدلا أنا ضعاف
النفوس سيئي القصد، ألا تخاف على
زوجتك وابنتك منا- إن كنا بهذه الصفات -!
ثم إننا إذا نظرنا إلى مجتمعاتكم لا نرى
فيه الطهر الذي تزعمون، والعفاف الذي
تدعون، بل نرى فحشًا وخيانات، ونرى
اغتصابًا واعتداءً على الأعراض، كم من
حالات الخيانة حدثت عندكم من خلال
غنج النساء ولينهن بالقول،! رأينا انطلاق
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٢٤٠.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الباء
سعار الشهوات، سعارٌ حيواني لا يخبو ولا الأعصار .. ولكن الله الذي خلق الرجال
والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين
ینطفاً، بل أدی بکم إلى عقد وأمراض نفسية،
أدی بکم إلى الشذوذ بكافة أشكاله.
تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير
الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب.
والمرض نوعان:
وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع
١. مرض القلوب.
موجودة في كل عهد، وفي كل بيئة، وتجاه
٢. مرض الأبدان.
كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم،
ومرض القلوب: مرض شبهة وشك،
ومرض شهوة وغي.
وأم المؤمنين. وأنه لا طهارة من الدنس، ولا
تخلص من الرجس، حتى تمتنع الأسباب
وأما مرض الأبدان: فمثل قوله تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾(١) [النور: ٦١].
المثيرة من الأساس. فكيف بهذا المجتمع
الذي نعيش اليوم فيه))(٣) في عصر الفتن
والشهوات يجب على المرأة أن تحتشم في
والمراد هنا مرض الشهوة الذي يعتري
القلوب.
زيها وصوتها وحركاتها وسكناتها حتى تبقى
نبعًا للطهر والنقاء في مجتمع يغرق الكثير
منه في الرذيلة.
((وعطف ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ على ﴿فَلَا
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ بمنزلة الاحتراس، لئلا
يحسبن أن الله كلفهن بخفض أصواتهن
کحدیث السرار»(٢).
يقول صاحب الظلال: ((ومن هن
اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير؛ إنهن
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات
المؤمنين، اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا
يرف عليهن خاطر مريض، فيما يبدو للعقل
أول مرة. وفي أي عهدٍ يكون هذا التحذير؟
في عهد النبي صلی الله عليه وسلم وعهد
الصفوة المختارة من البشرية في جميع
(١) انظر: الطب النبوي، ابن القيم ٢/٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/٢١.
٢. القرار في البيوت.
ثم يأتي هذا الأمر الإلهي لهن بالقرار
في البيوت ﴿ وَقَرْنَ فِ بُيُوتِگنَّ ﴾ وقد قرئت
بفتح القاف وکسرها (فمن کسر جعله من
الوقار. ومن فتح جعله من الاستقرار)» (٤).
فهو «من وقر یقر وقارًا في المكان: إذا
ثبت فيه، وقيل: هو من قررت في المكان
أقر، والأصل واقررن، حذفت الراء الأولى
وألقيت حركتها على القاف فصار وقرن.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٥٩/٥.
(٤) الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص
٢٩٠.
٣٧٨
مَوَسُوبَةُ الْبَشِد
القرآن الكريمِ

بيت النبوة
قال النحاس: يجوز أن يكون ﴿وَقَرْنَ﴾ المطلقات في قوله تعالى ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ
من قررت به عينًا أقر، فيكون المعنى: مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
واقررن به عينًا في بيوتكن))(١).
قال ابن فارس: ((الواو والقاف والراء:
أصلٌّ يدل على ثقل في الشيء. منه الوقر:
الثقل في الأذن. يقال منه: وقرت أذنه توقر
وقرًا. والوقر: الحمل. ويقال نخلةٌ موقرةٌ
وموقرٌ، أي: ذات حمل کثیر))(٢) .
وآیا کان أصله فإن المقصود الأمر لهن
بملازمة البيت إشارة إلى أن البيت هو
المهمة الأولى للمرأة، وليس المراد نھیھن
عن الخروج من البيوت على الإطلاق.
قيل: هو أمر وجوب لهن ((خصصن به،
وهو وجوب ملازمتهن بیوتهن توقیرًا لهن.
وتقويةً في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن
عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي
صلی الله عليه وسلم في خلالها یکسبها
حرمة ... وهذا الحكم وجوب على أمهات
المؤمنين وهو كمال لسائر النساء)» (٣).
و((إضافة البيوت إليهن لأنهن ساكنات
بها، أسكنهن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فكانت بيوت النبي صلى الله عليه
وسلم يميز بعضها عن بعضٍ بالإضافة إلى
ساكنة البيت، يقولون: حجرة عائشة، وبيت
حفصة، فهذه الإضافة كالإضافة إلى ضمير
(١) معاني القرآن، النحاس: ٣٤٦/٥.
(٢) مقاييس اللغة ٦/ ١٣٢.
وذلك أن زوج الرجل هي ربة بيته،
والعرب تدعو الزوجة البيت، ولا يقتضي
ذلك أنها ملك لهن، لأن البيوت بناها
الرسول صلى الله عليه وسلم تباعًا تبعًا لبناء
المسجد، ولذلك لما توفيت أزواجه كلهن
أدخلت ساحة بيوتهن إلى المسجد في
التوسعة التي وسعها الخليفة الوليد بن عبد
الملك في إمارة عمر بن عبد العزيز على
المدينة، ولم يعط عوضًا لورثتهن))(٤).
أقول: كأني بالآية تشير إلى أمرين اثنين
يجب أن تتحلى بهما المرأة المسلمة:
الأول: الوقار والاحترام، فلا تتميع ولا
تتسكع كما تفعل المستهترة.
الثاني: أن المهمة الأساسية للمرأة
المسلمة هي بیتھا، فیلزمها الاعتناء به أولًا،
وهي مهمة شاقة ليست بالهيئة، فهو مصنع
الرجال.
ولصاحب الظلال كلام رائع في هذا
الأمر، أذكر بعضه -خشية الإطالة- يقول:
((وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا
يبرحنها إطلاقًا. إنما هي إيماءة لطيفة إلى
أن یکون البيت هو الأصل في حیاتهن، وهو
المقر وما عداه استثناء طارئًا لا يثقلن فيه ولا
يستقررن. إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور٢٤٢/٢١. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/٢١.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الباء
والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها رأسها ولا تشده ليواري قلائدها وعنقها
وقرطها، ويبدو ذلك كله منها، فذلك هو
التبرج، وقيل: أن تبدي من محاسنها ما
أوجب الله تعالى عليها ستره))(٣).
نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى
غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا
مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها
بالفطرة»(١).
٣. النهي عن التبرج.
لما كان الغرض من أمرهن بملازمة
البيوت هو الستر عليهن، وألا يفتح سبيلٌ
للفساق للنيل منهن، وكان هناك حاجات
تحملهن على الخروج نهاهن عن إظهار
زينتهن فقال سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَبَرَّهْنَ
تَبَرُّعَ الْجَهِيَّةِ اَلْأُولَى﴾ أي: لا تظهرن
زینتکن.
والتبرج أصله التباعد والظهور،
فـ)) البرج: تباعد ما بين الحاجبين، وكل
ظاهر مرتفع فقد برج ... والتبرج: إظهار
المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. وتبرجت
المرأة: أظهرت وجهها. وإذا أبدت المرأة
محاسن جيدها ووجهها قيل: تبرجت،
وترى مع ذلك في عينيها حسن نظرٍ))(٢).
واختلف في صفة التبرج المذكور في
الآية، فقيل: ((التبختر، وقيل: كانت لهن
مشیة تکسرٍ وتغنج، فنهاهن عن ذلك، وقيل:
كانت المرأة تمشي بين يدي الرجل، فذلك
هو التبرج، وقيل: هو أن تلقي الخمار على
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٥٩/٥.
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ١٨/ ٢٣٦.
وأرى أنه لا يوجد تعارض بين هذه
الأقوال، ولعلها كلها صور لما كان يحدث
في الجاهلية من تبرج.
و﴿الْجَهِلِيَّةِ الْأَوْلَى﴾ اختلفوا فيها؛
قيل: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام
وقيل: هي زمن داود وسليمان عليهما
السلام وكانت المرأة تلبس قميصًا من الدر
غیر مخيط الجانبین فیری خلفها فیه. وقيل:
الجاهلية التي هي الزمان الذي فيه ولد
إبراهيم عليه السلام، وكانت المرأة من أهل
ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم
تمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره،
وتعرض نفسها على الرجال. وقيل: هي ما
بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، وكان نساؤهم
أقبح ما یکون من النساء ورجالهم حسان.
فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها.
وقيل: هي ما قبل الإسلام(٤) .
ورجحه ابن عطية، فقال: ((والذي يظهر
عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقتها، فأمرن
بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل
الشرع من سيرة الكفرة، لأنهم كانوا لا
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٤ /٤٠٠.
(٤) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٨/ ٣٥.
٣٨٠
مُوسُوبَةُ النَّفسيد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

بيت النبوة
غيرة عندهم وكان أمر النساء دون حجاب، المرأة أنها كانت تمشي ضاربة بصدرها
مظهرة لنحرها حتى يراها الرجال، أو كانت
وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس
المعنى أن ثم جاهليةً أخرى))(١).
تضرب الأرض برجلها حتى يسمع الرجال
قرع خلخالها، وما جاء من تعرِ زائٍ عن ذلك
فإنما هو تعرِ مؤقت مرتبط بعبادة الحج،
لغرض ديني عندها، فكانت تتعری من ثيابها
متفائلة بالتعري من ذنوبها، ومع ذلك كانت
تأخذ خرقة تضعها على فرجها تستره بها.
«ووصفها بـ﴿الأُولى﴾ وصف کاشف،
لأنها أولى قبل الإسلام وجاء الإسلام
بعدها، وليس ثمة جاهليتان. ومن المفسرين
من جعلوه وصفًا مقيدًا، وجعلوا الجاهلية
جاهلتين، فمنهم من قال: الأولى هي ما
قبل الإسلام وستكون جاهلية أخرى بعد
الإسلام، يعني حين ترتفع أحكام الإسلام
-والعياذ بالله-)»(٢)
أقول: ما المانع من كونه وصفًا مقيدًا،
فالجاهلية وصف لحالة معينة، وليست
فترةٌ زمنيةً بعينها، وإن كان الميل إلى أن
هذا الوصف متحقق في الفترة التي سبقت
الإسلام مباشرة، وإذا نظرنا في أوصاف هذه
الفترة التي استحقت أن توصف بالجاهلية
لأجلها نجد أننا في عصرنا هذا نعيش
جاهليةٌ لا تقل في عنفوانها وقوتها عن تلكم
الفترة، بل قد تكون أشد منها.
ولن نطيل بالمقارنة بين الفترتين من
جميع الجوانب، ولكن نقارن بينهما في
الجانب الذي نتحدث فيه، وهو جانب
التبرج، فإذا نظرنا إلى تلكم الحقبة من
الزمان نجد أن التبرج الذي كانت تفعله
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٥/٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٤ / ١٨٠.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور٢٤٥/٢١.
أما عن ما أحدثه نساء زماننا من تبرجٍ
وتعرٍ، فحدث ولا حرج، أظهرت جميع
جسدها بلا استثناء، معلنة أن ذلك حریة، بل
اعتبرت أن ممارسة الرزيلة حرية شخصية،
وأن عفتها تخلفٌ ورجعية، في حين أن
الجاهلية الأولى كانت تنظر إلى فعل الرزيلة
على أنه يتنافى مع الحرية، يتجلى ذلك في
عبارة هند زوج أبي سفيان رضي الله عنهما
في قصة مبايعتها الشهيرة (أو تزني الحرة)(٣)
فاعتبرت الزنا منافيًا للحرية.
ویؤید ما ذکر ته قول ابن عباس رضي الله
عنهما في تفسير الآية: (وهل كانت من أولى
إلا ولها آخرة؟)(٤).
قال المهدوي: ((وقوله: ﴿الْجَهِلِيَّةِ
الأُولى﴾ یدل علی أن ثم جاهليةً أخرى في
الإسلام» (٥).
فـ«الجاهلية ليست فترة معينة من الزمان.
(٣) أخرجه أبو يعلى، ٨/ ١٩٤، رقم ٤٧٥٤.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٢٦٢.
(٥) الهداية، مكي بن أبي طالب ٩/ ٥٨٣٢.
www. modoee.com
٣٨١

حرف الباء
إنما هي حالة اجتماعية معینة، ذات تصورات
معينة للحياة. ويمكن أن توجد هذه الحالة،
وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي
أي مكان، فيكون دليلًا على الجاهلية
حيث كان! وبهذا المقياس نجد أننا نعيش
الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس،
حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى
حضيض مهين)) (١).
٤. الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
يأتي بعد هذا الأمر لهن بأداء أصول
العبادات، إقامة الصلاة وأداء الزكاة، ﴿وَأَقِمْنَ
الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ﴾ وذلك أنه
سبحانه وتعالى لما قال لهن ﴿لَسْئُنَّ
كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ... ﴾ قد يتطرق إلى
أذهانهن أنهن مأمورات بالأشياء المذكورة
فقط، ولسن مأمورات ببقية العبادات
الأخرى، فأمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء
الزكاة، ليدفع هذا الوهم.
ومن المعلوم أن الصلاة أصل العبادات
البدنية، والزكاة أصل العبادات المالية.
والمراد بالصلاة والزكاة الواجبتان،
وإقامة الصلاة: الإتيان بها كاملة الأركان
والهيئات في أوقاتها التي حددها الشرع.
وإيتاء الزكاة: دفع ما أوجبه الشرع الحنيف
في الأموال على الوجه الذي بينته الشريعة
الغراء.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٦١/٥.
و(«أريد بهذه الأوامر الدوام عليها، لأنهن
متلبسات بمضمونها من قبل، وليعلم الناس
أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم
عند الله تعالى عن حق توجه التكليف
عليهم. وفي هذا مقمعٌ لبعض المتصوفين
الزاعمين أن الأولياء إذا بلغوا المراتب
العليا من الولاية سقطت عنهم تكاليف
الشريعة»(٢).
ونلحظ هنا أنه أتى بالأمر بالصلاة والزكاة
بعد أوامر ونواهٍ تتعلق بالنواح السلوكية،
وكأنه يعطي إشارة إلى أن العبادات في
الإسلام ليست بمعزل عن سلوكيات
الإنسان وحياته، فلا يأتي متنطع يزعم أنه
يلزم فصل الدين عن الحياة، فالدين كلٌّ لا
يتجزأ، يشمل سلوكيات الإنسان، وجميع
جوانب الحياة.
يقول صاحب الظلال: ((وعبادة الله
ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي
أو الأخلاقي في الحياة؛ إنما هي الطريق
للارتفاع إلى ذلك المستوى؛ والزاد الذي
يقطع به السالك الطريق. فلا بد من صلة
بالله يأتي منها المدد والزاد. ولا بد من
صلة بالله تطهر القلب وتزكيه. ولا بد من
صلة بالله يرتفع بها الفرد علی عرف الناس
وتقاليد المجتمع وضغط البيئة؛ ويشعر أنه
أهدى وأعلى من الناس والمجتمع والبيئة.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٥/٢١.
جَوَسُولَهُ النَّ
القرآن الكريم
٣٨٢

بيت النبوة
وأنه حري أن يقود الآخرين إلى النور الذي
يراه؛ لا أن يقوده الآخرون إلى الظلمات
وإلى الجاهلية التي تغرق فيها الحياة، كلما
انحرفت عن طریق الله ... ومن ثم كان الأمر
بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله
ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الشعورية
والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم.
لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير
العبادة والطاعة))(١).
٥. الأمر بطاعة الله ورسوله.
وبعد أن أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء
الزكاة وكانت العبادات غير مقتصرة على
هاتين الشعيرتين، بل هي أعم من ذلك،
فهي امتثال جمیع الأوامر، واجتناب جمیع
النواهي، جاء هذا الأمر العام بطاعة الله
تعالی وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم
﴿وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فهو عطف للعام
على الخاص.
وقد ((جاء الأمر عامًا بالطاعة لأن هاتين
الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر
الطاعات، فمن اعتنى بهما حق العناية
جرتاه إلى ما وراءهما، قال تعالى
الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾
[العنكبوت: ٤٥])»(٢).
٦. تعليم ما يتلى من القرآن والسنة.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٦١/٥.
وبعد أن أمرهن بما تقدم يأتي الأمر
لهن بتذكر النعمة الكبرى والمنة العظمى،
ألا وهي نزول الوحي في بيوتهن، فلذا
يجب عليهن شكرها بالعمل بما جاء به
من أحكام، وبالقيام بتبليغ الوحي للأمة
كلها ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ
مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالِحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا
خَيْرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
الفعل ﴿ وَأَذْكُرْنَ﴾ ((يجوز أن
يكون من الذكر -بضم الذال- وهو التذكر،
وهذه كلمة جامعة تشمل المعنى الصريح
منه، وهو أن لا ينسين ما جاء في القرآن
ولا يغفلن عن العمل به، ويشمل المعنى
الكنائي، وهو أن يراد مراعاة العمل بما يتلى
في بيوتهن مما ينزل فيها وما يقرأه النبي
صلی الله عليه وسلم فيها، وما يبين فيها من
الدين، ويشمل معنًى كنائيًا ثانيًا وهو تذكر
تلك النعمة العظيمة أن كانت بيوتهن موقع
تلاوة القرآن))(٣).
((ويجوز أن يكون من الذكر -بكسر
الذال-، وهو إجراء الكلام على اللسان،
أي: بلغنه للناس بأن يقرأن القرآن، ويبلغن
أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.
وفيه كناية عن العمل به)) (٤).
قلت: ولا مانع من إرادة المعنیین، فیکون
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٩/٢١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور٢٤٥/٢١. (٤) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الباء
من قبيل ما يسمى عند البلاغيين بأسلوب اللطف يقتضي إسداء النفع بكيفية لا تشق
على المسدی إليه.
الاستخدام، وما يسمى عند الأصوليين
استخدام المشترك في معنییه، ويكون هذا
من الإعجاز القرآني، إذ يشمل اللفظ القليل
المعاني الكثيرة.
وآيات الله لا خلاف في أن المراد بها
القرآن الكريم. واختلف في المراد بالحكمة
((قيل: هي السنة. وقيل: هي أحكام القرآن
ومواعظه))(١).
والمعنی علیه ((من الكتاب الجامع بین
كونه آيات الله البينة الدالة على صدق النبوة
بنظمه المعجز وكونه حكمة منطوية على
فنون العلوم والشرائع)»(٢) .
والميل إلى أن المراد بها السنة، وذلك
حتى يكون هناك مغايرةٌ بين المعطوف
والمعطوف عليه. ولأن الرسول صلى الله
عليه وسلم قد تزوجهن بأمر الله تعالى
؛ لحاجة أرادها الله تعالى فقد يتصرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرفًا
عند إحداهن لم يتصرفه عند غيرها، فتبلغه
وتذكره، كزاوجه من أمنا ميمونة رضي الله
عنها.
وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَيْرًا
((تعليل للأمر وتذييل للجمل السابقة،
والتعليل صالح لمحامل الأمر كلها لأن
(١) لباب التأويل، الخازن ٤٢٥/٣.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ١٠٣.
وفیما وجه إلى نساء النبي صلى الله عليه
وسلم من الأمر والنهي ما هو صلاح لهن
وإجراء للخير بواسطتهن، وكذلك في تيسيره
إياهن لمعاشرة الرسول صلى الله عليه
وسلم وجعلهن أهل بيوته، وفي إعدادهن
وفهمه، ومشاهدة الهدى
لسماع القرآن
النبوي، كل ذلك لطف لهن هو الباعث إلى
ما وجهه إليهن من الخطاب ليتلقين الخبر
ويبلغنه، ولأن الخبير، أي العليم إذا أراد
أن يذهب عنهن الرجس ويطهرهن حصل
مراده تامًا لا خلل ولا غفلة))(٣) .
٧. ارتداء الحجاب.
من الأشياء المهمة للمرأة المسلمة، بل
وللمجتمع كله ستر العورات، لمنع إثارة
الشهوات، لذلك حرص الإسلام الحنيف
على ستر جسد المرأة، حفاظًا عليها، وحفظًا
للمجتمع كله، لذا يأتي هذا التوجيه الإلهي
للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه
وبناته وجميع المؤمنات بستر العورة
التَِّىُّ قُل لِّأَزْوَبِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ
يُّدِّنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
عن عائشة: (أن أزواج النبي صلى الله
علیه وسلم کن يخرجن بالليل إذا تبرزن
إلى المناصع - وهو صعيد أفيح- فكان عمر
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٢٥٠.
مَشَوالَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم
٣٨٤

بيت النبوة
یقول للنبي صلی الله عليه وسلم: احجب
نساءك، فلم یکن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي
عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر:
ألا قد عرفناك يا سودة - حرصًا على أن ينزل
الحجاب- فأنزل الله آية الحجاب)(١).
ومن المعلوم أن ارتداء المرأة المسلمة
للحجاب فريضة عليها، لا تقل في وجوبها
عن الصلاة والصيام، وإن كان هناك خلاف
بين العلماء في القدر الواجب ستره من
بدنها، والخلاف مشهور في عورة المرأة،
ولسنا بصدد الحديث عن الخلاف في
المسألة، وإنما يعنينا القول بوجوب ستر
العورة.
وفي هذه الآية الكريمة ينادي المولى
عز و جل نبيه صلی الله علیه وسلم آمرًا إياه
أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن
یدنین عليهن من جلابيبهن. والجلباب: کل
ما يستر الكل، مثل الملحفة، والمعنى: قل
للحرائر يرخين أرديتهن وملاحفهن، ليعلم
أنهن حرائر فلا يؤذين. ﴿ذَلِكَ أَدْنَةَ﴾ أي:
أقرب وأجدر ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ من الإماء ﴿فَلَا
يُؤْذَيْنَ﴾ وذلك أن النساء في أول الإسلام كن
على زيهن في الجاهلية متبذلات، لا فصل
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب خروج النساء للبراز، ١/ ٦٧ ، رقم ١٤٦.
والصعيد: وجه الأرض. أفيح: واسع.
بين الحرة والأمة. وكان الفتيان يتعرضون
للإماء، إذا خرجن بالليل لقضاء حاجتهن،
وكن يخرجن مختلطات مع الحرائر، فربما
تعرضوا للحرة، يحسبونها أمة، فأمرن
أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلباس
الجلابيب.
قال ابن عباس رضي الله عنه: ((أمر الله
تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن
ووجوههن بالجلابيب، وییدین عيناً
واحدةً))(٢).
((وابتدئ بأزواج النبي صلى الله عليه
وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء)»(٣).
وعندما نزلت الآية سارع النساء وقت
نزولها إلى الامتثال، فعن أم سلمة قالت:
((لما نزلت ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَِهِنَّ﴾
[الأحزاب: ٥٩]. خرج نساء الأنصار كأن على
رءوسهن الغربان من الأكسية» (٤).
وعن عائشة أنها قالت: ((يرحم الله نساء
المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِيْنَ
بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُيُوِنَّ﴾ [النور: ٣١]. شقـ
أكنف -قال ابن صالح أكثف- مروطهن
فاختمرن بها)»(٥).
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٥٣/٦.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٨/٢١.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب اللباس، باب
في قوله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن)،
٤ / ١٠٥، رقم ٤١٠٣ .
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب
في قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الباء
خصوصيات بيت النبوة
أولًا: النهي عن دخول بيوت النبي
صلی الله عليه وسلم إلا بدعوة:
ذكر الله تعالى عدة أحكام لبيت النبوة،
منها ما ذكره في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ
لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ
فَادْخُلُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
في الآيات السابقة بين تعالى لرسوله
صلى الله عليه وسلم ما ينبغي له مراعاته
من شأن أزواجه، فجاءت هذه الآية لتبين
ما يجب على المؤمنين مراعاته أيضًا نحو
أزواج النبي أمهاتهم(١).
والآية تتضمن من الأدب ما يتعلق
بالطعام وما يتعلق بالحجاب، فأما ما يتعلق
بالطعام فیتفرع عنه أمران، الأدب قبل تناول
الطعام، والأدب بعد تناوله، فأول هذه
الآداب ما قبل الطعام، فنهوا عن دخول
بيوته إلا بدعوة، فقوله: ﴿لَا نَدْ خُلُواْ بُوتَ
اَلنَِّ﴾ ((حظر على المؤمنين أن يدخلوا
منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير
إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم
في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله
جيوبهن)، ٤ / ١٠٥ رقم ٤١٠٣.
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١١٢/٧.
لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه
تعالى هذه الأمة)) (٢).
وذلك أن البیوت أماکن راحة لأصحابها
وسكن لهم، فينبغي مراعاة أحوال أهلها،
لذلك كان هذا التوجيه الإلهي.
والسب في ذلك ما روي عن أبي بن كعب
قال: کان رسول الله صلی الله عليه وسلم
إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس
فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله ولا
يبسط يده إلى الطعام استحياءً منهم، فعوتبوا
في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنْهُ﴾(٣).
ومعنى ﴿إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَارِ﴾
إلا أن تقدم لكم دعوةٌ إلی طعام، وقد ضمن
﴿يُؤْذَنَ﴾ معنى: تُدْعَوا، ((لَّلإشعار بأنه
لا ينبغي أن يدخلوا على الطعام بغير دعوة
وإن تحقق الإذن، کما يشعر به قوله ﴿غيرَ
نَظِرِينَ إِنَّنَهُ﴾))(٤) . أي: غير منتظرين بلوغه
وإنضاجه(٥)، و کأنه نهى عن دخول بيوت
النبي إلا بشرطين: ((الإذن بالدخول، وأن
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٤/٦.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى
١٧٤/٨. في إسناد ابن سعد الواقدي،
وهو ضعيف. انظر: النكت على ابن
الصلاح: ٦٦٦/٢.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ١١٢.
(٥) انظر: ياقوتة الصراط ص ٤١١، تفسير غريب
القرآن، ابن الملقن ص ٢٦٢.
٣٨٦
القرآن الكريم

بيت النبوة
يكون الجلوس بمقدار الحاجة»(١).
وفي هذه الآية (دليل على تحريم التطفیل،
وهو الذي تسميه العرب الضيفن)» (٢).
وهذه الآية قد يفهم منها عدم جواز
دخول بيوته صلی الله عليه وسلم إلا بعد
الدعوة إلى طعام، ولا يجوز الدخول لطلب
علم ونحو ذلك، وهذا الفهم باطل، لأنه
وقد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته
صلى الله عليه وسلم بإذنه لغير الطعام،
وذلك معلوم لا شك فیه، فقد كان الصحابة
وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام فيأذن
السبب الذي نزلت فيه، وهو القوم الذين
كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه
وسلم فیدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه
وأمثالهم، فلا تدل على المنع من الدخول
مع الإذن لغير ذلك، وإلا لما جاز لأحد أن
يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم باطل
فالملزوم مثله))(٣).
المؤيد بالدليل جاز، والنقل دالٌ عليه حيث
قال ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١].
فلو جاء الرجل وعلم أن لا مانع في
البيت من تكشف أو بحضور غير محرم،
أو علم خلو الدار من الأهل وهي محتاجة
إلى إطفاء حريقٍ فيها أو غير ذلك جاز
الدخول)» (٤).
ثم أمرهم أن ينصرفوا بعد تناول الطعام،
فقال سبحانه و تعالى ﴿فَإِذَا طَّعِمْتُمْ
فَأَنْتَشِرُوا﴾ ((أي: فاخرجوا، فدل على أن
الدخول للأكل يمنع من المقام بعد الفراغ
لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على من الأكل))(٥) والسبب في الأمر بالانصراف
بعد تناول الطعام ما رواه البخاري وغيره
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما
تزوج رسول الله صلی الله عليه وسلم زينب
بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا
يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم
یقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام من قام،
وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه
وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم
ثم إنه «لا يشترط في الإذن التصريح به
بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول
ولهذا قال ﴿إِلَّآ أَن يُؤْذَنَ ﴾ من غیر بیان
فاعلٍ، فالآذن إن كان الله أو النبي أو العقل
قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى
الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى
دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني
وبينه، فأنزل الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٤/٦.
والضيفن: الذي يحضر مع الضيف ليأكل ما
يقرى الضيف. انظر: المخصص: ٣ / ٤٦٩.
(٣) فتح البيان، القنوجي ١٢٨/١١.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
الحنبلي ١٥/ ٥٨٢.
(٥) النكت والعيون، الماوردي ٤١٨/٤.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الباء
نَدْ خُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية))(١).
ثانيًا: النهي عن الانتظار للاستئناس
والتسلية:
بعد أن بین سبحانه و تعالى أنه يجب
عليهم الانصراف بعد تناول الطعام الذي
دعوا إلى تناوله نهاهم عن الجلوس للسمر
والتسلية، فقال ﴿وَلَا مُسْتَئِنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ فلا
((تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث
بعضٍ، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون
فنهوا عن ذلك)) (٢)
أقول: هذا المعنى يفهم من الأمر
بالانتشار بعد تناول الطعام، ولكنه أعاده
لکی لا یفهم أن الجلوس للسمر بعد تناول
الطعام مباح، وأن الأمر بالانتشار مشروط
بما إذا لم يكن هناك سمر.
ثم علل لكل ما تقدم بقوله ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ
كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَحْي، مِنْكُمْ﴾
(التضييق المنزل عليه وعلى أهله وإيجابه
للاشتغال بما لا يعينه وصده عن الاشتغال
بما يعنيه(٣) وقد كان النبي صلى الله عليه
(١) أخرجه البخاري، في صحيحه، واللفظ له،
كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأحزاب،
١٧٩٩/٤، رقم ٤٥١٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب النكاح، باب زواج زينب
بنت جحش ونزول الحجاب وإثبات وليمة
العرس، ١٠٤٦/٢، رقم ١٤٢٨.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٤٣٤/٣.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٨٣/٤،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ١١٢.
وسلم يحتمل إطالتهم كرمًا منه، فيصبر
على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره
الأدب، فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم» (٤)
أقول: جرى قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَاَ
يَسْتَحْىِء مِنَ الْحَقِّ﴾ مجرى المثل، وذلك
لأن فيه لطيفة ذكرها ابن عاشور، وهي (
أن من واجبات دين الله على الأمة أن لا
يستحيي أحدٌ من الحق الإسلامي في إقامته،
وفي معرفته إذا حل به ما يقتضي معرفته،
وفي إبلاغه وهو تعليمه، وفي الأخذ به، إلا
فيما يرجع إلى الحقوق الخاصة التي يرغب
أصحابها في إسقاطها أو التسامح فيها مما
لا يغمص حقًا راجعًا إلى غيره، لأن الناس
مأمورون بالتخلق بصفات الله تعالى اللائقة
بأمثاهم بقدر الإمكان.
وهذا المعنى فهمته أم سليم وأقرها
النبي صلى الله عليه وسلم على فهمها، فقد
جاء في الحديث الصحيح: جاءت أم سليم
إلى النبي صلی الله عليه وسلم فقالت: (يا
رسول الله؛ إن الله لا يستحيي من الحق،
فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت)(٥).
فهي لم تستح في السؤال عن الحق
(٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /١٧٨.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب الحياء في العلم، ١/ ٦٠، رقم ١٣٠،
ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض ، باب
وجوب الغسل على المرأة بخروج المني
منها، ١/ ٢٥١، رقم ٣١٣.
مَوَسُوبَةُ النَفسِيد
القرآن الكريم
٣٨٨