النص المفهرس
صفحات 21-40
البركة
تََارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي
وقوله تعالى:
السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَّهَا وَقَمَرًا مُنِيْرًا﴾
[الفرقان: ٦١].
وقوله تعالى أيضًا في سورة الزخرف:
﴿وَتَبَارَكَ اَلَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ، عِلِّمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[الزخرف: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿تَبَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ
عَلَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
فنرجو الله تعالى القريب المجيب أن
تغمرنا بركات هذا الكتاب العظيم المبارك
وما أسلفناه عن صيغة تبارك ودخولها بتوفيق الله تعالى لنا لتدبر آياته، والعمل
على الموصول ينطبق على كل نظير مع بما فيها من الحلال والحرام، والأوامر
والنواهي، والمكارم والآداب، امتثالاً
مراعاة السياق.
واجتنابًا، إنه قريب مجيبٌ»(١).
ومن مجالات البركة -فوق ما تقدم- مما
يتصل بالله تعالى: وصف القرآن بالبركة.
قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ
مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدِّهِ وَلِنُنْذِ رَأُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوَّهَاً
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَهُمْ عَلَى
صَلَائِهِمْ يُحَافِقُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢].
يقول الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان
عند تفسيره قوله تعالى: ((﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَك
أَكْنَهُ أَفَأَ نْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة:
أن هذا القرآن العظيم ذکرٌ مباركٌ، أي: کثیر
البركات والخيرات؛ لأن فيه خيري الدنيا
والآخرة ... ، وما ذكره جل وعلا في هذه
الآية الكريمة من أن هذا القرآن مباركٌ بينه
في مواضع متعددةٍ من کتابه، کقوله تعالى
في الأنعام: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ
فَتَِّعُوهُ وَأَثَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥].
وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ
وقوله فيها أيضًا:
مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢].
وقوله تعالى في ص: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ
مُبَةٌ لِيَتَّبَُّوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ ﴾
[ص: ٢٩].
ومما لا ريب فيه أن النظرة الموضوعية
للآية لا تستغني بحال عن النظرة التحليلية؛
إذ التحليل يزيد من عبق موضوعية الآية،
ويكشف عن مستور كنوز القرآن، واستكناه
درره الخبيئة، وهذا ما يفعل الإفادة من
التفسير الموضوعي للقرآن.
يقول العلامة الرازي مظهرًا مجمل البركة
((﴿ وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ
القرآنية:
فَأَتَّبِعُوهُ وَأَثَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥].
أي: کثیر المنافع والفوائد؛ لاشتمالهعلى
منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين،
وما لا يتناهى من الفوائد، قال أهل المعاني:
كتابٌ مباركٌ أي: كثيرٌ خيره، دائمة بركته
(١) أضواء البيان ٤/ ١٦٢.
www. modoee.com
٩١
حرف الباء
ومنفعته، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر
عن القبيح والمعصية، وأقول: العلوم إما
نظريةٌ، وإما عمليةٌ، أما العلوم النظرية
فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته
وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا تری هذه
الكتاب، وأما العلوم العملية فالمطلوب إما
أعمال الجوارح، وإما أعمال القلوب، وهو
المسمى بطهارة الأخلاق، وتزكية النفس،
ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في
هذا الكتاب، ثم قد جرت سنة الله تعالى بأن
الباحث عنه، والمتمسك به یحصل له عز
الدنيا، وسعادة الآخرة».
ثم عقب ذلك بقوله متحدثًا بنعمة الله
عليه: ((يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن
عمر الرازي: وأنا قد نقلت أنواعًا من العلوم
النقلية والعقلية، فلم يحصل لي بسبب شيءٍ
من العلوم من أنواع السعادات في الدين
والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا
العلم)) (١).
يقول محمد رشيد رضا بعد أن نقل
نص الرازي: ((هذا العلم أي: علم القرآن
بتفسيره))، ثم يعقب بقول: ((فليعتبر بهذا
(١) مفاتيح الغيب ١٣ / ٦٤.
وانظر: حاشية الشهاب ٤ / ٩٥، ومحاسن
التأويل، القاسمي ٤٢٩/٤، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٧/ ٣٧٠، تفسير المنار، محمد
رشيد رضا ٧ / ٥١٦.
من يضعون جل أوقاتهم في طلب العلم
الديني بعلوم الكلام وغيرها، مما يعدون
الرازي الإمام المطلق فيها؛ لعلهم يرجعون
إلی کتاب الله تعالى، ويهتدون به، ويطلبون
السعادة من فيضه دون غيره، ونسأل الله
العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا تعالى أن يوفقنا لإتمام تفسيره، وأن يجعله
حجةً لنا لا علينا بكمال التخلق به))(٢).
وبتدبر الآيات التي تحدثت عن القرآن
وإنزاله موصوفًا بالبركة فإننا نلحظ أن
الإنزال فيها سبق البركة مرة، والبركة فيها
سبقت الإنزال مرة أخرى، ولا شك أن
لذلك حكمته اللطيفة، ونكتته البديعة.
يقول أبو حيان: ((﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ
مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]. أي: وهذا القرآن لما
ذكر وقرر أن إنكار من أنكر أن يكون الله
أنزل علی بشر شيئًا وحاجهم بما لا يقدرون
على إنكاره أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل
على الرسول مباركٌ كثير النفع والفائدة؛ ولما
كان الإنكار إنما وقع على الإنزال فقالوا:
﴿مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرِ مِنِ شَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٩١].
وقيل: ﴿قُلْ مَنْ أَنَزَلَ اَلْكِتَبَ﴾ كان تقدیم
وصفه بـ(الإنزال) أكد من وصفه بكونه
(مباركًا) ولأن ما أنزل الله تعالى فهو مباركٌ
قطعًا فصارت الصفة بكونه مبارگا، كأنها
صفةٌ مؤكدةٌ؛ إذ تضمنها ما قبلها ﴿ وَهَذَاذِكْرٌ
◌ُبَارَك ◌َنزَلْنَهُ أَفَأَ نْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].
(٢) تفسير المنار ٥١٦/٧.
موسوبر النقد
القرآن الكريم
٩٢
البركة
فلم يرد في معرض إنكارٍ أن ينزل الله كما تكون باللفظ الصريح تكون بغيره من
المفردات، أما الأمم فمن باركه الله فهو
المبارك فحسب.
شيئًا، بل جاء عقب قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ
مَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا
لِلْمَنَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
ذکر أن الذي آتاه الرسول هو ذكر مباركٌ؛
ولما كان الإنزال يتجدد عبر بالوصف الذي
هو فعلٌ، ولما كان وصفه بالبركة وصفًا لا
يفارق عبر بالاسم الدال على الثبوت)»(١)
اللهم كما باركت للمتقدمين من أهل القرآن
وخدامه بارك لنا في أنفسنا، وفي أولادنا
وفي مجتمعاتنا، وارزقنا العمل به.
ثانيًا: الأنبياء وأممهم:
من مجالات البركة في القرآن الكريم ما
تناوله القرآن في حديثه عن الأنبياء وأممهم،
ومما لا شك فيه أن الله بارك الصالحين
بصفة عامة، ولولا بر کة الله وفضله عليهم ما
كانوا صالحين، ورسل الله من المصطفين
﴿ اللّهُ يَصْطَفِى مِنَ
الأخيار؛ لقوله تعالى:
اٌلْمَلْبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٧٥].
فهم ذروة الصلاح، ومجمع بركة
الله، هذه عقيدتنا، لكن القرآن الكريم في
استعمالاته ذكر جمعًا من الأنبياء وصفهم
بالبركة صراحة، وهذا لا يعني أن غير
المذکور من الأنبياء لیس مباركًا؛ إذ البركة
(١) البحر المحيط ٤ / ٦٥٧.
ومن الأنبياء الذين وردت البركة وصفًا
لهم في استعمال القرآن صراحة نبي الله
نوح وإبراهيم وإسحاق وعيسى عليهم
السلام، وتفصيل ذلك فيما يلي:
١. نبي الله نوح عليه السلام.
جاءت آيات تتحدث عن البركة في معية
نبي الله نوح عليه السلام ، من ذلك قوله
تعالى: ﴿وَقُل رَّتِّ أَنْزِلْنِى مُنًَّا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَّرُ
اٌلْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩].
والآية الكريمة تحمل توجيها لنبي الله
نوح عليه السلام أن يدعو ربه أن ييسر له
النزول المبارك الآمن؛ إذ الله بيده مقاليد
كل شيء، ومن ذلك اختيار الخير لنزول نبيه
من الفلك، فهو -جل شأنه - خير من أنزل
عباده المنازل، ويتسلسل بنا قرآنيًا الشيخ
الشنقيطي رحمه الله في رحلة نوح عليه
السلام.
فيقول معلقًا على قوله تعالى: ﴿وَقُل
رَّبِّ أَنْزِلْنِى مُنَزَّلَا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَّرُ الْمُنْزِلِينَ﴾
[المؤمنون: ٢٩].
((ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة:
أن نبيه نوحًا -عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام- أمر أصحابه الذين قيل له احملهم
فيها أن يركبوا فيها قائلًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِنِهَا
www. modoee.com
٩٣
حرف الباء
وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١].
أي: بسم الله يكون جريها على وجه
الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها،
وهو رسوها، وبين في (سورة الفلاح): أنه
أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه
أن يحمدوا الله الذي نجاهم من الكفرة
الظالمین، ویسألوه أن ینزلهم منزلًا مباركًا؛
وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ
عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الْحَدُ لِلَّهِ الَّذِى غَ مِنَ الْقَوْمِ الظَِّينَ
﴿ وَقُل رَّبِّ أَنْزِلْغِ مُنَّلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
[المؤمنون: ٢٨،٢٩].
وبين في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال
عند ركوب السفن وغيرها بقوله: ﴿ وَالَّذِى
خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ
لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ
١٢
مَا تَرَكَبُونَ (
نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيُّمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ
الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُهُمُقْرِنِينَ
١٣
وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢-١٤]»(١).
والدعاء في الآية الكريمة ﴿رَّبِّ أَنْزِلْنِى
مُنَّلَا مُبَارَكَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩].
يتضمن سؤال سلامةٍ من غرق السفينة،
وهذا كالمحامد التي يعلمها الله محمدًا
صلی الله عليه وسلم يوم الشفاعة، فيكون
في ذلك التعلیم إشارةٌ إلى أنه سيتقبل ذلك
منه، وجملة: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في موضع
الحال، وفيها معنى تعليل سؤاله ذلك(٢).
قال القرطبي: ((وبالجملة فالآية تعلیمٌ من
الله عز وجل لعباده إذا ركبوا، وإذا نزلوا أن
يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا
قالوها))(٣).
وثمرة الدعاء السالف تظهر في قوله
تعالى مستجيبًا: ﴿قِلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ
مِّنَا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن مَّعَنَّ
وَأُمَّمْ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَ يَمَسُّهُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[هود: ٤٨].
ثم إنه تعالى لما وعده بالسلام أردفه بأن
وعده بالبركات التي هي عبارةٌ عن الدوام
والبقاء، والثبات، ونيل الأمل، ومنه بروك
الإبل، ومنه البركة لثبوت الماء فيها، ومنه
تبارك وتعالى، أي: ثبت تعظيمه، ثم اختلف
المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء.
فالقول الأول: أنه تعالی صیر نوحًا أبا
البشر؛ لأن جميع من بقي كانوا من نسله،
وعند هذا قال هذا القائل: إنه لما خرج
نوحٌ من السفينة مات كل من كان معه ممن
لم يكن من ذريته، ولم يحصل النسل إلا
من ذريته، فالخلق كلهم من نسله وذريته،
وقال آخرون: لم يكن في سفينة نوح عليه
السلام إلا من كان من نسله وذريته، وعلى
التقدیرین فالخلق کلهم إنما تولدوا منه ومن
(١) أضواء البيان، ٢/ ١٨٤.
الوضوء
مَوَسُوبَةُ الْبَِّ
القرآن الكريم
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٧/١٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١١٩/١٢.
٩٤
البركة
أولاده، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ختم الآية، قال الحسن: فأنجى الله نوحًا
والذين آمنوا، وهلك المتمتعون! حتى ذكر
ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧].
الأنبياء كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك
المتمتعون (٢) .
فثبت أن نوحًا عليه السلام كان آدم
الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي
وعده الله بها.
والقول الثاني: أنه تعالى لما وعده
بالسلامة من الآفات، وعده بأن موجبات
السلامة يكون في التزايد والثبات
والاستقرار، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة
والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا
معه، فقال: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾
[هود: ٤٨].
والأمم المبارك عليهم المتشعبة منهم
نكرةٌ يدل على أن بعض من يتشعب منهم
ليسوا على صفتهم، يعني ليس جميع من
تشعب منهم مسلمًا ومبارگًا علیه، بل منهم
أممٌ ممتعون في الدينا معذبون في الآخرة،
وعلى هذا لا يكون كل من كان مع نوح عليه
السلام مسلمًا ومبارگًا علیه صريحًا، وإنما
يفهم ذلك من كونهم مع نوح عليه الصلاة
والسلام ومن کون ذریاتھم کذلك بدلالة
النص، ويجوز أن تكون (من) بيانيةً أي:
وعلى أمم هم الذين معك (١) عن الحسن:
أنه كان إذا قرأ سورة هود، فأتی علی یا
نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك، حتى
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٤ / ٠٢١٤
قال محمد بن كعب: ﴿قِيلَ يَنُوحُ
أَهْبِطَ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَرَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن
مَّعَكَ﴾ [هود:٤٨].
قال: فما بقي مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا دخل
في ذلك السلام، وفي تلك البركات إلى يوم
القيامة(٣).
وبشر نوح بالسلامة إيذانًا له بمغفرة ربه
له ورحمته إياه، وبإقامته في الأرض آمنًا من
الآفات الدنيوية؛ إذ كانت الأرض قد خلت
مما ينتفع به من النبات والحيوان، فكان
ذلك تبشيرًا له بعود الأرض إلى أحسن
حالها؛ ولذلك قال: ﴿وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ﴾ أي
دائمةٍ باقية عليك.
والمعنى: أن السلام منا والبركات دائمة
باقية عليك وعلى أمم مؤمنین ینشئون ممن
معك، وأممٌّ ممتعون بالدنيا منقلبون إلى
النار (٤).
وقد بين الله تعالى أن البركة كما أصابت
نوحًا عليه السلام فقد أصابت واستعلت
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٥/ ٣٥٥، وابن
أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤١.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠٤١.
(٤) انظر: البحر المحيط ٦/ ١٦٣، مختصر في
شواذ القرآن، ابن خالویه ص ٦٥.
www. modoee.com
٩٥
حرف الباء
أممًا كانت مع نبي الله نوح عليه السلام، إسرائيل من صلبه، وقد قيل: إن الكناية في
(عليه) تعود على إسماعيل وأنه هو الذبيح.
و(على) للاستعلاء المجازي، أي: تمكن
البركة من الإحاطة بهما (١).
وكما أصابت البركة نوحًا عليه السلام
أصابت أيضًا إبراهيم وذريته من الأنبياء
عليهم السلام .
٢. نبي الله إبراهيم وذريته من الأنبياء
عليهم السلام.
من مجالات البركة في القرآن الكريم،
وضمن حديث القرآن عن الأنبياء يأتي
خليل الرحمن إبراهيم وذريته من الأنبياء
عليهم السلام.
يقول الله تعالى:
سَلَمْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
١٠٩
كَذَلِكَ تَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ { إِنَّهُ مِنْ
الصَّلِحِينَ (١)
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ فِيًّا مِّنَ
عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْطَقَ﴾
[الصافات: ١٠٩- ١١٣].
فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَرَّكْنَا
علیهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿ قِيلَ يَنُحُ آھیِطْ
بِسَلَمٍ مِّنَّا وَبَرَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن ◌َّعَنَّ
وَأَمَّمْ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمِ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[هود: ٤٨](٢).
والمعنى: («ثنينا عليهما النعمة، وقيل:
کثرنا ولدهما، أي: بارکنا على إبراهيم وعلى
أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٢/٢٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٦.
قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه
القرآن أنه إسماعيل؛ وذلك أنه قص قصة
الذبيح، فلما قال في آخر القصة: ﴿وَقَدَيْنَهُ
بِذِبِحُ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧].
ثم قال: ﴿سَلَمُ عَلَى إِبْرَهِيمَ (٥) كَذَلِكَ
تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ
نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ { وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: على
إسماعيل، وعلی إسحاق کنی عنه؛ لأنه قد
تقدم ذكره)) (٣)
.
وحمل أبو حيان الآية على الوعد
والوعيد، حيث قال: ((﴿وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى
إِسْحَقَ﴾ أفضنا عليهما بركات الدين
والدنيا ... ، ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣].
فیه وعيدٌ لليهود، ومن كان من ذريتهما
لم يؤمن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وفيه
دليلٌ على أن البر قد يلد الفاجر، ولا يلحقه
من ذلك عيبٌّ ولا منقصةٌ)) (٤).
وقد جمع القاسمي البركة في ﴿وَمَرَّكْنَا
عَلَيْهِ﴾ في تكثير الذرية، وتسلسل النبوة
فيهم، وجعلهم ملوكًا، وإيتائهم ما لم يؤت
أحد)) (٥).
٣. نبي الله عيسى عليه السلام.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/ ١١٢.
(٤) البحر المحيط ٩/ ١٢٠.
(٥) محاسن التأويل ٢١٩/٨.
٩٦
القرآن الكريم
البركة
و کما ذکر الله تعالی أنبياءه نوح وإبراهيم
وذريته من الأنبياء عليهم السلام متصفين
بالبركة ذكر نبيه عيسى عليه السلام فقال
سبحانه:
﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ
وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّ﴾
[مريم: ٣١].
فسر العلماء البركة الموصوف بها نبي
الله عيسى عليه السلام بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، أو النفع حيث ما توجه،
وقال مجاهد: معلمًا للخير.
وقال عطاء: أدعو إلى الله وإلى توحيده
وعبادته.
وعن الضحاك: قضاءً للحوائج.
وقيل: مباركًا على من تبعني(١).
وفسر القرطبي البركة بقوله: ((وأرشد
الضال، وأنصر المظلوم، وأغيث
الملهوف)» (٢)
وفسرها القاسمي بقوله: ((أبلغ وحي ربي
لتقويم النفوس، وکبح الشهوات، والأخذ
بما هو مناط السعادات، والتعبير بلفظ
(١) أخرج هذه الآثار الطبري في تفسيره
١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم في تفسيره
٢٤٠٨/٧.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٣٠/٥،
الكشاف، الزمخشري ١٥/٣، البحر المحيط،
أبو حيان ٧/ ٢٥٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٠٣/١١.
في القضاء المحتوم» (٣).
وفسرها ابن عاشور بعد بيان صيغة
﴿مُبَارَكًا﴾ قائلًا: ((والمبارك: الذي تقارن
البركة أحواله في أعماله ومحاورته ونحو
ذلك؛ لأن المبارك اسم مفعولٍ من باركه،
إذا جعله ذا بركةٍ، أو من بارك فيه، إذا جعل
البركة معه.
والبركة: الخير واليمن؛ ذلك أن الله
أرسله برحمةٍ لبني إسرائيل ليحل لهم بعض
الذي حرم عليهم، وليدعوهم إلى مكارم
الأخلاق بعد أن قست قلوبهم، وغيروا
من دينهم، فهذه أعظم بركةٍ تقارنه، ومن
بركته أن جعل الله حلوله في المكان سببًا
لخير أهل تلك البقعة من خصبها واهتداء
أهلها، وتوفيقهم إلى الخير؛ ولذلك كان
إذا لقيه الجهلة والقساة والمفسدون انقلبوا
صالحين، وانفتحت قلوبهم للإيمان
والحكمة.
ولذلك ترى أكثر الحواريين كانوا من
عامة الأميين من صيادين وعشارين فصاروا
الماضي ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ باعتبار ما سبق دعاة هدّى، وفاضت ألسنتهم بالحكمة،
وبهذا یظهر أن کونه مبارگا أعم من کونه نبيًا
عمومًا وجھیًا، فلم يكن في قوله وجعلني نبيًا
غنيةٌ عن قوله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ والتعميم
الذي في قوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ تعميمٌ
للأمكنة، أي: لا تقتصر بركته على كونه في
(٣) محاسن التأويل ٧/ ٩٣.
www. modoee.com
٩٧
حرف الباء
الهيكل بالمقدس، أو في مجمع أهل بلده، أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَنُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ،
إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾ [هود: ٦٩-٧٣].
بل هو حيثما حل تحل معه البركة))(١).
وفسرها الإمام محمد أبو زهرة بقوله:
((المبارك: النافع الهادي المرشد الآمر
بالمعروف والناهي عن المنكر، والداعي إلى
الحق والتنزیه، وقد کان عیسی علیه السلام
واضح البركات، كان يخبرهم بما يأكلون
وما يدخرون في بيوتهم، وكان يبرئ الأكمه
والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى، وينادي
الموتى فيخرجون من قبورهم، وأنزل الله
تعالى على يديه المائدة من السماء، على
أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم، فأي بركةٍ
أعظم مما أعطيه هذا النبي الكريم؟!))(٢).
وكما أن الأنبياء يمثلون مجالًا من
مجالات البركة في القرآن، فإن أهل بيت
النبوة يمثلون ذلك أيضًا في استعمال القرآن.
٤. أهل بيت نبي الله إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جَّءَتْ رُسُلْنَآ إِنْزَهِيمَ
بِالْبُشْرَى قَالْوَأْسَلَمَّا قَالَ سَلَمْ فَمَا لَبِثَ أَنَ جَآءُ
بِعِجْلٍ حَنِيٍ ﴿ فَلَمَّارَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا
أَرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ، وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ
فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْطَقَ يَعْقُوبَ
قَالَتْ يَوَيِلَىْ ءَ أَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخَاً
إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ
الآيات الكريمات تتحدث عن مجيء
الملائكة إبراهيم عليه السلام لتبشيره هو
وزوجته بالذرية، وإخبارهما بالرحمة
والبركة الكائنة في بيت النبوة، يقول ابن
کثیر مبينًا هدایات هذه الآيات: ((یذکر تعالی
أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في
السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد،
فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط،
فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من
ذلك، وقالت: ﴿قَالَتْ يَوَيْلَّ ◌َأَلِدُ وَأَنَاْ عَبُورٌ
وَهَذَا بَعْلِى شَيْخَا إِنَّ هَذَالَشَىْءُ عَجِيبُ
٧٢
قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِّ رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَنُهُ.
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾[هود:٧٢-
٧٣].
فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له
نسلاً وعقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبِشَّرْنَهُ
بِاسْحَقَ نِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢].
وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في
النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ
إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
أي: ويولد لهذا المولود ولدٌ في
حیاتکما، فتقر أعینکما به، کما قرت بوالده،
فإن الفرح بولد الولد شديدٌ لبقاء النسل
والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد
يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة
(١) التحرير والتنوير ٩٩/١٦.
(٢) زهرة التفاسير ٩٤٦٣٤.
مَوَسُولَةُ اللَّهِ
القرآن الكريم
٩٨
البركة
به ویولده باسم یعقوب الذي فیه اشتقاق
العقب والذرية، وكان هذا مجازاً لإبراهيم
علیه السلام حين اعتزل قومه وترکهم ونزح
عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله
في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه
وعشيرته بأولادٍ صالحين من صلبه على
دینه؛ لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا
أَعْتَّزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبٌ وَكُلََّجَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩].
وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ
كُلَّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤].
﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾
وقوله:
[الأنعام: ٨٤].
أي: من قبله هدیناه کما هدیناه، ووهبنا
له ذريةً صالحةً، وكلٌّ منهما له خصوصيةٌ
عظيمةٌ، أما نوحٌ عليه السلام ، فإن الله تعالى
لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم
الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته
هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما
الخليل إبراهيم عليه السلام، فلم يبعث الله
عز وجل بعده نبيًا إلا من ذريته.
كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. الآية.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيمَ
وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ﴾
[الحديد: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَنُهُ، عَلَيْكُمْ
أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣].
أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله،
محمودٌ ممجدٌ في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت
في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام
عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟
(قال: قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى
آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآک
إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ
كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك
حميدٌ مجيدٌ)(١).
و﴿حَمِيدٌ﴾ وصف لذات الله بمعنى أنه
المحمود الذي يدوم حمده وإنعامه، ويحمد
لهذا الإنعام، و ﴿تجيدٌ ﴾على وزن فعیل من
ماجد؛ لأنه العالي في ذاته وصفاته ومجده
سبحانه وتعالى))(٢)
وفي تفصیل معنی العجب ومدی حمل
الرحمة والبركة في الآية الكريمة على الخبر
أو الدعاء.
يقول العلماء: وقوله سبحانه: ﴿رَحْمَتُ
اُللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ كلام مستأنف
علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك
والتعجب، فإن خوارق العادات باعتبار أهل
بيت النبوة مهبط المعجزات، وتخصيصهم
(١) تفسير القرآن العظيم ٢٦٦/٢.
والحديث أخرجه البخاري في الدعوات،
باب الصلاة على النبي صلی الله عليه وسلم،
رقم ٨،٣٦٥٨/ ٧٧.
(٢) زهرة التفاسير ٣٧٣٢/٧.
www. modoee.com
٩٩
حرف الباء
بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق ثالثًا: الأزمنة المباركة:
بأن يستغربه عاقل فضلًا عمن نشأت وشابت
في ملاحظة الآيات، قيل: الرحمة النبوة،
والبركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا
في ولد إبراهيم(١).
﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَّكَتُهُ، عَلَيْكُمْ﴾
وعبارة
حملها بعض العلماء على الدعاء، وبعضهم
على الخبر، أما أهل البيت المعنيين بالبركة
يتضمنون الزوجة، قال ابن عطية: ((يحتمل
اللفظ أن یکون دعاء، وأن یکون إخبارًا،
وكونه إخبارًا أشرف؛ لأن ذلك يقتضي
حصول الرحمة والبركة لهم، وكونه دعاء
إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد،
وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل
بيته؛ لأنها خوطبت بهذا، فيقوى القول في
زوجات النبي عليه السلام بأنهن من أهل
بیته الذین أذهب الله عنهم الرجس، بخلاف
ما تذهب إليه الشيعة، وقد قاله أيضًا بعض
أهل العلم، قالوا: أهل بيته الذين حرموا
الصدقة، والأول أقوى، وهو ظاهر جلي من
سورة الأحزاب؛ لأنه ناداهن بقوله: ﴿يَنِسَآء
التَّيِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. ثم بقوله: ﴿أَهْلَ
الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]))(٢).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٤١٢، البحر
المحيط، أبو حيان ٦/ ١٨٤، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٣/ ١٤٢.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٩٠/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٠/٩،
وكما طوفنا بالبركة من خلال مجال
المصطفين الأخيار وآلهم، فإننا نستطيع بيان
أن من مجالات البركة الأزمنة ومن ذلك:
الليلة المباركة:
حوى القرآن الكريم من خلال
استعمالاته أزمنة وصفها بالبركة، من ذلك
ما يتعلق بليلة نزول القرآن، حيث قال الله
تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا
مُنذِرِينَ ) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) أَمْرًا
مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ٥ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ٣-٦].
هذه الليلة هي ليلة القدر من شهر
رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ
اُلْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
ولمطابقة قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ
حَكِيرٍ﴾
[الدخان: ٤].
لقوله: ﴿نَّلُ الْمَتَبِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ
رَبِهِم مِّنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وليلة القدر في أصح الأقاويل في شهر
رمضان، والمباركة: الكثيرة الخير لما يتيح
الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع
العباد في دينهم ودنياهم، ولولم يوجد فيها
فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٥٨٠.
١٠٠
الْقُرآن الكَرِيْمِ
البركة
إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة (١).
وقد أفاض العلامة الفخر في بيان نظم
هذه الآيات فقال: ((اعلم أن المقصود منها
تعظيم القرآن من ثلاثة أوجهٍ، أحدها: بيان
تعظيم القرآن بحسب ذاته، الثاني: بيان
تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه،
الثالث: بیان تعظيمه بحسب شرف منزلته.
أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة
أوجهٍ، أحدها: أنه تعالى أقسم به وذلك
يدل على شرفه، وثانيها: أنه تعالی أقسم به
علی کونه نازلًا في ليلةٍ مبارکةٍ، وقد ذكرنا
أن القسم بالشيء على حالةٍ من أحوال نفسه
يدل على كونه في غاية الشرف، وثالثها:
أنه تعالی وصفه بکونه مبينًا وذلك يدل
أيضًا على شرفه في ذاته، وأما النوع الثاني:
وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي
أنزل فيه فهو قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ
◌َُّرَكَةٍ﴾ وهذا تنبيةٌ على أن نزوله في ليلةٍ
مبارکةٍ يقتضي شرفه و جلالته، ثم نقول: إن
قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ يقتضي
أمرين:
أحدها: أنه تعالى أنزله.
والثاني: كون تلك الليلة (مباركةً).
فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجري
مجری البیان لکل واحدٍ منهما.
أما بيان أنه تعالى لم أنزله، فهو قوله:
(١) الكشاف، الزمخشري ٢٦٩/٤.
﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ يعني الحكمة في إنزال
هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به.
وأما بيان أن هذه الليلة ليلةٌ مباركةٌ فهو
أمران:
أحدهما: أنه تعالى يفرق فيها كل أمرٍ
حکیم.
والثاني: أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصًا
بشرف أنه إنما يظهر من عنده، وإليه الإشارة
بقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِندِنَاً﴾))(٢).
وقد أخرج الطبري رواية ابن عباس
رضي الله عنهما التي من خلالها جمع
بركة نزول القرآن في أوقات تفيض بركة:
((عن ابن عباس قال له رجل: إنه قد وقع
في قلبي الشك من قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾، وقوله: ﴿ إِنََّ
أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ
فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ وقد أنزل الله في شوال وذي
القعدة وغيره! قال: إنما أنزل في رمضان
في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدةً، ثم
أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور
والأيام»(٣).
وقد عدد أبو السعود أنواعًا من بركات
ليلة نزول القرآن، فقال: ((لما أن نزول
القرآن مستبعٌ للمنافع الدينية والدنيوية
بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة،
(٢) مفاتيح الغيب ٢٧/ ٦٥٤.
(٣) جامع البيان ٤٤٨/٣.
www. modoee.com
١٠١
حرف الباء
والرحمة، وإجابة الدعوة، وقسم النعمة،
وفصل الأقضية، وفضيلة العبادة، وإعطاء
تمام الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه
وسلم))(١).
كما أن المقصود من تشريف الليلة التي
كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريفٌ آخر
للقرآن بتشریف زمان ظهوره، تنبيهًا على أنه
تعالی اختار لابتداء إنزاله وقتًا شريفًا مباركًا؛
لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار
لإيقاعه فضل الأوقات والأمكنة، فاختیار
فضل الأوقات لابتداء إنزاله ینبئ عن علو
قدره عند الله تعالى، كقوله: ﴿لَّايَمْشُهُ,
إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩](٢).
وهكذا تجلى ربنا على أمة الإسلام ببركة
الكتاب العزيز الذي من تمسك به نال بركتي
الدنيا والآخرة، ومن التمسك به تكريمه
بالعمل به، والاحتكام إليه لأنه كلام الله،
الذي شرفه سبحانه ذاتًا ومكانًا وزمانًا.
رابعًا: الأمكنة المباركة:
١. بركة مجمل الأرض.
وصف القرآن الكريم بعض الأماكن
بالبركة؛ حتى يلفت أنظارنا إليها؛ كي نعتني
بها، ونقبل عليها، ونتأدب فيها، ونخصها
بما يجب أن تخص به، وقد بین لنا ربنا
(١) إرشاد العقل السليم ٥٨/٨.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/
٤٥٧.
سبحانه أنه بارك في مجمل الأرض من
خلال قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ
بِأَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًاً
ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ل وَحَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا
وَبَرَكَ فِيهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءُ
لِلِسَّآِلِينَ﴾ [فصلت: ٩- ١٠].
وقد فسر العلماء البركة في مجمل
الأرض بتفسيرات كثيرة، منها:
شق البحار والأنهار، وإنبات الشجر،
والثمار، وإكثار الخير وإنماؤه، وخلق
أصناف الحيوانات، وجعل الأرض طهورًا،
وخلق الجبال، وكل ما يحتاج إليه من
الخيرات والأرزاق (٣) .
يقول الرازي: ((ولوجوهٍ منها: أنه تعالى
وصف بقاعًا من الأرض بالبركة بقوله: ﴿إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل
عمران: ٩٦].
﴿فِي الْبُفْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ
ومنها:
الشَّجَرَوْ﴾ [القصص: ٣٠].
ومنها: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا
حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
ومنها: وصف أرض الشام بالبركة،
فقال: ﴿مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٣٥/١،
تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ١ / ٧٤،
الكشاف، الزمخشري ١٨٨/٤، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٥/ ٦٧، البحر المحيط، أبو حيان
٩/ ٢٨٧.
مَوَسُو ◌َّة
القرآن الكريمِ
١٠٢
البركة
بَرَكْنَا فِيَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وخامسها: وصف جملة الأرض بالبركة،
فقال: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ
فِي يَوْمَيْنِ وَّمْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ
٢) وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيَهَا
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَّهُ لِلِسَّآيِلِينَ﴾
[فصلت: ٩ - ١٠].
فإن قيل: وأي بركةٍ في الفلوات الخالية
والمفاوز المهلكة؟ قلنا: إنها مساكن
الوحوش ومرعاها، ثم إنها مساكن للناس
إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركات قال تعالى:
﴿وَفِ اْأَرْضِ ءَايَتُ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات: ٢٠].
وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير
الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون
جعلها آياتٍ للموقنین تشریفًا لهم، کما قال:
هُدِّى لِلْمَّقِينَ﴾[البقرة: ٢].
ومن ذلك: أنه سبحانه وتعالى خلق
الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال:
﴿مِنْهَاخَقْنَكُمْ وَفِيهَا تُعِیدُكُمْ﴾ [طه:٥٥].
ولم يخلق من السموات شيئًا؛ لأنه
قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءُ سَقْفًا تَّخْفُوظًا﴾
[الأنبياء: ٣٢].
ومن ذلك: أن الله تعالی أکرم نبيه بها
فجعل الأرض كلها مساجد له، وجعل
ترابها طهورًا، ثم قال: والبركة كثرة الخير
والخيرات الحاصلة من الأرض أكثر مما
يحيط به الشرح والبيان)) (١).
وقد أرجع الشيخ الشعراوي الضمير في
الآية الكريمة: ﴿وَبَرَكَ فِيهَا﴾ إلى الجبال
خصوصًا معللا ذلك بكون الضمير جاء بعد
ذكر الجبال ﴿وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ
فِيهَا ﴾.
وهو رأي له وجاهته من ناحية، ومن
ناحية أخرى لم يخرج في وصف البركة عن
نطاق الأرض؛ إذ أنه سبحانه يضع نفعه فيما
يشاء من مخلوقاته.
يقول رحمه الله تعالى: ((﴿وَبَزَكَ فِيهَا ﴾
جاءت بعد ذكر الجبال الرواسي، ثم قال:
﴿وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠].
كأن الجبال هي مخازن القوت، وخزائن
رحمة الله لأهل الأرض، والقوت: وهو
الذي يتم به استبقاء الحياة، وهذا ناشئ من
مزروعات الأرض، وهذه من تصديقات
القرآن لطموحات العلم وأسبقية إخباره بما
سيحدث، فها هو القرآن يخبر بما اهتدى إليه
العلم الحديث من أن العناصر التي تكون
(١) مفاتيح الغيب ٣٣٩/٢ وإن كان في نهاية
الدرس قال: ((ولا شك أن إكثار ذكر الله تعالى
من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم
شأنهما، وعلى أن له سبحانه وتعالى، فيهما
أسرارًا عظيمةً، وحكمًا بالغةً، لا يصل إليها
أفهام الخلق ولا عقولهم)). وهذا يقينًا.
وانظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
الحنبلي ١ / ٤١٨، غرائب القرآن، النيسابوري
١٨٦/١.
www. modoee.com
١٠٣
حرف الباء
الإنسان هي نفس عناصر التربة الزراعية إذن: فقوله تعالى عن بداية خلق الأرض:
التي نأکل منها.
لكن كيف تكون الجبال مخازن القوت
الذي جعله الله في الأرض قبل أن يخلق
الإنسان؟
نقول: إن الجبال هي أساس التربة
التي نزرعها، فالجبل هذه الكتلة الصخرية
التي تراها أمامك جامدة هي في الحقيقة
ليست كذلك؛ لأن عوامل التعرية وتقلبات
الجو من شمس وحرارة وبرودة، کل هذه
عوامل تفتت الصخر، وتحدث به شروخًا
وتشققات، ثم يأتي المطر فيحمل هذا
الفتات إلى الوادي، ولو تأملت شكل الجبل
وشكل الوادي لوجدتهما عبارة عن مثلثين
کل منهما عكس الآخر، فالجبل مثلث رأسه
إلى أعلى، وقاعدته إلى أسفل، والوادي
مثلث رأسه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى.
وهكذا فكل ما ينقص من الجبل يزيد
في الوادي، ويكون التربة الصالحة للزراعة،
وهو ما يسمى بالغرين أو الطمي؛ لذلك
حدثونا أن مدينة دمياط -بمصر- قديمًا
كانت على شاطئ البحر الأبيض، ولكن
بمرور الزمن تكونت مساحات واسعة من
هذا الغرين أو الطمي الذي حمله النيل من
إفريقية ففصل دمياط عن البحر، والآن وبعد
بناء السد وعدم تكون الطمي بدأت المیاه
تنحت في الشاطئ، وتنقص فيه من جديد،
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ
فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠].
كأنه يعطينا تسلسلًا لخلق القوت في
الأرض، وأن خزائن الله لا حدود لها ولا
نفاد لخيراتها، فالضمير في ﴿وَبَرَكَ فِيهَا
وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [فصلت: ١٠].
إنما على الجبال؛ لأن الجبال في الحقيقة
هي مخازن القوت، ومصدر الخصب
للأرض التي هي مصدر القوت، فالإنسان
مخلوق من الأرض، واستبقاء حياته من
الأرض، فالنبات قوت للإنسان وللحيوان،
والنبات والحيوان قوت للإنسان.
إذن: لابد للأرض من خصوبة تساعدها
وتمدها بعناصر الغذاء، ولو أن الخالق عز
وجل جعل الأرض هكذا طبقةً واحدة بها
المخصبات لانتهت هذه الطبقة بعد عدة
سنوات، ولأجدبت الأرض بعد ذلك(١).
هكذا بين العلماء طرفًا مما هداهم الله
إليه من بركات مجمل الأرض، كما ذكر
القرآن الكريم، وما على المسلم إلا أن
يغتنم هذه البركة بالطاعة، وترك المعصية أو
الإفساد في الأرض؛ ليستزيد من بركات الله
في أرضه سبحانه .
٢. المسجد الحرام.
من الأمكنة التي باركها الله في القرآن
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٦/ ٣٦٣٦.
١٠٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
البركة
الكريم المسجد الحرام بمكة المكرمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
فیهِ
لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ
ءَايَتُ بَيْنَتُ مَّقَامُ إِزَهِيَّةٌ وَمَن دَخَلَهُ، كَانَ ءَامِناً
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ أَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَبِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل
عمران: ٩٦ - ٩٧].
في هاتين الآيتين الكريمتين خص الله
تعالى المسجد الحرام بسبع خصالٍ ليست
لغيره من المساجد، هي أنه: أول بيتٍ وضع
للناس، ومباركٌ، وهدى للعالمين، وفيه
آیات بیناتٌ، ومقام إبراهیم، ومن دخله كان
آمنًا، والحج والعمرة إليه، وآياتٌ أخر (١).
وهدفنا الأصيل هو التوجه نحو صفة
البركة في الآية الكريمة، وبركة هذا البيت
من وجوه:
أحدها: أن الطاعات إذا أتي بها في هذا
البيت ازداد ثوابها؛ بدليل حديث أبي هريرة
رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف
صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام)(٢)
فهذا في الصلاة، وأما الحج فقد قال رسول
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٢١/٨.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في
مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في
مسجد مكة والمدينة ٢/ ٦٠، رقم ١١٩٠،
ومسلم في كتاب الحج، باب فضل الصلاة
في مسجد مكة والمدينة رقم: ٥٠٥.
الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة
رضي الله عنه: (الحج المبرور ليس له جزاءٌ
إلا الجنة)(٣)
.
ومعلومٌ أنه لا أكثر بركةً مما يجلب
المغفرة والرحمة.
وثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى:
ويجوز أن یکون بر کته ما ذكر في قوله تعالى:
﴿يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].
فيكون كقوله: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا الَّذِى
بَرَّكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر
في ذهنه أن الكعبة كالنقطة؛ وليتصور أن
صفوف المتوجهين إليها في الصلوات
كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل كم
عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال
اشتغالهم بالصلاة.
وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضًا
كذلك؛ لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين
والعاكفين والركع السجود، وأيضًا الأرض
کرةٌ، وإِذا کان کذلك فکل وقتٍ یمکن أن
يفرض فهو صبحٌّ لقومٍ، وظهرٌ لثانٍ، وعصرٌ
الثالثٍ، ومغربٌّ لرابعٍ، وعشاءٌ لخامسٍ،
ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكّةً
قط عن توجه قوم إليها من طرفٍ من أطراف
العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فضل
الحج والعمرة ٣/ ٩٨٣، رقم ٤٣٧.
www. modoee.com
١٠٥
حرف الباء
هذه هي البركة المادية، أما البركة
حاصلًا من هذه الجهة، وأيضًا بقاء الكعبة
على هذه الحالة ألوفًا من السنين دوامٌ أيضًا، المعنوية فهي أنه موضع لأكبر عبادة جامعة
فثبت کونه مبارگا من الوجهین(١).
يقول الشيخ أبو زهرة متحدثًا عن بركة
البيت العتيق: ((ووصفه سبحانه وتعالى بأنه
مبارك؛ أي: فائض الخيرات كثير الثمرات
المادية والمعنوية؛ فمن بركاته المادية أنه یفد
إليه الحجيج من كل فج عميق؛ ويعتمرون
فيه في کل أيام أشهر السنة، حتى أنه لا يمر
عليه يوم من غير وفود تجيء إليه، ومع هذه
الوفود خيرات الأرض.
وكان ذلك إجابة لدعاء إبراهيم في قوله
تعالى: ﴿رَبَّنَآَ إِنٍَّ أَسْكُنتُ مِن ذُرِيَّتِ بِوَادٍ
غَيْرِ ذِى نَرْعِ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
اُلْضَلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَّهْوِىٌّ إِلَيْهِمْ
وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾
[إبراهيم: ٣٧].
وقد كان في البيت تلك البركة المادية
بتلك الوفود؛ وبالثمرات التي کانت في باطن
الأرض حوله أو على مقربة منه فقد كشفت
على مقربة منه فلزات الأرض وسيول الغاز،
مما كان خيرًا وبركة على سدنته، ومن
يعيشون حوله، وبذلك أجاب الله تعالى
دعاء إبراهيم عليه السلام، وبقي على الذين
يتنعمون بهذه الثمرات أن يشكروا الله عز
وجل.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠١/٨.
وهي الحج، وهو مبعث محمد صلى
الله عليه وسلم وفيه منازل وحيه، وإليه
يتجه الناس في كل بقاع الأرض، وتلتقي
عنده قلوب الأجناس والألوان المختلفة
في عباداتهم؛ ولذا وصفه سبحانه بقوله:
﴿وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
هذا عطف على قوله سبحانه:
ركا
أي: أن الله سبحانه وتعالى جمع لهذا البيت
الكريم حالتين خاصتين به لم تجتمعا في
بيت غيره، فهو قد اشتمل على البركة المادية
والمعنوية، وحماه الله تعالى من اعتداء
المعتدين؛ ولهذا قال: ﴿وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ﴾
أي: هو بذاته مصدر هداية للعالمين، أي:
للناس أجمعين؛ ففي وسط الشرك كانوا
يلتحمون ويتقاتلون حوله، فإذا جاءوا إليه
كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يمسه
بسوء لعظم حرمة البيت في قلبه، وإن مس
الشرك نفسه)) (٢).
وقال الفراء: ((إنما قيل: (مباركًا) لأنه
مغفرةٌ للذنوب)»(٣).
وقيل: بركته أن من دخله أمن حتى
الوحش، فيجتمع فيه المتضادات دون أن
يغير أحدها على الآخر (٤).
(٢) زهرة التفاسير ١٣٢١/٣.
(٣) معاني القرآن ٢٢٧/١.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٦٢/٣.
١٠٦
مَوَسُورُ النَّقِين الموضوع
القرآن الكريم
البركة
ومن بركته -فوق ما تقدم -: ((أن قدر إليه عابد يرجع بعبادة لا عد لها ولا حصر
لها - كل ذلك بتوفيق الله- يكفي أن الركعة
فيه بمائة ألف ركعة فيما سواه، والصلاة فيه
بمائة ألف صلاة، وأي بركة أعظم من هذا،
فعن جابرٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلی
الله عليه وسلم قال: (صلاةٌ في مسجدي
أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد
الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل
من مائة ألف صلاةٍ فيما سواه)(٣) .
الله أن یکون داخله مثابًا ومحصلا على
خیر یبلغه علی مبلغ نیته، وقدر لمجاوریه
وسكان بلده أن يكونوا ببركة زيادة الثواب
ورفاهية الحال، ومن بركة ذاته أن حجارته
وضعتها عند بنائه ید إبراهیم وید إسماعيل،
ثم يد محمدٍ صلی الله عليه وسلم ، ولا
سيما الحجر الأسود))(١).
ومن بركته أنه فاق بيوت العالم بركة:
(ليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر
خيرًا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق))(٢).
ولكي نعرف الفرق بينه وبين المسجد
الأقصى فإنه عندما تحدث الله عن المسجد
الأقصى جعل البركة حوله؛ لقوله تعالى:
﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا
حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١].
وعندما تحدث عن البيت الحرام قال:
﴿مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
هو في ذاته مبارك، وهو في ذاته هدی
للعالمين؛ لأنه لا يذهب إليه إنسان إلا
وتحيطه بركة الحنان المنان عز وجل، فلو
ذهب إليه تائب يتوب الله عليه، ولو أتاه
سائل يجيب الله له كل المسائل، ولو ذهب
إليه راجٍ يحقق الله له كل رجائه، ولو ذهب
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤ /١١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٣٨.
ويذكر من فضائل هذا البيت أن من
دخله كان آمنًا، فهو مثابة الأمن لكل خائف،
وليس هذا لمكان آخر في الأرض، وقد
بقي هكذا منذ بناه إبراهيم وإسماعيل،
وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي
انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وعن التوحيد
الخالص الذي يمثله هذا الدين، حتى في
هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية،
حتى كان الرجل يقتل ويدخل الحرم، فيلقاه
ابن المقتول فلا یھیجه حتی یخرج، وكان
هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا، حتى
والناس من حوله في جاهلية!
وقال سبحانه يمتن على العرب به:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَّمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ
(٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة،
والسنة فيها، باب فضل ما جاء في الصلاة في
المسجد الحرام ١ / ٤٥١، رقم ١٤٠٦.
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
٤٠٦/٣، وفي صحيح الجامع ٤١٧/٢.
www. modoee.com
١٠٧
حرف الباء
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَِاَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَةِ
اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وحتى أنه من جملة تحريم الكعبة حرمة
اصطياد صيدها، وتنفيره عن أو كاره، وحرمة
قطع شجرها.
وفي الصحيحين -واللفظ لمسلم - عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: (إن
هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات
والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم
القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي،
ولم يحل لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ
بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه،
ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا
يختلی خلاها)(١).
فهذا هو البيت الذي اختاره الله تعالى: ﴿وَغَيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِى
للمسلمين قبلة هو بيت الله الذي جعل له
هذه الكرامة (٢).
وبما أن للبيت هذه الكرامة وذلك
التكريم وتلك البركة فإنه من الواجب على
المسلمين تعظيمه وتكريمه ومتابعة زيارته
لينالوا بركته من خلال الصلاة فيه كذا
(١) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب
فضل الحرم ١٤٧/٢، رقم ١٥٨٧، ومسلم
في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها
وخلاها، ٢/ ٩٨٦، رقم ٤٤٥.
(٢) ما تقدم من وقائع تاريخية ذكره موقع الشيخ
فوزي أبو زيد : .www. fawzyabuzeid
.com
الطواف والسعي.
٣. المسجد الأقصى.
من مجالات البركة المتصلة بالأماكن
في القرآن الكريم المسجد الأقصى، قال
-تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا
مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا
الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ، لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَدِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
خص المسجد الأقصى بكون مسرى
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه،
وبالبركة حوله، وفيما يخص البركة التي
حوله، يقول الشنقيطي: ((أظهر التفسيرات
فيه أن معنى ﴿بَرَّكْنَا حَوْلَهُ﴾: أكثرنا حوله
الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار،
وقد وردت آياتٌ تدل على هذا، كقوله
بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١].
وقوله تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَِنَ الْرِيحَ عَاصِفَةً تَّجْرِى
بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١].
فإن المراد بتلك الأرض الشام، والمراد
بأنه بارك فيها أنه أكثر فيها البركة والخير
بالخصب والأشجار والثمار والمياه، كما
عليه جمهور العلماء.
وقال بعض العلماء: المراد بأنه بارك
فيها أنه بعث الأنبياء منها، وقيل غير ذلك،
١٠٨
جَوَسُو
القرآن الكريم
البركة
والعلم عند الله تعالى)) (١).
بالموصولية لقصد تشهير الموصوف
وقال مجاهدٌ: سماه مباركًا لأنه مقر بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف
الأنبياء، ومهبط الملائكة والوحي، ومنه مشتهرٌ بالصلة عند السامعين ...
يحشر الناس يوم القيامة(٢).
ومن أسباب بركة المسجد الأقصى أيضًا
ما لحقه من البرکة بمن صلى به من الأنبياء
من داود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء
بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه
السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما
حوله، ومنها بركة من دفن حوله من الأنبياء.
فقد ثبت أن قبري داود وسليمان حول
المسجد الأقصى، وأعظم تلك البركات
حلول النبي صلی الله عليه وسلم فيه ذلك
الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء
کلهم(٣).
والبركات، وبارك تعالى حوله لأجله فما
ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه (٤).
وخلاصة القول في ذلك أن البرکة حوله
حازت بركتي الدين والدنيا(٥).
وقوله: ﴿الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ,﴾ صفةٌ
للمسجد الأقصى، وجيء في الصفة
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ١٠.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٥٨/٥.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ١٩/١٥.
(٤) انظر: السراج المنير، الشربيني ٢٧٤/٢.
(٥) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٠١٥٥/٥
وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير
الفعل، مثل عافاك الله، والبركة: نماء الخير
والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب
للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه ...
ووجه الاقتصار على وصف المسجد
الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك هو
تناسى الناس هذا المسجد المبارك، فالعرب
لا علم لهم به، والنصارى عفوا أثره من
کراهیتهم للیهود، والیهود قد ابتعدوا عنه،
وأيسوا من عوده إليهم، فاحتيج إلى الإعلام
بیر کته.
و(حول) يدل على مكانٍ قريبٍ من مكان
كما أنه معدن الفواكه والأرزاق اسم ما أضيف (حول) إليه، وكون البركة
حوله کنایةٌ عن حصول البرکة فیه بالأولی؛
لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه،
ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوى الخطاب،
ولطيفة المبالغة بالتكثير (٦).
هذا وقد ثبت في السنة أن الصلاة في
المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فيما
سواه، وهذا وغيره مما ذکر یجدد نظرنا إليه،
ويحفزنا نحو تحريره، فاللهم حرره من أيدي
اليهود، وبارك في أعمارنا حتى نصلي فيه.
٤. بلاد الشام.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/١٥.
www. modoee.com
١٠٩
حرف الباء
في القرآن الكريم بلاد الشام(١).
قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا
الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا وَثَمَّتْ كَلِمَثُ رَيْكَ الْحُسْنَى
عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَمَا كَانُواْ
يَعْرِشُونَ﴾[الأعراف: ١٣٧].
هذهالآية الکریمة تتحدث عن توریث الله
بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وهم
الذين كانوا يستذلون للخدمة، ويستضعفون
بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، وإسامتهم
(١) الشام: منطقة ممتدة على الساحل الشرقي
للبحر المتوسط، وتمتد شرقًا إلى نهر الفرات،
وتمتد شمالًا من بلاد الروم تركيا حاليًا إلى
حدود مصر وجزيرة العرب جنوبًا، وتشتمل
في الوقت الحاضر على سورية ولبنان
وفلسطين والأردن وجزءًا من العراق، وفي
معجم البلدان لياقوت الحموي: حدها فمن
الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية،
وأما عرضها فمن جبلي طيء من نحو القبلة
إلى بحر الروم وما بشأمة ذلك من البلاد،
وبها من أمهات المدن منبج وحلب وحماة
وحمص ودمشق والبيت المقدس والمعرة،
وفي الساحل أنطاكية وطرابلس وعكا وصور
وعسقلان وغير ذلك ٣١٢/٣. ويقال للشأم:
عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض
زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في
فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر
والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل
عيسى ابن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة
الكذاب الدجال. انظر: الطبري ٤٦٩/١٨،
وتفسير القرآن العظيم ٣٥٣/٥.
من مجالات البركة المتصلة بالأماكن سوء العذاب، وتمت كلمة ربك -أيها
النبي- الحسنى على بني إسرائيل بتمكينهم
من أرض الشام؛ بصبرهم على أذى فرعون
وقومه، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه
من المباني والقصور والعمارات والدور،
وما كانوا يقيمون من العرائش والسقف في
الجنات والبساتين.
ومحور حديثنا في الآية الكريمة هو
البركة في الأرض المذكورة في الآية
الكريمة:
فمن قائل: الأرض المذكورة في الآية
أرض مصر والشام، وقيل: أراد بها الشام
وحده، وقيل: أراد به الأردن وفلسطين، لكن
جل العلماء على أن الأرض المباركة في
القرآن هي أرض الشام.
قوله: ﴿بَرَّكْنَافِيهَا﴾ أي: بالنعم بكثرة
مياهها، كما بارك الله فيها بوجود الأشجار
والثمار والخصب والسعة؛ حتى يعيش فيها
الفقير والغني بعيش طيب، وأن أكثر الأنبياء
بعثوا فيها فانتشرت في العالمين شرائعهم
التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية
والدنيوية، وقيل: الشام كنز الله في أرضه،
ويها كنزه من عباده(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَفَجَيْنَهُ وَلُوطًا
إِلَى الْأَرْضِ أَلَّتِ بَرَكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴾
[الأنبياء: ٧١].
(٢) تفسير القرآن، السمعاني ٢٠٩/٢.
١١٠
مُوسُوبَةُ الْبَقِيَّة
القرآن الكريم