النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ البَرَكَة عناصر الموضوع مفهوم البركة ٧١ البركة في الاستعمال القرآني ٧٣ الألفاظ ذات الصلة ٧٤ الأساليب القرآنية في استخدام البركة ٧٦ مجالات البركة ٨٥ وسائل تحصيل البركة وآثارها ١٢١ المُجَلَّدَ السَّابِعْ حرف الباء مفهوم البركة أولًا: المعنى اللغوي: أصل البرك صدر البعير وإن استعمل في غيره، ويقال له: بركة، وبرك البعير: يبرك بروكًا ألقى بركه، واعتبر منه معنى اللزوم، فقيل: ابتركوا في الحرب، أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب، وبراكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال، وابتركت الدابة: وقفت وقوفًا كالبروك، وسمي محبس الماء بركة (١)، والباء والراء والكاف أصلٌ واحدٌ من برك، ويعني: ثبات الشيء، والبركة تعني الزيادة والنماء، والتبريك: أن تدعو بالبركة، والتبرك: طلب البركة من الزيادة في الخير والأجر، والبركة: السعادة (٢). ومن خلال ما سبق تبين أن البركة يتمركز معناها اللغوي حول الثبات، والزيادة والنماء، والسعادة. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب: ((البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء)) (٣). وعرف الكفوي البركة بقوله: ((النماء والزيادة، حسية كانت أو معنوية، وثبوت الخير الإلهي في الشيء وداومه)) (٤). والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما؛ حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وهذا مرتبط بمعنى البركة في اللغة التي هي الثبوت والرسوخ والسعادة من جهة، والنماء والزيادة المرتبطة بقاعدة الاستقامة في الدين من جهة أخرى، والتي يترتب عليها سعادة في الدنيا، ووفرة ثواب في الآخرة. (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٨٢/٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ١١٩. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٣١/١. (٤) المفردات، ص١١٩. جَوَسُولَة النَّفِيَّ القرآن الكريم ٧٢ البركة البركة في الاستعمال القرآني وردت مادة (برك) في القرآن الكريم (٣٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٧ ﴿وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيَهَا﴾ [فصلت: ١٠] المصدر ٣ ﴿لَفَشَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتِ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] اسم المفعول ١٢ ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] وجاءت البركة في القرآن بمعناها في اللغة وهو: ثبوت الخير الإلهي في الشيء (٢). (١) الكليات، ص ٢٤٨. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٨٣. www. modoee.com ٧٣ حرف الباء الألفاظ ذات الصلة ١ الثبات: الثبات لغة: ثبت الشيء يثبت ثباتًا وثبوتًا فهو ثابتٌ، والثبات ضد الزوال(١). الثبات اصطلاحًا: التمكن في الموضع الذي شأنه الاستنزال(٢). الصلة بين البركة والثبات: الثبات من الألفاظ المقاربة لمعاني البركة، ولكن البركة أعم وأشمل من الثبات، ويستعمل الثبات في الأجسام والأعراض(٣). الزيادة: ٢ الزيادة لغة: الزاء والياء والدال أصلٌ يدل على الفضل، يقولون: زاد الشيء يزيد، فهو زائدٌ (٤). الزيادة اصطلاحًا: أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، يقال: زدته فازداد(٥). الصلة بين البركة والزيادة: البركة: هي الزيادة والنماء، ويوصف بها كل شيء لزمه وثبت فيه خير إلهي، والزيادة من معاني البرکة، فإذن کل بركة زيادة، وليس كل زيادة بركة (٦). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢/ ١٩، المفردات، الراغب، ص ١٧١. (٢) التوقيف، المناوي، ص ٩١. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص ١١٨. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٢٣٢. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٨٥. (٦) انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري، ص ٩٧. مُوسُوبَةُ الْمَقِنَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٧٤ البركة النماء: ٣ النماء لغة: النون والميم والحرف المعتل أصلٌ واحدٌ، يدل على ارتفاعٍ وزيادةٍ (١). النماء اصطلاحًا: لا يخرج عن المعنى اللغوي، فهو الزيادة سواء أكانت حقيقية أم تقديرية. وقيل: ((ازدياد حجم الجسم، بما ينضم إليه ويداخله في جميع الأقطار، بنسبة طبيعية))(٢). الصلة بين البركة والنماء: نماء الشيء يفيد زيادة من نفسه، وقولك: زاد، لا يفيد ذلك، ألا ترى أنه يقال: زاد مال فلان بما ورثه عن والده، ولا يقال: نما ماله بما ورثه، والبركة تكون من الله وليس من غيره، فالبركة أعم وأشمل من النماء(٣). القحط: ٤ القحط لغة: (قحط) القاف والحاء والطاء أصلٌ صحيحٌ يدل على احتباس الخير، و(أقحط) القوم أصابهم القحط، و(القحط) الجدب (٤). القحط اصطلاحًا: ((انقطاع المطر))(٥). الصلة بين البركة والقحط: البركة تعني ثبوت الخير الإلهي في الشيء (٢)، أما القحط فهو من الألفاظ المقابلة الذي يعني قلة الخير والجدب، وقلة الأمطار والريع في الزراعات، والربح في التجارات، ووقوع الموت في الناس والدواب، وكثرة الحرق، والغرق، ومحق البركات من كل شيء(٧). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٥/ ٤٧٩. (٢) التعريفات، الجرجاني، ص ٢٤٦. (٣) الفروق اللغوية، العسكري، ص ١٨٠. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٠/٥، مختار الصحاح، الرازي، ص ٢٤٧. (٥) التوقيف، المناوي، ص ٢٦٨. (٦) بصائر ذوي التمييز، الفيروز أبادي، ٢/ ٢٠٩. (٧) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٢/ ٧٠٣. www. modoee.com ٧٥ حرف الباء الأساليب القرآنية في استخدام البركة تنوعت الأساليب القرآنية في الحديث عن البركة، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: إسناد البركة إلى ذات الله تعالى وأسمائه: من تأمل أساليب القرآن الكريم في تناول البركة لفظًا، وجد أنه سبحانه ذكرها مجموعة لا مفردة، وأنها جاءت مسندة إلى الله تعالى ، أو إلى اسمه سبحانه مع شفع ذلك الوصف بأمور منها: أنه سبحانه رب العالمين. قال عز من قائل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ، حَثِينًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخََّتِهِ بِأَتَرِيَّةِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَعْرُّ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وأنه سبحانه منزل القرآن الكريم، ذلك الفرقان المعجز. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وأنه سبحانه الذي أنعم علينا بالشمس والقمر؛ لأنه بيده ملكوت كل شيء. قال تعالى: ﴿ نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَاِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًّا شُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال تعالى أيضًا: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. وقال أيضًا: ﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُمُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥]. وقد صورنا فأحسن صورنا، بعد أن جمعنا في بطون أمهاتنا، ور کب فينا السمع والبصر والأفئدة. قال تعالى: ﴿أُتَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَخَرْ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. وأنه قادر سبحانه على أن يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم خيرًا مما طلبه الكفار على سبيل التحدي، فيجعل له في الدنيا حدائق كثيرة تتخللها الأنهار، ویجعل له قصورًا عظيمة. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِّن ذَلِكَ جَثَّتٍ تَّبْرِى مِن ◌َّحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَجْعَل ◌َلَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠]. هذا وقد أسندت البركة لاسمه تعالى جَوَسُور القرآن الكريمِ ٧٦ البركة فقال سبحانه: وَاْلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. ثَبَرَكَ أَسْمُ رَبَّكَ ذِى الْجَلَلِ والآيات السابقة أتت بصيغة تفاعل من البركة التي يقول عنها علامة الزيتونة ابن عاشور -عليه سحائب الرضوان -: ((وفعل تبارك في صورة اشتقاقه يؤذن بإظهار الوصف على صاحبه المتصف به مثل: تثاقل: أظهر الثقل في العمل، وتعالل، أي: أظهر العلة، وتعاظم: أظهر العظمة، وقد يستعمل بمعنى ظهور الفعل على المتصف به ظهورًا بینًا حتى كأن صاحبه یظهره. ومنه: ﴿تَعَلَى اللّهُ﴾ [النمل: ٦٣]. أي: ظهر علوه، أي: شرفه على الموجودات كلها. ومنه ﴿ تَبَارَكَ﴾ أي: ظهرت بركته، والبركة: شدة الخير. فبركة الله الموصوف بها هي مجده وقدسه، وذلك جامعٌ صفات ونزاهـ الكمال، ومن ذلك أن له الخلق والأمر، واتباع اسم الجلالة بالوصف - كرب العالمين ونحوه - في معنى البيان لاستحقاقه البركة والمجد؛ لأنه مفيض خيرات الإيجاد والإمداد، ومدبر أحوال الموجودات، بوصف كونه رب أنواع المخلوقات»(١). ثانيًا: وصف المقدسات بالبركة: وصف القرآن الكريم عددًا من (١) التحرير والتنوير ١٧٠/٨ بتصرف يسير. المقدسات بالبركة، ومن ذلك: ١. القرآن. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ بَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنّ حَوْلًا﴾ [الأنعام: ٩٢]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[الأنعام: ١٥٥]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَزَكٌ لِيَدَّبَّرُواْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَّكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ﴾ [ص: ٢٩]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَُ أَنْزَلْنَهُ أَفَانْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]. ٢. البيت الحرام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٦]. ٣. بلاد الشام. قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَفَجَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرِّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾[الأنبياء: ٧١]. أي: «ونجينا إبراهيم ولوطًا الذي آمن به من العراق، وأخرجناهما إلى أرض الشام التي باركنا فيها بكثرة الخيرات، وفيها أكثر www. modoee.com ٧٧ حرف الباء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام))(١). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيِّنَ الْقُرَى أَلَِّى بَرَكْنَا فِيهَا قُرَىُ ظَاهِرَةً وَقَذَّرْنَا فَِهَا السَّيْرِّ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]. ٤. بيت المقدس. قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَّ الْرِّيَحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِإِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَّكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾[الأنبياء: ٨١]. ٥. حول المسجد الأقصى . قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ ﴾ [الإسراء: ١]. ٦. البقعة المباركة في سيناء . قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَمُهَا نُودِىَ مِن شَطِي الْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِ الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَى إِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. وصيغة ﴿مُبَارَكًا ﴾ التي وردت في الآيات المذكورة: اسم مفعولٍ من بارك الشيء إذا جعل له بركةً، وهي زيادةٌ في الخير (٢). وسيتم الحديث عن هذه الآيات بما يتناسب مع ورودها في مواضعها اللاحقة من هذا البحث المبارك - إن شاء الله تعالى -. (١) التفسير الميسر، مجموعة من العلماء ٣٢٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤ / ١٦. ثالثًا: الدعاء للصالحين بالبركة عليهم وعلى ذرياتهم: من المناسبات التي تحدث القرآن الكريم فيها عن البركة: الدعاء للصالحين بالبركة عليهم، وعلى ذرياتهم. هذا ما جاء على لسان الخليل عليه السلام في قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِحِينَ فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ (٦) فَلَمَّا بَلَغَ ١٠٠ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَىَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴿﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا (١٠٤) قَدْ وَنَدَيْنَهُ أَن يَتَابْرَهِيمُ ١٠٣ وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ* صَدَّقْتَ الرُِّيَّةَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ١٠٥ وَفَدَيْنَهُ بِذِبِيحِ إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ (١) وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ (١٠) سَلَمَّ (١٠٧ عَظِيمٍ ﴿ كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ) إِنَّهُ. ١٠٩ عَلَى إِبْزَهِيمَ وَبَثَّْنَهُ بِإِسْحَقَ بَبِيًّا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١) وَمَرَّكَّنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقَّ مِنَ الصَّلِحِينَ (١) وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١٠٠ - ١١٣]. وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقَ﴾ فقوله تعالى: [الصافات: ١١٣]. معناه: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، وبأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه(٣) . والآيات تثبت مطلب الخليل عليه السلام (٣) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٩/ ١٢٠. ٧٨ مَوسُو ◌َرَ النَفسِيد القرآن الكريم البركة وأنه طلب أن يهبه الله من الصالحين، فكان أن أعطاه الله الذرية الصالحة، ومن عين الصلاح: البركة في الذرية، وفي حديث أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: (قولوا: اللهم صل على محمدٍ عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم)(١). ويدخل في هذا المقام دعاء الصالحين لأنفسهم: کدعاء نبي الله نوح عليه السلام؛ وذلك بتوجيه من الله تعالى: ل رَبّ أَنزَلْنِىءُ مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. أي: «أنزلني إنزالًا فيه خير ونماء وبركة، بأن يثبت الله تعالى قلوب الذين آمنوا على الحق، وقد رأوا بأعینھم عاقبة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومعاندة الحق، وقد بارك سبحانه من معه، فجعل منهم ذرية الخليقة، فكان بحق الأب الثاني للإنسانية، وقد أثنى وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ على ربه بما هو حقه أي: أنت الذي تنزل منازل أعلى ما يكون الإنزال المبارك ... ، ثم عقب ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ [المؤمنون: ٣٠]. (١) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ٨/ ٣٦٥٨،٧٧. وكانت الآية الأخيرة: أن الله تعالى أغرقهم، وقطع دابر الذين ظلموا، وفيه آية سامية في علوها وهي أن الزلفى عند الله بالحق والإيمان به، لا بالقرابة»(٢). ومما حمل على الدعاء مباركة موسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنَّ مَانَسْتُ نَارً سَنَاتِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِيَكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُوْ تَصْطَّلُونَ ، فَلَمَّا جَآءَهَا تُودِىَّ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٧-٨]. فقد حمل أبو السعود قوله تعالى: ﴿ثُودِی أَنْ بُورِكَ مَن فِ اَلنَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ على الدعاء، ونصه: ((﴿أَنْ بُورِكَ﴾ معناه أي: بورك على ﴿أَنْ﴾ مفسرة لما في النداء من معنى القول أو بـ ﴿أَنْ بُورِكَ﴾ على أنها مصدرية حذف عنها الجار جريًا على القاعدة المستمرة - نزع الخافض - وقيل: مخففةٌ من الثقيلة، ولا ضير في فقدان التعويض بـ(لا أوقد) أو السين أو سوف لما أن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام)) (٣). وحمل هذه الآية على الدعاء أيضًا الطاهر ابن عاشور ونصه: ((وقيل: إن قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾ إنشاء تحيةٍ من الله تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكْتُهُ. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٧/١٩. (٣) إرشاد العقل السليم ٦/ ٢٧٣، وأشار الآلوسي إلى هذا المعنى في روح المعاني ١٥٦/١٠. www. modoee.com ٧٩ حرف الباء عَلَيْكُمْ أَهْلَ أَلْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]. أي: أهل هذا البيت الذي نحن فيه»(١). والمراد بالبركة في الآية الكريمة: النماء والزيادة والخير لكليم الله تعالى موسى عليه السلام لذاته؛ ولملابسة المكان بالملائكة الأطهار، ولطهر البقعة المقدسة التي كانت مكان تكليم موسى عليه السلام ، كما صرح سبحانه بذلك في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَتَنْهَا نُوِىَ مِن شَِطِ اَلْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِ البُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَوَ أَنْ يَمُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. ومما يدخل في الدعاء بالبركة قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَوَيِلَّ مَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَالَشَىْءُ عَجِيبُ ﴾ قَالُوّا أَنْفَجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِّ رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ اُلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ -٧٣]. والمراد بالرحمة والبركة هنا: الرحمة التي وسعت كل شيء، واستتبعت كل خير، والبركة: الخيرات النامية المتكاثرة في كل بابٍ التي من جملتها هبة الأولاد، وقيل: الرحمة: النبوة، والبركات: الأسباط من بني إسرائيل؛ لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأهل البيت هنا هم أهل بيت خليل الرحمن -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-(٢) . (١) التحرير والتنوير ٢٢٧/١٩. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠ / ٥٠٦٧. وما سبق من الآيات يبرهن على أن الدعاء والتضرع إلى الله، واستحضار خفض الجناح لله عز وجل من أبرز أسباب استحضار البركة، والدعاء هو العبادة ومخها و خالصها، والمسلم إذا سأل فإنه يسأل الله، فهو وحده الذي عنده خيري الدنيا والآخرة، وهو سبحانه وحده من يمد بهما من يشاء كُلَا ثُمِّدُّ هَكَؤُلَاءِ وَهَنَؤُلَاءِ مِنْ عَطَِّ رَبِكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَخْطُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. رابعًا: وصف النعم وأسباب السعادة بالبركة: مما لا يرتاب فيه عاقل أن الله تعالى بارك نعمه كلها على اعتبار صدورها منه سبحانه ، وهو عز وجل واهب البركة ومصدرها في السماوات والأرض، لكن هذه البركة بدت لمن أخذ بأسبابها، وعزت على من تنكب طريق الوهاب سبحانه ، كما أن الله تعالى أفرد بعض النعم بصريح البركة ليوقظ إحساس العبد تجاه ما لم يشعر به تبلدًا منه أو تلهيًا عنه سبحانه ، وهذه النعم التي لفت أنظارنا إليها لنتفكرها، ونتدبر حکمتها منها ما هو حسي، ومنها ما هو معنوي. فمن النعم الحسية التي وصفها الله تعالى بالبركة: ١. الماء النازل والمستقر. قال تعالى: ﴿وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآءُ مُّبَرًَّا ٨٠ مُوسْو ◌َ النَّقِين لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البركة فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ الْمَصِيدِ﴾ [ق: ٩]. إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وقد حفل القرآن الكريم بذكر بركات وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة٦:]. الماء المتمثلة في: إحياء موات الأرض. قال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مّوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]. إخراج الثمرات. قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَبِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]. ● إخراج النبات. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابِ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَّبِهًا وَغَيْرَ مُتَسَبِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. حمل الفلك. قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. خلق الله منه كل شيء. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال أيضًا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبَةٍ مِّن مَّآءِ﴾ [النور: ٤٥]. ٤ يتطهر به. قال عز من قائل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ [سبأ:١٦]. وكما حدث يوم بدر: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءَ ◌ِيُطَهِّرَّكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُوْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلَيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١]. جعله سبحانه للإرواء والسقي. قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ. ◌ِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. * استودعه الأرض بقدرته. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَدِ مَآَ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ إِ. لَقَدِرُونَ ﴾ [المؤمنون: ١٨]. ینفع الله ببركته المؤمنین، ویضر بإذن الله تعالى أعداءهم. کما حدث مع قوم نوح وموسی علیھما السلام من إغراق. ﴿وَقَوْمَ نُوجِ لَّمَّا كَذَّبُواْ قال تعالى: الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ ﴾ [الفرقان: ٣٧]. وفي قوم موسى عليه السلام قال تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنَّنَكُمْ وَأَغْرَقْناً ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]. وقد حدث ذلك أيضًا مع أهل سبأ، فقال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ www. modoee.com ٨١ حرف الباء يقول الفخر فيما يخص بركة المطر: ((وصف الله تعالى المطر بالبركة ... ، لما فيه من المنافع))(١) ولنا أن نذهب النفس كل مذهب في منافع المطر التي تمت معرفتها، وما سيكتشفه العلم منها إلى قيام الساعة، وأنه بركة من بركات السماء على أهل الأرض يجب على المسلمين اكتنازها وادخارها لوقت الحاجة إليها. ٢. شجرة الزيتون. قال تعالى: ﴿اللّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوُمْ فِيهَا مِصْبَاعُ الْمِصْبَحُ فِيِ نُجَاجَةِ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَّكَبُ دُرِّىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ ◌َُّرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةِ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌّ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِتُّورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. وهي الشجرة التي تخرج من طور سيناء، قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيِّنَآءُ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعْ لِلْآَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وهي التي أقسم الله بها في سورة التين، فقال تعالى: ﴿وَالِّينِ وَالزَّبُونِ ) وَطُورٍ سِيِنِينَ ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ١ -٤]. يقول الفخر: ((وصف الله تعالى شجرة الزيتون بالبركة لكثرة منافعها))(٢). (١) مفاتيح الغيب ٢٦٥/٢ بتصرف يسير. (٢) مفاتيح الغيب ٢/ ٢٦٥ بتصرف يسير. يقول الطبيب أحمد حطيبه في درس صوتي له مفرغ على المكتبة الشاملة تحت عنوان: فوائد الزيتون: الزيتونة شجرة مباركة كما سماها الله، سبحانه وتعالى، والعلماء بحثوا في هذا الزيتون والفوائد الكثيرة الموجودة فيه، فمن ضمن ما ذكروا في الأبحاث الحديثة: أنهم رصدوا ظاهرة صحية لسكان بعض جزر البحر المتوسط، فوجدوا بعض السكان كسكان جزيرة كريت وغيرها أنهم يعيشون حياة طيبة، وأن صحتهم عالية، ودرجة الحيوية عندهم عالية، وأنهم يتمتعون بصحة ونشاط، وحاولوا أن يبحثوا عن سر صحة أهل هذه الجزر، كريت وما حولها، فوجدوا أن الغذاء عندهم يعتمد أساسًا على زيت الزيتون، فهم أقل الناس تعرضًا للإِصابة بارتفاع ضغط الدم، وبأمراض القلب، وأمراض تصلب الشرايين؛ لأنهم يتمتعون بمستوى معتدل صحي بنسبة الكولسترول الموجودة في دم الإنسان، والسبب في هذا كله اعتمادهم على زيت الزيتون، وعلى الزيتون في طعامهم، والعصرة الأولى من زيت الزيتون فيها الفوائد كلها، وزيت الزيتون غني جدا بالدهون، وفيه نوعان من أنواع الدهون: دهون مشبعة، ودهون غیر مشبعة: فالدهون المشبعة فيه نسبة قليلة منها، ومفيدة للإنسان، والدهون غير المشبعة فيه نسبة كبيرة منها، وهي مفيدة جدًا جدًا، ولا توجد إلا في الزيوت النباتية فقط، مثل زيت الزيتون، وزيت السمسم، وزيت الذرة، وفيها الزيوت غير المشبعة، وهي مفيدة للإنسان، والزيوت غير المشبعة الموجودة في زيت الزيتون هي دهون ومع ذلك يقولون: إنها تساعد على تخفيف الدهون الموجودة في الجسم، فالإنسان السمين إذا شرب من زيت الزيتون فإنه يساعده على تخفيف أو إزالة الدهون الموجودة في الجسم، ومن العجب أن تأخذ دهنًا لتزيل به دهنًا آخر! فدهن زيت الزيتون هذا غير مشبع، ويمنع الأكسدة التي تؤدي لخمول ذهن الإنسان، وعدم التفكير، وغير ذلك من الأمراض. ٨٢ القرآن الكريم البركة فهي شجرة تشرب الماء وتخرج الزيت، جعل الله عز وجل في هذه الشجرة أدمًا ودهنّاً، وهي صبغ للآکلین. ٣. ليلة القدر، ليّلة إنزال القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وهي الليلة المباركة التي أخبر الله عنها في قوله تعالى: ﴿حمّ ل وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ، إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّاً مُنذِرِينَ﴾ [الدخان: ١ - ٣]. ومن الأبحاث التي أجريت على زيت الزيتون: أن ملعقة من زيت الزيتون يوميًا تقلل من سرطان الثدي عند النساء أربعين في المائة، وكذلك تناول زيت الزيتون لمريض قرحة المعدة تساعده على قتل نوع من أنواع الجرثومات تسمى: الهلوبكتر، وهي نوع من أنواع الجرثومات الحلزونية الموجودة في المعدة، وتعمل على قرحتها، فشراب زيت الزيتون يقضي على هذه الجرثومة، ويمنع من سرطان المعدة، ومن سرطان القولون كذلك، ومن تصلب الشرايين، وزيت الزيتون ملطف وملين ومدر للصفراء، ومفتت للحصى، ويحتوي على مضادات للأكسدة في جسم الإنسان، وكذلك يحتوي على فيتأمينات: فيتامين أو ب وهـ وج ولو دهن الإنسان شعر رأسه فإنه يمنع من سقوط شعر الرأس، ودهانه لجلد الإنسان مع شربه يمنع التشققات وغيرها من الأمراض الجلدية التي تكون عند الإنسان. هذه جملة من الفوائد التي جمعها الله، سبحانه وتعالى، لنا، وقال في زيت الزيتون أو في الزيتون نفسه: ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْنَآَ تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعِلْأَ كِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. ((ووصفها بالبركة لما أن نزول القرآن مستتبعٌ للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل الأقضية، وفضيلة العبادة، وإعطاء تمام الشفاعة لرسول الله صلی الله علیه وسلم»(١). والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريفٌ آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره، تنبيهًا على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتًا شريفًا مباركًا؛ لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه أفضل الأوقات والأمكنة، فاختيار أفضل الأوقات لابتداء إنزاله ينبئ عن علو قدره عند الله تعالى كقوله: ﴿لَّا يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة (٧٩)](٢). وسمى ليلة القدر مباركةً إذ القرآن ذكرٌ مباركٌ، أنزله ملكٌ مباركٌ، في ليلةٍ مباركةٍ، على نبي مبارك، لأمة مباركة(٣). نعمة نزول القرآن الکریم. قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَأُمَ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَاً وَاُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ وَهُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]. وبرکة هذه النعمة لا يستطيع أحد مهما (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨/ ٥٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٤٥٧. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٥/٢ بتصرف يسير. www. modoee.com ٨٣ حرف الباء أوتي من علم أن يحدها بحد، أو يحصرها المسالمة، وحسن اللقاء والمخالطة؛ وذلك يوفر خير الأخوة الإسلامية، والطيبة: ذات الطيب، وهو بمعنى النزاهة والقبول في نفوس الناس، ووجه طيب التحية أنها دعاءٌ بالسلامة، وإيذانٌ بالمسالمة والمصافاة (٢). بحصر، بل يعجز الإنسان عن بيان نعمة القرآن على الكون وما حواه من منافع دنيوية أو أخروية، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّهَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. يقول الشيخ الشنقيطي: ((وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة»(١). تحية الإسلام، السلام عليكم. من النعم المعنوية الموصوفة في القرآن الكريم بالبركة تحية الإسلام السلام عليكم؛ لقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ شَُرَكَةً طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِّبُّ اللّهُ لَكُمُ اَلْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. سمى الله تعالى السلام تحية من عنده سبحانه ، وهذه التحية من جوامع الكلم؛ لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل بتأمينه إن كان لا يعرفه وباللطف له إن كان معروفًا ... ، والمباركة أي: المجعولة فيها البركة، والبركة: وفرة الخير، وإنما كانت هذه التحية مباركةً لما فيها من نية (١) أضواء البيان ٣/ ١٧ - ٥٥. مُوسُوبَةُ النَّ القرآن الكريم وتحية الإسلام حيا الله تعالى بها جميع المرسلين بقوله تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]. وهي تحية أهل الجنة بعضهم بعضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم ◌ِمَنِمٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ اٌلْتَّعِيِمِ ن دَعْوَنِهُمْ فِيهَا سُبْحَكَ اللَّهُمَّ وَتَجِيَّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ٩-١٠]. وهي تحية الملائكة المطهرين للصالحين أهل الجنة: ﴿جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَبَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنْ كُلِّ بَابٍ (٢) سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرٌ فَنِعْمَ عُقْبَ النَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ -٢٤]. والسلام تحية المؤمنين من الله فى الجنة يومٍ يلقونه سبحانه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ. سَلَمْ وَأَعَدَّلَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. والسلام تحية خزنة الجنة من الملائكة لأهل الجنة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ ﴾ (٢) التحرير والتنوير، عاشور ٣٠٤/١٨ بتصرف. ٨٤ البركة [الزمر : ٧٣]. وتحية الإسلام فيها من شمول المعنى لكل سلامة من كل آفة، وأمن من كل مخالفة، وصدق في الدعاء، ما لا نظير له في جمیع تحايا الأمم من العرب وغيرهم، فتحية الإسلام کمال لا خداج فيها، وصدق لا كذب فيها (١). (١) معجم المناهي اللفظية، بكر أبو زيد ص ٥٥٨. مجالات البركة تعددت مجالات البركة في القرآن الكريم، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: أسماء الله وصفاته: من مجالات البركة أسماء الله تعالى وصفاته، حيث وصف سبحانه وتعالى نفسه في غير ما آية من القرآن الكريم مرة بالبركة وصفًا لذاته سبحانه ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾. ومرة أخرى وصفًا لاسمه سبحانه ﴿يَبْرَكَ اسمُ ريّكَ﴾،ومرة ثالثة أدخل سبحانه وصف البركة على ما يشير إليه قوله عز وجل: تَبَارَكَ الَّذِىّ﴾. وهذا يدل على استحقاق ذاته سبحانه ﴿اللَّهُ للبركة، واستحقاق اسمه الشريف لذلك أيضًا، واستحقاق ما يشير إليه سبحانه بذلك، و کل ما يتصل به جل وعلا. والملاحظ في وصفه سبحانه لذاته بالبرکة أو وصف اسمه جل وعلا بذلك أو وصف ما يشير إليه تعالى أنه ليس وصفًا خالیًا من التعلیل أو الحكمة، بل لدينا في كل آية تخص «الذات الشريفة أو الاسم الشريف أو الإشارة إليه عز وجل)) من ثوابت قدرته ومقام عظمته سبحانه ما يستحق الوصف بذلك، ومع الآيات وهداياتها، وأسرارها نمضي لإقامة الحجة وبيان البرهان الساطع على ما نقول. www. modoee.com ٨٥ حرف الباء ففي قوله تعالى: ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِ اَلَيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ، حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَقْرِيُّهِ أَلَا لَّهُ اَلْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. بيان للربوبية، والألوهية التي من آثارها خلق السماوات والأرض في مقدار ستة أيام، ثم الاستواء على العرش استواء يليق بذاته سبحانه وتعالى، ثم ستر الليل النهار فيصير الجو مظلمًا بعد ما كان مضيئًا، يطلبه حثيثًا، أي: سريعًا طبق الحكمة والكمال، كما احتوت الآية الكريمة من عجائب القدرة تذليله سبحانه وتعالى للشمس وللقمر وللنجوم السيارة؛ إذ الكل مأمور بأمره یسخرهن سبحانه کما یشاء، وهن من آيات الله العظيمة، ألا له سبحانه وتعالى الخلق كله وله الأمر كله، تعالى الله وتعاظم وتنزه عن كل نقص، رب الخلق أجمعين. وختم الآية الكريمة بـ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَلمِينَ﴾الذي هو وصف خاص به سبحانه ((لم يجئ منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل)) (١) مشعرٌ بما احتوته من دلائل القدرة، (١) روح المعاني، الألوسي ٣٧٨/٤. قال ابن القيم: ((وأما صفته تبارك فمختصة به، تعالى، كما أطلقها على نفسه، وقال: فتبار که،سبحانه، صفة ذات له وصفة فعل))، بدائع الفوائد ١٨٥/٢. وفيوضات الربوبية، يقول الفخر الرازي: ((إذا دققت النظر علمت أن عالم الخلق في تسخير الله، وعالم الأمر في تدبير الله، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله، فلهذا المعنى قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُّ وَالْأَمْرُ﴾ ثم قال بعده: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ والبرکة لها تفسيران: أحدهما: البقاء والثبات. والثاني: كثرة الآثار الفاضلة، والنتائج الشريفة. وكلا التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه ، فإن حملته على الثبات والدوام، فالثابت والدائم هو الله تعالى ؛ لأنه الموجود الواجب لذاته، العالم لذاته القائم بذاته الغني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه، فهو سبحانه مقطع الحاجات وقال السلمان: ((والنوع الثاني بركة: هي صفته تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك؛ ولهذا لا يقال لغيره كذلك، ولا يصلح إلا له، عز وجل،؛ فهو، سبحانه، المبارك، وعبده ورسوله المبارك؛ كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَفِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَفِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾﴾ [مريم: ٣١]، فمن بارك الله فيه؛ فهو المبارك، وأما صفته؛ فمختصة به؛ كما أطلق على نفسه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ اَلْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ بَبْلُبُهُ حَبِيْنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِدٍ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَّمِينَ ﴾ [الأعراف: ٥٤])). وانظر: صفات الله عز وجل، الواردة في الكتاب والسنة، علوي السقاف ص٧٠. مَوَسُوعَة النفسية القرآن الكريم ٨٦ البركة ومنهى الافتقارات وهو غنيٌ عن كل ما سواه في جميع الأمور. وأيضًا إن فسرنا البركة بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا التفسير من الله تعالى ؛ لأن الموجود إما واجبٌ لذاته، وإما ممکنٌ لذاته، والواجب لذاته ليس إلا هو، وكل ما سواه ممکنٌ، وکل ممکنٍ فلا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل الخيرات منه، وكل الكمالات فائضةٌ من وجوده وإحسانه، فلا خیر إلا منه، ولا إحسان إلا من فیضه، ولا رحمة إلا وهي حاصلةٌ منه، فلما كان الخلق والأمر ليس إلا منه، لا جرم كان فَتَبَارَكَ اللَّهُ الثناء المذكور بقوله: رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. لا يليق إلا بكبريائه، وكمال فضله، ونهاية جوده ورحمته))(١). ومن الآيات التي وصفت ذات الله بالبركة: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ( ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً ثُمَّ خَلَقْنَا النَّطْفَةَ عَلَقَةٌ ١٣ في قرارٍ مَـ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ [المؤمنون: ١٢-١٤]. (١) انظر: مفاتیح الغیب، الرازي ٢٧٤/١٤ ، روح المعاني، الألوسي ٤ /٣٧٨. والملاحظ أن هذه الآية الكريمة قدمت للوصف بالبركة بمقدمات كلها معجز، ومختص بذات الله وحكمه وقدرته سبحانه حيث خلق آدم من طين، وخلق بنيه من نطفة، ثم خلق النطفة علقة أي: دمًا أحمر، فخلق العلقة -بعد أربعين يومًا- مضغة، أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ، فخلق المضغة اللينة عظامًا، فكسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر بنفخ الروح فيه، ثم يأتي الختام بـ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ ﴾ الذي أحسن كل شيء خلقه. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَلَةُ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمٍْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤]. وصف فيه الحق سبحانه ذاته بالبركة، وقدم بصور تمثل قدرته سبحانه وإرادته من جعله الأرض مستقرًا لنا، ميسرة لإقامتنا عليها، وجعله السماء سقفًا للأرض، وبثه سبحانه فيها من العلامات الهادية، ومن خلقه إيانا على أكمل هيئة وأحسن تقويم، ومن إنعامه علينا بحلال الرزق، ولذيذ المطاعم والمشارب، ذلکم المنعم المتفضل هو ربنا وخالقنا، فتكاثر خيره وفضله وبركته، وتنزه عما لا يليق به، وهو رب الخلائق أجمعين. وكما ورد الوصف بالبركة لذات الله www. modoee.com ٨٧ حرف الباء تعالى ، فإنه قد ورد كذلك مقترنًا باسم الله والثبوت لاسمه الشريف، أو دوام الخير عنده سبحانه ، وعلو شأنه عز وجل، أي: تعالى في قوله تعالى: ﴿نَبْرَكَ أُسْمُ رَيِّكَ ذِى لَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. تبارك ذكر ربك يا محمد، ذي العظمة، ومن تكتب وتنال وتكسب بذكر اسمه. فقوله تعالى: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ﴾ تنزيةٌ له الإكرام من جميع خلقه، أو أن البركة وتقديسُ له تعالى فيه تقريرٌ لما ذكر في قال ابن كثير: ((الاسم معظمٌ لتعظيم الذات المقدسة، و﴿ نَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْحَلِ وآلآآرام﴾ أي: هو أهلٌ أن يجل فلا يعصى، وأن یکرم فیعبد، ویشکر فلا یکفر، وأن یذکر فلا ینسی»(٣). سورة الرحمن من آلائه الفائضة على الأنام، أي: تعالی اسمه الجلیل الذي من جملته ما صدرت به السورة من اسم الرحمن المنبئ عن إفاضته الآلاء المفصلة، وارتفع عما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها ويقول الشهاب: «كما يجب تعظيم ذاته تعالی یجب تعظيم أسمائه وتنزيهها عما لا يليق بها (٤) فاسمه -جل شأنه- ما يمكننا أن نعلم منه ما نعلم من صفاته، وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله»(٥). جحود نعمائه وتكذيبها، وإذا كان حال اسمه بملامسة دلالته عليه فما ظنك بذاته الأقدس الأعلى، وقيل: الاسم بمعنى الصفة ﴿ذِی اللَلِوالإكرام﴾ وصف به الرب تكميلاً لما ذكر من التنزيه والتقرير (١). ((والبركة واجبة لا سم الله عز وجل الذي هو كلمة مؤلفة من حروف الهجاء، ونحن نتبرك بالذکر له ويتعظيمه ونجله ونکرمه، فله التبارك، وله الإجلال منا ومن الله تعالی ، وله الإكرام من الله تعالى ومنا، حيثما كان من قرطاس، أو في شيء منقوش فيه، أو مذکور بالألسنة، ومن لم يجل اسم الله عز وجل کذلك ولا أکرمه، فهو كافر بلا شك. انتھی كلامه رحمه الله)»(٢). واقتران البركة باسم الله يعني: الدوام (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٧/٨. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ١١٥/٩. وفي بيان مناسبة بركات الله علينا من خلال سورة الرحمن، وفي بيان وجوه معاني ﴿ ◌َبَكَ أَسْمُ رَيْكَ﴾: يقول الفخر: ((أنه تعالى لما ختم نعم الدنيا بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَاْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. ختم نعم الآخرة بقوله: ﴿نَبْرَكَ أُسْمُرَيِّكَ ذِى اٌلْجَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]. إشارةً إلى أن الباقي والدائم لذاته هو (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٢٢، ٧/ ٤٧٠. (٤) حاشية الشهاب ١ /١٤٥. (٥) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١/ ٢١٩. ٨٨ مُوسوبرُ التَفيِ العضو جوبيبو الْقُرآن الكَرِيْمِ البركة الله تعالى لا غير والدنيا فانية، والآخرة وإن الله متلذذين به، فقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو كانت باقيةً لكن بقاؤها بإبقاء الله تعالى، الْخَذَلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ أي: في ذلك اليوم لا يبقى ثانيها: هو أنه تعالى في أواخر هذه السور اسم أحدٍ إلا اسم الله تعالى به تدور الألسن، كلها ذكر اسم الله فقال فى السورة التي قبل هذه: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]. ولا یکون لأحدٍ عند أحدٍ حاجةٌ بذکره، ولا من أحدٍ خوفٌ، فإن تذاكروا تذاكروا باسم الله))(١). وكون العبد عند الله من أتم النعم كذلك هاهنا بعد ذكر الجنات وما فيها من النعم، قال: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْمَلِ والإكرام﴾ [الرحمن: ٧٨]. إشارةً إلى أن أتم النعم عند الله تعالى تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، ، وأكمل اللذات ذكر الله تعالى ، وأصل التبارك من البركة، وهي الدوام والثبات، ومنها بروك البعير وبركة الماء، فإن الماء یکون فيها دائمًا، وفيه وجوهُ: أحدها: دام اسمه وثبت. وثانيها: دام الخير عنده؛ لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير. وثالثها: تبارك بمعنى علا وارتفع. وقال بعد ذكر نعم الدنيا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ [الرحمن ٢٧]. وقال بعد ذكر نعم الآخرة: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَيْكَ﴾ لأن الإشارة بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شيءٍ من الممكنات وفنائها في ذواتها، واسم الله تعالی ینفع الذاکرین ولا ذاكر هناك يوحد الله غاية التوحيد، فقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ والإشارة هنا وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء الله ذاكرين اسم وكما دخلت البركة على العلم على الذات العلية، وعلى الاسم الشريف، دخلت على ما يشير إليه عز وجل، ومن ذلك قوله لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرفان: ١]. حيث افتتحت السورة بما يدل على منتھی کمال الله تعالی افتتاحًا یؤذن بأن ما حوته يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشرکون لما نسبوا إليه شرکاء (١) مفاتيح الغيب، ٢٩/ ٣٨٢. وانظر: جامع البيان، الطبري ٨٦/٢٣، زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢١٧، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ١٨/ ٣٦٦، وتفسير القرآن، العزبن عبد السلام ٢٧١/٣. وقد حمل الخطيب الاسم في الآية: ﴿يَبْرَ أُسُ رَيِّكَ ذِى لَلْمَلِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٧٨] على اسم الرحمن فقال: ((أي: هذا الاسم الذي افتتح به سورة الرحمن كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء والأرض والخليقة والجنة والنار، فهذا كله لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه، فقال تعالى: ﴿نَبركة أَسْمُ رَيْكَ ذِى لَتَْلِ وَآلْإِكْرَمِ ﴾[الرحمن:٧٨])). السراج المنير ٤ /١٧٨. www. modoee.com ٨٩ حرف الباء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده، ففي هذا الافتتاح براعة الاستهلال، و﴿تَبَارَكَ ﴾ المستعمل منه الماضي وحده، وزنه تفاعل، وهو مطاوع بارك من البركة، وبارك فاعل من واحد، معناه زاد. و﴿تَبَارَكَ﴾ فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره؛ ولذلك لم يصرف منه مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل أي: کثرت بر کاته، ومن جملتها إنزال کتابه الذي هو الفرقان بين الحق والباطل، وجميع البركات منه سبحانه وحده، وهو يدل على التعظيم والمبالغة في وفرة الخير، وهو في مقام الثناء يقتضي العموم بالقرينة، أي: يفيد أن كل وفرةٍ من الكمال ثابتةٌ لله تعالى ، بحيث لا يتخلف نوعٌ منها عن أن يكون صفةً له تعالى . وصیغة تفاعل إذا أسندت إلى واحدٍ تدل على تكلف فعل ما اشتقت منه، نحو: تطاول وتغابن، وترد كنايةً عن قوة الفعل وشدته مثل: تواصل الحبل، وهو مشتقٌ من البركة، وهي زيادة الخير ووفرته، وهذا الكلام يجوز أن يكون مرادًا به مجرد الإخبار عن عظمة الله تعالى وكماله، ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناء على الله أثناه على نفسه، وتعليمًا للناس كيف يثنون على الله ويحمدونه، كما في ﴿الْعَمْدُ بِّهِ رَبِ الْعَلَّمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. إما على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء، وإما باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها، ولو صيغ بغير هذا الأسلوب لما احتمل هاذين المعنيين. وجعل المسند إليه (الذي) اسم موصول للإيذان بأن معنى الصلة مما اشتهر به، كما هو غالب أحوال الموصول، فصارت الصلة مغنيةً عن الاسم العلم لاستوائهما في الاختصاص به؛ إذ يعلم كل أحدٍ أن الاختصاص بالملك الكامل المطلق ليس إلا لله(١). قال أهل اللغة: كلمة (الذي) موضوعةٌ للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضيةٍ معلومةٍ، وعند هذا يتوجه الإشكال، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان، فکیف حسن هاهنا لفظ (الذي)؟ وجوابه: أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزًا ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله، فلقوة الدليل، وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم (٢). ومن أمثلة دخول البركة على ما يشير إليه سبحانه في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَّبْرِى مِن ◌ْتَمْتِهَا اُلْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠]. (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/٢٩، ٣١٦/١٨ (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٨/٢٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٩٩، مدارك التنزيل، النسفي ٥٢٤/٢. ٩٠ القرآن الكريمِ