النص المفهرس

صفحات 41-52

البعث
نص على ذلك قتادة وابن زيد، وفي شكه
في حديث العالم إن كانت إشارته بهذه
إلى الهيئة من السماوات والأرض وأنواع
المخلوقات، وإن كانت إشارته إلى جنته
فقط، فإنما في الكلام تساخف واغترار
مفرط وقلة تحصيل، وكأنه من شدة العجب
بل والسرور أفرط في وصفها بهذا القول ثم
قاس أيضا الآخرة على الدنيا، وظن أنه لم
يمل له في دنياه إلا لكرامة يستوجبها في
نفسه، قال: فإن كان ثم رجوع كما يزعم
فستكون حالي كذا وكذا))(١).
قال الطبري: ((وقوله: ﴿مَآ أَغُّ أَنْ تَبِيدَ
هَذِهِ أَبَدًا﴾ يقول جل ثناؤه: قال لما عاين
جنته، ورآها وما فيها من الأشجار والثمار
والزروع والأنهار المطردة شكا في المعاد
إلى الله: ما أظن أن تبيد هذه الجنة أبدا،
ولا تفنى ولا تخرب، وما أظن الساعة التي
وعد الله خلقه الحشر فيها تقوم فتحدث،
ثم تمنى أمنية أخرى على شك منه، فقال:
﴿وَلَپن ژُددتُ إِلَى رې﴾ فرجعت إليه، وهو
غير موقن أنه راجع إليه ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْراًمِّنْهَا
مُنقَلَبًا﴾ یقول: لأجدن خیرا من جنتي هذه
عند الله إن رددت إليه مرجعا ومردًا، يقول:
لم یعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ولي عنده
أفضل منها في المعاد إن رددت إليه))(٢).
(١) المحرر الوجيز، ٥١٧/٣
(٢) جامع البيان، الطبري، ٢٢/١٨.
قال الرازي: ((ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَپن
رُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:
٥٠].
وقوله: ﴿لَأُوْنَيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا﴾ [مريم:
٧٧].
والسبب في وقوع هذه الشبهة: أنه
تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما
أعطاه ذلك لكونه مستحقًا له، والاستحقاق
باقٍ بعد الموت فوجب حصول العطاء،
والمقدمة الأولى كاذبةٌ فإن فتح باب
الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر
للاستدراج والتملية، والمقصود عود الكناية
إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود
الكناية إلى الجنة التي دخلها)»(٣).
وفي قوله هذا ذكر السعدي احتمالين ثم
رجح أحدهما على الآخر فقال: ((وهذا لا
يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة
الحال، فیکون كلامه هذا علی وجه التھکم
والاستهزاء فیکون زيادة کفر إلی کفره، وإما
أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من
أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل،
فأي: تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة،
حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا
أعطي في الآخرة، بل الغالب، أن الله تعالى
یزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ویوسعها
على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة
(٣) مفاتيح الغيب، ٢١ / ٤٦٣ - ٤٦٤.
www. modoee.com
٢٤٧

حرف الباء
نصيب، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال،
ولكنه قال هذا الكلام، على وجه التهكم
والاستهزاء، بدليل قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.
وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ فإثبات أن وصفه
الظلم، في حال دخوله، الذي جری منه، من
القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده))(١).
٤. الهروب من تصور الحساب
والعذاب.
من الدوافع التي تكمن وراء إنكار هؤلاء
المكذبين بالبعث ذلك الخوف الكامن من
تصور أنهم بعد البعث محاسبون ومجازون
بأعمالهم التي عملوها في حیاتھم الدنيا،
فكلما تصوروا ذلك الأمر رفضوا تصديقه
واستبعدوه حذرا من وقوعه بالفعل فهم
لا يتصورون أن يحاسبوا على ما جنوه
من الجرائم والشنائع التي يخشون مغبة
الحساب عليها والمعاقبة بها، لذا فهم
يعبرون عن إنكارهم للبعث باستبعادهم
للحساب والجزاء في الآخرة، وقد عبر
القرآن عن ذلك من خلال ذلك المشهد
الأخروي الذي يجري لأهل الجنة وهم
یتذاکرون بعض ما کان في الدنیا من حوار
بین بعضهم وبین مکذبي البعث.
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
يَتَسَآءَ لُونَ ﴾ قَالَ قَابِلٌ مِنْهُمْ إِنِّ كَانَ لِ قَرِينٌ
◌َيَقُولُ أَمِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ، أَهَذَا مِنْنَا وَكُنَا
٥١
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٧٧.
تُرَابًا وَعِظَامًا أَهِ نَّالَمَدِينُونَ (٣)﴾ [الصافات: ٥٠ -
٥٣].
«والمعنى: أهل الجنة يسأل بعضهم بعضًا
عن حاله في الدنيا، قوله: ﴿قَالَ قَابِلٌ مِّنْهُمْ إِى
كَانَ لِ قَرِينٌ﴾ أي في الدنيا ينكر البعث،
و﴿يَقُولُ لَهَنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي كان يوبخني
على التصديق بالبعث والقيامة ويقول
تعجبًا: ﴿أَِّذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَالَمَدِينُونَ﴾
أي لمحاسبون ومجازون، والمعنى أن ذلك
القرين كان يقول هذه الكلمات على سبيل
الاستنكار))(٢).
«والمدین: المجازى يقال: دانه یدینه،
إذا جازاه، والأكثر استعماله في الجزاء
على السوء، والدين: الجزاء كما في سورة
الفاتحة))(٣).
ومما يدل على ذلك قوله تعالى في سبب
إنكار منكر البعث: ﴿بَلْ يُرِدُ آلْإِنسَنُّ لِيَفْجُرَأَ مَمَهُ.
﴿ يَسْثَلُّ ◌َيَانَ يَوْمُ الْقِيْمَةِ ﴾ [القيامة: ٥ - ٦].
(وقوله ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَنُّ لِيَفْجُر أمامُ﴾ أي ما
يجهل الإنسان قدرة خالقه على إعادة خلقه،
ولكنه يريد أن يواصل فجوره مستقبله كله
فلا يتوب من ذنوبه ولا يؤوب من معاصيه
لأن شهواته مستحكمة فيه.
وقوله تعالى: ﴿يَسْقَلُّ أَانَ يَوْمُ الْقِيْمَةِ﴾ يخبر
تعالى عن المنكر للبعث من أجل مواصلة
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٠٥/١٦.
(٣) التحرير والتنوير، ١١٦/٢٣.
مَوَسُو ◌َ النَّد
القرآن الكريم
٢٤٨

البعث
الفجور من زنا وشرب خمور بأنه يقول أيان أمله ومسوفا بتوبته، قاله مجاهد والحسن
وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي.
يوم القيامة استبعادا واستنكارا))(١).
وقال ابن الجوزي: ((قوله عز وجل: ﴿بَلّ
يُرِدُ آلْإِنْسَنُ لِيَفْجُرَأَ مَامَهُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: يكذب بما أمامه من البعث
والحساب، قاله ابن عباس.
والثاني: يقدم الذنب ويؤخر التوبة،
ویقول: سوف أتوب، قاله سعيد بن جبير.
فعلى هذا: يكون المراد بالإنسان: المسلم.
وعلى الأول: الكافر.
وقوله عز وجل: ﴿يَسْتَلُ أَانَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِ﴾ أي:
متی هو ؟ تکذیبًا به، وهذا هو الكافر))(٢).
وذكر ابن كثير أن ابن زيد رجح القول
الأول فقال: ((وقال علي بن أبي طلحة، عن
ابن عباس: هو الكافر یکذب بيوم الحساب.
وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من
المراد؛ ولهذا قال بعده ﴿يَسْئَلُّ أَانَ يَوْمُ الْقِيَّمَةِ﴾؟
أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟ وإنما
سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب
لوجوده»(٣).
وقال ابن عطية: ((وقوله تعالى: ﴿بَلْ
يُرِدُ آلْإِنْسَنُ لِيَفْجُرَأَمَامَهُ﴾ قال بعض المتأولين:
الضمير في أمامه عائد على الإنسان، ومعنى
الآية أن الإنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه
ليمضي فيها أبدا قدما راكب رأسه ومطيع
(١) أيسر التفاسير، الجزائري، ٤٧٥/٥.
(٢) زاد المسير ٣٦٩/٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٢٧٦/٨، ٢٧٧.
وقال السدي: المعنى ليظلم على قدر
طاقته.
وقال الضحاك: المعنی یرکب رأسه في
طلب الدنيا دائمًا.
و قوله تعالى: ﴿لِمُر أمامهُ﴾ تقدیرہ لكن
يفجر، وقال ابن عباس ما يقتضي أن الضمير
في أمامه عائد على يوم القيامة، والمعنى
أن الإنسان هو في زمن وجوده أمام يوم
القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه فهو
يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير
ذلك بین یدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر
الضرر الذي هو فيه))(٤).
قال الألوسي: ((وفيهما إيماء إلى أن ذلك
الإنسان عالم بوقوع الحشر ولكنه متغاب،
واعتبر الدوام في ﴿يَنْجُرُ﴾ لأنه خبر عن
حال الفاجر بأنه يريد ليفجر في المستقبل
على أن حسبانه وإرادته هما عين الفجور،
وقيل لأن ﴿أمامهُ﴾ ظرف مكان استعیر هنا
للزمان المستقبل فيفيد الاستمرار، وفي
إعادة المظهر ثانيًا ما لا يخفى من التهديد
والنعي على قبيح ما ارتكبه، وأن الإنسانية
تأبى هذا الحسبان والإرادة وعود ضمير
أمامه على هذا المظهر هو الأظهر)»(٥).
(٤) المحرر الوجيز، ٤٠٢/٥ -٤٠٣.
(٥) روح المعاني، ١٥/ ١٥٣.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الباء
آثار الإيمان بالبعث
هناك ثمرات وآثار تظهر على المؤمن
بالبعث قولا وفعلا وحالًا وسلوكًا، منها ما
يكون في الدنيا، ومنها ما يكون في الآخرة.
أولًا: في الحياة الدنيا:
للإيمان بالبعث آثار على حياة المؤمن
في الحياة الدنيا، ومن هذه الآثار:
١. عدم الركون إلى الدنيا وملذاتها.
من ثمار الإيمان بالبعث بعد الموت
الإقبال على الله وعلى الدار الآخرة،
والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها،
والتخفف منها، والقناعة باليسير من متاعها
في حدود ما أحل الله، فتجد المؤمن
الحق يعلم أنها ظل زائل وعرض حائل،
فلا ينغمس في شهواتها، ولا يركن إليها،
وهؤلاء هم الفائزون يوم القيامة بالنعيم
تِلْكَ الدَّارُ
المقيم مصداقا لقوله تعالى:
اُلْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَالِلَّذِينَ لَا يُرِدُ ونَ عُوًّا فِ اَلْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ ﴾ [القصص: ٨٣].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: تلك
الدار الآخرة نجعل نعیمها للذین لا یریدون
تكبرا عن الحق في الأرض وتجبرا عنه ولا
فسادا. يقول: ولا ظلم الناس بغير حق،
وعملا بمعاصي الله فيها))(١).
(١) جامع البيان، ٦٣٧/١٩.
وقال القرطبي: ((قال أبو معاوية: الذي
لا يريد علوّا هو من لم يجزع من ذلها. ولم
ينافس في عزها، وأرفعهم عند الله أشدهم
تواضعًا، وأعزهم غدًا ألزمهم لذلٍ اليوم.
وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي
خالدٍ قال: مر علي بن الحسين وهو راكبٌ
على مساكين يأكلون كسرًا لهم، فسلم
علیهم فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية:
تِلْكَ الَّارُ الْآَخِرَةُ فْعَلُهَالِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوّا
فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣].
ثم نزل وأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم
فأجيبوني. فحملهم إلى منزله فأطعمهم
وكساهم وصرفهم. خرجه أبو القاسم
الطبراني سليمان بن أحمد قال: حدثنا عبد
الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثني أبي،
قال حدثنا سفيان بن عيينة. فذكره. وقيل:
لفظ الدار الآخرة يشمل الثواب والعقاب.
والمراد إنما ينتفع بتلك الدار من اتقى، ومن
لم يتق فتلك الدار عليه لا له، لأنها تضره ولا
تنفعه))(٢).
وذلك لأنهم يخافون من مغبة يوم البعث
وأهواله ویعدون له ویتخففون من شهوات
الدنيا لما يجدونه في أنفسهم من الخوف من
هذا اليوم واليقين بوقوعه.
وقال تعالى: ((﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ
قَرِيبٌ ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ١٣/ ٣٢٠.
٢٥٠
القرآن الكريم

البعث
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا يعتريه))(٢).
اَلْحَقٌ﴾ [الشورى: ١٧ - ١٨].
قال الألوسي: ((﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ استعجال إنكار واستهزاء،
کانوا یقولون: متی هی لیتھا قامت حتی یظھر
لنا أهو الذي نحن عليه أم كالذي عليه محمد
عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي خائفون منها مع
اعتناء بها فإن الإشفاق عناية مختلطة بخوف،
فإذا عدي بمن كما هنا، فمعنى الخوف فيه
أظهر، وإذا عدي بعلى فمعني العناية أظهر،
وعنايتهم بها لتوقع الثواب، وزعم الجلبي
أن الآية من الاحتباك والأصل يستعجل
بها الذين لا يؤمنون بها فلا يشفقون منها
والذين آمنوا مشفقون منها فلا يستعجلون
بها، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الأمر المتحقق
الكائن لا محالة)»(١).
وقال السعدي: ((﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ عنادا وتكذيبا، وتعجیزا
لربهم، ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾
أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما
تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم،
لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون أعمالهم منجية
لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ
أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الذي لا مرية فيه، ولا شك
(١) روح المعاني ٢٧/١٣.
٢. السعي الحثيث للأخرى.
فإن الإيمان بالبعث من أكبر الدواعي
والدوافع للمرء على السعي الحثيث نحو
الآخرة بكثرة العمل الصالح والاستعداد لها
بالمسارعة في الخيرات.
قال تعالى: ((﴿إِنَّ أَِّينَ هُم مِّنْ خَشْبَةِرَبِّهِم
تُشْفِقُونَ ) وَالَّذِينَ هُم ◌ِئَايَتِ رَبِهِمْ يُؤْمِنُونَ
وَالَّذِيْنَ هُم بِيَّهِمْ لَا يُشْرِكُنَ ا وَالَذِينَ
يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَيْهِمْ رَجِعُونَ
أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ
[المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
قال الطبري: ((﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ يقول:
خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا
ینجیهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله،
فهم خائفون من المرجع إلى الله .. وقوله:
﴿أُوْلَيْكَ يُسَرِعُونَ فِي الْخَرَتِ﴾ يقول تعالى
ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفات صفاتهم،
يبادرون في الأعمال الصالحة، ويطلبون
الزلفة عند الله بطاعته)) (٣).
وقال الخازن: ((قال الحسن: عملوا والله
بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد
عليهم، وعن عائشة قالت: (قلت يا رسول
الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة
هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٧٥٦.
(٣) جامع البيان، ١٩/ ٤٤ - ٤٥.
www. modoee.com
٢٥١

حرف الباء
يا بنت الصديق ولكن هم الذين يصومون كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ
اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ
اَللَّهَ خِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: ١٨].
ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم أولئك
يسارعون في الخيرات)(١)، وقوله: ﴿أُوْلَكَ
يُسَرِعُونَ فِ الْخَيََّتِ﴾ أي يبادرون إلى الأعمال
الصالحة ﴿رهُمْ لها سپقُونَ ﴾ أي إليها، وقال
ابن عباس: سبقت لهم من الله السعادة،
وقيل: سبقوا الأمم إلى الخيرات))(٢).
وقال ابن عاشور: ((ومعنى وهم لها بذلك لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة
سابقون أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال
الخير، فالسبق تمثيلٌ للتنافس والتفاوت
في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى
الغاية، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا
عليهم، فالسبق مجازٌ لإحراز المطلوب لأن ذلك ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تكريرٌ للتأكيد أو الأول
الإحراز من لوازم السبق)) (٣).
٣. محاسبة النفس.
إن من أيقن بالبعث بعد الموت وما يقع
له بعده من الحساب والثواب أو العقاب
جدير به أن يحاسب نفسه قبل المثول بين
يدي ربه للحساب وأن يلوم نفسه على
التقصير والتفريط فيكون ذلك دافعا له إلى
التوبة من ذنوبه وغدراته وغفلاته، فيحسن
عمله ویتقي ربه في کل حركاته وسكناته،
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب
سورة المؤمنون، رقم ٣١٧٥ .
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٣٠٤/١، رقم ١٦٢.
(٢) لباب التأويل، ٣/ ٢٧٣.
(٣) التحرير والتنوير، ١٨/ ٧٨
قال أبو السعود: ((﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
اتّقُوا اللهَ﴾ أي في كل ما تأتون وما تذرون
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: أي شئ
قدمت من الأعمال ليوم القيامة عبر عنه
غده و تنکیره لتفخیمه وتهویله کأنه قیل لغدٍ
لا يعرف كنهه لغاية عظمه وأما تنكير نفسٍ
فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن لذلك
اليوم الهائل كأنه قيل ولتنظر نفسٌ واحدةٌ
في أداء الواجبات كما يشعر به ما بعده من
الأمر بالعمل وهذا في ترك المحارم كما
يؤذن به الوعيد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ خِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي من المعاصي)) (٤).
وقال السعدي: ((يأمر تعالى عباده
المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه
من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع
الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من
أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم
وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال
التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة،
فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة
قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في
(٤) إرشاد العقل السليم ٢٣٢/٨.
جوسو بعد التشيكِ العضوية
القرآن الكريمِ
٢٥٢

البعث
كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من
القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو
تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا، أن الله
خبير بما یعملون، لا تخفی علیه أعمالهم،
ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم
الجد والاجتهاد، وهذه الآية الكريمة أصل
في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن
یتفقدها، فإن رأی زللا تدار كه بالإقلاع عنه،
والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب
الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر
من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في
تکمیله وتتمیمه، وإتقانه، ویقایس بین منن
الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك
يوجب له الحياء بلا محالة))(١).
ثانثًا: في الآخرة:
أما في الآخرة فإن ثمار الإيمان باليوم
الآخر والبعث بعد الموت أحلى وأفضل
وهي كثيرة منها:
١. الحساب الیسیر.
فإن من آمن باليوم الآخر وما فيه من
بعث الأجساد من أحداثها وأعد له عدته
فإن الله ييمن كتابه وييسر حسابه يوم القيامة
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ
كَدْحًا فَمُلَقِيهِ ، فَأَمَّا مَنْ أُوَِّ كِتَبَهُ بِيَمِينِ.
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى
٧
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص٨٥٣
أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ [الانشقاق: ٦ - ٩].
«قوله تعالى: ﴿یَأَيُّهَاالإِنسَنُ ﴾ أي یا ابن
آدم ﴿إِنَّكَ حَادِعُ إِلَى رَّكَکَدحًا﴾ أي أنك عامل
تعمل يوميا ليل ونهار إلى أن تموت وتلقى
ربك إنك لا تبرح تعمل لا محالة وتكسب
بجوارحك الخير والشر إلى الموت حيث
تنتقل إلى الدار الآخرة وتلقى ربك وتلاقيه
هذا يشهد له قول الرسول صلى الله عليه
وسلم في الصحیح (كلكم يغدو فبائعٌ نفسه
فمعتقها أو موبقها)(٢) إذا فمن الخير لك
أيها الإنسان المكلف أن تعمل خيرًا تلاقي
به ربك فيرضى عنك به ويكرمك إنك حقا
ملاق ربك بعملك فأنصح لك أن يكون
عملك صالحا وانظر إلى الصورة التالية
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ لأنه حوى
الخير ولا شر فيه ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
يَسِيرًا﴾ ينظر في كتابه ويقرر هل فعلت كذا
فیعترف ويتجاوز عنه وینقلب إلى أهله في
الجنة وهم الحور العين والنساء المؤمنات
والذرية الصالحة يجمعهم الله ببعضهم
كرامة لهم»(٣).
٢. ثقل الموازين.
فإن من آمنوا بالبعث بعد الموت يثقل الله
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب فضل الوضوء، رقم ٥٥٦، من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ((كل الناس
يغدو)).
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٥/ ٥٤٣
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الباء
موازينهم يوم القيامة، وينجيهم من العذاب، من السخط والعذاب))(٢).
ويكرمهم بدخول الجنة، قال تعالى:
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَيدٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ.
فَأُوْلَكِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: ٨].
قال الشيخ محمد رشيد رضا: ((والوزن
في ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل
والأمم، ويقص عليهم كل ما كان منهم،
هو الحق الذي تحق به الأمور وتعرف به
حقيقة كل أحدٍ وما يستحقه من الثواب
والعقاب .. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قيل: إن الموازين جمع میزانٍ
فهي متعددةٌ لكل امرئٍ میزانٌ وقيل: لكل
عملٍ. والجمهور على أن الميزان واحدٌ وأنه
يجمع باعتبار المحاسبين وهم الناس أو على
حد قول العرب: سافر فلانٌ على البغال وإن
ركب بغلًا واحدًا، وقيل: إن الموازين جمع
موزونٍ، والمعنى فمن رجحت موازين
أعماله بالإيمان وكثرة حسناته فأولئك هم
الفائزون بالنجاة من العذاب والنعيم في دار
الثواب))(١).
وقال القاسمي: ((والوزن يومئذٍ الحق
أي: وزن الأعمال والتمييز بين راجحها
وخفيفها، يوم يسأل الله الأمم ورسلهم،
العدل. فمن ثقلت موازينه أي: حسناته في
الميزان فأولئك هم المفلحون أي: الناجون
٣. جنات الخلد.
فإن المؤمنين بالبعث بعد الموت هم
الفائزون بجنات الخلد يوم القيامة، قال
تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ السَّلَةَ وَمَّا رَزَقْهُمْ
يُفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِّ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
وَفِرَقْ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى ◌ِّن ◌َزَّيْهِمَّ وَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: ٣ - ٥].
(حقيقة الإيمان: هو التصديق التام
بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد
الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء
المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم
من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب،
الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به،
لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي
يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق
مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل
ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء
شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله،
أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة
والمكذبين بالأمور الغيبية، لأن عقولهم
القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا
بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم،
ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين
المصدقین المهتدین بهدى الله، ويدخل في
الإيمان بالغيب، الإيمان بجميع ما أخبر الله
(١) تفسير المنار، ٢٨٣/٨.
الوضوء
مَوَبُواحة النفسية
القرآن الكريمِ
(٢) محاسن التأويل ٦/٥.
٢٥٤

البعث
به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال
الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، وما
أخبرت به الرسل من ذلك فيؤمنون بصفات
الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا
کیفیتها)»(١).
((وأما معنى قوله: ﴿أُوْلَتِكَ عَلَى هُدَى مِن ◌َِّهِمْ﴾
فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم
وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم،
وتوفيقه لهم .. ﴿وَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي
أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا
عند الله تعالی ذکره بأعمالهم وإيمانهم بالله
وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود
في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك
وتعالى لأعدائه من العقاب»(٢).
وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمٌ
تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِ جَنَّتِ اَلنَّعِيمِ (١
دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَتَهِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمْ
وَءَاخِرٌ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ
﴾ [يونس: ٩ - ١٠].
(١٠
قال الماوردي: ((قوله عز وجل: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ
رَُهُم پإِیمَنِهِمْ ﴾ فیه أربعة أوجه:
أحدها: يجعل لهم نورًا يمشون به، قاله إلى من يحكم بينهما، وقيل معناه: طريقتهم
مجاهد.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٠.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٢٤٩/١.
الثاني: يجعل عملهم هاديًا لهم إلى
الجنة، وهذا معنى قول ابن جريج.
الثالث: أن الله يهديهم إلى طريق الجنة.
الرابع: أنه وصفهم بالهداية على طريق
المدح لهم. ﴿تَجْرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهَرُ﴾
فيه و جهان:
أحدهما: من تحت منازلهم، قاله أبو
مالك.
الثاني: تجري بین أیدیھم وهم يرونها
من علو، لقوله تعالى: ﴿أَلَيَسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ
وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ غَجْرِى مِن ◌َّحْتِىٌ﴾ [الزخرف:
٥١]. يعني بين يدي، وحكى أبو عبيدة
عن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير
أخدود)»(٣).
قال الشوكاني: «قوله: ﴿ دَعْوَنهُمْ﴾ أي:
دعاؤهم ونداؤهم، وقيل: الدعاء العبادة،
كقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ ﴾ [مريم: ٤٨].
وقيل معنى دعواهم هنا: الادعاء الكائن
بين المتخاصمين، والمعنى: أن أهل الجنة
يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله سبحانه
من المعايب والإقرار له بالإلهية. قال القفال:
أصله من الدعاء، لأن الخصم يدعو خصمه
وسيرتهم، وذلك أن المدعي للشيء مواظبٌ
عليه فيمكن أن تجعل الدعوى كنايةً عن
(٣) النكت والعيون ٢/ ٤٢٣.
www. modoee.com
٢٥٥

حرف الباء
الملازمة وإن لم يكن في قوله ﴿سُبْحَنَكَ ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم
وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى
الصراط الموصل إلى جنات النعيم.
اَللَّهُمَّ ﴾ دعوى ولا دعاءٌ وقيل معناه: تمنيهم
كقوله: ولهم ما يدعون وكأن تمنيهم في
الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، وهو
مبتدأٌ وخبره ﴿سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾، و ﴿فِيهَا﴾
أي: في الجنة. والمعنى على القول الأول:
أن دعاءهم الذي يدعون به في الجنة هو
تسبيح الله وتقديسه. والمعنى: نسبحك
يا الله تسبيحًا، قوله: ﴿وَغَمِيِّئُهُمْ فِيهَا
سَلَمٌ﴾ أي: تحية بعضهم للبعض، فيكون
المصدر مضافًا إلى الفاعل، أو تحية الله،
أو الملائكة لهم، فيكون من إضافة المصدر
إلى المفعول .. قوله: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ
اْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: وخاتمة
دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾))(١).
إِنَّ
وقال السعدي: ((يقول تعالى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
أي: جمعوا بين الإيمان، والقيام بموجبه
ومقتضاه من الأعمال الصالحة، المشتملة
على أعمال القلوب وأعمال الجوارح، على
وجه الإخلاص والمتابعة، ﴿يَهْدِيهِمْ رَُّهُم
پِیمَنِهِمْ ﴾ أي: بسبب ما معهم من الإيمان،
يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية،
فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال
الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته،
ولهذا قال: ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ﴾
الجارية على الدوام ﴿فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾
أضافها الله إلى النعيم، لاشتمالها على
النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور،
والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع
كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ولقاء
الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم،
وسماع الأصوات المطربات، والنغمات
المشجيات، والمناظر المفرحات، ونعيم
البدن بأنواع المآكل والمشارب، والمناكح
ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر
بیال أحد، أو قدر أن يصفه الواصفون.
دَعْوَنَهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي
عبادتهم فیها لله، أولها تسبیح لله وتنزيه له
عن النقائض، وآخرها تحمید لله، فالتكاليف
سقطت عنهم في دار الجزاء، وإنما بقي
لهم أكمل اللذات، الذي هو ألذ عليهم
من المآكل اللذيذة، ألا وهو ذكر الله الذي
تطمئن به القلوب، وتفرح به الأرواح، وهو
لهم بمنزلة النفس، من دون كلفة ومشقة.
وأما تحيتهم فيما بينهم عند التلاقي
والتزاور، فهو السلام، أي: كلام سالم من
اللغو والإثم، موصوف بأنه (سَلَمْ﴾ وقد
قيل في تفسير قوله: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ﴾
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤٨٦/٢.
مَؤُوالَةُ التَفيِالوضوء
القرآن الكريم
٢٥٦

البعث
إلى آخر الآية: إن أهل الجنة - إذا احتاجوا إلى
الطعام والشراب ونحوهما - قالوا سبحانك
اللهم، فأحضر لهم في الحال، فإذا فرغوا
قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾))(١).
موضوعات ذات صلة:
الثواب، الجزاء، الجنة، الحساب،
العذاب، الموت، النار، اليوم الآخر
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص٣٥٨.
www. modoee.com
٢٥٧