النص المفهرس
صفحات 21-40
البحث
٦. قصة أصحاب الكهف.
ومن الوقائع التي تشهد على إمكان
البعث بعد الموت قصة أولئك الفتية الذين
آووا إلى الكهف وكان من أمرهم ما جاء
في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ
اُلْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا ◌َجْبًا
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِنَا
١٠
مِن لَّدُنكَ رَهَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فُ
فَضَرَيْنَا عَلَىَ ءَاذَانِهِمْ فِيِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ
عَدَدًا ® ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْخِبَيْنِ أَحْصَى
لِمَا لَبِئُوَاْ أَمَدًا ﴾ [الكهف: ٩ - ١٢].
قال ابن كثير: ((هذا إخبار عن قصة
أصحاب الكهف والرقيم على سبيل
الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك
فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يعني: يا محمد
﴿أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَِنَا
عَبًا﴾ أي: ليس أمرهم عجيبا في قدرتنا
وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض،
واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس
والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات
العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه
على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء أعجب
من أخبار أصحاب الكهف والرقيم كما
قال ابن جريج عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ
أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا
◌َبًا﴾ يقول: قد كان من آياتنا ما هو
أعجب من ذلك))(١).
وقال الطبري: ((وأما الكهف، فإنه كهف
الجبل الذي أوى إليه القوم الذين قص الله
شأنهم في هذه السورة، وأما الرقيم، فإن أهل
التأويل اختلفوا في المعني به، فقال بعضهم:
هو اسم قرية، أو واد على اختلاف بينهم في
ذلك))(٢).
((ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد
ذلك فقال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ أي: الشباب،
﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ يريدون بذلك التحصن
والتحرز من فتنة قومهم لهم، ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَاَ
ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ أي تثبتنا بها وتحفظنا
من الشر، وتوفقنا للخير ﴿وَهَيِّئَّ لَنَا مِنْ
أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي: يسر لنا كل سبب موصل
إِلی الرشد، وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا،
فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى
محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم
وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم
على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب
الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في
حسابهم، قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِی
الْكَهْفِ﴾ أي أنمناهم ﴿سِنِينَ عَدَدًا ﴾
وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم
المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب
والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون
(١) تفسير القرآن العظيم، ١٣٨/٥.
(٢) جامع البيان، ١٧/ ٦٠٢.
www. modoee.com
٢٢٧
حرف الباء
آية بينة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ﴾ أي: من نومهم والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد.
وقال قائل: يبعث الروح وحده، والجسد
﴿لِيَعْلَمْ أَىُّ الِبَيْنِ أَحْسَىْ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا ﴾ أي:
لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم، كما قال
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَتْنَهُمْ لِيَتَسَآءُ لُواْ
بِينَهُمْ ﴾ [الكهف: ١٩].
تأکله الأرض فلا یکون شيئًا، فشق اختلافهم
على الملك، فانطلق فلبس المسوح، وقعد
على الرماد، ودعا الله أن يبعث لهم آية تبین
لهم، فبعث الله أصحاب الكهف))(٣).
وفي العلم بمقدار لبثهم، ضبط
للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى
وحکمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم،
لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من
قصتهم)) (١).
وقال القرطبي: ((﴿فَضَرَيْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ
فِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ عبارةٌ عن إلقاء
الله تعالى النوم عليهم، وهذه من فصيحات
القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن
الإتيان بمثله، قال الزجاج: أي منعناهم
عن أن يسمعوا، لأن النائم إذا سمع انتبه،
وقال ابن عباسٍ: ضربنا على آذانهم بالنوم،
أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها،
وقيل: المعنى)) فضربنا على آذانهم)) أي
فاستجبنا دعاءهم، وصرفنا عنهم شر قومهم،
وأنمناهم، والمعنى كله متقارب»(٢).
وقد ذكر ابن الجوزي سبب بعثهم فقال:
((فأما سبب بعث أصحاب الكهف من
نومهم، فقال عكرمة: جاءت أمةٌ مسلمةٌ،
وكان ملكهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح
ويستفاد من ذلك أن الله ضرب على
آذان هؤلاء الفتية في کھفهم حتى لا يفزعهم
شيء ولا يوقظهم من سباتهم صوت إلى
ما شاء الله، ثم بعثهم سبحانه بقدرته أي
أيقظهم من نومهم لحكم عظيمة منها أن
یعرف الناس قصتهم فيدركوا قدرته تعالى
على البعث وليكون لهم في ذلك آية عليه،
وأن من قدر على بعثهم بعد كل هذه السنين
من نومهم مع حفظ أجسادهم من التلف
والفساد قادر على أن يحييهم بعد موتهم
وتحلل أجسادهم، فالنوم هو صورة صغرى
للموت، إذ يتوفى الله فيه الأنفس كما في
الموت، وقد صرح القرآن بذلك، وسيأتي
تفصيله.
وكل هذه براهين واقعية وأدلة مشاهدة
حسية على إمكان البعث بعد الموت
ووقوعه بقدرة الله عز وجل على يد من
شاء من عباده إظهارا لقدرته سبحانه، ودليلا
على وقوع البعث يوم القيامة.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٤٧١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٣٦٣
(٣) زاد المسير، ٦٧/٣.
٢٢٨
مُوسُوْ بَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
البحث
خامسًا: الاستدلال باليقظة بعد النوم:
من أعظم وأظهر الأدلة الحسية
المشاهدة على إمكان البعث بعد الموت،
تلك الحقيقة التي تقع لكل إنسان مرة على
الأقل كل يوم وهي النوم واليقظة بعده،
فالنوم ما هو إلا صورة مصغرة وحالة مؤقتة
من الموت، ولهذا قالوا النوم موت أصغر،
وقد بين الله في كتابه أن يقظة الإنسان بعد
نومه وما يحدث في هذا النوم من تعطل
الحواس جميعا بحيث يصبح النائم في حالة
تشبه الميت في بعض الأمور دليل على بعثه
بعد موته الموتة الکبری، وسمی النوم وفاة
كما سمى الاستيقاظ منه بعثا، وقد جاء هذا
الاستدلال في أكثر من موضع من كتاب الله
تعالى، من ذلك قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِى
يَتَوَقَّدِكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمِ بِالنَّهَارِ ثُمَّ
يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَوَ أَجَلٌ مُسَمٌَّ ثُمَّ إِلَيْهِ
مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَيِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
[الأنعام: ٦٠].
قال أبو حيان في معنى الآية: ((ذكر شيئًا
محسوسًا قاهرًا للأنام وهو التوفي بالليل
والبعث بالنهار وكلاهما ليس للإنسان فيه
قدرةٌ، بل هو أمرٌ يوقعه الله تعالى بالإنسان
والتوفي عبارةٌ في العرف عن الموت وهنا
المعنى به النوم على سبيل المجاز للعلاقة
التي بينه وبين الموت وهي زوال إحساسه
ومعرفته وفكره، ولما كان التوفي المراد به
النوم سببًا للراحة أسنده تعالى إليه))(١).
قال الشيخ محمد رشيد رضا: ((وأطلق
التوفي على الموت؛ لأن الأرواح تقبض
وتؤخذ أخذًا تامًا حتى لا يبقى لها تصرفٌ في
الأبدان، وأطلق على النوم في هذه الآية وفي
آية الزمر التي نذكرها قريبًا، فقال العلماء:
إنه إطلاقٌ مجازيٌ مبنيٌ على تشبيه النوم
بالموت لما بينهما من المشاركة في زوال
إحساس الحواس والتمييز، وإنما جعلوه
استعارةً عن النوم بناءً على جعله حقيقةً
في الموت، وهو كذلك في العرف العام لا
في أصل اللغة؛ يقولون توفي فلانٌ - بالبناء
للمفعول - بمعنى مات، وتوفاه الله بمعنى
أماته، وما أعلم أن العرب استعملت التوفي
في الموت، وإنما هو استعمالٌ إِسلاميٌّ مبنيٌّ
على الموت، يحصل بقبض الأنفس التي
تحیا بها الناس»(٢).
وقال ابن الجوزي: ((﴿وَهُوَ اَلَّذِى
يَتَوَقَّنكُم ◌ِأَلَيْلِ﴾ يريد به النوم، لأنه
يقبض الأرواح عن التصرف، كما يقبض
بالموت، وقال ابن عباس: يقبض أرواحكم
في منامكم. و﴿حَرَحْتُمْ﴾: بمعنی کسبتم،
وَثُمَّيَبْعَثُكُمْ﴾ أي: يوقظكم فيه، أي:
في النهار، ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌّ مُسَنَّ﴾ أي:
لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم،
(١) البحر المحيط ٤ / ٥٣٧.
(٢) تفسير المنار ٣٩٨/٧، ٣٩٩.
www. modoee.com
٢٢٩
حرف الباء
فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَقَّنِكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ
الموت)»(١).
مَا جَرَّحْتُم بِلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى
وقال الرازي: «بین کمال قدرته بهذه الآية
وهو كونه قادرًا على نقل الذوات من الموت
إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله
بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على
أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة))(٢).
أَجَلٌ مُسَمَّىَّ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَيِّئُكُمْ
بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ (٢) وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِيِّ
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَهَ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ
[الأنعام: ٦٠ - ٦١].
((﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرچِمُكُمْ﴾ ثم إليه وحده
یکون رجوعكم إذا انتهت آجالكم ومتم،
يُنَِّّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إذ يبعثكم
من مراقد الموت كما كان يبعثكم من
مضاجع النوم؛ لأنه عالمٌ بتلك الأعمال كلها
فیذکرکم بها، ويحاسبكم عليها، ويجزيكم
بها، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌ، وفيه تنبيهٌ
على أن القادر على البعث من توفي النوم
قادرٌ على البعث من توفي الموت)»(٣).
وكذلك قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا وَتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَاً
فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا أَلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
الْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: ٤٢].
قال ابن كثير: ((قال تعالى مخبرا عن نفسه
الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء،
وأنه یتوفی الأنفس الوفاة الکبری، بما يرسل
من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان،
(١) زاد المسير ٣٨/٢.
(٢) مفاتيح الغيب ١٣ / ١٢.
(٣) تفسير المنار، ٧/ ٤٠٠.
الوضوء
صَوَسُوبَةُ النَِّّ
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ
فذكر الوفاتين: الصغرى ثم الكبرى،
وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى)) (٤).
وقال القرطبي: ((وقال ابن زيدٍ: النوم
وفاةٌ والموت وفاةٌ .. وقال عمر: النوم أخو
الموت»(٥).
وقد ورد عن النبي صلی الله علیه وسلم
من حديث جابر بن عبد الله قيل: يا رسول
الله أينام أهل الجنة؟ قال: (النوم أخو
الموت ولا ينام أهل الجنة)(٦).
قال ابن العربي: ((خلق الله للعبد النوم،
ليعلم به کیفیة الانتقال من حال إلى حال،
وصفة الخروج من دار إلى دار، فإنه موت
(٤) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ١٠١.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، ١٥/ ٢٦١.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم ٩١٩،
والبيهقي في شعب الإيمان، باب تعديد نعم
الله عز وجل وما يجب من شكرها، فصل في
النوم الذي هو نعمة من نعم الله في دار الدنيا
وما جاء في آدابه، رقم ٤٤١٦.
وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ١٦١،
رقم ١٠٨٧: صحيح من بعض طرقه عن
جابر.
٢٣٠
البعث
أصغر، وقد يقال بنظر آخر أنه يقظةٌ صغرى، وإرساله بعد نفس هذا ترجع إلى جسمها،
وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة
لمن تفکر وتدبر، وبیانا له أن الله یحيي من
يشاء من خلقه إذا شاء، ويميت من شاء إذا
شاء)) (٣).
فإن نظرنا إليه من حیث عدم الحرکة والحس
والتصرف بالأفعال معه، قلنا هو موت
لعدم ذلك كله به، وقد قال تعالى: ﴿اَللَّهُ
يَتَوَلَى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِی لَّمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وإن نظرنا إليه من حيث إنه انقطاع عن في أمر البعث، يعني أن توفي نفسٍ النائم
عالم التصرف الأدنی مع الآدمیین والإکباب
على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة
المقربين، وتفريغ القلب لإدراك الحقائق
بطريق الأمثال، واطلاع على ما يكون غدًا،
رأينا أنه حياة صحيحة، ويقظة محققة بدلًا
عن موت مفقد، ونوم مفسد)) (١).
وقال ابن الجوزي: ((قوله تعالى: ﴿اللَّهُ
يَتَوَنَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي: يقبض
الأرواح حين موت أجسادها ﴿وَلَّتِى لَمْـ
تَمُتْ﴾ أي: ويتوفى التي لم تمت في منامها.
فيمسك أي: عن الجسد والنفس ﴿الَّتِى قَضَى
عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ إلى الجسد
إلى أجلٍ مسمّى وهو انقضاء العمر ﴿إِن
في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون﴾ في أمر
البعث))(٢).
وقال الطبري: ((وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى
ذكره: إن في قبض الله نفس النائم والميت
(١) قانون التأويل، ص٤٦٩.
(٢) زاد المسير ٢٠/٤.
((وقال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون
وإرسالها بعد التوفي دليلٌ على البعث)» (٤).
تأكيد مبدأ البعث بالقسم الرباني:
يأتي القسم لتأكيد الخبر لمنکریه، وقد
أمر الصادق صلى الله عليه وسلم أن يقسم
على قضية البعث تأكيدا لها في وجه من
كذبوه وأنكروها، وهو الذي لم يجربوا عليه
کذبا قط باعترافهم، وقسمه عليها رغم أنها
من الغيب، حيث لم يعاين أمر البعث لأن
إخبار الله له به أشد یقینا في قلبه مما يشاهده
بعینه.
قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن ◌َّنْ يُعَثُوَ قُلْ
بَى وَرَبِّ لَبُّعَتُنَّثُمّ ◌َنُنَوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيرُ
[التغابن: ٧].
(يخبر تعالى عن عناد الكافرين،
وزعمهم الباطل، وتكذيبهم بالبعث بغير
علم ولا هدى ولا كتاب منير، فأمر أشرف
خلقه، أن يقسم بربه على بعثهم، وجزائهم
بأعمالهم الخبيثة، وتكذيبهم بالحق،
﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِيَسِيْرٌ﴾ فإنه وإن كان عسیرًا
(٣) جامع البيان، ٢٩٩/٢١.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٥٢٠/١٦.
www. modoee.com
٢٣١
حرف الباء
بل متعذرًا بالنسبة إلى الخلق، فإن قواهم
كلهم، لو اجتمعت على إحياء ميت واحد،
ما قدروا على ذلك))(١).
((والمراد بالذين كفروا هنا المشركون
من أهل مكة ومن على دينهم، واجتلاب
حرف لن لتأكيد النفي فكانوا موقنين بانتفاء
البعث، ولذلك جيء إبطال زعمهم مؤكدًا
بالقسم لینقض نفیهم بأشد منه، فأمر النبي
صلى الله عليه وسلم بأن يبلغهم عن الله أن
البعث واقعٌ وخاطبهم بذلك تسجيلاً عليهم
أن لا يقولوا ما بلغناه ذلك، وجملة ﴿قُلْ
بَ﴾ معترضةٌ بين جملة ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوًا﴾
وجملة ﴿فَامِنُوا بِاللَّهِوَرَسُولِهِ﴾ وحرف بلى
حرف جوابٍ للإبطال خاصٌّ بجواب الكلام
المنفي لإبطاله))(٢).
قال الرازي: ((﴿بَ﴾ إثباتٌ لما بعد أن
وهو البعث وقیل: قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَىوَرَقِ﴾
يحتمل أن يكون تعليمًا للرسول صلى الله
عليه وسلم ، أي يعلمه القسم تأكيدًا لما كان
يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في
القرآن»(٣).
((أي زعموا أن الشأن لن يبعثوا بعد
موتهم ﴿قُلٌ﴾ ردا عليهم وإظهارا لبطلان
زعمهم بإثبات ما نفوه بلی تبعثون، وأكد
ذلك بالجملة القسمية فهي داخلة في حيز
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦٦.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٧١/٢٨.
(٣) مفاتيح الغيب، ٣٠/ ٥٥٣.
الأمر، وكذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌َلْنَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ
أي لتحاسبن وتجزون بأعمالكم، وزيد ذلك
لبيان تحقق أمر آخر متفرع على البعث منوط
به ففيه أيضا تأكید له ﴿وَذَلِكَ﴾ أي ما ذكر
من البعث والجزاء ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لتحقق
القدرة التامة وقبول المادة)»(٤).
((وجواب القسم لتبعثن، أي: لتخرجن
من قبوركم لتنبؤن بما عملتم أي: لتخبرن
بذلك إقامةً للحجة عليكم، ثم تجزون به
وذلك البعث والجزاء على الله يسيرٌ إذا
الإعادة أيسر من الابتداء))(٥).
ومثله قوله تعالى تأكيدا لأمر البعث
بالقسم ردا على قولهم بإنكارها: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كُفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّ
لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَلِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ
مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ
(٥)﴾ [سبأ: ٣].
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ﴾
أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبةً لا
أنفسهم أو معاصريهم فقط كما أرادوا بنفي
إتيانها نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها
مع تحققها في نفس الأمر، وإنما عبروا عنه
بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها، ولأن
وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما
(٤) روح المعاني، ١٤/ ٣١٨،٣١٧.
(٥) فتح القدیر، الشوكاني ٥/ ٢٨٢
٢٣٢
جوبيبو
القرآن الكريم
البحث
أجزاء الزمان لا يكون إلا بالإتيان والحضور،
وقيل هو استبطاءٌ لإتيانها الموعود بطريق
الهزء والسخرية كقولهم متى هذا الوعد،
﴿قُلْ بَلَى﴾ ردٌّ لكلامهم وإثباتٌ لما نفوه
على معنى ليس الأمر إلا إتيانها، وقوله
تعالى: ﴿وَرَقِ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ تأکیدٌ له على
أتم الوجوه وأكملها، وقرئ (لیأتینکم) على
تأويل الساعة باليوم أو الوقت، وقوله تعالى:
﴿عَلِمِ الغَيپِ﴾ الخ إمداد للتأکید وتسديدٌ له
إثر تسدیدو کسر لسورةنکیرهم واستبعادهم،
فإن تعقيب القسم بجلائل نعوت المقسم به
على الإطلاق يؤذن بفخامة شأن المقسم
عليه وقوة ثباته وصحته لما أن ذلك في
حکم الاستشهاد على الأمر، ولا ريب في
أُن المستشهد به کلما کان أجل وأعلا كانت
الشهادة آكد وأقوى، والمستشهد علیه أحق
بالثبوت وأولی، لا سيما إذا خص بالذكر
من النعوت ماله تعلقٌ خاصٍّ بالمقسم عليه
كما نحن فيه، فإن وصفه بعلم الغيب الذي
أشهر أفراده وأدخلها في الخفاء هو المقسم
عليه تنبيه لهم على علة الحكم، وكونه مما
لا يحوم حوله شائبة ريبٍ ما، وفائدة الأمر
بهذه المرتبة من اليمين أن لا يبقى للمعاندين
عذرٌ ما أصلًا، فإنهم كانوا يعرفون أمانته
ونزاهته عن وصمة الكذب فضلا عن الیمین
الفاجرة، وإنما لم يصدقوه مكابرة»(١).
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧ / ١٢١
ومن القسم على وقوع البعث قوله تعالى:
﴿لَّ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيْمَةِ ) وَلَّ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ الََّّامَةِ
٢ أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ، ل ◌َى قَدِرِينَ
عَلَى أَنْ نَُّوِّىَ بَنَانَهُن)﴾ [القيامة: ١ - ٤].
((وصيغة لا أقسم صيغة قسم، أدخل
حرف النفي على فعل أقسم لقصد المبالغة
في تحقيق حرمة المقسم به بحيث يوهم
للسامع أن المتكلم يهم أن يقسم به ثم يترك
القسم مخافة الحنث بالمقسم به فيقول:
لا أقسم به، أي ولا أقسم بأعز منه عندي،
وذلك كنايةٌ عن تأكيد القسم)» (٢).
((قوله عز وجل: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللََّامَةِ﴾
قال الحسن: أقسم بالأولى ولم يقسم
بالثانية. وقال قتادة: حكمها حكم الأولى،
وفي ((النفس اللوامة)) ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها المذمومة، قاله ابن عباس.
فعلى هذا: هي التي تلوم نفسها حين لا
ينفعها اللوم.
والثاني: أنها النفس المؤمنة، قاله
الحسن. قال: لا ترى المؤمن إلا يلوم نفسه
على كل حال.
والثالث: أنها جميع النفوس. قال الفراء:
ليس من نفس برةٍ ولا فاجرة إلا وهي تلوم
نفسها، إن كانت عملت خيرا قالت: هلا
زدت. وإن كانت عملت سوءا قالت: ليتني
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٣٨/٢٩.
www. modoee.com
٢٣٣
حرف الباء
لم أفعل))(١).
والأظهر هو القول الثاني، لأن الله تعالى
أقسم بها، والقسم من الله تعظيم لشأن
المقسم به وتنبيه على مكانته، وهذا يليق
بالنفس المؤمنة بخلاف النفس الفاجرة أو
المذمومة، والله أعلم.
((وجواب القسم ما دل عليه قوله:
﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنسَنُ أَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، وهو:
لتبعثن. انتهى، وهو تقدير النحاس. وقول
من قال جواب القسم هو: ﴿أَيَحْسَبُ
الْإِنسَنُ﴾. وما روي عن الحسن أن الجواب:
﴿َ قَدِرِينَ﴾، وما قيل أن لا في القسمين
لنفيهما، أي لا أقسم على شيءٍ، وأن التقدير:
أسألك أيحسب الإنسان؟ أقوالٌ لا تصلح
أن يرد بها، بل تطرح ولا يسود بها الورق،
ولولا أنهم سردوها في الکتب لم أنبه علیھا،
والإنسان هنا الكافر المكذب بالبعث)»(٢).
((وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ﴾ تقرير
وتوبيخ، والإنسان اسم جنس وهذه أقوال
كانت لكفار قريش فعليها هو الرد، .. وقال
القتبي: ﴿نُسَوِّىَ بَنَانَهُ﴾ معناه نتقنها سوية،
والبنان: الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا
جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم
إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقا وأدقها
أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا
کله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور
المفسرين: ﴿َوِّىَ بَنَانَهُ﴾ معناه نجعلها في
حياته هذه بضعة أو عظما واحدا كخف
البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين
في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل
منفعته بيده، فكأن التقدير بلى نحن أهل أن
نجمعها قادرين على إزالة منفعة بيده، ففي
هذا توعد ما))(٣).
(١) زاد المسير ٤ / ٣٦٨
(٢) البحر المحيط ٣٤٤/١٠.
مَوَسُ حَرَ النَّفِيكِ الوضوء
القرآن الكريم
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ / ٤٠٢.
٢٣٤
البعث
المنكرون للبعث بعد الموت ودوافعهم
ولهذا عن السلف الصالح فيها تفسيران
الأول معنى قول منكري البعث: ﴿نَمُوتُ
رغم وضوح الأدلة والآيات لكل
ذي قلب وعينين على إمكان البعث بعد
الموت وأن الله قادر عليه، إلا أن فريقا من
الناس أنکروا البعث بعد الموت و کذبوا به
وراحوا يلقون الشبه على استحالته، وهم
في ذلك أصناف متعددة.
وَغَيَا﴾ أي يموت الآباء ويحيا الأبناء هكذا
أبدًا، وهو قول الطائفة الأولى، والمعنى
الثاني أنهم عنوا کونھم یموتون ویحیون هم
أنفسهم، ویتکرر ذلك منھم أبدًا ولا حساب
ولا جزاء، بل ولا موجد ولا معدم، ولا
أولًا: أصناف المنكرين للبعث بعد محاسب ولا مجازي، وهذا قول الدورية.
الموت:
المنكرون للبعث بعد الموت يصنفون
بحسب إنكارهم للمبدأ ولوجود الخالق
أربعة أصناف:
الصنف الأول: أنكروا المبدأ والمعاد،
وزعموا أن الأكوان تتصرف بطبيعتها فتوجد
وتعدم بأنفسها، ليس لها ربٌّ يتصرف فيها،
إنما هي أرحامٌ تدفع وأرض تبلع، وهؤلاء
هم جمهور الفلاسفة الدهرية والطبائعية.
والصنف الثاني: من الدهرية طائفةٌ يقال
لهم الدورية، وهم منكرون للخالق أيضًا،
ويعتقدون أن في كل ستةٍ وثلاثين ألف سنةٍ
يعود كل شيء إلي ما كان عليه، وزعموا
أن هذا قد تکرر مراتٍ لا تتناهى، فکابروا
في المعقول، وكذبوا المنقول، قبحهم الله
تعالی.
وهاتان الطائفتان یعمهم قوله عز وجل:
﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلََّ حَيَانُنَا اُلُّنْيَا نَمُوتُ وَغَمْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآَ
إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
الصنف الثالث: الدهرية من مشركي
العرب ومن وافقهم، وهم مقرون بالبداءة،
وأن الله تعالى ربهم وخالقهم، ﴿وَلَین
سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
ومع هذا قالوا: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَ
وَمَا غَحْنُّ بِمُنْشَرِينَ ﴾ [الدخان: ٣٥].
فأقروا بالبداءة والمبدئ، وأنكروا البعث
والمعاد، وهم المذكورون في حديث أبي
هريرة رضي الله عنه (وأما تكذيبه إياي
فقوله لن يعيدني کما بدأني، وليس أول
الخلق بأهون علي من إعادته)(١).
والصنف الرابع: ملاحدة الجهمية ومن
وافقهم، أقروا بمعادٍ ليس على ما في القرآن
ولا فيما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل،
بل زعموا أن هذا العالم یعدم عدمًا محضًا،
ولیس المعاد هو بل عالمٌ آخر غيره، فحينئذٍ
تكون الأرض التي تحدث أخبارها وتخبر
(١) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٩١١٤.
وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على
شرط الشيخين.
www. modoee.com
٢٣٥
حرف الباء
بما عمل عليها من خيرٍ وشرٍ ليست هي مادة تسمية اصطلاحية فلا مشاحة في
هذه، وتكون الأجساد التي تعذب وتجازى الاصطلاح، وحينئذ لا يكونون منكرين
لبعث الأرواح والأجسام.
وتشهد على من عمل بها المعاصي ليست
٢. المنكرون للمعاد الجسماني
فقط.
هي التي أعيدت بل هي غيرها، والأبدان
التي تنعم في الجنة وتثاب ليست هي التي
عملت الطاعة، ولا أنها تحولت من حالٍ
إلى حالٍ، بل هي غيرها تبتدأ ابتداءً محضًا،
فأنكروا معاد الأبدان، وزعموا أن المعاد
بداءة أخرى(١).
أما من حيث الاختلاف في إنكار
المعاد الجسماني أو الروحاني أو هما معا
فالمنكرون للبعث المخالفون لما عليه
الكتاب والسنة وإجماع أهل الملل على
المعاد الروحاني والجسماني معا أصناف
ثلاثة:
١. المنكرون للمعاد الروحاني
فقط.
وهؤلاء يقولون بمادية الروح وأنها
حالة في الجسم سارية فيه سريان الماء في
العود الأخضر أو النار في الفحم، والإنسان
عندهم روح وبدن و کلاهما جسم مادی.
وهؤلاء خلافنا معهم بالأساس في
حقيقة الروح، وأنها ليست مادية، بل هي
خلق من خلق الله ليست بجسم ولكنها تحل
في الأجسام کما یشاء الله.
أو نقول إن كانت تسميتهم للروح
(١) معارج القبول، حافظ حكمي، ٢/ ٧٧٦.
وهؤلاء من يطلقون عليهم الفلاسفة
الإلهيين، وينتسبون إلى الإسلام رغم
مخالفتهم لكثير من عقائده الأساسية ولما
هو معلوم من الدين بالضرورة كالفارابي
وابن سينا ومن سار على دربهم من
المتكلمين والمشتغلين بالفلسفة، ويتلخص
مذهبهم في قضية البعث أو المعاد أن
الأجساد لا تحشر ولا تبعث، وإنما المثاب
والمعاقب هي الأرواح المجردة، والمثوبات
والعقوبات روحانية لا جسمانية، ولعلهم
فی مقالتهم هذه متأثرین بأساتذتهم فى هذا
الاتجاه، الذين يمثلهم في الفكر اليوناني
سقراط وأفلاطون وأرسطو، فهؤلاء جميعًا
يرون أن النفس لها وجود متقدم على البدن،
وأن البعث هو عودة الروح إلى عالمها بعد
مفارقة البدن الذى هو من جملة المركبات
التي مصيرها الانحلال والفناء.
وهذا شأن المنافقين الذين يظهرون
الإسلام وتعظيم الرسل والانقياد للشرائع
في الظاهر من المتفلسفة والمتصوفة ومن
لف لفهم، وهم في الباطن كفار منكرون
لما هو معلوم من الدين بالضرورة، يخلطون
مَوَسُورُ الْبَقِيَة
القرآن الكريم
٢٣٦
البعث
تعاليم الرسل بقول الصابئة والمجوس عدم محض، وليس هناك يوم آخر يعاد فيه
وغيرهم من المشركين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الأمر -في نظر هؤلاء- إلا أرحام تدفع
((وأما المنافقون من هذه الأمة الذين لا
يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة فإنهم
يحرفون الكلام عن مواضعه، ويقولون:
هذه أمثالٌ ضربت لنفهم المعاد الروحاني،
وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية الذين قولهم
مؤلف من قول المجوس والصابئة، ومثل
المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام،
وطائفة ممن ضاهوهم: من كاتب، أو
متطبب، أو متكلم، أو متصوف، کأصحاب
رسائل «إخوان الصفا)» وغيرهم، أو منافق،
وهؤلاء كلهم كفار يجب قتلهم باتفاق أهل
الإيمان))(١).
٣. المنكرون للمعاد الجسماني
والروحاني معا.
وهؤلاء هم من يسمون الفلاسفة
الطبيعيين، وقد فسر هؤلاء الفلاسفة
الإنسان تفسيرًا ماديا بحثًا وينكرون كل
ما وراء الحس والتجربة المادية، لذا
فإنهم يرفضون أن تكون الطبيعة الإنسانية
مشتملة على نفس تغاير في طبيعتها المادية
المحسوسة وصفاتها، ومن هنا أجمع
القدماء منهم والمحدثون على إنكار عقيدة
البعث بعد الموت، لأن الموت عندهم
(١) مجموع الفتاوى، ٣١٤/٤.
الإنسان فیحاسب على ما قدمت يداه، وما
وأرض تبلغ وما يهلكنا إلا الدهر، وهؤلاء
من يسمون الدهرية والطبائعية والطبيعيين،
يقول رب العزة حاكيًا مذهبهم ومبكتا لهم:
﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلََّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَمْيَا وَمَا يُبْلِكَآَ
إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلٍَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
﴾ [الجاثية: ٢٤].
٢٤
ويوجد لهم أشباه في العصر الحديث
من الملحدين كالشيوعيين وسائر أصحاب
المذاهب المادية الباطلة، والعقلانية
الفاسدة، الذين لا يتبعون الرسل ولا يدينون
بالأديان والشرائع، وإنما يتبعون أهواءهم
ويستندون إلى العقل ويرفضون الوحي
الإلهي، وأولئك كفار خارجون عن الملل
کلها، متفق علی کفرهم بین جميع أصحاب
الشرائع والديانات.
ثانيًا: أسباب إنكار البعث:
١. الاستدلال العقلي الخاطئ.
من أسباب إنكار البعث عند هؤلاء
المنكرين للبعث هو اعتمادهم على بعض
الشبه العقلية، والاستدلال العقلي الخاطئ.
وأعظم شبهة لدى المنكرين للبعث
هي استبعاد إعادة الأجسام بعد تمزقها،
وتفتتها، ثم اختلاطها بأجزاء الأرض، إذ
www. modoee.com
٢٣٧
حرف الباء
تصبح متصورة بصورة التراب، فكيف أي يقول لكم: إنكم تبعثون بعد البلى في
القبور، وهذا صادرٌ عن فرط إنكارهم» (٣).
يمكن إعادتها إلى حالتها التي كانت عليها
من قبل؟!
هذا أمر غريب على عقول المنكرين،
وعجيب في نفس الوقت عندهم، والحديث
عنه خرافة، والمتحدث به، إما مفتر على الله
الكذب، وإما مجنون سلب عقله، فخیل له
جنونه ذلك الحدیث وأجراه على لسانه.
أن الحدیث عنه خرافة بقوله(١):
حدیث خرافة يا أم عمرو
حياة ثم موت ثم نشر
وقال آخر (٢).
أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا
و کیف حياة أصداء وهام
ويقول الحق جل شأنه، مخبرا عن ذلك
الجحود العنيد والإنكار الشديد، ونسبتهم
إلى قائله الجنون، أو الكذب والافتراء
على الله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُكُرُ عَلَى
رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ ◌ُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ
جَدِيدٍ ﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم ◌ِه ◌ِنَّةٌ بَلِ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ
﴾ [سبأ: ٧ - ٨].
«أي هل نرشدكم إلى رجلٍ ینبئكم،
(١) نسبه الثعالبي في ثمار القلوب في المضاف
والمنسوب ص ١٣٠ إلى ابن الزِبَعْرَى.
(٢) نسبه الأبشيهي في المستطرف في كل نفس
مستطرف ص٤٦٧ إلى الأسود بن يعفر.
(يعنون بذلك الرجل، رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأنه رجل أتى بما
یستغرب منه، حتى صار - بزعمهم - فرجة
يتفرجون عليه، وأعجوبة يسخرون منه، وأنه
كيف يقول إنكم مبعوثون بعدما مزقكم
البلى، وتفرقت أوصالكم، واضمحلت
وقد عبر شاعرهم عن ذلك الإنكار، مبينًا أعضاؤكم؟!))(٤).
((ثم إنه تعالى أجابهم مرةً أخرى وقال:
بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب في
مقابلة قولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وقوله:
﴿وَاَلْضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿پهِ،
چِنَّةٌ﴾ وكلاهما مناسبٌ. أما العذاب فلأن
نسبة الكذب إلى الصادق مؤذيةٌ، لأنه شهادةٌ
عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب
عليهم حيث نسبوه إلى الكذب. وأما
الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه
في الإيذاء، لأنه لا یشهد عليه بأنه یعذب،
ولكن ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنهم هم
الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد، لأن
من يسمي المهتدي ضالًا يكون هو الضال،
فمن يسمي الهادي ضالًا يكون أضل،
والنبي عليه الصلاة والسلام کان هادي کل
مهتد» (٥).
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٢٦٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦٧٥.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٩٥/٢٥.
مَوَسُولَةُ الإصـ
القرآن الكريم
٢٣٨
البحث
(ثم ذكرهم بتلك الأدلة فقال: ﴿أَفَر
يَرَوَّا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ
وَاْأَرْضِّ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ
عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ
عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ [سبأ: ٨ - ٩].
أي: دلالة واضحة على قدرة الله، فكيف
يستبعد عليه إعادة تلك الأجسام الضعيفة
بعد تفرقها، وهو القادر على خلق هذه
الآيات العظيمة، من السماء والأرض، ذلك
هو دليل البعث؛ لأنه يدل على كمال القدرة،
ومن المقدور عليه إعادة خلق الإنسان
وإيجاده مرة أخرى.
وقد قرن هذا الدلیل بالتهدید حيث قال:
﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ
كِسَفَامِنَ السَّمَاءِ﴾.
ثم بين تعالى أن المنتفع بتلك الآيات
کل من يرجع إلى ربه، ويتوب إليه، لا من
يتمادى في عناده وتعصبه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾))(١).
ويقول الله تعالى حاكيًا عن المشركين
استبعادهم وقوع البعث بعد الموت، وعدم
إمکانه، وتعجبهم من شأنه وشأن القائل به:
﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ، بَلْ عَبُواْ أَنْ جَاءَهُم
◌ُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا شَىْءُ عِب
أَذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ [ق:
(١) مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث، علي
الفقیھي، ص٦٨.
١ - ٣] .
(قوله تعالى: ﴿بَلّ ◌َبُواْ أَنْ جَآءَ هُم مُنذِرٌ
مِّنْهُمْ﴾ أي إنهم لم يستنكروا أصل
الإرسال إليهم، وإنما أنكروا كون المرسل
بشرًا مثلهم ينذرهم عذاب يوم القيامة وهم
لا يؤمنون بالبعث الآخر فلذا قالوا ما أخبر
تعالى به عنهم وقوله ﴿فَقَالَ الْكَفِرُونَ﴾ أي
بالبعث ﴿هَذَا شَىْءُ عِيدٌ﴾ أي أمر يدعو إلى
التعجب إذ من مات وصار ترابا لا يعقل أن
یبعث مرة أخرى فيسأل ويحاسب ويجزي
وقد أفصحوا عن معتقدهم بقولهم ﴿أَوِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا نُرَابًا﴾ ذلك الرجوع إلى الحياة
رجوع بعيد التحقيق» (٢).
((الواقع أنهم يعبرون بذلك عن أنفسهم،
ويستبعدون البعث ووقوعه ظنا منهم أن
قدرة الله تشبه قدرتهم، فقاسوا قدرة الله
على قدرتهم، وقياس الغائب على الشاهد
باطل في نظر العقلاء، ولذلك صور الله
عز وجل هذا الظن الخاطئ في قوله تعالى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ، قَالَ مَن يُحْيِ
اَلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].
ولذا فقد استعظمت عقولهم هذا الأمر،
وجعلته في حكم المستحيل، وإلا فلو
نظروا بغير هذه النظرة القاصرة، وتأملوا في
أنفسهم في مبدأ خلقهم، وفيما بين أيديهم
من الآيات الدالة على القدرة الإلهية التي لا
(٢) أيسر التفاسير، الجزائري، ١٣٧/٥.
www. modoee.com
٢٣٩
حرف الباء
یعجزها شيء متی ما أرادته لما صدر منهم
هذا القول المنكر)) (١).
وقد رد على قولهم ذلك بقوله سبحانه:
قَدْ عَلِمِنَا مَا نَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ وَعِندَنَاَ كِنَبُّ
حَفِيْظُ ث بَلْ كَذَّبُواْ بِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِّ
أَمْرِ مَّرِيج ٥﴾ [ق: ٤ - ٥]
(ردٌ لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣].
فإن إحالتهم البعث ناشئةٌ عن عدة شبهٍ
منها: أن تفرق أجزاء الأجساد في مناحي
الأرض ومهاب الرياح لا تبقي أملًا في
إمكان جمعها، إذ لا يحيط بها محيطٌ، وأنها
لو علمت مواقعها لتعذر التقاطها وجمعها،
ولو جمعت كيف تعود إلى صورها التي
کانت مشکلةً بها، وأنها لو عادت کیف تعود
إليها، فاقتصر في إقلاع شبههم على إقلاع
أصلها وهو عدم العلم بمواقع تلك الأجزاء
وذراتها .. والمعنى: أن جمع أجزاء الأجسام
ممكنٌ لا يعزب عن علم الله، وإذا كان
عالمًا بتلك الأجزاء كما هو مقتضى عموم
العلم الإلهي و کان قد أراد إحياء أصحابها
کما أخبر به، فلا یعظم على قدرته جمعها
وتركيبها أجسامًا كأجسام أصحابها حين
فارقوا الحياة))(٢).
وهذا من الإعجاز فقد رد على تلك الشبه
(١) مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث، علي
الفقیھي، ص٦٩.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٨٠/٢٦ -
٢٨١
المتعددة والاحتمالات الكثيرة برد موجز
مفحم، فالذي خلقها عالم بمحل كل جزء
منها بعد تفرقها، لا يعزب عنه منها شيء،
وهو قادر على إعادة تر کیبها كما كانت، كما
ابتدأ خلقها أول مرة.
((فقوله: ﴿قَدْ عَلِنَا مَا نَنَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾
إيماءٌ إلى دليل الإمكان، لأن مرجعه إلى
عموم العلم كما قلنا، فأساس مبنى الرد
هو عموم علم الله تعالى، لأن يجمع إبطال
الاحتمالات التي تنشأ عن شبهتهم، فلو قال:
نحن قادرون على إرجاع ما تنقص الأرض
منهم لخطر في وساوس نفوسهم شبهة أن
الله وإن سلمنا أنه قادرٌ فإن أجزاء الأجساد
إذا تفرقت لا يعلمها الله حتى تتسلط على
جمعها قدرته، فكان البناء على عموم العلم
أقطع لاحتمالاتهم، واعلم أن هذا الكلام
بيانٌ للإمكان رعيًا لما تضمنه كلامهم من
الإحالة، لأن ثبوت الإمكان يقلع اعتقاد
الاستحالة من نفوسهم، وهو كافٍ لإبطال
تكذيبهم، ولاستدعائهم للنظر في الدعوة،
ثم يبقى النظر في كيفية الإعادة، وهي أمرٌ لم
نكلف بالبحث عنه)»(٣).
((ويعد أن بين الله لهم شمول علمه،
وإحاطته بالجزئيات والكليات - إذ إن العالم
بجزئیات الأشياء لا تخفی علیہ کلیاتها - بین
لهم سبب اضطرابهم في أمر البعث وأنه
(٣) المصدر السابق.
٢٤٠
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
البعث
تكذيبهم للحق الذي جاءهم من خالقهم، وصار عدمًا محضًا ونفيًا صرفًا، فإنه بعد هذا
إذ الإخبار عنه حق، والمخبر به صادق، قال
تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ ◌ِّأَمْرٍ
مَّرِيج﴾ أي مضطرب غير مستقر))(١).
٢. شبهة عدم عودة الموتى إلى
الحياة والرد عليها.
كان من بين الشبه التي أثارها المشركون
على إنكارهم للبعث ما حكاه القرآن الكريم
من قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ
حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (@)
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَذِبِينَ ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا
◌ِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَّهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢)﴾
[النحل: ٣٨-٤٠].
وهذا ((انتقالٌ لحكاية مقالةٍ أخرى من
شنيع مقالاتهم في كفرهم، واستدلالٌ
من أدلة تكذيبهم الرسول صلى الله عليه
وسلم فیما یخبر به إظهارًا لدعوته في مظهر
المحال، وذلك إنكارهم الحياة الثانية
والبعث بعد الموت))(٢).
((قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمٌّ
لَا يَبَّعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ معناه أنهم كانوا
يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فني
(١) مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث، علي
الفقیھي، ص٧١.
(٢) التحرير والتنوير ١٥٣/١٤.
العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون
شيئًا آخر غيره. وهذا القسم واليمين إشارةٌ
إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن
عوده بعينه بعد عدمه محالٌ في بديهة العقل:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم على أنهم
يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم
الضروري)»(٣).
وقال الألوسي: ((وهو مبني على أن
المیت یعدم ویفنی وأن البعث إعادة له وأنه
يستحيل إعادة المعدوم، وقد ذهب إلى هذه
الاستحالة الفلاسفة ولم يوافقهم في دعوى
ذلك أحد من المتكلمين إلا الكرامية وأبو
الحسين البصري من المعتزلة، واحتجوا
عليها بما رده المحققون، وبعضهم ادعى
الضرورة في ذلك وأن ما يذكر في بيانه
تنبيهات علیه»(٤).
وتقرير هذه الشبهة كما قال الرازي: ((أن
الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة،
فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج
والاعتدال امتنع عوده بعينه، لأن الشيء إذا
عدم فقد فني ولم يبق له ذاتٌ ولا حقيقةٌ بعد
فنائه وعدمه، فالذي يعود يجب أن يكون
شیئا مغايرًا للأول فلا يكون عينه))(٥).
((فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم:
(٣) مفاتيح الغيب ٢٠٦/٢٠، ٢٠٧.
(٤) روح المعاني، الألوسي ٧/ ٣٨٠.
(٥) مفاتيح الغيب، ٢٠٦/٢٠.
www. modoee.com
٢٤١
حرف الباء
﴿بَ﴾ أي: بلى سيكون ذلك، ﴿وَعْدًا
عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: لابد منه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلجهلهم يخالفون
الرسل ويقعون في الكفر.
ثم ذکر تعالی حکمته في المعاد وقيام
الأجساد يوم التناد، فقال: ﴿لِيُّبَيِّنَ لَهُمُ ﴾
أي: للناس ﴿الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: من
كل شيء، و﴿يَجْزِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَيِلُوا
وَزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالَّسُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
﴿وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ كَفَرَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
كَذِبِينَ﴾ أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا
یبعث الله من يموت)»(١).
قال الرازي: «ثم إنه تعالى بين أن القول
بالبعث ممکنٌ ویدل عليه وجهان:
الوجه الأول: أنه وعدٌ حقٌّ على الله
تعالی، فوجب تحقیقه، ثم بین السبب الذي
لأجلہ کان وعدا حقًا على الله تعالى، وهو
التمييز بين المطيع وبين العاصي، وبين
المحق والمبطل، وبين الظالم والمظلوم،
وهو قوله: ﴿إِيُبَيِنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ
وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُ كَذِبِينَ﴾.
والوجه الثاني: في بيان إمكان الحشر
والنشر أن كونه تعالى موجدًا للأشیاء ومكونًا
لها لا يتوقف على سبق مادةٍ ولا مدةٍ ولا
آلةٍ، وهو تعالی إنما یکونها بمحض قدرته
ومشيئته، وليس لقدرته دافعٌ ولا لمشيئته
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٧١/٤.
مانعٌ فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن
المعارض بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِّشَىْءٍ إِذَا
أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ﴾ وإذا كان كذلك،
فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد فى الابتداء
وجب أن يكون قادرًا عليه فى الإعادة، فثبت
بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر
والنشر والبعث والقيامة حق وصدق))(٢).
وقد ذكر الله تعالى قولهم باستحالة
البعث بعد الموت في مواضع عدة منها قوله
تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ
١) قَالُواْ أَوِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمًا أَوِنَا
لَمَّبْعُوتُونَ { لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا
مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآَ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾
[المؤمنون: ٨١ - ٨٣].
قال محمد الأمين الشنقيطي: ((ذكر
جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار
المنکرین للبعث قالوا: إنهم وعدوا بالبعث،
ووعد به آباؤهم من قبلهم، والظاهر أنهم
يعنون أجدادهم، الذين جاءتهم الرسل،
وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب
والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي وعدوا به
هم وآباؤهم كذبٌ لا حقيقة له، وأنه ما هو
﴿إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطروه
وكتبوه من الأباطيل والترهات، والأساطير:
جمع أسطورةٍ، وقيل: جمع أسطارةٍ، وهذا
الذي ذكره عنهم من إنكارهم البعث ذكر
(٢) مفاتيح الغيب، ٢٠/ ٢٠٧.
مَوَسُو ◌َرُ النَّسيد
القرآن الكريم
٢٤٢
البعث
مثله في سورة النمل في قوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوِذَا كُنَّا تُزَيًا وَءَابَاؤُنَّا أَيِنَّا لَمُخْرَجُونَ
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ
٦٧
إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النمل: ٦٧ -٦٨].
ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث،
الذي أنكروه في هذه الآية بقوله: ﴿ قُل
لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
إلى قوله: ﴿فَأَنَّ تُسْحَرُونَ﴾
[المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]؛ لأن من له الأرض،
ومن فيها، ومن هو رب السماوات السبع،
ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت کل
شيءٍ، وهو یجیر ولا یجار عليه، لا شك أنه
قادرٌ على بعث الناس بعد الموت))(١).
قال ابن عاشور: «فالمقصود منه حکایة
دعوى البعث بأن الرسول الذي يدعيها
بتحقیق وتو کیدٍ مع کونها شديدة الاستحالة،
ففي حكاية توكيد مدعيها زيادةٌ في تفظيع
الدعوى في وهمهم، وجملة لقد وعدنا إلخ
تعلیلٌ للإنكار وتقویةٌ له. وقد جعلوا مستند
تكذيبهم بالبعث أنه تكرر الوعد به في أزمانٍ
متعددةٍ فلم یقع ولم یبعث واحدٌ من آبائهم،
ووجه ذکر الآباء دفع ما عسى أن يقول لهم
قائلٌ: إنكم تبعثون قبل أن تصيروا ترابًا
وعظامًا، فأعدوا الجواب بأن الوعد بالبعث
لم يكن مقتصرًا عليهم فيقعوا في شكٍ
باحتمال وقوعه بهم بعد موتهم وقبل فناء
(١) أضواء البيان، ٣٤٨/٥، ٣٨٥.
أجسامهم بل ذلك وعدٌ قديمٌ وعد به آباؤهم
الأولون وقد مضت أزمانٌ وشوهدت رفاتهم
في أحداثهم وما بعث أحدٌ منهم، وجملة
﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من القول
الأول، وهي مستأنفة استئنافا بيانا لجواب
سؤالٍ يثيره قولهم ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ
وَءَبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ وهو أن يقول سائلٌ: فكيف
تمالأ على هذه الدعوى العدد من الدعاة في
عصورٍ مختلفةٍ مع تحققهم عدم وقوعه؟
فيجيبون بأن هذا الشيء تلقفوه عن بعض
الأولين فتناقلوه))(٢).
وقد أفحمهم القرآن بالجواب، قال
الخازن: «قوله تعالى: ﴿قُل﴾ أي يا محمد
لأهل مكة ﴿لَّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ من
الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي خالقها
ومالكها؟ ﴿ سيقُولُونَ لِلِّ﴾ أي لا بد لهم من
ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة لله ﴿
أفلا
أي قل لهم يا محمد إذا أقروا بذلك
تَذَگّرُونَ ﴾ أي فتعلموا أن من قدر على خلق
الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم
بعد الموت)»(٣).
وقد عرض القرآن مقالتهم بإنكار البعث،
وادعاءهم استمرار الحياة الدنيا، وقدم
العالم، وأنها ما هي إلا أرحام تدفع وأرض
تبلغ، وأنهم لا حجة لهم في مواجهة الآيات
(٢) التحرير والتنوير، ١٠٧/١٨.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٢٧٥/٣.
www. modoee.com
٢٤٣
حرف الباء
واضحة الدلالة على أمر البعث بعد الموت الأسود، وما إلى ذلك من القضايا العقلية
التي لا ترد، فهؤلاء الدهريون ليس لهم
إلا طلبهم بأسلوب يملؤه الصلف والتحدي
والعناد بعث آبائهم الأولين في هذه الحياة
الدنيا.
شيء من ذلك، ما لهم إلا الظن والخرص،
وقضايا العقيدة لا تكون بالظن، والظن
أكذب الحديث))(١).
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا
حَانُنَا اُلُّنْيَا نَمُوتُ وَغَمْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّ الدَّهْرُّ وَمَالَم
بِذَلِكَ مِنْ عِلَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿ وَإِذَا نُتْلَ عَلَيْهِمْ
مَا يَقُّنَا بَيِّنَتٍ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُوا أَثْتُوا بِثَابَآَيْنَآ
[الجاثية: ٢٤ - ٢٥].
٢٥
إن كنتَمْ صَدِقِينَ
((أي وقال منكرو البعث والجزاء يوم
القيامة ما هناك إلا حياتنا هذه التي نحياها
ولیس وراءها حياة أخرى، إننا نموت ونحيا
أي نموت نحن الأحیاء ویحیی أبناؤنا من
بعدنا، وهكذا تستمر الحياة أبدًا يموت
الکبار ویحیی الصغار، وما یھلکنا إلا الدهر
أي وما يميتنا ويفنينا إلا مرور الزمان وطول
الأعمار، وهو إلحاد كامل وإنكار الخالق
عز وجل، وهو تناقض منهم لأنهم إذا سئلوا
من خلقهم يقولون الله، فينسبون إليه الخلق،
وهو أصعب ولا ينسبون إليه الإماتة وهي
أهون من الخلق، فرد تعالى عليهم مذهبهم
((الدهري)) بقوله: ﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلِيمٌ إِنْ هُمْ
إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي ليس لهم على معتقدهم هذا
أدنى علم نقليًا كان ولا عقليًا، أي يتلقوه
عن وحي أوحاه الله إلى من شاء من عباده،
ولا عن عقل سليم راجح لا ينقض حكمه،
كالواحد مع الواحد اثنان، والأبيض خلاف
((﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُّنَا بَيْنَتٍ﴾ أي بأن
الله باعث خلقه يوم القيامة ما كان حجتهم
إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أي
انشروهم أحياء، حتی نصدق ببعثنا أحياء
بعد مماتنا، وإطلاق الحجة على ذلك، إما
حقيقة بناء على زعمهم، فإنهم ساقوه مساق
الحجة، أو هو مجاز تهکما بهم. کأنه قيل:
ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. بمعنى أن
لا حجة لهم البتة، وفيه مبالغة لتنزيل التضاد
منزلة التجانس»(٢).
قال الرازي: ((واعلم أن هذه الشبهة
ضعیفةٌ جدًا، لأنه ليس كل ما لا يحصل في
الحال وجب أن یکون ممتنع الحصول، فإن
حصول کل واحدٍ منا کان معدومًا من الأزل
إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم
الحصول في وقتٍ معينٍ يدل على امتناع
الحصول لکان عدم حصولنا كذلك، وذلك
باطلٌ بالاتفاق(٣).
وقد رد عليهم القرآن العظيم بقوله
تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَّ يُسِتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَمْكُمْ إِلَى
(١) أيسر التفاسير، الجزائري ٣٧/٥.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي، ٨/ ٤٣٣
(٣) مفاتيح الغيب ٢٧ / ٦٧٩
مُوسُو ◌َةُ النَّهِ
القرآن الكريم
٢٤٤
البعث
يَوْمِ الْقِيَّمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
[الجاثية: ٢٦]
٢٦
((﴿قُلِ اَللَّهُ يُصِيَكُمْ﴾ ابتداء ﴿ثُمَّيُمِنْهُمْ﴾
عند انقضاء آجالكم على ما دل عليه الحجج
﴿ثُمَّ يَجْمَئُكُمْ لَِ يَوْ
لا الدهر كما تزعمون
اٌلْقِيَمَةِ﴾ أي فيه وجوز كون الفعل مضمنا
معنى مبعوثين أو منتهين ونحوه ومعنى في
أظهر أي يجمعكم في يوم القيامة ﴿لَارَبَ
فيهِ﴾ أي في جمعكم فإن من قدر على البدء
وقدر على الإعادة والحكمة اقتضت الجمع
للجزاء لا محالة في ذلك اليوم والوعد
الصدق بالآیات دل على قرعها، وحاصله أن
البعث أمر ممكن أخبر به الصادق وتقتضيه
الحكمة وكل ما هو كذلك لا محالة واقع
والإتيان بالآباء حيث كان منافيا للحكمة
كَثَرَ النَّاسِ لَا
التشريعية امتنع إيقاعه
يَعْلَمُونَ﴾ استدراك من قوله تعالى: ﴿لَارَبَ
فِيهِ﴾ وهو من تمام الكلام المأمور به أو
كلام مسوق من جهته تعالى تحقيقا للحق
وتنبيها على أن ارتيابهم لجهلهم وقصورهم
في النظر والتفكر لا لأن فيه شائبة ريب
ما))(١).
٣. استمراء الملذات في الحياة الدنيا
وعدم الرغبة في التذكير بمفارقتها.
ومن أسباب رفض أولئك المنكرين
للبعث وبذل كل جهد في إنكاره أنهم ألفوا
(١) روح المعاني، الألوسي، ١٥٢/١٣.
شهوات الحیاة الدنیا؛ فهم يخشون تبعات
الإيمان بالبعث، والانقياد للدين الذي
يحجزهم عن شهواتهم، ويحول دونهم
ودون أهوائهم، وقد سجل القرآن ذلك وبین
سوء حالهم ومآلهم في قول الحق سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَّوَةِ
الدُّنْيَا وَالْمَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَدِنَا
غَفِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: ٧ - ٨].
قال ابن عاشور: ((هذا استئناف وعيدٍ
للذين لم يؤمنوا بالبعث ولا فكروا في
الحياة الآخرة ولم ينظروا في الآيات نشأ عن
الاستدلال على ما كفروا به من ذلك جمعًا
بين الاستدلال المناسب لأهل العقول وبين
الوعيد المناسب للمعرضين عن الحق إشارةً
إلى أن هؤلاء لا تنفعهم الأدلة وإنما ينتفع
بها الذين يعلمون ويتقون وأما هؤلاء فهم
سادرون في غلوائهم حتى يلاقوا العذاب،
وإذ قد تقرر الرجوع إليه للجزاء تأتى الوعيد
لمنكري البعث الذين لا يرجون لقاء ربهم
والمصير إليه))(٢).
((﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَّجُونَ لِقَاءَنَا﴾ بيانٌ
لمآل أمر من كفر بالبعث وأعرض عن
البينات الدالة عليه بعد تحقيق أن مرجع
الكل إليه تعالى، وأنه يعيدهم بعد بدئهم
للجزاء ثوابًا وعقابًا، وتفصيل بعض الآيات
(٢) التحرير والتنوير، ٩٨/١١.
www. modoee.com
٢٤٥
حرف الباء
الشاهدة بذلك، والمراد بلقائه إما الرجوع الآخر)) (٤).
إليه تعالى بالبعث، أو لقاء الحساب، كما
في قوله عز وعلا ﴿إِنّ ◌َظَنَنْتُ أَنِّ مُلَقٍ حِسَابِيَهُ﴾
[الحاقة: ٢٠])(١).
((وفي الآية إشارةٌ إلى أن البهجة بالحياة
الدنيا والرضى بها يكون مقدار التوغل فيهما
بمقدار ما يصرف عن الاستعداد إلى الحياة
الآخرة. وليس ذلك بمقتضى الإعراض
عن الحياة الدنيا فإن الله أنعم على عباده
بنعم كثيرةٍ فيها وجب الاعتراف بفضله بها
وشكّره عليها والتعرف بها إلى مراتب أعلى
هي مراتب حياة أخرى والتزود لها. وفي
ذلك مقاماتٌ ودرجاتٌ بمقدار ما تهيأت
له النفوس العالية من لذات الكمالات
الروحية، وأعلاها مقام قول النبي صلى الله
عليه وسلم (فقلت ما لي وللدنيا)(٢))(٣).
«قال الحسن: والله ما زينوها ولا
رفعوها، حتى رضوا بها وهم غافلون
عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها،
والشرعية فلا يأتمرون بها، بأن مأواهم يوم
معادهم النار، جزاء على ما كانوا يكسبون
في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام،
مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤/ ١٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة
باب هدية ما يكره لبسه، رقم ٢٤٧١ من
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(٣) التحرير والتنوير ١١ / ٩٩.
وقد ضرب الله المثل بهذا الكافر
صاحب الجنتين الذي اغتر بجنتيه وما
كان من صنوف النعم فيهما فقال ما حكاه
القرآن: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
قَالَ مَآ أَخُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًّا (٥) وَمَآ أَظُنُ
السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَيِنِ زُّدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ
خَيْرًاً مِّنْهَا مُنقَلَبًا (٦)﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦].
(يقول تعالى ذكره: هذا الذي جعلنا له
جنتين من أعناب ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وهي
بستانه ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وظلمه نفسه:
كفره بالبعث، وشكه في قيام الساعة،
ونسیانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها
بذلك سخط الله وأليم عقابه»(٥)،
(ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: ﴿مَا
أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا ﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ
قَآئِمَةٌ﴾ فجمع بين هذين، فالأول قطعه
بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبید هذه أبدًا
مع أنها متغیرةٌ متبدلٌ، فإن قيل: هب أنه شك
في القيامة فكيف قال: ﴿مَا أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِة
أَبَدًا﴾ مع أن الحدس يدل على أن أحوال
الدنيا بأسرها ذاهبةٌ باطلةٌ غير باقيةٍ؟ قلنا:
المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده)» (٦).
قال ابن عطية: ((و((ظلمه لنفسه)): كفره
وعقائده الفاسدة في الشك في البعث، فقد
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٢٤٩.
(٥) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٢٢.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٦٣.
مَوَسُولَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٢٤٦