النص المفهرس
صفحات 21-36
البصر أَمْشَاجِ نَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾[الإنسان: ٢]. ذلك الجهاز فائق الدقة الذي ينقل له كل ما يدور حوله بكل التفاصيل الشكلية واللونية، ثم لينظر إلى طريقة عمل جهازه السمعي، وكيف تنتقل الذبذبات الصوتية في أجزاء الأذن بكل سلاسة، ولیتخيل كيف یمکن أن یکون حاله لو خلق بلا سمع، ولو في هدوء ونظام لينتج للجسم ما يحتاجه من عناصر، ويخلصه مما يضره من سموم، و کیف له أن یعیش إن ثقبت معدته أو أزيلت أمعاؤه؟ و کیف سنشعر بالأشياء من حولنا إن فقدنا الشعور بالإحساس في جلدنا؟ إنه التفكر، ما يلزمنا للارتقاء بعقولنا وزيادة إيماننا بالله عز وجل، فقد وجهنا ربنا إلى ذلك في قوله: ﴿فَلْتُظُرِ اَلْإِنسَنُ مِّ خُلِقَ ن) خُلِقَ مِن مَّلِ دَافِقٍ (١) يَخْجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََّآَيِ﴾ [الطارق: ٥-٧]. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَكُنْتُمْ فِرَيْبِ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَقْنَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ لِتُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَ أَجَلٍ مُسَتَّى ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشْتَكُمْ﴾[الحج: ٥]. ٣. آثار إهلاك الأمم السابقة. من الأمور التي ندركها بأبصارنا أيضًا آثار إهلاك الأمم الماضیة، فالکثیر منھا باقٍ إلى يومنا هذا، ولا يأخذ العبرة منها إلا من يعتبر، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيُرُواْ فِىِ الْأَرْضِ ثُوَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الأنعام: ١١]. أي سافروا في الأرض فانظروا وتأملوا تأمل قليلًا في جهازه الهضمي وكيف يعمل ماذا حل بالمكذبين الكفرة من هلاك وعذاب، وكيف أصبحوا عبرة للمعتبرين(١). وقد أتى الأمر للكفار بالتفكر أثناء سيرهم، فقد كانت قوافل القرشيين إلى الشام والیمن یجعلها قادرة على أن تری آثار المكذبين، سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم، وكان عليهم أن يأخذوا العبرة من ذلك ويؤمنوا، والآية عامة لكل من له عين تبصر وعقل يدرك (٢) وقد أثبت الله تعالى وجود آثار إهلاك الأمم البائدة في أكثر من موضع، وأكد وجود آثار المساكن التي عاشوا فيها. قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَتَمُودَا وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾[العنكبوت: ٣٨]. فقد كان أهل مكة يمرون على أماكن (١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٣٥٢/١. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ٣٥١٩/٦. www. modoee.com ١٩١ حرف الباء سكنى الأمم السابقة في الحجاز والیمن، وبالرغم من ذلك استسلموا للشيطان الذي زين لهم كفرهم وعنادهم، وكفروا مع إبصارهم للحق و تمییزهم(١). والتبيان المذكور في الآية مدرك بالبصر، ويستحيل أن يحثنا الله تعالى على التفكر في آثار إهلاك الكافرين دون تمكن حواسنا من إدراك هذه الآثار !. وتثبت الدراسات التاريخية التي تكتشف يوما بعد يوم هذه الآثار، فمنذ أعوام اكتشفت آثار يعتقد أنها لمدينتي سدوم وعمورة اللتين وجدتا في قاع البحر الميت في المياه الأردنية، والتي يعتقد الباحثون أنها أنقاض قوم لوط الذين أهلكهم الله سبحانه وتعالى بعد ارتکابهم الفاحشة وعصیانهم لأمر ربهم الذي أتاهم عبر نبيهم لوط عليه السلام(٢). وجسد فرعون شاهد على عقاب الله للكافرين، يراه الناس إلى يومنا هذا فيتعظ من يتعظ ويغفل من يغفل. يقول عز وجل: ﴿فَلْيَوْمَ نُنَّجِيْكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَّةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَافِلُونَ﴾[يونس: ٩٢]. فقد شكك بنو إسرائيل أول الأمر في (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٤٠٧. (٢) انظر: وثائقي أجنبي، موقع يوتيوب بتاريخ ٢٠١١/١/٦م، مقال إلكتروني: البيضاء برس، الجريمة والعقاب، بتاريخ ٢٠١٢/١٠/١٥ م. غرق فرعون وقالوا عله تأخر في البحر لعلة، فأمر الله تعالى البحر أن يلفظه، فألقاه على نجوة مرتفعة ليكون عبرة للمعتبرين من قومه وممن تبعهم إلى يومنا، وما التمثال الموجود في مصر لرمسيس الثاني إلا جثته الباقية، والله أعلم. ٤. النعيم والعذاب يوم القيامة. من كمال عدالة الله عز وجل أن يرى المؤمن ببصره الثاقب يومئذ النعيم الذي أعده الله له، كما يرى الكافر عذابه بذات الحاسة. قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرَكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. وقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ اَلْعَذَابِ ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْ اَلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٥ -١٦٦]. وقد ذكر الطبري في تفسيره ((أن الذين ظلموا سیعاینون عذاب الله بأمهات أعينهم، وسيتبرأ القدوات في المنكرات من المقتدين بهم)) (٣). يقول طنطاوي: ((وعبر بالماضي في قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ لتحقق الوقوع، وکل ما کان کذلك فإنه یجری مجرى ما (٣) انظر: جامع البيان ٢٨٣/٣. مَوَسُو بر التشيك الوضوء لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ١٩٢ البصر وقع وحصل))(١). ويؤكد رؤية العذاب يوم القيامة قوله عز وجل: ﴿وَلَوْجَآءَ تْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٧]. وقوله جل وعلا: ﴿وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكَاءَكُمُ فَدَعَوْهُمْ فَلْ يَسْتَجِيبُوْلَهُمْ وَرَأَوْ اَلْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَيْئَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤]. أما أصحاب الجنة فيتلذذون بفضل الله ونعمه عيانًا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَادَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَّدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٥]. أي: سيجد أصحاب الجنة ما وعدوا به من نعيم، وسینادي أصحاب الجنة أصحاب النار قائلين: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ تهكمًا بهم وتقريعًا لهم(٢)، بعد أن حمدوا الله تعالى على ما أعطاهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ اٌلْتَّعِيِمِ ن دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَتَِّيَّنُهُمْ فِيهَا سَلَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ٩-١٠]. وقد أكد الله عز وجل مشاهدة النعيم بالعين، وقمة النعيم هو رؤية وجه الله عز (١) التفسير الوسيط ٣٣٨/١. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٥٥/٥. وجل في الجنة، قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ اَلُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقد فسرت الزيادة برؤية وجه الله الكريم في الجنة(٣). وفي موضع آخر يقول المولى عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴾[القيامة: ٢٢ -٢٣]. وقد ذكر مجاهد أن الله تعالى نضر وجوه أهل الجنة بالنظر إلى وجهه الكريم(٤). وفي الحديث: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) (٥). ثانيًا: ما لا يدركه البصر: أراد الله تعالى بحكمته البالغة أن يغيب عن حواسنا أو علمنا بعض الأمور، فتكون في علمه عز وجل وحده، ومن تلك الأمور: ١. إدراك المولى عز وجل في الدنيا. يقول الحق عز وجل: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ (٣) انظر: تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/ ١٧٤. (٤) انظر: تفسير مجاهد ٦٨٧/١. (٥) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، سبحانه وتعالى، ١٦٣/١ رقم ١٨١. www. modoee.com ١٩٣ حرف الباء الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. أي «لا يراه شيء، وهویری الخلائق»(١)، أو لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بالأبصار، أو أن الأبصار لا تدركه؛ لأنها تدرك كل ذات لون، ولما امتنع أن یکون ذا لون امتنع أن يكون مرئيًا، وهناك من قال: إن أبصار المؤمنين لا تراه في الدنيا، بينما تراه في الآخرة، وأن أبصار المشرکین لا تراه دنيا وأخرى(٢). ٢. مفاتح الغيب. يقول المولى عز وجل: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ اٌلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ◌ُّلُمَتِ اْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِتَبِتُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ومفاتح الغيب هي خزائن ما غاب عن ابن آدم من الرزق، والمطر، ونزول العذاب، والثواب والعقاب(٣). وقد ذكر الطبري في تفسير مفاتح الغيب التي استأثر الله بعلمها، فلم يطلع عليها ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا أنها مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُعِلْمُ السّاعَةِ ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، فى أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل، أو نهار ﴿وَيَُّزِّفُ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٠١٣٦٤/٤ (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ١٥١. (٣) انظر: التفسير الوجيز، الواحدي ١/ ٣٥٧. اٌلْغَيْثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلاً أو نهارًا ينزل؟ ﴿وَيَعْلَهُ مَا فِىِ الْأَرْحَامِ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أو أنثى، أحمر أو أسود، أو ما هو؟ ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَڪسِبُ غَدًا ﴾خير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا؟ ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَقِّ أَرْضِ تَمُوتُ﴾ ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض في بحر أو بر، أو سهل أو جبل (٤). ولعل مفاتح الغيب من القضايا الغيبية المحضة التي يستحيل تحصيل العلم بها، لكن الله عز وجل ربطها بما ألفته النفس واستحضرته، فقد ذكر بعد الإشارة إلى مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو، أنه يعلم أيضًا ما في البر والبحر وسقوط الأوراق؛ حتى يقرب الصورة إلى أذهاننا، والله أعلى وأعلم بماهية تلك المفاتح (٥). ٣. المخلوقات غير المبصرة. أقسم الله جل وعلا بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنها من عظيم آياته (٦). وقد بين الله عز وجل أنه قد أقسم بأمور (٤) جامع البيان ٢٠/ ١٦٠. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/ ١٠. (٦) انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان ص ١٠ - ١٣. مَوَسُولَةُ النَّيّة لِلْقْرَآن الكَرِيْمِ ١٩٤ البصر فَلَا أَقِمُ نبصرها وأمور لم نبصرها، فقال: بِمَا تُبُّصِرُونَ () وَمَا لَا تُبُّصِرُونَ ) إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كريمِ﴾ [الحاقة: ٣٨-٤٠]. فالله جل وعلا أقسم على كل خلقه الذين نراهم والذين لا نراهم على صحة القرآن الكريم (١). وذکر في التفسير المنسوب لابن عباس رضي الله عنه قوله: ((يقال: بما تبصرون، يعني السماء والأرض، وما لا تبصرون يعني الجنة والنار. ويقال: بما تبصرون يعني الشمس والقمر، وما لا تبصرون العرش والكرسي. ويقال: بما تبصرون يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وما لا تبصرون يعني جبريل أقسم الله بهؤلاء الأشياء)»(٢). وقد يكون المقصود أن الله تعالى قد أقسم بما نبصر وهي المخلوقات كالشمس والليل والفجر والنهار، وما لا نبصر وهي ذات المولى عز وجل، التي أقسم بها في قوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمُشَرِقِ وَالْغَزِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]. وقوله: ﴿ فَلَ وَرَبِكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْاْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥]. ويتبين أن الله عز وجل قد ذكر في كتابه (١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٣/٥. (٢) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ١/ ٤٨٤. الكريم الأمور المدركة ببصر الإنسان كثيرًا بينما لم يشر إلى الأمور غير المدركة بالبصر بكثرة، ولا يخفى ما في هذا من رحمة، فالمقصد الأساس من القرآن هو هداية البشر إلى توحيد الله، وإفراده عز وجل بالعبادة دون سواه، ولا تتم هذه الهداية بحق إلا بالبراهين التي تدركها حواس البشر، وتصل بهم إلى اليقين بأن الله تعالى هو المبدع لهذا الكون المتوازن، وهو وحده الذي يستحق العبادة دون شريك. www. modoee.com ١٩٥ حرف الباء آفات تصيب البصر وأسبابها تصاب عين الإنسان بآفات مختلفة، منها ما هو متعلق بابتلاء دنيوي کالأمراض الجسدية المختلفة، ومنها ما هو متعلق بعقاب إلهي، أو أمر أخروي، ومن هذه الآفات ما يلي: ١ . الغشاوة. يقول المولى عز وجل في حق الكافرين: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [يس: ٩]. وقال أيضًا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ وَعَلَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيرٌ﴾ [البقرة: ٧]. وقد عرفت الغشاوة لغة أنها «ما غشي القلب من الطبع، والغشاء: الغطاء))(١). وعرفت اصطلاحًا أنها «ما يتركب على وجه مرآة القلب من الصدأ، ويكل عين البصيرة، ويعلو وجه مرآتها))(٢). وقد ذكر الطبري ((أن الله يصيب الکافرین بغشاوة فهم لا يبصرون ھدی ولا ينتفعون به»(٣). وذكر الشوكاني في معنى الغشاوة ((أنهم عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، وقرأ الجمهور بالغين المعجمة: (١) تهذيب اللغة، الأزهري ١٤٥/٨. (٢) التعريفات، الجرجاني ١ / ١٦٢. (٣) جامع البيان ٤٩٥/٢٠. أي غطينا أبصارهم، فهو على حذف مضاف. وقرأ ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم بالعين المهملة من ((العشا»، وهو ضعف البصر)) (٤). ٢. الطمس. ذكر الطمس في القرآن الكريم في حق آل لوط الذين راودوه عن ضيفه من الملائكة وأرادوهم بسوء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٣٧]. وقد ذكر أن («المطموس هو الذي لا یتبین له حرف جفن عينيه، ولا يرى شفر عینیه)) (٥). وقد نقل المناوي أن ((الطمس هو محو الأثر، فهو تغير إلی الدثور والدروس»(٦). وعن السدي قال: ((لما قال لوط: الَوَّ أَنَّلِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِّ إِلَ زِکْزِ شَدِیدٍ﴾، بسط حينئذ جبريل عليه السلام جناحيه، ففقاً أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم في أدبار بعض عميانًا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض»! (٧). وذکر سید قطب ((أنهم لم يعودوا یرون شيئًا، والإشارة إلى طمس أعينهم لا ترد إلا في هذا الموضع بهذا الوضوح، لأنه (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٤١٥. (٥) تهذيب اللغة، الأزهري ١٢/ ٢٤٦. (٦) التوقيف ٢٢٨/١. (٧) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٢٧. مُوسُو ◌َرَ النفسية القرآن الكريم ١٩٦ البصر في موضع آخر قال الله تعالى على لسان حار، وشبه ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرّفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. الملائكة الذين حلوا ضيوفًا على لوط عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكَ ﴾ [هود: ٨١]. وفي الطمس بيان للطريقة التي قدرها الله لمنع وصول الكفار إلى لوط وضيفه قبل إهلاكهم في اليوم التالي)»(١). ٣. البرق. ذكر برق البصر في سياق ذكر أهوال يوم القيامة في قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا رِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧]. فالكافر يسأل أیان يوم القيامة؟ استخفافًا واستهزاءً، فجاء الرد من الله تعالی بذکر بعضٍ من أهوال ذلك اليوم العظيم، فبدأ الأهوال بذكر برق البصر، وبرق البصر هو لمعانه من شدة شخوصه فهو فزعٌ مبهوت (٢). وقد ذكر المناوي أن معنى «برقت العين اضطربت وجالت من خوف»(٣)، وقد قرئت «برق» بفتح الراء، قيل: برق یبرق بالفتح: أي شق عینیه وفتحهما، وبالکسر ((برق)» بمعنى تحير فلم يطرف (٤). وقد نقل ابن كثير: أن معنی «برق» أي: (١) انظر: في ظلال القرآن ٣٤٣٤/٦. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٢٤/١. (٣) التوقيف ١/ ٧٥. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ٩٥. بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر بصرهم على شيء من شدة ما أصابهم من الرعب (٥). ٤. الصرف. ورد الصرف في قصة أهل الأعراف في قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَُهُمْ فِقَآءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الفَِّينَ [الأعراف: ٤٧]. والمعنى اللغوي للصرف عند ابن فارس: هو («أنه شيء صرف إلى شيء، كأن الدینار صرف إلى الدراهم، أي رجع إليها، إذا أخذت بدله)»(٦). وذكر ابن سيده: «أن الصرف هو رد الشيء عن وجهه، وصرف الله قلوبهم أي أضلهم الله مجازاة على فعلهم))(٧). والأعراف هو سور بين الجنة والنار، وأهل الأعراف هم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: فوقفوا بين الناحيتين، ينادون أهل الجنة، وقد عرفوا في وجوههم علامات أهل الجنة أن سلامٌ عليكم، وهم يتوقون لدخولها، ثم يصرفون أنظارهم إلى أهل (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم ٢٧٧/٨. (٦) مقاييس اللغة ٣٤٣/٣. (٧) انظر: المحكم ٣٠١/٨. www. modoee.com ١٩٧ حرف الباء النار، وقد عرفوا في وجوههم علامات أهل على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك (٦)، وقد بين طنطاوي: ((أن الطبع هو الوسم الذي لا النار، من شدة التفاتھم کانھم یصرفون، ثم يلجأون إلى ربهم ألا يجعلهم مع الظالمين من أهل النار(١)، ومعنى الصرف تبدل اتجاه أبصار أصحاب الأعراف بعد النظر إلى أهل الجنة إلى النظر ناحية أهل النار، وتكرار التضرع إلى الله تعالى في أن لا یجعلھم من زمرتهم (٢). يخرج من الشيء ما هو بداخله، ولا يسمح لما بخارجه من الدخول إليه، أي أن أولئك الذين شرحوا صدورهم بالكفر، وطابوا به نفسًا، قد طبع الله تعالى على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فصارت ممنوعة من وصول الحق إليها، وعاجزة عن الانتفاع به، وأولئك هم الكاملون في الغفلة والبلاهة؛ ٥. الطبع. إذ لا غفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة الطبع في اللغة: ((هو الختم، وهو التأثير في الطين ونحوه))(٣). أمره، ولا بلاهة أفدح من بلاهة من آثر الفانية على الباقية))(٧). قال عز وجل: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾[النحل: ١٠٨]. وقد نقل المناوي: أن الطبع هو ((تصور الشيء بصورة ما، كطبع السكة الدرهم، وهو أعم من الختم وأخص من النقش» (٤)، والطباع «هي الأخلاق التي لا تزایلنا)»(٥). والطبع هو أحد الموانع المانعة من الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب كالغشاوة والختم التي جعلها الله عليهم بسبب مسارعتهم لتكذيب الرسل، والتمادي (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٢٥/٢. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٥١. (٣) الصحاح، الجوهري ٣/ ١٢٥٢. (٤) التوقيف ٢٣٥/١. (٥) تاج العروس، الزبيدي ٢١/ ٤٣٧. مُؤَسُولَةُ الْبَِّد جوبيو لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ ١٩٨ ٦. الذهاب. ذکر ذهاب الأبصار في قوله عز وجل: أَلَ تَّرَ أَنَّ اللَّهَ يُرْجِ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَتَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَِ. وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُّصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَآءُ وَيَصْرِفُّهُ عَن مَّن يَشَاءُ بَكَادُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٣]. والذهاب بالشيء وإذهابه تعني إزالته (٨)، ومعنى الآية أن الله تعالى يسوق السحاب بقدرته ويجمع قطع السحاب المتفرقة بعضها فوق بعض، ثم يخرج المطر من خلاله، وينزل من السماء حبات (٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٨٩/٦. (٧) التفسير الوسيط ٨/ ٢٤٢. (٨) انظر: المحكم، ابن سيده ٢٩٥/٤، الكليات، الكفوي ١/ ٤٦٣. البصر البرد، فيصيب بهذا البرد من يشاء فيهلكه عليه وسلم نظر المغشي عليه، لا يريدون وأمواله، ويبعده عن من يشاء فلا يضره، إيكادُ سنا برقٍ﴾ أي: ضوء برق السحاب فيمحوها من شدة إنارته ذَهَبُ بِالْأَبْصَرِ وبريقه(١)، وقيل: يخطف الأبصار الناظرة لهذا الضوء الحاد(٢). ٧. العمى. أعمى الله سبحانه وتعالى أبصار أصحاب القلوب المريضة الذين ذكرهم في قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ◌ُّكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهٍ مِنَ اَلْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ اْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيّاًلَهُمْ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠ -٢٣]. والعمى لغةً: ((هو ذهاب البصر))(٣)، واصطلاحًا هو ((ضد البصر والبصيرة))(٤). وقد أعماهم الله أي أذهب بصرهم، ومعنى الآية أن الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون إذا نزلت سورة محكمة، وذکر فيها القتال نظروا إلى رسول الله صلى الله (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٠٠/٣. (٢) انظر: تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي ١ / ٤٦٦. (٣) العين، الفراهيدي ٢/ ٢٦٦. (٤) التوقيف، المناوي ١/ ٢٤٧. نصرة رسول الله ولا القتال معه، وحذرهم إن تقاعسوا عن القتال وفارقوا أحكام القرآن الکریم، وترکوا النبي صلی الله عليه وسلم، أن يعصوا الله في الأرض، فيكفروا به، ويسفكوا فيها الدماء، ويعودوا لما كانوا عليه في جاهليتهم من التشتت والتفرق بعد ما قد جمعهم الله بالإسلام، وألف به بين قلوبهم! ثم يلعنهم الله ويذهب بسمعهم ويعمي أبصارهم، وهم لم يفقدوا السمع، ولم يفقدوا البصر، ولكنهم عطلوا السمع وعطلوا البصر، أو عطلوا قوة الإدراك وراء السمع والبصر فلم يعد لهذه الحواس وظيفة لأنها لم تعد تؤدي هذه الوظيفة. ثم يتساءل مستنكرًا في الآية التي تليها: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾؟! فتدبره هو الذي يزيل هذه الغشاوة، وهو الذي يفتح القلوب لسماع الحق وإدراكه(٥). فهم لا يسمعون الحق، ولا يهتدون الرشد، وقلوبهم غير منجذبة لأفعال الخير والصلاح معميّة عنها ولا تراها، فلا يتدبرون القرآن بالرغم من فهمه، أو لا يفهمونه عند تلقيه، وكلا الأمرين عجيب!(٦). (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٩٦/٦. (٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٣/٢٦، التفسير الوسيط، الواحدي ٤ / ١٢٧. www. modoee.com ١٩٩ حرف الباء دلالة البصر على الحالة النفسية جاءت الحالات المختلفة للبصر في القرآن الكريم للدلالة على بعض الحالات النفسية التي تصيب صاحبها، ومن تلك الحالات ما يلي: ١. الزيغ. ذكر زيغ البصر في قصة غزوة الخندق في قول المولى عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَكُمْ جُدٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًاً لَّمْ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَيَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الْقُُّونا ) هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩-١١]. وهذه الآيات تتحدث عن الصعوبات الجمة التي واجهها المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد تكالب عليهم مشركو العرب من كل النواحي واليهود الذين أرادوا أن يمحى الإسلام عن الوجود، فكانت لحظات عصيبة جدا على المسلمين، وقد زاد من قسوتها نقض العهد الذي بين الرسول صلى الله عليه وسلم ويهود بني قريظة الذين سمحوا للأحزاب بالدخول إلی المدینة من جهتهم، وکون عددهم أکثر من ثلاثة أضعاف المسلمين، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلا التوكل على الله وحفر الخندق حتى يحموا المدينة من هذا الهجوم الصعب. وقد تبين حينها المؤمن الحق من المنافق الذي اتخذ حماية أهله حجة كي يترك أرض المعركة ويعود فارًا خائفًا، وواصل المسلمون الرباط على الخندق متحملين الجو البارد والظرف النفسي الصعب، والهجوم عليهم من كل اتجاه، فزاغت أبصارهم ومالت عن سننها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته. بل انحرفت عنهم من شدة عددهم، وبلغت القلوب الحناجر كناية عن شدة الخوف والفزع، وظنوا مختلف الظنون، فمنهم مؤمن ثابت الإيمان لا يتزحزح عن موقفه ومنهم من تراجع، فكان ذلك الموقف من أعظم الابتلاءات التي صدمت أبصارهم وزلزلت قلوبهم من الفزع حتى أتاهم نصر الله، فساندهم بالملائكة الكرام وأرسل الريح لتقلب خيام المشركين وتكفأ قدورهم ففروا هاربين(١). وقد عرف الزيغ الوارد في الآية أنه ((الميل عن الاستقامة، والانحراف عن جهة الصواب»(٢). فالعين في الوضع الطبيعي تنظر باتجاه (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٧/٢١. (٢) التعريفات، الجرجاني ١ / ٩٨. ٢٠٠ القرآن الكريمِ البصر الهدف، لكن هول الموقف وشدته جعلتها تنحرف عن مواجهة المشهد ذعرًا وفزعًا، والكلمة القرآنية ((زاغت)) تبين قسوة ما تعرض له أصحاب رسول الله صلى الله علیه وسلم من محنة، وما كان لله عليهم من فضل بعد أن نجاهم منها وأخرجهم مؤزرین منتصرين. ٢. الخشوع. ورد خشوع البصر في قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّنَ الْأَثْبَلِمَا فِيهِ مُرْدَجَرٌ حِكْمَةُ بَلِفَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّدُرُ (٥) فَتَّوَلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ أْخُشَّمَا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُتَشِرٌ لَ مُهْطِعِينَ إِلَى الََّعُ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ﴾ [القمر: ٤-٨]. الكفار الذين لم يؤمنوا بالحق، وأنكروا ما كان لنبي الله صلى الله عليه وسلم من معجزات تدلل على صدقه، وهؤلاء المكذبون قد آتاهم الله من البراهين ما فيه الکفایة والحجة، لكنهم لم یذعنوا، فسیکون خروجهم من القبور عند البعث خروجًا ذليلًا، خشعًا أبصارهم، وخشوع البصر ((رميك ببصرك إلى الأرض .. وأخشعت أي طأطأت الرأس كالمتواضع، والخشوع المعنى من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن وهو الإقرار بالاستخدام، والخشوع في البدن والصوت والبصر)»(١). يكونون كالجراد في انتشاره واضطرابه، ومفهوم الخشوع اصطلاحًا هو ((الانقياد للحق»(٢). فينتشرون لموقف العرض يوم يدع الداع، ذليلة أبصارهم خاضعة، مستسلمة لله تعالى، لا تملك دفع العقاب عن نفسها، ولا إنكار ما كان منها، فهي منكسرة خاضعة لا تتجرأ على رفع بصرها (٣). ٣. الشخص. جاء وصف البصر بالشخوص في قول المولى عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. والمعنى أن الله تعالى لا يغفل عن وقد صورت الآيات الكريمة خروج عمل الظالمين، ولو اعتقد الإنسان ذلك كان مخطئًا، فهو العادل جل وعلا، يمهلهم متمتعين بالحظوظ الدنيوية ولا يعجل عقوبتهم؛ للتغليظ عليهم في العقاب، ولعل إيقاع التأخير عليهم مع أن المؤخر إنما هو عذابهم لتهويل الخطب وتفظيع الحال، بییان أنهم متوجهون إلى العذاب مرصدون لأمر ما، لا أنهم باقون باختيارهم، وترتفع أبصار أهل الموقف فتبقى مفتوحةً لا (١) العين، الفراهيدي ١/ ١١٢. (٢) التوقيف، المناوي ١٨٨/١. (٣) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب ٧١٨٦/١١. www. modoee.com ٢٠١ حرف الباء تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه، ولا تقر صدقه فسيؤمنون، ولكنهم كاذبون؛ فقد في مكانها، واعتبار عدم قرارها فهي إما أتاهم بالقرآن والكثير من الدلالات لكنهم أصروا على إنكار الحق، وقد ذكرت الآيات أن الله تعالى يقلب قلوب هؤلاء المكذبين مرتفعة في جرم العين، وإما بمعنى الارتفاع بالنظرات من مكان إلى مكان(١). و﴿تَشْخَصُ﴾ تعني ((لا تقر في أماكنها وأبصارهم، والتقليب هو تغيير الشيء من هول ما ترى)» (٢)، وقيل: ((يقال: شخص من حال إلى حال، وتحويل الشيء عن وجهته(٥). بصره، فهو شاخصٍ، إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف))(٣)، و((شخص ببصره إلى السماء: ارتفع»(٤). وقد يجمع بين المعاني أن شخص العين هو أن تفتح دون طرف، وهي مرتفعة للأعلى، تحملق من ناحية لأخرى، مفجوعة بالحدث. ٤. التقليب. أشار القرآن الكريم إلى تقليب الأبصار في قوله عز وجل: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمْ لَيْن جَاءَتُهُمْ مَةٌ لَيُؤْ مِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ ١٠٩ بِ= أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. ومعنى الآية أن الكفار يقسمون للنبي عليه السلام أنه إذا جاءهم بآية تدلل على (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبي السعود ٥٥/٥. (٢) الكليات، الكفوي ٣١٩/١. (٣) الصحاح، الجوهري ٣/ ١٠٤٢. (٤) العين، الفراهيدي ٤ / ١٦٥. وفي معنى الكلام أربعة أقوال: أحدها: لو أتاهم الله بآية كما سألوا، لقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها، فظلوا منكرين ضالين، ولحال بينهم وبين الهدى، فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها؛ عقوبة لهم على ذلك. والثاني: أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا، فالمعنى: لو ردوا لحلنا بینھم وبین الهدی کما حلنا بینھم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. والثالث: ونقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات. والرابع: أن ذلك التقليب فى النار عقوبة لهم(٦). والقلب والبصر اللذان لم يؤمنا بآيات الله في هذا الكون وفي خلق الأنفس رغم دقة وبراعة تلك الأنظمة الربانية، هما (٥) انظر: التوقيف، المناوي ١٠٦/١. (٦) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٦٦/٢. مُوسُو ◌َة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٠٢ البصر مقلوبان عن الحقيقة معميان عنها، والله تعالى يعلم بكذب هؤلاء المنكرين، فلو نزل عليهم ملائكة من السماء لأنکروا أيضًا رسالة محمد صلی الله علیه وسلم ، فهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله، وهو تعالی لا یشاء؛ لأنهم لا یجاهدون في الله لیھدیھم الله إلیه، وهذا الإنكار المتلبس في قلوبهم وبصرهم ينسجم مع عقابهم بتقليب حواسهم وتحويلها عن الحق في الدنيا، أو تقليبها في في الدنيا(١). الآخرة جزاءً وفاقًا على إعراضهم عن الحق وسلم (٢). ٥. السكر. ورد سكر البصر في قول المولى عز وجل في حق الكافرين: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ، وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَلِ فَظَلُواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ، لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَُ نَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٣-١٥]. أي: أن المكذبين الكفرة الذين لا يؤمنون بالله تعالى ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقد مضت سنة الله في الأمم السابقة التي لا تؤمن، فمصيرهم الهلاك، هؤلاء المهلكين باعتبار ما سيكون لو فتح الله عليهم بابًا من السماء؛ لأنه حصل منهم أن طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن یأتیھم بالملائكة، هؤلاء لو فتح لهم باب (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١١٧٠. من السماء فظلوا فيه يصعدون بأجسامهم ويرون تلك السماء وما فيها من خلق عظيم، أو على الرأي الآخر فنظروا من خلال الباب إلى الملائكة وحركتهم وعبادتهم وأدرکوھا عیانًا، لقالوا إنما سكرت وسدت أبصارنا، أو عميت، أو سحرت، أو على قراءة التخفيف (سکرت) بمعنی حبست ومنعت النظر كما يسكر النهر لحبس الماء، وسيدعون أنهم مسحورون بواسطة محمد صلى الله عليه قال ابن فارس: السكر ((يدل على حیرة»(٣). وقد عرف السكر أنه: ((غيبة بواردٍ قوي، وهو أقوى من الغيبة وأتم منها، والسكر من الخمر))(٤). وكل المعاني الخاصة بسكر البصر تبين أن الكفار إن ظهر لهم أي مدخل للإيمان احتاروا فيه، وتهافتوا علی رده بأي مبرر، ولجأوا لمخرج السحر والتزييف عند بروز أي برهان يقضي بتكذيبهم وتصديق رسالة الإسلام، فهم كاذبون متعامون عن الحق مهما بلغ وضوح الدليل المقام عليهم. يقول سيد قطب واصفًا الحالة النفسية لهؤلاء المكذبين: ((يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد (٢) معالم التنزيل، البغوي ٥١/٣. (٣) مقاييس اللغة ٨٩/٣. (٤) التعريفات، الجرجاني ١/ ١٢٠. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الباء المزري، ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء، ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان، وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل، فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة، إنما هم قوم مكابرون، مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف! إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير، مثيرًا لشعور الاشمئزاز والتحقير))(١). لمسات إعجازية في البصر ذكرت في القرآن الكريم بعض الآيات التي تحمل نواح إعجازية للبصر، ومن تلك البدائع الربانية التي استطاعت قدرة الإنسان اليسيرة فهمها نسبيًا ما يلي: أولًا: الإعجاز في آلية عمل العين: إن كرة العين التي لم يتعد وزنها ثمانية جرامات آية من آيات الله تعالى ، ففي طبقة واحدة من طبقات شبكية العين يوجد خمسمائة مليون خلية بصرية ((مستقبل بصري)) وإنه عندما تسقط أشعة الصورة على الشبكية تلتقطها خلايا ضوئية متخصصة، ثمانية ملايين خلية منها من نوع (المخاريط) المتخصصة في الضوء الساطع، ومئة وخمسون مليون خلية من نوع (العصي) على جوانب الشبكية متخصصة في الضوء الخافت. ويلعب فيتامين (أ) دورًا رئيسًا في رؤية الأشياء والألوان؛ لأنه المصدر الرئيس لمادة ((الرتينال))، وتحدث تغيرات كيميائية في أقل من البليون في الثانية، ويخرج من قاع العين العصب البصري المؤلف من نصف مليون ليف عصبي الذي ينقل طيف الضوء إلى مركز البصر في الدماغ، والذي يحولها إلى صورة مرئية، وتبلغ سرعة إرسال الصورة في العصب البصري ألف مرة في الثانية. (١) في ظلال القرآن ٢١٢٩/٤. مَوَسُولَة الَِّيـ القرآن الكريم ٢٠٤ البصر ومن حكمة الله أنه أثناء الضوء بالنهار والظلام بالليل تتبادل كل من العصي والمخاريط عملها لتمكن الإنسان من الرؤية في الظروف المختلفة، ولو لم يكن الأمر کذلك لهلکت، كما تتأثر بطريقة شديدة لو تعرضت لظلام أو إضاءة لفترة طويلة، فإذا اشتد الظلام وطال أصيبت العين بغشاوة وعميت لتوقف دورة فیتامین (أ) والريتينول عن تكوين الرودبسين اللازم للرؤية في غیاب الضوء. ومثال على ذلك ما حدث لرواد الفضاء الأولين عندما خرجوا من الأرض فلم يروا السماء إلا ظلامًا دامسًا، مغطاة بالسدیم المعتم(١). وصدق الله تعالى إذ يقول في محكم آياته: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَدِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤ -١٥]. ثانيًا: ذكر إصابة البصر بالغشاوة في القرآن الكريم: الغشاوة: سحابة تغشى عدسة العين، وقد يحدث ذلك التأثير لعين واحدة أو للاثنتين معًا، وترتبط الغشاوة في العادة بتقدم السن، فتصبح العدسة أقل مرونة، وتفقد بعض قدرتها على تركيز الضوء (١) انظر: مقال بعنوان: الإعجاز العلمي في البصر، وائل الشيمي ومحمد الديب، في موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي. في الشبكية، وبسبب عدم مرونتها تصبح منعدمة الشفافية، وهذا يعني بداية إصابتها بانسداد العدسة، وفي النهاية قد تتكون غشاوة بيضاء تملأ العين، فيفقد الإنسان قدرته على الإبصار، كما تحدث الغشاوة أيضًا نتيجة لبعض الأمراض مثل مرض السكري، وقد تتسبب الغشاوة بسبب بعض الجروح والتهابات العيون، کما أنه قد يولد بعض الأطفال مصابین، وأيضًا تسببها بعض العقاقير وبعض أنواع من الأشعة. وقد ذكر الله تعالى هذه الغشاوة في حق العين خاصة، فقد وصف سمع وقلب الكفار بالختم، أما البصر فخصه بالغشاوة التي تمنع من الرؤية، وجاء هذا الوصف في كتابه الكريم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، عندما بين حال المتعامي عن الحق ولا يجتهد في طلبه، تأمل قول الله عز وجل واصفًا حال الكافر المعرض: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]. وقوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَّ إِلَهَهُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِيٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِهِ غِشَوَّةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقد فسرت الغشاوة بأنها العمی، فهم لا یبصرون سبیل الهدى. وكذا قال قتادة: إن المعنى لا يبصرون www. modoee.com ٢٠٥ حرف الباء الهدى. وقال السدي: لا يبصرون محمدًا حين ائتمروا على قتله(١). وإذا ما أصاب العين غشاوة فلا نور يصلها ولا هدى (٢) . موضوعات ذات صلة: الرؤى، الرؤية، السمع، العين (١) فتح القدير، الشوكاني ٤ /٤١٥. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٢. ٢٠٦ مَوَسُورَة النَّفِيَة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ