النص المفهرس
صفحات 41-60
بنوإسرائيل النعمة في غیر ما وضعت له، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما تکثر قد تنسي العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث في الأرض فسادا(١). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥١٩، التفسير الوسيط، محمد طنطاوي ١ / ١٤٥، روح المعاني، الألوسي ١ / ٢٧٢. أخذ الميثاق على بني إسرائيل تظهر المواثيق التي أخذها الله تعالى على بني إسرائيل من خلال النقاط الآتية: أولًا: أخذ الميثاق على بني إسرائيل أن يأخذوا الكتاب بقوة: ذكر القرآن الكريم أخذ الميثاق على بني إسرائيل لكي يأخذوا الكتاب بقوة. قال تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَّيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ، ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنْ بَعْدِ ذَالِكٌ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم ﴾ [البقرة: ٦٣-٦٤]. مِنَ الْخَسِرِنَ يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله: ﴿ وَإِذْأَخَذْنَا مِيثَقَگُمْ﴾، أي: واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة وقبولهم ذلك، والميثاق في هذه الآية مراد به الشريعة ووعدهم بالعمل بها وقد سمته کتبهم عهدا، وهو إلى الآن كذلك في كتبهم، وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم. ﴿وَرَفَّعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُّورَ﴾، والطور: علم على جبل بيرية سينا، وكانت هذه الآية بعد أخذ الميثاق لکی يأخذوا ما أوتوه من الکتاب بقوة واجتهاد، لأن رؤية ذلك مما www. modoee.com ٣٢٥ حرف الباء يقوى الإيمان ويحرك الشعور والوجدان(١). ذَلِكَ﴾، أي: ثم أعرضتم وانصرفتم عن العمل بالميثاق الذي أخذه عليكم، ﴿فَلَوَلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم ◌ِّنَ اْخَسِينَ﴾، أي: فلولا لطف الله بكم وإمهاله إیاکم إذ لم يعاملكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين بالانهماك في المعاصي (٤). وقوله تعالى: ﴿خُّدُّواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّقَ﴾، أي: وقلنا لهم خذوا الكتاب وهو التوراة بجد وعزيمة، ومواظبة على العمل بما فيه، والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم، والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به، ويجوز أن يكون الذكر مجازا عن الامتثال، أي: اذکروه عند عزمكم على الأعمال حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه، أو المراد بالذكر التفهم بدلیل حرف (في) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول. ﴿وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾، أي: وادارسوه ولا تنسوا تدبر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخا في النفس مستقرا عندها(٢). ثم ذكر لهم فائدة ذكره فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾، أي: لیعد نفوسكم لتقوى الله عز وجل: ذلك أن المواظبة على العمل تطبع في النفس سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية نقية من أدران الرذائل راضية مرضية عند ربها(٣). ﴿ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّنْ بَعْدٍ وقوله تعالى: (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٧/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٥٤٢. (٢) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٣٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٤٢. (٣) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٣٧. يقول سيد قطب: ((وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد، والمهم هنا هو استحضار المشهد، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة، وأن يعزموا فيه عزيمة، فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة، إنه عهد الله مع المؤمنین، وهو جد وحق، فلا سبیل فیه لغير الجد والحق، وله تکالیف شاقة، نعم! ولکن هذه هي طبيعته، إنه أمر عظيم، أعظم من كل ما في هذا الوجود، فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التکالیف، ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة، کما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نودي للتکلیف: (مضی عهد النوم یا (٤) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٣٧، التفسير الوسيط، محمد طنطاوي ١ / ١٦٠. مَوَسوبر التفسير لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٢٦ بنوإسرائيل خديجة)، وكما قال له ربه: ﴿إِنَّاسَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا ﴾ [المزمل: ٥]. وكما قال لبني إسرائيل: ﴿خُذُواْ مَآَ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ ﴾، ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصمیم، لا بد مع هذا من تذکر ما فيه، واستشعار حقيقته، والتكيف بهذه الحقيقة، کی لا یکون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة، فعهد الله منهج حياة، منهج يستقر في القلب تصورًا وشعورًا، ويستقر في الحياة وضعًا ونظامًا، ويستقر في السلوك أدَبًا وخلقًا، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير) (١). ثانيًا: أخذ الميثاق على بني إسرائيل في العبادات والمعاملات: ذكر القرآن الكريم أخذ المواثيق على بني إسرائيل في العبادات والمعاملات. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: ٨٣]. يخبر تعالى أنه أخذ الميثاق على بني إسرائيل، وهذا الميثاق الذي أخذه عليهم في (١) في ظلال القرآن ١ / ٧٦. أصول الدين والمعاملات والأخلاق التي تنفعهم في الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿مِثَقَ يَِّيّ إِسْرَّاءِيلَ﴾، أظهر هنا لفظ بني إسرائيل لأن ما سيذكر هنا لما كان من الأحوال التي اتصف بها السلف والخلف وكان المقصود الأول منه إثبات سوء صنيع الموجودين في زمن القرآن، تعين أن يعبر عن سلفهم باللفظ الصریح لیتأتی توجیه الخطاب من بعد ذلك إلى المخاطبين حتى لا يظن أنه من الخطاب الذي أريد به أسلافهم، ثم بين هذا الميثاق فقال: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾، هذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن یعبد وحده لا شريك له، وهذا أصل الدين، فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده، وقد نهوا عن عبادتهم غير الله مع أنهم كانوا يعبدون الله خوفا من أن يشركوا به سواه من ملك أو بشر أو صنم بدعاء أو غيره من أنواع العبادات، ودين الله على ألسنة الرسل جميعا فيه الحث على عبادة الله وعدم الشرك بعبادة أحد سواه، ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. فالتوحيد عماده الأمران معًا(٢). وقوله تعالى: ﴿وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٦/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧، تفسير المراغي ١ / ١٥٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٨٢. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الباء أي: أحسنوا إليهما، بأن تعطفوا عليهما ﴿وَالْيَتَمَى تعالى: وقوله وترعوهما حق الرعاية، وتنزلوا عند أمرهما وَاَلْمَّسَكِينِ﴾ أي: أحسنوا إليهم لخلوهم فيما لا يخالف أوامر الله، وقد جاء في التوراة أن من يسب والديه يقتل، والحكمة في البر بهما أنهما قد بذلا للولد وهو صغير كل عناية وعطف بتربيته والقيام بشئونه، حين كان عاجزا ضعيفا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، مع الشفقة التي لا مزيد عليها، أفلا يجب عليه بعدئذ مكافأتهما جزاء وفاقا لما صنعا؟ قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إلَّا اَلْإِحْسَنُ ﴾ [الرحمن: ٦٠](١). وقوله تعالى: ﴿وَذِى الْقُرْبَ﴾، قدم ذا القربى لأنهم أقدم والشفقة عليهم أعظم أجرا منها على غيرهم لأن الإحسان إليهم مما يقوى الروابط بينهم، فما الأمة إلا مجموعة الأسر والبيوت، فصلاحها بصلاحها وفسادها بفسادها، ومن لا بيت له لا أمة له، ومن قطع لحمة النسب فكيف يصل ما دونها، وکیف یکون جزاء من الأمة، يسره ما يسرها ويؤلمه ما يؤلمها، ويرى في منفعتها منفعته، وفي مضرتها مضرته، ونظام الفطرة قاض بأن صلة القرابة أمتن الصلات، وجاء الدين حاثا عليها مؤكدا لأواصرها، مقويا لأركانها، مقدما لحقوقها على سائر الحقوق بحسب درجات القرابة (٢). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٦/١، تفسير المراغي ١ / ١٥٦. (٢) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٥٧، بيان القرآن الكريم عمن يقوم بمعاشهم ومصالحهم، وأخر المساکین لأنهم دون الیتامی القاصرين عن درجة البلوغ؛ لأنهم يقدرون على أن ينتفعوا بأنفسهم في الجملة، ويقدرون على نفع غیرهم بالخدمة، والإحسان إلى الیتیم بحسن تربيته، وحفظ حقوقه من الضياع، والكتاب والسنة ملیتان بالوصية به، وحسبك من ذلك حدیث سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (٣). والسر في هذا أن اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه العاطفة على تربيته والقيام بشئونه وحفظ أمواله، والأم وإن وجدت تكون في الغالب عاجزة عن تنشئته وتربيته التربية المثلى، إلى أن الأيتام أعضاء في جسم الأمة، فإذا فسددت أخلاقهم وساءت أحوالهم، تسرب الفساد إلى الأمة جمعاء، إذ يصبحون قدوة سيئة بين نشئها، فيدب فيها الفساد ويتطرق إليها الانحلال، وتأخذ في الفناء، والإحسان إلى المساكين يكون بالصدقة عليهم ومواساتهم حين البأساء والضراء. وقدم اليتيم على المسكين، لأن هذا المعاني، عبد القادر ملا ٥ / ٥٦. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، رقم ٩/٨،٦٠٠٥. ٣٢٨ بنوإسرائيل يمكنه أن يسعي بنفسه للحصول على الصور والرسوم إلى عصر التنزيل، بل إلى قوته، بخلاف الأول فإن الصغر مانع له من يومنا هذا، ثم الزكاة لما فيها من إصلاح ذلك(١). وقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، أمر الله أولًا بالإحسان بالمال لأقوام مخصوصين، وهم الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين، إذ لا يمكن الشخص أن یحسن به إلى الناس جميعا، لأنه لا یسع کل الأمة، ومن ثم اكتفى في حقوق سائر أفرادها بحسن العشرة والقول الجميل، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر ونحو ذلك مما هو نافع لهم في الدين والدنيا، وفي القيام بهذه الفرائض إصلاح لحال المجتمع وسعى في رقيه وتقدمه حتى يبلغ ذروة المجد والشرف(٢). وبعد أن أمرهم سبحانه بعبادته وحده على سبيل الإجمال، فصل بعضا من ذلك مما لا یهتدی إلیه إلا بهدی إلھی ووحي وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ سماوي، فقال تعالى: وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾، لأن الصلاة هي التي تصلح النفوس وتنقیها من أدران الرذائل، وتحليها بأنواع الفضائل، وروحها هو الإخلاص لله والخشوع لعظمته وسلطانه، فإن فقدته كانت صورا ورسوما لا تغنى فتيلا، وهم ما تولوا ولا أعرضوا عن تلك (١) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٥٧، بيان المعاني، عبد القادر ملا ٥ / ٥٦. (٢) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٥٨. شئون المجتمع، وقد کان لهم ضروب من الزكاة منها مال خاص یؤدی لآل هارون، وهو إلى الآن في اللاويين (سبط من أسباطهم)، ومنها مال للمساكين، ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض، ومنها سبت الأرض وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة(٣). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ﴾، أي: توليتم عن جميع ما أخذ عليكم الميثاق به، فأشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم الصلاة ومنعتم الزكاة، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْكُمْ﴾، إنصاف لهم في توبيخهم ومذمتهم وإعلان بفضل من حافظ على العهد، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي: وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولي عن المواثيق، وفي الجملة مبالغة في الترك المستفاد من التولي، لأن الإنسان قد يتولى عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويؤدى ما يجب له، فليس كل من تولى عن شيء يكون معرضا عنه، والتعبير بالجملة الإسمية (٣) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الباء تفيد أن الإعراض وصف ثابت لهم وعادة منهم. معروفة منهم(١). ثالثًا: أخذ الميثاق على بني إسرائيل ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم: ذكر القرآن الكريم أخذ الميثاق على بني إسرائيل ألا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّأَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتَخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثم وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُكُمْ أُسَبِرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ تُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ اُلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍّ فَمَا جَزَاءٍ مَنِ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَابٍ وَمَا اللَّهُ أُوْلَتِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ [البقرة: ٨٤-٨٦]. وَلَ هُمْ يُصَرُونَ ) بَيَنَت الآيات أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد بالتضامن، فلا يقتل بعضهم بعضا ولا يظاهر أحد منهم غريبا على أحد (١) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٥٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٨٤، روح المعاني، الألوسي ١ / ٣١٠. موسوعة البشير المضوي القرآن الكريم ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ﴾ أي: وإذ أخذنا عليكم العهد: لا يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم وأوطانهم، وقد جعل غير الرجل كأنه نفسه، و دمه کأنه دمه إذا اتصل به دینا أو نسبا، إشارة إلى وحدة الأمة وتضامنها، وأن ما يصيب واحدا منها فكأنما يصيب الأمة جمعاء، فیجب أن یشعر کل فرد منها بأن نفسه نفس الآخرین و دمه دمهم، فالروح الذي يحيا به والدم الذي ینبض في عرقه هو کدم الآخرین وأرواحهم، لا فرق بينهم في الشريعة التي وحدت بينهما في المصالح العامة. ويجوز أن يكون المعنى: لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل قصاصًا، أو بالإخراج من الدیار، فتکونون کأنكم قد قتلتم أنفسكم؛ لأنكم فعلتم ما تستحقون به القتل، كما يقول الرجل لآخر قد فعل ما يستحق به العقوبة: أنت الذي جنى على نفسه(٢). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، أي: ثم أقررتم بهذا الميثاق أيها الحاضرون المخاطبون واعترفتم به سلفًا بعد خلف، ولم تنكروه بألسنتكم، (٢) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٦٠، روح المعاني، الألوسي ١ / ٣١٠. ٣٣٠ بنوإسرائيل بل شهدتم به وأعلنتموه، فالحجة عليكم قائمة، وقيل: وأنتم أيها الحاضرون تشهدون على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق وقبوله، وشهودهم الوحی الذي نزل به على موسى عليه السلام. ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد فتقتلون أنفسكم: أي يقتل بعضكم بعضا كما كان يفعل من قبلکم، مع أنكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم، ومن حديث ذلك أن بنى قينقاع من اليهود كانوا حلفاء الأوس وأعداء لإخوانهم في الدين بنى قريظة، كما كان بنو النضير حلفاء الخزرج، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء يقتتلون، ومع كل حلفاؤه. ﴿وَتُمْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّنِ دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾، كان كل من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب. موقفهم من الأنبياء بعد موسى من مواقف بني إسرائيل التي ذكرها القرآن الكريم مع أنبيائهم ما يأتي: أولًا: القتل: ذكر القرآن الكريم أن من مواقف بني إسرائيل مع أنبيائهم القتل. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) أُوْلَكِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِينَ ﴾ [آل عمران: ٢١ -٢٢]. كشفت هذه الآية عن الجرائم العظيمة التي أرتكبها بنو إسرائيل في حق الأنبياء، حيث أقدموا على قتل الأنبياء والرسل، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بَِايَتِ اَللَّهِ﴾، وهى الكفر بآيات الله التي حملها إليهم رسل الله، وهی آیات لا یکذب بها إلا کل معتد أثيم، كفلق البحر بالعصا، وتفجير الماء من الصخر بها، على يد موسى عليه السلام، فكفروا بتلك الآيات وعبدوا العجل من دون الله، وكذلك فعلوا مع الآيات التي أجراها الله سبحانه على يد عيسى عليه السلام www. modoee.com ٣٣١ حرف الباء من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هیرودس علی یحیی (٢). فكفروا بتلك الآيات، ورموا عيسى بالبهت والشعوذة، حتى دفعهم ذلك إلى السعي في قتله، وتقديمه للمحاكمة والصلب، ولكن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم، وهم يحسبون أنهم صلبوه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَدَلْنَا اَلَْسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍْ إِلَّا أَنْبَاعَ الظَِّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنَا (٥)﴾ [النساء: ١٥٧](١). وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُّلُونَ النَّبِتْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذین أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزیرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص قتله الملك منسي ملك اليهود (سنة ٧٠٠ ق. م)، نشر نشرًا على جذع شجرة، وأرمياء النبي، وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه، وزکریاء، قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان؛ لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص: ١٢٦، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٢ / ٤٢٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٣٠. وقوله: ﴿پغیرِحَقٍ﴾، أي: بدون وجه معتبر في شريعتهم، فإن فيها: ﴿مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ كَتَّبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيْنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ اُلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ [المائدة: ٣٢]. فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دینهم لتخلید مذمتهم، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال، وأضاف القتل للنبيين، ولم تضاف إلى الرسل؛ لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ [غافر: ٥١]. ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافيا لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه(٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُّلُونَ الَّذِينَ (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص: ١٢٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٣٠. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٣٠. ٣٣٢ القرآن الكريم بنوإسرائيل يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾، إنهم لم یکتفوا بقتل النبیین، بل يقتلون أيضا كل من يأمر بالعدل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهم مؤمنو بني إسرائيل يأمرونهم بالمعروف، فكانوا يقتلونهم، فعيرهم الله بذلك، وأوعدهم النار. أي: ﴿نَبَشِرْهُم بِعَذَاپٍ أَلیپٍ ﴾، وجیع، ويقال: أليم: يعني مؤلم، ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾، أي: بطل ثواب حسناتهم، فلا ثواب لهم، ﴿فِي الدُّنْيَا وَاْأَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّنْ نَصِرِينَ﴾، أي: مانعين يمنعونهم من النار (١). ثانيًا: التكذيب: ذكره القرآن الكريم أن من مواقف بني إسرائيل مع أنبيائهم التكذيب. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوجِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: ٨٧]. ذم الله تعالى بني إسرائيل فيما ارتكبوه من المآئم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا (١) انظر: تفسير السمر قندي ١ / ٢٠٢، تفسير الشعراوي ٣ / ٠١٣٧٥ مُوسَى الْكِنَبَ﴾، أي: أعطينا موسى التوراة جملة واحدة ويقال: الألواح، ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِ﴾، أي: أتبعنا وأردفنا، معناه: أرسلنا رسولًا على أثر رسول، يقال: قفوت الرجل إذا ذهبت في أثره، ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ﴾، أي: الآيات والعلامات مثل: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ﴿وَأَيَّدْنَهُ بُرُوحِ اَلْقُدُسِ﴾، أي: إغاثة بجبريل حين أرادوا قتله فرفعه إلى السماء، وقال بعضهم: أيدناه أي قويناه وأعناه باسم الله الأعظم الذي کان یحيي به الموتی(٢). وقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَىَ أَنفُسُكُمُ﴾، يقول: بما لا يوافق هواكم، ﴿أَسْتَكْبَرْتُمْ﴾، تعظمتم عن الإيمان، وأنفتم أن تكونوا له أتباعًا؛ لأنهم كانت لهم رئاسة وكانوا متبوعين، فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرياسة، ﴿فَغَرِيقًاگذَّبْتُمْ﴾، فنشأ عن الاستكبار مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب فقط، حیث لا يقدرون على قتله، وفريق بالقتل إذا قدروا على قتله، وتهيأ لهم ذلك، ويضمن أن من قتلوه فقد كذبوه، واستغنى عن التصريح بتكذيبه للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وهو قتله، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر، ولأنه المشترك بين الفريقين: المكذب والمقتول، (٢) انظر: تفسير السمرقندي ١ / ٧١، الكشف والبيان، الثعلبي ١ / ٢٣٢، التفسير الوسيط، الواحدي ١ / ١٧١ . www. modoee.com ٣٣٣ حرف الباء وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض (١). وتقديم المفعول في قوله: ﴿فَغَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾، لما فيه من الدلالة على التفصيل، والتفصيل راجع إلى ما في قوله: رسول من الإجمال لأن ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَ كُمْ رَسُولٌ﴾، أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام، فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به، إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى، وأساءوا الظن به مرارا فى أوامره الاجتهادية، وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحین أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول، (١) انظر: تفسير السمر قندي ١ / ٧١، البحر المحيط، أبو حيان ١ / ٤٨٣، روح المعاني، الألوسي ١ / ٣١٨. مثل عيسى، وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزکریاء ویحیی ابنه وأرمیاء(٢). (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٩٨. ٣٣٤ مَوْسُورَةُ النفسية القرآن الكريم بنوإسرائيل عقوبات الله على بني إسرائيل لقد عاقب الله تعالى بني إسرائيل على سوء أعمالهم القبيحة بصنوف العقوبات ومنها ما يأتي: أولًا: تسليط العذاب عليهم: ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى سلط على بني إسرائيل من يسومهم سوء العاب. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءً الْعَذَابُ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٣)﴾ [الأعراف: ١٦٧]. بينت هذه الآية خاتمة بني إسرائيل وإيلاء الله تعالى على نفسه بأن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة بسبب ما ارتكبوه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دینھم و کتابهم بالدنيا. وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَّهَ اَلْعَذَابِ﴾، أي: واذكر أيها الرسول إذ أعلم ربك هؤلاء القوم مرة إثر أخرى أنه قضى عليهم في علمه وفقا لما قامت عليه نظم الاجتماع، ليبعثن ويسلطن عليهم إلى يوم القيامة، ﴿مَنْ يَسُومُهُمْ سُوَّهَ اَلْعَذَابِ﴾، أي يريده ويوقعه بهم، عقابا على ظلمهم وفسقهم وفسادهم، وهو مجاز من سوم الشيء، كما يقال سامه خسفا، وسوء العذاب ما یسوء صاحبه ویذله، وهو هنا سلب الملك، وإخضاع القهر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا تلقيت باللام في قوله: ﴿لَبَّمَأَنَّعَلَيْهِمْ﴾، أي: على اليهود، فسلط الله عليهم الملوك البابليين واليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، فقهروهم وأذلوهم وشردوهم وأذاقوهم الويلات. ثم سلط الله عليهم النصارى فسلبوا ملكهم الذي أقاموه بعد نجاتهم من السبي البابلي، وقهروهم واستذلوهم، ثم جاء الإسلام فعاداه منهم الذين كانوا هربوا من الذل والنكال، ولجئوا إلى بلاد العرب فعاشوا فيها أعزاء آمنين، ولم يفوا للنبي صلی الله عليه وسلم بما عاهدهم عليه إذ أمنهم على أنفسهم وحرية دينهم، بل غدروا به وكادوا له، ونصروا المشركين عليه، فسلطه الله عليهم فقاتلهم فنصره عليهم، فأجلى بعضهم، وقتل بعضا، وأجلى عمر من بقي منهم، ثم فتح عمر سورية، بعضها بالصلح كبيت المقدس، وبعضها عنوة، فصار اليهود من سيادة الروم الجائرة القاهرة فيها إلى سلطة الإسلام العادلة، ولكنهم ظلوا أذلة بفقد الملك والاستقلال(١). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ / www. modoee.com ٣٣٥ حرف الباء وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ اَلْعِقَابِ﴾، أي: لمن عصاه وخالف أمره وشرعه، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أي: لمن تاب إليه وأناب، وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة، لئلا یحصل اليأس، فيقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف(١). ثانيًا: تحريم بعض الطيبات: ذكر القرآن الكريم تحريم الطيبات على بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿فَيُظَلِّ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [النساء: ١٦٠]. یخبر الله تعالی في هذه الآية أنه بسبب ظلم بني إسرائيل وكفرهم بآيات الله حرم عليهم طيبات كانت حلالًا لهم، وقوله تعالى: ﴿فَيُظْلِمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمُمْ﴾، يعني بشرکھم حرمنا عليهم أشياء كانت حلالاً لهم، وهو كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم أحلت لهم، وقد أبهمها الله هنا، لأن الغرض من السياق العبرة بكونها عقوبة، لا بيانها في نفسها، كما أبهم الظلم الذي كان سببا في العقوبة، ليعلم أن أي نوع منه يكون سببا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ کَثِيرًا﴾، أي: صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه؛ ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدا، صلوات الله وسلامه عليهما(٢). والآية اقتضت: أن تحريم ما حرم عليهم إنما كان عقابا لهم، وأن تلك المحرمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلا لحرمت عليهم من أول مجيء الشريعة (٣). ثالثًا: المسخ: ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى مسخ العصاة من بني إسرائيل قردة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْا مِنكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ [البقرة: ٦٥]. يخبر تعالى في هذه الآية ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْا ٤٩٧، تفسیر المنار، محمد رشید ٩ / ٣٢١، تفسير المراغي ٩ / ٩٧. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ / ٤٩٧. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ١ / ٣٥٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢ / ٤٦٧، تفسير المراغي ٦ / ١٧. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ / ٢٦. صَوْسُوبَةُ النَّهِ القرآن الكريم ٣٣٦ بنوإسرائيل مِنكُمْ فِ السَّبْتِ﴾، أي: قد عرفتم الذين كانوا في خيارها، بل جعلهم في أخس أنواعها، فهم كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، مبعدين من الفضائل الإنسانية، يأتون المنكرات جهارا عيانا بلا خجل ولا حیاء، حتی احتقرهم کرام الناس، ولم يروهم أهلا لمعاشرة ولا معاملة (٢). جاوزوا ما حدلهم في السبت من التجرد للعبادة فیه وتعظيمه واشتغلوا بالصید، وذلك أن الله تعالی نهاهم أن یصیدوا في السبت، ثم ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت فإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضًا عند البحر، وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد، فكانوا يسدون مشارعها من البحر فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، وهذه القصة غير مسطورة في الأسفار القديمة وكانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم فأطلع الله تعالى نبيه صلی الله عليه وسلم عليها وتلك معجزة غيبية وأوحى إليه في لفظها ما يؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى فأسند الأمر فيها لعلمهم إذ قال: ولقد علمتم (١). وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾، أي: مبعدين من رحمة الله صاغرین ذليلين، وأصله في اللغة من البعد، يقال: خسأ الكلب إذا بعد، فجازاهم الله بأشد أنواع الجزاء، فخرج بهم من محيط النوع الإنساني وأنزلهم أسفل الدركات، فجعلهم يرتعون في مراتع البهائم، وليتهم (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٩٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٤٣. قال ابن عاشور: ((وفي ذلك دليل على أن الله تعالى لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه، فإن شرائع الله تعالى مشروعة لمصالح وحكم، فالتحيل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطيل الحكمة منها جراءة على الله تعالى، ولا حجة لمن ينتحل جواز الحيل، بقوله تعالى في قصة أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا فَأَضْرِب ◌ِهِ، وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِرًاً نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ، أَوَّبُ )﴾ [ص: ٤٤]. لأن تلك فتوى من الله تعالى لنبي لتجنب الحنث الذي قد يتفادى عنه بالكفارة، ولكن الله لم يرض أصل الحنث لنبيه؛ لأنه خلاف الأولی فأفتاه بما قاله، وذلك مما يعين على حكمة اجتناب الحنث؛ لأن فيه محافظة على تعظيم اسم الله تعالى، فلا فوات للحكمة في ذلك»(٣). (٢) انظر: تفسير السمرقندي ١ / ٦١، تفسير المنار، محمد رشيد ١ / ٢٨٤، تفسير المراغي ١ / ١٣٨. (٣) التحرير والتنوير ١ / ٥٤٥. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الباء رابعًا: سخط الله عليهم ولعنهم: ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى لعن بني إسرائيل وغضب عليهم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشٍَّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةٌ عِندَ اللّهِ مَن ◌َّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيَرَ وَعَبَدَ الطَّغُونَ أُوْلَيْكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَِّ السَّبِيلِ ﴾[المائدة: ٦٠]. ٦٠ يخبر تعالى في هذه الآية عن غضبه على بني إسرائيل وأن جزاءهم على أعمالهم القبيحة هو اللعن والغضب، والمسخ. منکم، ولا دینا شرا من دینکم، قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم: هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو: ﴿مَن لَّمَنَّهُ اللهُ﴾﴾، أي: أبعده من رحمته، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، أي: غضبا لا يرضى بعده أبدا، ﴿وجعل منهم القردة والخنازير﴾، فالقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى عليه السلام، ﴿وَعَبَدَ اَلَّغُوتَ﴾، أي: جعل منهم عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سول له، ﴿أُوْلَكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآِ السَّبِيلِ﴾ أي: أولئك المتصفون بما ذكر من الفسوق واللعن والطرد من رحمة الله أولئك المتصفون بذلك شرٌّ مكانًا من غيرهم وأكثر ضلالا عن طريق الحق المستقيم من سواهم، فهم في الدنیا یشرکون بالله، وينتهكون محارمه وفى الآخرة ماواهم النار وبئس القرار (١). خامسًا: ضرب الذلة والمسكنة عليهم: ذكر القرآن الکریم أن الله تعالی ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُلِتُ وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَّيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةٌ عِندَ اللهِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب سماوية، والذين قالوا لكم: ما الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَّآْبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَيَصَلِهَا قَالَ أَتَشْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَبِّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة مَا سَأَلْتُهُّ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَآَهُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَُّّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَمْتَدُونَ [البقرة: ٦١]. بينت الآية قبائح اليهود ودناءة نفوسهم، وأن الله تعالى ضرب عليهم الذلة والمسكنة وهي محيطة بهم كما تظلل الخيمة من فيها، وكانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢ / ٢٠٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ / ١٤٢، التفسير الوسيط، محمد طنطاوي ٤ / ٢٠٨. ٣٣٨ جَوهو لِلْقُرآن الكَرِيْمِ بنوإسرائيل واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وذلك أنهم سئموا من المن والسلوى وملوه، فاشتهوا عليه غيره لأن المواظبة على الطعام الواحد تكون سببا لنقصان الشهوة، وإنما قالوا على طعام واحد وهما طعامان؛ لأنهم أرادوا بالواحد ما لا يتبدل ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة یداوم عليها کل یوم لا يبدلها، يقال لا یأکل فلان إلا طعامًا واحدًا ویراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف أو أرادوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل التلذد والتترف و کانوا من أهل الزراعات فأرادوا ما ألفوا من البقول والحبوب وغير ذلك. ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِنَّا تُلِبِتُّ الْأَرْضُّ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّآَبِهَا وَقُومِهَا﴾، الفوم: الخبز، وقيل: هو الحنطة، وقيل: هو الثوم، ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾، إنما طلبوا هذه الأنواع لأنها تعین علی تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة(١). وقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى﴾، أي: الذي هو أخس وأرداً وهو الذي طلبوه، ﴿بِلَّذِى هُوَ خَّ﴾، (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١ / ٤٢٢، مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٩٣، لباب التأويل، الخازن ١ / ٤٩. يعني بالذي هو أشرف وأفضل وهو ما هم فيه، ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾، يعني إن أبيتم إلا ذلك، فأتوا مصرا من الأمصار، وقيل: بل هو مصر البلد الذي كانوا فيه، ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾، يعني من نبات الأرض(٢). وقوله تعالى: ﴿وَضُّرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ﴾، أي: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وَالْمَسْكَنَةُ. والزموا الذل والهوان، أي: الفقر والفاقة، وسمي الفقير مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا أغنياء مياسير كأنهم فقراء، فلا ترى أحدا من أهل الملل أذل ولا أحرص علی المال من اليهود. ﴿وَبَآءُو ﴾، أي: رجعوا ولا يقال باء إلا بشر، ﴿بَغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وغضب الله إرادة الانتقام ممن عصاه ﴿ذَلِكَ﴾، أي: الغضب، ﴿ِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اَللَّهِ﴾، أي بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم التي في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيْنَ﴾، النبي: معناه المخبر من أنبأ ينبئ، وقيل: هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة، وهو المكان المرتفع، ﴿يغير الحقِّ﴾، أي، بغیر جرم(٣). (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ١ / ٤٩. (٣) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الباء سادسًا: تفريقهم في الأرض: ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى فرق بني إسرائيل في الأرض، قال تعالى: ﴿وَقَّعْنَهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧)﴾ [الأعراف: ١٦٨]. بينت الآية أن الله تعالى فرق بني إسرائيل في الأرض جماعات متفرقة، فقل أرض لا يكون منهم فيها شرذمة وهذا حالهم في كل مكان تحت الصغار والذلة، سواء كان أهل تلك الأرض مسلمين أم كفارا، وقوله: ﴿وَقَّعْنَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾، وفرقناهم فيها، ﴿مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ﴾، أي: من هؤلاء الذين وصفهم الله من بني إسرائيل صالحون، وهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه، ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾، ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة، ﴿وَيَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾، بالنعم والنقم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ویتوبوا إليه (١). (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٧٣/٢، مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٦١٥. الدروس المستفادة من قصة بني إسرائيل إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم فيها الدروس والعظات والعبر الكثير ومنها: أولًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم تدور في جملتها حول قضية العقيدة وغرسها في نفوس بني إسرائيل، وإعدادهم للنهوض في حملها وقيادة البشرية، وفي ذلك إشارة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة لهم لحمل العقيدة بقوة ولا یکونوا کبني إسرائيل. ثانيًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الکریم تدور حول محور الأخلاق، فبینت أخلاق بني إسرائيل القبيحة والمهينة، أخلاقهم مع الله جل جلاله، وأخلاقهم مع أنبيائهم، أخلاقهم مع العلماء والدعاة، وفي هذا إشارة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتجنبوا هذه الأخلاق القبيحة ويحذروا منها. ثالثًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم ناقشت البعد الاجتماعي الطائفي الذي يدمر المجتمعات الإنسانية ويستعبدها. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةٌ مِنْهُمْ يُدَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ, كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ ٣٤٠ مَوَسُو ◌َ التَّقِيد القرآن الكريم بنوإسرائيل أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَيِنَّةٌ وَغَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ٥﴾ [القصص: ٤ -٥]. وفي هذا تحذير للمؤمنين من أسباب الفرقة، ومحاربة الطائفية والحزبية التي تدمر المجتمعات. رابعًا: إن الفساد والظلم والطغيان والتكبر ونسيان النعم من أسباب الزوال، ولقد ذكر القرآن الكريم نهاية بني إسرائيل، وأن سبب ذلك هو الفساد والعلو والتكبر والظلم والطغيان. قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرِيلَ فِي الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا ) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَاْ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسْكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِسُنَِّرُواْ مَا عَلَوْ تَشْبِيْرًّا ﴿ عَقْ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَكُمْ وَإِنْ عُدِّثُمْ عُدْنَا وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا ﴾ [الإسراء:٤-٨]. وهذا يكشف عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها، وفاقا لسنة الله في هلاك الأمم، وذلك أنه إذا قدر الله الهلاك لقرية جعل إفساد المترفين فيها سببا لهلاكها وتدميرها، وفيه تحذير وعبرة لهذه الأمة(١). خامسًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم تدور حول بعث موسى عليه السلام إلی فرعون وملأه، وکیف نصره الله على عدوه، ونصر قومه بني إسرائيل، وأهلك عدوهم كشأن سنة الله في نصر الحق على الباطل، وفي ذلك طمأنينة نفوس المؤمنين الصالحين والمستضعفين أن الله تعالی سوف ینصرهم، وتحذيرهم مما یرمي بهم إلى غضب الله فیما یحقرون من المخالفات، لما في ذلك كله من التشابه في تدبير الله تعالى أمور عبيده، وسنته في تأييد رسله وأتباعهم، وإيقاظ نفوس الأمة إلى مراقبة خواطرهم ومحاسبة نفوسهم في شكر النعمة ودحض الكفران(٢). سادسًا: والعبرة الاجتماعية في قصة بني إسرائيل أن الخطاب في کثیر من الآيات كان موجها إلى الذين كانوا في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب إلا لبيان معنى وحدة الأمة، واعتبار أن كل ما يبلوها الله (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢١٢/٤. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٩/٩. www. modoee.com ٣٤١ حرف الباء من النعم والنقم، إنما یکون لمعنى موجود فیھا یصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق، کأنه وقع به؛ ليعلم الناس أن سنة الله تعالی في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة، يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو، ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ اَلْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٢٥]. وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لرقيها؛ لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين (١). سابعًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الکریم بینت عقاب الله تعالی لهم بسبب ما ارتكبوه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دينهم و کتابهم بالدنيا، وإن في هذا العقاب الإلهي لعبرة لأولي الألباب، ففي ذلك عظة وذكرى وإنذار للمسلمين و دعوة للاعتبار والازدجار. كما يستفاد منها أن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستعباد تذهب أخلاقها، ويذهب (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ١ / ٢٦٧. به من الحسنات والسيئات، وما يجازيها به بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة وتأنس بالمهانة، وإذا طال عليها الأمد أصبحت تلك الصفات غرائز وطباعا خلقية لها، فإذا خرجوا من بيئتهم ورفع عنهم نير الظلم والاستعباد حنوا إلى ما كانوا فيه، وتاقت نفوسهم إِلی الرجوع إليه، وهذا شأن البشر في جمیع ما یألفون، ویجرون علیه من خير وشر (٢). ثامنًا: إن قصة بني إسرائيل في القرآن الکریم بينت حال بني إسرائيل في مواجهة الرسل وكشفت مكرهم وكيدهم في إثارة النعرات، وعرت وسائلهم القبيحة وأظهرت نفاقهم والشكوك والتحريفات حول العقيدة، وفي ذلك كله كشف للمجتمع المسلم ليعرف من هم أعداءه، وما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم؟ ولقد علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله كما كانوا أعداء هدى الله في ماضیهم کله، فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفًا ووسائلهم كلها مكشوفة. فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة- وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم، وتقلبات هذا التاريخ وتعرف مزالق (٢) انظر: تفسير المراغي ٦ / ٩٤، التفسير الحديث، دروزة محمد عزت ٢ / ٥٢٣. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ٣٤٢ بنوإسرائيل الطريق، وعواقبها ممثلة في حياة بني سائر الجسد بالحمى والسهر)(٢) (٣). إسرائيل وأخلاقهم، لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة - إلى حصيلة تجاربها وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون. ولتتقي -بصفة خاصة- مزالق الطريق، ومداخل الشيطان، وبوادر الانحراف، على هدى التجارب الأولى(١). تاسعًا: ومن الدروس المستفادة في، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ ◌ِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [البقرة: ٨٤]. موضوعات ذات صلة: الإسراف، الاقتصاد، الزكاة، المال، المن أي: وإذ أخذنا عليكم العهد: لا يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم وأوطانهم، وقد جعل غير الرجل کأنه نفسه، ودمه کأنه دمه إذا اتصل به دینا أو نسبا، إشارة إلى وحدة الأمة وتضامنها، وأن ما يصيب واحدا منها فكأنما يصيب الأمة جمعاء، فیجب أن يشعر كل فرد منها بأن نفسه نفس الآخرین ودمه دمهم، فالروح الذي یحیا به والدم الذي ینبض في عرقه هو كدم الآخرين وأرواحهم، لا فرق بينهم في الشريعة التي وحدت بينهما في المصالح العامة. وهذا ما يومئ إليه الحديث: (إنما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى له (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم ٦٠١١، ٠١٠/٨ (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢ / ٨٦٨. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٨٦٨/٢. www. modoee.com ٣٤٣