النص المفهرس

صفحات 21-40

بنواسرائيل
أولى الإفسادتين، ﴿بَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا أَّنَآ المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم المرة الثانية
أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾، أي: سلطنا عليكم جندا وجاء أعداؤكم، ﴿لِيَسُتُواْ وُجُوهَكُمْ﴾،
أي: يهينوكم ويقهروكم، ﴿وَلِيَدْخُلُواْ
الْمسْجِدَ﴾ أي بيت المقدس، ﴿كَمَا
دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في التي جاسوا فيها
خلال الديار، ﴿وَلِيُنَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَنْبِيرًا ﴾،
أي: يدمروا ويخربوا ما ظهروا عليه.
من خلقنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعدة
وسلطة شديدة، ﴿فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ﴾،
أي: تملكوا بلادکم وسلکوا خلال بيوتكم،
أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين
وجائين لا يخافون أحدا، ﴿وَكانَ وَعْدًا
مَّفْعُولًا ﴾، أي: مقضيا لا صارف له (١).
وقوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾، أي:
الدولة والغلبة بعد هذه العقوبة الشديدة،
﴿عَلَيْهِمْ﴾، على الذين بعثوا عليكم حين
تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو، قيل: هي
قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم
وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل:
أعدنا لكم الدولة بملك طالوت وقتل داود
جالوت.
﴿وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَقْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ
أَكْثَرَنَفِیرًا ﴾، مما كنتم وهو تمییز جمع نفر
وهو من ينفر مع الرجل من قومه(٢).
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْمُفَلَهَا ﴾، أي: فعليها.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اَلْآَخِرَةِ﴾، أي:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٣٥٦،
مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٢٤٦، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ٤٧.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣ /
٢٢٨، الكشف والبيان، الثعلبي ٦ / ٨٣،
مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٢٤٦.
وَعَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء: ٨]، أي:
فیصر فهم عنکم.
﴿وَإِنْ عُدُمْ عُدْنَا﴾، أي: متى عدتم إلى
الإفساد الذي تقدم منكم، عدنا للعقوبة
فعاقبناکم في الدنیا بمثل ما عاقبناكم به في
المرتين الأوليين، مع ما ندخره لكم في
الآخرة من العذاب والنكال.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِينَ
حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أي: مستقرا وسجنا لا
محید لهم عنه(٣).
قال ابن كثير: ((وقد اختلف المفسرون
من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين
عليهم: من هم؟
فعن ابن عباس وقتادة: أنه جالوت
الجزري وجنوده، سلط عليهم أولًا ثم
أدیلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود جالوت؛
ولهذا قال: ﴿ثُمَّرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ٤٨،
روح المعاني، الألوسي ٨ / ٢١.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الباء
نَفِيرًا ﴾ [الإسراء: ٦].
وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل
سنجاریب وجنوده، وعنه أیضا، وعن غيره:
أنه بختنصر ملك بابل، ثم قال: وقد وردت
في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل
الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع،
من وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد
يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية
عنها، ولله الحمد، وفيما قص الله تعالى
علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب
قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم،
وقد أخبر الله تعالى أنهم لما بغوا وطغوا
سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم،
وسلك خلال بيوتهم وأذلهم و قهرهم، جزاء
وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد
تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء)»(١).
ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن
المرة الأولى وقعت عند دخول المسلمين
المسجد الأقصى في خلافة عمر بن
الخطاب رضي الله عنه وقد ظل في أيديهم
إلى أن دخله بنو إسرائيل في هذه الأيام، من
عام ألف وثلاثمائة وسبعة وثمانين للهجرة،
واليوم المسجد الأقصى في يد بني إسرائيل
ويعيشون فيه أنواع البغي والعدوان، والإفساد
في الأرض، بنسف الدور، ويقتل الأطفال
والنساء، بلا وازع من حياء أو ضمير، ويلا
خوف من قوة رادعة في الأرض، أو في
السماء! المرة الثانية إذن هي ما فيه إسرائيل
الآن، من فساد في الأرض، وعلو واستكبار،
فساد إلى أبعد مداه، وعلو واستكبار إلى
غاية حدودهما(٣).
والذي عليه أكثر المفسرين أن هاتين
المرتين قد وقعتا بالفعل، وأن إحداهما
كانت عند الأسر البابلي، على يد بختنصر،
الذي استولى على دولة بني إسرائيل ودمرها
تدمیرا، وهدم بیت المقدس، وساق القوم
أسرى إلى بابل، وأما المرة الثانية، فكانت
بعد أن قتلوا النبي أرميا، وقيل بعد أن قتلوا
النبي یحیا (٢).
(١) تفسير القرآن العظيم ٥ / ٤٧.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢ / ٣٠١، التفسير
القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٨ /
٤٤٥.
(٣) انظر: المصدر السابق ٨ /٤٥١.
٣٠٦
جَوَسُوع
القرآن الكريم

بنوإسرائيل
بنو إسرائيل مع موسى وفرعون
تظهر قصة بني إسرائيل مع موسى عليه
السلام وفرعون من خلال النقاط الآتية:
أولًا: قصتهم مع فرعون:
١. عذاب فرعون لهم.
ذكر القرآن الكريم تعذيب فرعون لبني
إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنَيْنَكُمْ مِّنْ
ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَابِّ
يُقَشِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِ
ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾
[الأعراف: ١٤١].
سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي
اَلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةٌ
مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِيْ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: ٤].
بينت هاتان الآيتان الصورة القبيحة
لفرعون، وهي أنه تجبر وطغى وجاوز
الحد في الظلم، واستكبر وافتخر بنفسه
ونسي العبودية، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا
فِي الْأَرْضِ﴾، معنى العلو هنا الكبر، وهو
المذموم من العلو المعنوي، ومعناه: أن
يستشعر نفسه عاليا على موضع غيره ليس
يساويه أحد، فالعلو مستعار لمعنى التفوق
على غيره، غير محقوق لحق من دين أو
شريعة أو رعي حقوق المخلوقات معه،
فإذا استشعر ذلك لم يعبأ في تصرفاته
برعي صلاح وتجنب فساد وضر، وإنما
يتبع ما تحدوه إليه شهوته وإرضاء هواه،
وحسبك أن فرعون کان یجعل نفسه إلها
وأنه ابن الشمس، ﴿في الأرضِ﴾، في أرض
مصر، وعلا أهلها وقهرهم، حتى أقروا له
بالعبودية، وفي التعبير بالأرض تبکیت علیه،
أي: علا في محل التذلل والانخفاض،
وصورت عظمة فرعون في الدنيا، بقوله:
﴿مَلا فِي الأَرْضِ﴾، لتكون العبرة بهلاکه بعد
ذلك العلو أكبر العبر (١).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾،
والشيع: جمع شيعة، والشيعة: الجماعة
التي تشايع غيرها على ما يريد، أي تتابعه
وتطيعه وتنصره على ما يريد، ولا يملك
أحد منهم أن يلوي عنقه، أي: فرقًا مختلفة
يكرم طائفة ويهين أخرى فأكرم القبطي
وأهان الإسرائيلي وجعل كل طائفة تمتهن
من هي تحتها، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِقَةٌ مِنْهُمْ﴾،
من أهل مصر هم بنو إسرائيل، وقد بالغ
فرعون في استضعاف بني إسرائيل، فجعل
بعضهم ينقل الحجارة من الجبل، وبعضهم
يعملون له عمل النجارة، وبعضهم أعمال
الطين، ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥١٦، تفسير
السمر قندي ٢ / ٥٩٧، الكشاف، الزمخشري
٣ / ٣٩١، مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٦٢٧،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠ / ٦٦.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الباء
يأخذ منه كل يوم ضريبة درهما، فإذا غربت إلا قضاء الشهوة، وباعتبار هذا المقصد
الشمس، ولم يأت بالضريبة غلت عليه يده انقلب الاستحياء مفسدة بمنزلة تذبيح الأبناء
إذ كل ذلك اعتداء على الحق(١).
الیمنی إلی عنقه، ويأمره بأن يعمل بشماله
هكذا شهرًا، وأشار بقوله: ﴿طَايِفَةٌ﴾، إلى
أنه استضعف بني إسرائيل کاملاً، فأفاد ذلك
أن الاستضعاف ليس جاريا على أشخاص
معینین لأسباب تقتضي استضعافهم ککونھم
ساعين بالفساد، أو ليسوا أهلا للاعتداد بهم
لانحطاط في أخلاقهم وأعمالهم، بل جری
استضعافه على اعتبار العنصرية والقبلية.
﴿يُدَيِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْى، نِسَآءَهُمْ﴾،
أي: يأمر بذبح الذكور، ويترك البنات أحياء
للخدمة، وإسناد الذبح إليه مجاز عقلي،
وقصده من ذلك أن لا تكون لبني إسرائيل
قوة من رجال قبيلتهم، حتى يكون النفوذ في
الأرض لقومه خاصة، وسبب ذبح الأبناء:
أن کاهنا قال له: یولد مولود في بني إسرائيل
یذهب ملکك علی یده.
وفيه دليلٌ بینٌ علی ثخانة حُمق فرعون،
فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن،
وإن كذب فما وجه القتل؟ ويستحيي النساء،
أي يستبقي حياة الإناث من الأطفال، فأطلق،
عليهم اسم النساء باعتبار المآل إيماء إلى أنه
يستحييهن ليصرن نساء فتصلحن لما تصلح
له النساء، وهو أن يصرن بغايا إذ ليس لهن
أزواج، وإذا كان احتقارهن بصد قومه عن
التزوج بهن فلم يبق لهن حظ من رجال القوم
وقوله: ﴿إِنَّهُ، كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، أي:
إن الفساد مستحكم متغلغل في أطواء
نفسه، وقد بعثه على جعل الأمة متفرقة،
وتحكيم طائفة من طائفة، فأغرى بينهم
العداوة والبغضاء، يحس كل فريق منهم بأنه
مظلوم، وظالمه هو الفريق الآخر، يتظالمون
فيما بينهم ويتعادون؛ ليتمكن الظالم من
ظلمهم والتحكم في رقابهم، وأن يقول
لهم: أنا ربكم الأعلى، ولا ینکر أحد، ولو
في قلبه؛ لأن كل فريق يتهم الآخر بأنه عين
عليه، ويريد النكاية به، وقد أكد سبحانه
وصف الإفساد فيهم بأن ويكان الدالة على
أن الفساد كان في الماضي، ومستمر في
الحاضر، ودال على شدة تمکن الإفساد من
خلقه ولفعل الكون إفادة تمكن خبر الفعل
من اسمه (٢).
٢. نجاتهم منه.
ذكر القرآن الكريم نجاة بني إسرائيل من
فرعون.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥١٦، تفسير
السمر قندي ٢ / ٥٩٧، الكشاف، الزمخشري
٣ / ٣٩١، مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٦٢٧،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠ / ٦٦.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠ / ٦٨،
المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص ١٠٩.
٣٠٨
مُؤَسْو ◌َةُ النَفسِير
القرآن الكريم

بنوإسرائيل
﴿ وَلَقَدْ نَّنَا بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ مِنَ
قال تعالى:
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا
٣٠
مِّنَ الْمُسْرِفِينَ
وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ
عَلَى الْعَلَمِينَ (٢٣)
[الدخان: ٣٠- ٣٣].
بَلَوْا مُبِينٍ (١))
اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ
وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلَّمِ
وقال سبحانه: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يَلَ قَدْ أَنْتَّنَكُم
مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدْنَكُمْ جَانِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا
كُلُواْ مِنْ طَيَِّتِ مَا
عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوی )
رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن
يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى ﴾ وَإِ لَغَفَّارٌ
لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى
[طه: ٨٠- ٨٢].
ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة
امتنانه على بني إسرائيل في نجاتهم وهلاك
عدوهم، فبعد تصوير الله تعالى طغيان
فرعون، وأنه إذا وصل الطغيان إلى أقصى
حده كانت النهاية؛ وإرادة الله سبحانه فوق
كل إرادة، ولو كانت طغيان فرعون، ولا
شك أن إزالة المضرة يجب أن تكون متقدمة
على إيصال المنفعة، ولا شك أن إيصال
المنفعة الدينية أعظم في كونه نعمة من
إيصال المنفعة الدنيوية.
فلهذا بدأ الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَنْيَّتَكُر
مِنْعَدُوگ(﴾، وهو إشارة إلى إزالة الضرر، فإن
فرعون کان ینزل بهم من أنواع الظلم کثیرًا
من القتل والإذلال والإخراج والإتعاب في
الأعمال، ثم ثنى بذكر المنفعة الدينية وهي
قوله: ﴿وَوَعَدْفَكُمْ جَانِبَ الُورِالْأَيْمَنَ﴾
ووجه المنفعة فيه أنه أنزل في ذلك
الوقت عليهم كتابا فيه بيان دينهم وشرح
شريعتهم، وتعدية واعدناكم إلى ضمير
جماعة بني إسرائيل، وإن كانت مواعدة
لموسى ومن معه الذين اختارهم من قومه،
باعتبار أن المقصد من المواعدة وحي
أصول الشريعة التي تصير صلاحا للأمة،
فكانت المواعدة مع أولئك كالمواعدة مع
جميع الأمة، ثم ثلث بذكر المنفعة الدنيوية،
وهي قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (
٨٠
كُوْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾.
ثم زجرهم عن العصيان، بقوله:
تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٍ﴾، ثم بين أن
من عصى ثم تاب كان مقبولا عند الله،
بقوله: ﴿وَإِّ لَغَفَّاٌ لِمَن تَابَ﴾، وهذا بیان
المقصود من الآية (١).
وقوله تعالى: ﴿وَفَزَّلْنَا عَلَيْكُمْ أَلْمَنَّ
وَالسَّلْوَىْ﴾، والمن: هو مادة حلوة تتجمع
على أوراق الشجر، وقيل: هو الترنجين،
وقیل: المن ما یمن الله به من غير تعب ولا
نصب، والسلوى: طائر كالسماني، وذكر
إنه كان يأتيهم من هذين ما فيه كفايتهم،
والسلوى وهو طائر السماني يساق إليهم
في الصحراء، قريب المتناول سهل التناول،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢ / ٨٢،
البحر المحيط، أبو حيان ٧ / ٣٦٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٦ / ٢٧٤.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الباء
كان نعمة من الله ومظهرا لعنايته بهم في
الصحراء الجرداء، وهو يتولاهم حتى
في طعامهم اليومي فییسره لهم من أقرب
الموارد (١).
قال الشنقيطي: ((والأظهر عندي في
المن: أنه اسم جامع لما یمن الله به على
عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه
الترنجبین الذي من الله به على بني إسرائيل
في التیه، ویشمل غير ذلك مما يماثله، ويدل
على هذا قوله: صلی الله عليه وسلم الثابت
في الصحيحين: (الكمأة من المن وماؤها
شفاء للعين)(٢) والأظهر عندي في السلوى:
أنه طائر، سواء قلنا إنه السمانى، أو طائر
يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف،
والخلف على ذلك. مع أن السلوى، يطلق
لغة على العسل، كما بينا)»(٣).
وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ
وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾، أي: كلوا من هذا الرزق
الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه
من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به،
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١ /
١٣٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ ٪
٣٠٨، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /
٢٣٤٥، أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ٧٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، بابٌ: وقوله تعالى: (وظللنا عليكم
الغمام)، رقم ٦،٤٤٧٨ / ١٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب الأشربة، باب فضل الكمأة،
ومداواة العين بها، رقم ٣،٢٠٩٤ / ١٦١٩.
(٣) أضواء البيان ٤ / ٧٥
﴿فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَِ﴾، يعني يجب عليكم
غضبي، ﴿وَمَن يَعْلِلْ عَلَيْهِ غَضَِّى فَقَدْ هَوَى﴾،
يعني هلك وسقط في النار، ﴿وَإِ لَغَفَّاٌ لِّمَنْ
تَابَ﴾، قال ابن عباس: تاب عن الشرك،
﴿وَءَامَنَ﴾، يعني وحد الله وصدق رسوله،
﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾، يعني أدى الفرائض، ﴿ثُمَّ
اُهْتَدَیْ﴾، قال ابن عباس: علم أن ذلك
توفيق من الله تعالى، وقيل: لزم الإسلام
حتی مات علیه، وقیل: علم أن لذلك ثوابا،
وقيل: أقام على السنة (٤).
ثانيًا: مواقف من قصتهم مع موسى
عليه السلام:
من مواقف بني إسرائيل مع موسى عليه
السلام ما يأتي:
١. طلبهم اتخاذ الآلهة.
ذكر القرآن الكريم أن بني إسرائيل طلبوا
من موسى اتخاذ آلهة.
قال تعالى: ﴿وَجُوزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ الْبَحْرَ
فَأَتَواْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٨) إِنَّ هَؤُلَاء مُتَبَّرُمَّا هُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (١) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ
إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَ الْعَلَمِينَ
١٤٠
[الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠].
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣ / ٢٠٩، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ٣٠٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١٦ / ٢٧٤.
٣١٠
القرآن الكْرِيْمِ

بنوإسرائيل
بینت الآيات جهل بني إسرائيل وسفاهة
عقولهم وأنهم قوم لا تؤثر فيهم الآيات
والمواعظ والعبر، فيخبر تعالى عما قاله
جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام،
حین جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله
وعظيم سلطانه ما رأوا.
﴿وَجَوَزْناپِبنى إِسْرَّهِيلَ آلْبَحْرَ﴾، أي: إنهم
تجاوزوه بعناية الله وتأییده، فكأنه معهم
بذاته فجاوزه مصاحبا لهم.
﴿فَأَتَوَاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ
گھُمْ﴾، فأتوا عقب تجاوزهم إیاه ودخولهم
في بلاد العرب من البحر الأسيوي، على قوم
يعبدون أصناما لهم، والقوم هم الكنعانيون
ويقال لهم عند العرب العمالقة.
والعكوف: الملازمة بنية العبادة.
واختير طريق التنكير في أصنام ووصفه
بأنها لهم، - أي: القوم - دون طريق الإضافة
ليتوسل بالتنكير إلى إرادة تحقير الأصنام
وأنها مجهولة، لأن التنكير يستلزم خفاء
المعرفة، وإنما وصفت الأصنام بأنها لهم
ولم يقتصر على قوله: ﴿أَصْنَامٍ﴾، زيادة
تشنيع بهم وتنبيه على جهلهم وغوايتهم
في أنهم يعبدون ما هو ملك لهم فيجعلون
مملوكهم إلاههم (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَاَ
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ٩ / ٩٣،
تفسير المراغي ٩ / ٥١، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٩ / ٨٠.
إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾، حنينا منهم إلى ما ألفوا
في مصر من عبادة المصريين وتماثيلها
وأنصابها وقبورها، ونداؤهم موسى وهو
معهم مستعمل في طلب الإصغاء لما
يقولونه، إظهارا لرغبتهم فيما سيطلبون،
وسموا الصنم إلاها لجهلهم، فهم يحسبون
أن اتخاذ الصنم يجدي صاحبه، كما لو كان
إلاهه معه.
وهذا يدل على أن بني إسرائيل قد
انخلعوا في مدة إقامتهم بمصر عن عقيدة
التوحيد وحنيفية إبراهيم ويعقوب التي
وصى بها في قوله تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِثْزَهُِ
بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ
(١٣٢ ﴾ [البقرة: ١٣٢]؛
لأنهم لما كانوا في حال ذل واستعباد ذهب
علمهم وتاريخ مجدهم واندمجوا في ديانة
الغالبين لهم، فلم تبق لهم ميزة تميزهم إلا
أنهم خدم وعبید.
والتشبيه في قوله: ﴿كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾،
أرادوا به حض موسى على إجابة سؤالهم،
وابتهاجا بما رأوا من حال القوم الذين حلوا
بين ظهرانيهم، وكفى بالأمة خسة عقول أن
تعد القبيح حسنا، وأن تتخذ المظاهر المزينة
قدوة لها، وأن تنخلع عن كمالها في اتباع
نقائص غيرها(٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾،
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩ / ٨١.
www. modoee.com
٣١١

حرف الباء
أي: تجهلون عظمة الله وقوة سلطانه ولا لفهمه واستبانة قبحه، فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ
مُتَبٌِّ مَاهُمْ فِيهِ وَتَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي:
تقدرون نعمه، أتریدون أن تشركوا بالله
وتكفروا نعمه بعد أن نجاكم.
إن هؤلاء القوم الذين يعكفون على هذه
الأصنام مقضی علی ما هم فيه بالتبار بما
سيظهر من التوحيد الحق في هذه الديار،
وزائل ما كانوا يعملون من عبادة غير الله ذي
الجلال، فإنما بقاء الباطل في ترك الحق له
وبعده عنه.
و کان جواب موسی لهم بعنف وغلظة،
لأن ذلك هو المناسب لحالهم، والجهل:
انتفاء العلم، أو تصور الشيء على خلاف
حقيقته، والمراد جهلهم بمفاسد عبادة
الأصنام، وكان وصف موسى إياهم بالجهالة
مؤكدا لما دلت عليه الجملة الاسمية من
كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من
نفوسهم، ولولا ذلك لكان لهم في بادئ
النظر زاجر عن مثل هذا السؤال، فالخبر
مستعمل في معنييه: الصريح والكناية، مكنى
به عن التعجب من فداحة جهلهم.
وفي هذا بشارة منه عليه السلام بزوال
الوثنية من تلك الأرض.
ثم انتقل إلى بيان أن العبادة لغير الله لا
تصح، ﴿قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْفِيْكُمْ إِلَهَا وَهُوَ
فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾، أي: قال لهم
موسى: أأطلب لكم معبودا غير الله رب
وفي الإتيان بلفظ ﴿قَوْمٌ﴾، وجعل ما العالمين وخالق السموات والأرض، وقد
فضلكم على العالمين بما جدد فيكم من
التوحيد وهداية الدين، فماذا تبغون من
عبادة غيره معه أو من دونه؟
هو مقصود بالإخبار وصفا لقوم، تنبيه على
أن وصفهم بالجهالة كالمتحقق المعلوم
الداخل في تقويم قوميتهم، وفي الحكم
بالجهالة على القوم كلهم تأكيد للتعجب من
حال جهالتھم و عمومھا فیھم بحيث لا يوجد
فیھم من يشذ عن هذا الوصف مع کثرتهم،
ولأجل هذه الغرابة أكد الحکم (بإن)؛ لأن
شأنه أن يتردد في ثبوته السامع(١).
وبعد أن بين لهم جهلهم وسفههم، بین
لهم فساد ما طلبوه عسى أن تستعد عقولهم
والاستفهام بقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ
إِلَّهَا﴾، للإنكار والتعجب من طلبهم
أن يجعل لهم إلاها غير الله، وقد أولي
المستفهم عنه الهمزة للدلالة على أن محل
الإنكار هو اتخاذ غير الله إلاها، فتقديم
المفعول الثاني للاختصاص، للمبالغة في
الإنكار، أي: اختصاص الإنكار ببغي غير
الله إلا ها (٢).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩ / ٨١،
بيان المعاني، عبد القادر ملا ١ / ٤١٣.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٩ / ٥٣، التحرير
٣١٢
القرآن الكريم

بنوإسرائيل
بما يعرفون من فضل الله عليهم، بتفضيلهم
على أهل زمانهم ممن كانوا أرقى منهم
مدنية وحضارة وسعة ملك وسيادة على
بعض الشعوب، وهم فرعون وقومه، بقوله:
﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾، جملة
في موضع الحال، وحين كان عاملها محل
إنکار باعتبار معموله، كانت الحال أيضا
داخلة في حيز الإنكار، ومقررة لجهته.
وظاهر صوغ الكلام على هذا الأسلوب
أن تفضيلهم على العالمين كان معلوما
عندهم لأن ذلك هو المناسب للإنكار،
ويحتمل أنه أراد إعلامهم بذلك وأنه أمر
محقق، ومجيء المسند فعليا: ليفيد تقديم
المسند إليه عليه تخصيصه بذلك الخبر
الفعلي، أي: وهو فضلكم، لم تفضلكم
الأصنام، فکان الإنکار علیھم تحمیقا لهم
في أنهم مغمورون في نعمة الله ويطلبون
عبادة ما لا ينعم.
والمراد بالعالمين: أمم عصرهم،
وتفضيلهم عليهم بأنهم ذرية رسول وأنبياء،
وبأن منهم رسلا وأنبياء، وبأن الله هداهم
إلى التوحيد والخلاص من دين فرعون
بعد أن تخبطوا فيه، وبأنه جعلهم أحرارًا
بعد أن كانوا عبيدًا، وساقهم إلى امتلاك
أرض مباركة وأيدهم بنصره وآياته، وبعث
والتنوير، ابن عاشور ٩ / ٨٣.
ثم بَيَنَ لهم إنكاره طلب آلهة غير الله فيهم رسولا ليقيم لهم الشريعة، وهذه
الفضائل لم تجتمع لأمة غيرهم يومئذ،
ومن جملة العالمين هؤلاء القوم الذين أتوا
عليهم، وذلك كناية عن إنكار طلبهم اتخاذ
أصنام مثلهم، لأن شأن الفاضل أن لا يقلد
المفضول، لأن اقتباس أحوال الغير يتضمن
اعترافا بأنه أرجح رأیا وأحسن حالا، في
تلك الناحية(١).
قال سيد قطب: عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل
أَنَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
(١٣٨)
[الأعراف: ١٣٨].
((إنها العدوى تصيب الأرواح كما تصيب
الأجسام! ولكنها لا تصيبها حتی یکون لدیھا
الاستعداد والتهيؤ والقابلية، وطبيعة بني
إسرائيل- كما عرضها القرآن الكريم عرضًا
صادقًا دقيقًا أمينًا في شتى المناسبات-
طبيعة مخلخلة العزيمة، ضعيفة الروح، ما
تکاد تهتدي حتی تضل، وما تكاد ترتفع حتى
تنحط، وما تكاد تمضي في الطريق المستقيم
حتى ترتكس وتتتكس .. ذلك إلى غلظ في
الكبد، وتصلب عن الحق، وقساوة في
الحس والشعور! وهاهم أولاء على طبيعتهم
تلك، هاهم أولاء ما يكادون يمرون بقوم
(١) انظر: تفسير المراغى ٩ / ٥٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٩ / ٨٤.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الباء
يعكفون على أصنام لهم حتى ينسوا تعليم مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَار
أَلَمْ يَرَوَاْ أَنَّهُ، لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًاً
أکثر من عشرين عامًا منذ أن جاءهم موسی-
عليه السلام- بالتوحيد- فقد ذكرت بعض
الروايات أنه أمضى في مصر ثلاثة وعشرين
عامًا منذ أن واجه فرعون وملأه برسالته إلى
يوم الخروج من مصر مجتازًا ببني إسرائيل
البحر - بل حتى ينسوا معجزة اللحظة التي
أنقذتهم من فرعون وملئه وأهلکت هؤلاء
أجمعين!»(١).
وَلَّا
أَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ
سُقِطَ فِى أَيَدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُوا
لَيْنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى
مِنَ الْخَسِرِينَ )
إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا قَالَ ◌ِنْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ
بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ
وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
اُسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ
٢. عبادتهم للعجل.
فِى الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَّخِى وَأَدْخِلْنَا فِي
١٥٠
ذكر القرآن الكريم عبادة بني إسرائيل
العجل.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَزْبَعِينَ لَيْلَةً
ثُمَّ الَّخَذُّْمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (
٥١
◌ُمَّ عَفَوْنَا عَنَكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
﴾ [البقرة: ٥١-٥٢].
٥٢
﴿﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُم
وقال سبحانه:
◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ الَّخَذْتُمُ اَلْمِجْلَ مِنْ
بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا
مِيثَقَّكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُوَرَ خُذُواْمَآّ
ءَاتَّيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم
بِ إِيَمَنُكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾
[البقرة: ٩٢-٩٣].
وقال جل وعلا: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمٌ مُوسَى
(١) في ظلال القرآن ٣ / ١٣٦٦.
رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ) إِنَّ
الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْمِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّيِّهِمْ
وَذِلَّةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ
وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا
١٥٢
وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
[الأعراف: ١٤٨ - ١٥٣].
١٥٣
يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني
إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه
لهم السامري، ونسب الاتخاذ إلى قوم
موسى كلهم على طريقة المجاز العقلي،
لأنهم الآمرون باتخاذه والحريصون عليه،
وقد أضافهم الله إلى موسى هكذا: ﴿قَوْمُ
مُوسَى﴾، تذكيرًا لهم بتلك الآيات التي
أجراها الله على يديه، تلك الآيات التي لم
يكن لهم منها عبرة أو عظة.
٣١٤
القرآن الكريم

بنوإسرائيل
وفي هذا توبيخ لهم، واسترذال لعقولهم، العجماوات، فجسمه جسم عجل، وهو من
نوع ليس أرقى أنواع الموجودات المعروفة،
وصوته صوت البقر، وهو صوت عمى
الجهل والضلال.
وأنه ما كان لقوم ينتسبون إلى موسى الذي
جاءهم بهذا الخير الكثير، وبتلك الآيات
المشرقة، أن يفعلوا هذا الفعل المنكر الذي
فعلوه.
﴿مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارُ﴾،
من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم
فشكل لهم منه عجلًا جسدًا لا روح فيه،
وقد احتال بإدخال الريح فیه، حتى صار
يسمع له خوار، أي صوت کصوت البقر،
وإنما أضاف الصوت إليه، لأنه كان محله
عند دخول الريح جوفه، وكان هذا منهم بعد
ذهاب موسى لميقات ربه تعالى، وأعلمه
الله تعالى بذلك وهو على الطور.
قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ
بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ ﴾﴾ [طه: ٨٥](١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ بَرَوَاْ أَنَّهُ، لَا يُكَلُِّهُمْ وَلَا
يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾، جملة استفهامية للتقرير
وللتعجيب من حالهم، وقد سفه رأي الذين
اتخذوا العجل إلاها، بأنهم یشاهدون أنه لا
یکلمهم ولا یھدیھم سبيلا، ووجه الاستدلال
بذلك على سفه رأيهم هو أنهم لا شبهة لهم
في اتخاذه إلاها بأن خصائصه خصائص
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /
٤٢٧، محاسن التأويل، القاسمي ٥ / ١٨٤،
التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٥ / ٤٨٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩ /
١٠٩.
وقوله: ﴿ وَلَّاسُقِطَ فِىَ أَيْدِيهِمْ﴾، أي:
ندموا على ما فعلوا، ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُوا
قَالُوا لَكِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾، ولما
اشتد ندمهم وازدادت حسرتهم على ما فرط
منهم في جنب الله وعلموا أنهم قد ضلوا
ضلالا بعيدا بعبادة العجل، ﴿لَنَكُونَنَّ
مِنَ الْخَسِرِينَ﴾، أي: من الهالكين
وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله
عز وجل (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ،
غَضْبَنَ أَسِفًا﴾، أي: حزينا على ما صنع قومه
من بعده، ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَقْتُهُنِي مِنْ بَعْدِىّ﴾،
أي: بئس خلافة خلفتمونیها حیث عبدتم
العجل مكان عبادة الله، أو حيث لم تكفوا
من عبد غير الله، وقد كنت لقنتكم التوحيد،
وكففتكم عن الشرك وبينت لكم فساده وسوء
مغبته وحذرتكم صنيع القوم الذين كانوا
يعكفون على أصنام لهم من تماثيل البقر،
وقد كان من الحق عليكم أن تقتفوا أثرى،
و تتبعوا سیرتی بید أنکم سلکتم ضد ذلك،
فصنعتم صنما كأحد أصنامهم فعبده بعضكم
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٧/٣،
تفسير المراغي ٩ / ٦٩، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٩ / ١١٠.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الباء
ولم یردعكم عن ذلك باقیکم، ﴿آعَجِلْتُمْ
أَقَ رَیَّكُمْ﴾، أي: استعجلتم ميعاد ربكم،
ويقال: أعصيتم أمر ربكم، ويقال: معناه
أعجلتم بالفعل الذي استوجبتم به عقوبة
ربكم، ﴿وَأَلْقَى أَلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ
إِلَيْهِ﴾، أي: وطرح الألواح من يديه وأخذ
برأس أخيه يجره إليه بذؤابته ظنا منه أنه قد
قصر في ردعهم وتأنيبهم وكفهم عن عبادة
العجل كما فعل هو بتحريقه وإلقائه في اليم
إن قدر، أو أن يتبعه إلى جبل الطور إن لم
يستطع، كما حكى الله تعالى عنه: ﴿قَالَ
يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ أَلَّا تَتَبِعَنِّ
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣].
أي: ما منعك أن تتبعني في الغضب
لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي؟
وهلا قاتلت من كفر بمن آمن؟ ومالك لم
تباشر الأمر کما کنت أباشره أنا لو كنت
شاهدًا؟(١).
ثم ذكر سبحانه جواب هارون لموسى
فقال: ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِي
وَكَادُواْيَقْتُلُونَنِ﴾، أي: يا ابن أمي لا تعجل
بلومي وتعنيفي وتظنن تقصيري في جنب
الله فإني لم آل جهدا في الإنكار على القوم
والنصح لهم، لكنهم قد استضعفوني ولم
يرعووا لنصحى ولم يمتثلوا لأمرى بل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٣٥٠، تفسير
السمر قندي ١ / ٥٥٢، الكشاف، الزمخشري
١٦٠/٢، تفسير المراغي ٩/ ٧١.
أوشكوا أن يقتلوني.
﴿فَلَ تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءُ وَلَا تَّْعَلْنِى مَعَ
اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾، أي: فلا تفعل بي من اللوم
والتقريع ما يجعل الأعداء يشمتون بي، ولا
تجعلني في زمرة القوم الظالمين لأنفسهم،
وهم الذين عبدوا العجل فتغضب منى كما
غضبت منهم وتؤاخذني كما اخذتهم، فإني
لست منهم في شيء، وفى هذا دليل على أن
هرون كان دون موسى في شدة العزيمة وقوة
الإرادة وأخذ الأمور بالحزم، وهذا ما أطبق
عليه المسلمون وأهل الكتاب.
ثم أبان سبحانه أثر هذا الاستعطاف في
قلب موسى عليه السلام، فقال: ﴿ قَالَ رَبِّ
أَغْفِرْ لِ وَلِأَّخِى وَأَدِْلْنَا فِي رَحْمَتِكٌَّ وَأَنْتَ
أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾، أي: قال رب اغفر
لي ما فرط منى من قول وفعل فيهما غلظة
وجفاء، واغفر له ما عساه یکون قد قصر فيه
من مؤاخذة القوم على ما اجترموه من الآثام
خوفا مما توقعه من الإيذاء الذي قد يصل
إلى القتل.
﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾، التي وسعت
كل شيء واغمرنا بجودك وفضلك فأنت
أرحم بعبادك من كل رحم، والآية صريحة
في براءة هرون من جريمة اتخاذ العجل وفى
إنكاره على متخذيه(٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْمِجْلَ
(٢) انظر: تفسير المراغي ٩ / ٧٢.
٣١٦
جَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم

بنواسرائيل
سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الحَيَوَةِ
الدُّنّا﴾، أي: إن الذين بقوا على اتخاذ
العجل واستمروا علیه کالسامري وأشياعه-
سيصيبهم غضب من ربهم بألا يقبل توبتهم
إلا إذا قتلوا أنفسهم، وذلة عظيمة في الحياة
الدنيا بالخروج من الديار والغربة عن
الوطن.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ ﴾، أي: ومثل
هذا الجزاء في الدنيا نجزى المفترين على
الله في كل زمان إذا فضحوا بظهور افترائهم
كما فضح هؤلاء، قال الحسن البصري: إن
ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت بهم
البغال وطقطقت بهم البراذين (١).
٣. طلبهم رؤية الله.
ذكر القرآن الكريم أن بني إسرائيل طلبوا
من موسى عليه السلام أن يروا الله جهرة،
وأن يشاهدوه بعيونهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن تُؤْمِنَ
لَكَ حَقِّ نَرَّى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الضَّحِقَةُ
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة:٥٥-٥٦].
بينت الآيتان عنجهية وعجرفة بني
إسرائيل وتجرؤهم على الله تعالى، وأن
النعم والآيات لم تزدهم إلا كبرًا وبطرًا،
حيث طلبوا من موسى عليه السلام أن يروا
الله تعالى جهرةً، وإنما قالوا: جهرة، توكيدًا
(١) انظر: المصدر السابق ٩ / ٧٤.
للرؤية لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية
العلم، ووجه الخطاب ليهود المدينة وهم
لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم، وذلك
لمتابعتهم لهم على تصويبهم في تلك
الأفعال.
وقولهم: ﴿لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ﴾، يحتمل أنھم
توقعوا الکفر إن لم يروا الله تعالى، أي أنهم
يرتدون في المستقبل عن إيمانهم الذي
اتصفوا به من قبل، ويحتمل أنهم أرادوا
الإيمان الكامل الذي دليله المشاهدة، أي:
أن أحد هذين الإيمانين ينتفي إن لم يروا
الله جهرة، وليس في الآية ما يدل على أنهم
كفروا حين قولهم هذا، ولكنها دالة على
عجرفتهم وقلة اكتراثهم بما أوتوا من النعم
وما شاهدوا من المعجزات حتى راموا أن
يروا الله جهرة، وإن لم يروه دخلهم الشك
في صدق موسی وهذا کقول القائل إن كان
كذا فأنا كافر، وليس في القرآن ولا في غيره
ما يدل على أنهم قالوا ذلك عن كفر، وإنما
عدى نؤمن باللام لتضمينه معنى الإقرار
بالله ولن نقر لك بالصدق والذي دل على
هذا الفعل المحذوف هو اللام وهي طريقة
التضمين (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّحِقَةُ﴾،
أي: تموتون، والصاعقة: نار كهربائية من
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩ / ٤٣٣، لباب
التأويل، الخازن ١ / ٤٧، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١ / ٥٠٦.
www. modoee.com
٣١٧

حرف الباء
السحاب تحرق من أصابته، وقد لا تظهر
النار ولكن يصل هواؤها إلى الأحياء
فيختنقون بسبب ما يخالط الهواء الذي
يتنفسون فيه من الحوامض الناشئة عن شدة
وقيل: سمعوا صعقة فماتوا.
الكهربائية، وقد قيل: إن الذي أصابهم نار، إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة
وإذاقتكم الموت (٢).
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، أي: وأنتم ينظر
بعضكم إلى بعض، وقيل: تحدقون الأنظار
عند رؤية السحاب على جبل الطور طمعا
أن يظهر لهم الله من خلاله؛ لأنهم اعتادوا
أن الله یکلم موسی کلاما یسمعه من خلال
السحاب كما تقوله التوراة في مواضع،
ففائدة الحال إظهار أن العقوبة أصابتهم في
حين الإساءة والعجرفة إذ طمعوا فيما لم
يكن لينال لهم(١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِنْ بَعْدِ
مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يرى بعض
المفسرين أن الله أحياهم بعد أن وقع فيهم
الموت بالصاعقة وغيرها ليستوفوا بقية
آجالهم وأرزاقهم، وكانت تلك الموتة لهم
کالسكتة القلبية لغيرهم، ویری آخرون أن
المراد بالبعث كثرة النسل، أي: إنه بعد
أن وقع فيهم الموت بشتى الأسباب وظن
أنهم سينقرضون، بارك الله في نسلهم لیعد
الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر
على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل
بهم العذاب بكفرهم لها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، نعمة البعث
بعد الموت، أو نعمة الله بعد ما كفرتموها
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّ نَى اللَّهَ
جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (0)
◌ُمَّ بَعَشْتَكُمْ مِنْ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[البقرة: ٥٥-٥٦]: ((إن الحس المادي
٥٦
الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة، أم
لعله التعنت والمعاجزة، والآيات الكثيرة،
والنعم الإلهية، والعفو والمغفرة، كلها
لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية، التي لا
تؤمن إلا بالمحسوس، والتي تظل مع ذلك
تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت
وقع العذاب والتنكيل، مما يوحي بأن فترة
الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون
الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادًا عميقًا،
وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي
ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل
النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس
فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء
تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١ / ١٤٠،
معالم التنزيل، البغوي ١ / ١١٩، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٠٧.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١ / ١١٩، تفسير
المراغي ١ / ١٢٠.
٣١٨
مُؤَسُولَةُ النَِّيَّة
القرآن الكريم

بنوإسرائيل
عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء اَلْقَوْمِ الْفَسِفِينَ ﴾ [المائدة: ٢٠-٢٦].
من النعمة والقوة، وهكذا كانت إسرائيل،
وهكذا هي في کل حین)»(١).
ثالثًا: قصتهم مع التیه:
١. امتناعهم عن دخول الأرض
المقدسة.
ذكر القرآن الكريم امتناع بني إسرائيل من
دخول الأرض المقدسة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،
يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ
أَنِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوَكًا وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ
أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ
الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَّكُمْ وَلَا نَرْنَدُواْ عَلَى
أَدْبَرِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ
فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ
مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ))
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ
عَلَيْهِمَا أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ
فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن تَّدْخُلَهَاَ
أَبَدَاً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَاً
إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ
إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقَوْمِ
الْفَسِقِينَ ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ
سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِّ فَلَا تَأْسَ عَلَى
(١) في ظلال القرآن ١ / ٧٢.
إن هذه الآيات تصور اللحظات الأخيرة
التي عاشها موسى عليه السلام مع بني
إسرائيل، فها هو ذا يدعوهم إلى خير ساقه
الله إليهم، ویوجههم إلى دار أمن وقرار
وعدهم الله بها، وقدم موسى عليه السلام
أمره لبني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة
بتذكيرهم بنعمة الله عليهم ليهيء نفوسهم
إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليوثقهم
بالنصر إن قاتلوا أعداءهم، فذكر نعمة الله
عليهم، ﴿يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاةَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَءَاتَنْكُم مَّا
﴾.
لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ
فقد جعل الله فيهم أنبياء وملوکا، وملوكا
أنبياء، يجمعون بين سلطان الدنيا والدين،
كما كان ذلك لداود وسليمان عليهما
السلام، الأمر الذي لم يكن لأنبياء من قبل،
ولا لملوك في الأرض، وموقع النعمة في
إقامة الأنبياء بينهم أن في ذلك ضمان الهدى
لهم والجري على مراد الله تعالى منهم،
وفيه أيضا حسن ذكر لهم بين الأمم وفي
تاريخ الأجيال(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَّنَّكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا
مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾، أي: أنه آتاهم ما لم يؤت أحدا
من العالمين، أي عالمي زمانهم وشعوبه
(٢) انظر: تفسير المراغي ٨٩/٦، التفسير القرآني
للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٠٦٧/٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ١٦١.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الباء
فقد خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام، فقد
فلق البحر لهم وأهلك عدوهم، وأورثهم
أموالهم، وأنزل عليهم المن والسلوى،
وأظل فوقهم الغمام، وهذا من شأنه يقوى
صلتهم بالله، ويوثق إيمانهم به، ولكن
كانت هذه النعم أسلحة يحاربون بها الله،
ومعاول يهدمون بها معالم الحق، ومنارات
الھدی(١).
وبعد أن ذكرهم موسى بهذه النعم
وشرحها لهم أمرهم بمجاهدة العدو،
وأبان لهم أن الله ناصرهم ما نصروه، فقال:
﴿يَقَوْمِ أَدْ خُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَلَتِى كَنَبَ اللَّهُ
لَكُمْ﴾، وكرر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته
وهو النداء بـ ﴿يَقَوْمِ﴾؛ لزيادة استحضار
أذهانهم، والأمر بالدخول أمر بالسعي
في أسبابه، أي تھیأوا للدخول، والأرض
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّ فِيهَا
قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ
مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾،
المقدسة المباركة المطهرة من الوثنية، لما وأرادوا بالقوم الجبارين في الأرض
سكانها الكنعانيين، والعمالقة، والحثيين،
والييوسيين، والأموريين، والجبار لغة:
الطويل القوى المستكبر العاتي المتمرد
الذي يجبر غيره على ما يريد، فامتنعوا
من اقتحام القرية خوفا من أهلها، وأكدوا
الامتناع من دخول أرض العدو توكيدا
قويا بمدلول (إن) و (لن) في إنا لن ندخلها
بعث الله فيها من الأنبياء الدعاة إلى التوحيد،
أو لأنها قدست بدفن إبراهيم الخليل عليه
السلام، وهذه الأرض هي أرض فلسطين،
وفي وصفها بـ ﴿الَّتِىكُنَبَ اللهُ﴾، أي: کتب
الله في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن،
وقيل: فرض الله عليكم دخولها وأمركم
بسکناها، یرید به ما وعد الله به إبراهیم من
(١) انظر: تفسير المراغي ٦ / ٨٩، التفسير القرآنى
للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٠٦٧/٣.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢ / ٢٧، تفسير
المراغي ٦ / ٩٠، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ١٦٢/٦.
٣٢٠
مَوَسُورُ النَفيِ الموضو
القرآن الكريم
التي كانت مستعبدة للطغاة من الملوك حق السكنى في تلك البلاد المقدسة، لا أن
المراد أنها تكون كلها ملكا لهم لا يزاحمهم
فيها أحد، لأن هذا مخالف للواقع، ولن
یخلف الله وعده، فاستنباط اليهود من ذلك
الوعد أنه لا بد أن يعود لهم ذلك الملك
لیس بصحیح وذلك أن الله وعد إبراهيم أن
يورثها ذريته، ووعد الله لا يخلف.
﴿وَلَ نَرْئُواْ عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾،
تحذير مما يوجب الانهزام، لأن ارتداد
الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب
الانخذال، والارتداد افتعال من الرد،
يقال: رده، فارتد، والرد: إرجاع السائر عن
الإمضاء فى سيره وإعادته إلى المكان الذي
سار منه (٢).

بنوإسرائيل
تحقیقا لخوفهم، وفی إجابتهم هذه دلیل
وقوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ
فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَلُوا
على منتهى الضعف وحور العزيمة، وعلى
أنهم لا یریدون أن يأخذوا شيئا باستعمال
قواهم البدنية ولا العقلية، ولا أن يدفعوا إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، أي: ادخلوا عليهم
الشر عن أنفسهم ولا أن يجلبوا لها الخير، باب المدينة فإذا فعلتم ذلك نصركم الله
بل یریدون أن یعیشوا بالخوارق والآيات ما
داموا في هذه الحياة ولا شك أن أمة كهذه
لا تستحق أن تتمتع بنعیم الاستقلال، وتحيا
حياة العز والكرامة، وتكون ذات تصرف
مطلق في شئونها، ومن ثم لم تقم لها دولة
بعد(١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ
يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، قوله:
﴿يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله تعالى،
وقيل: يخافون الخوف من العدو فيكون
المراد باسم الموصول بني إسرائيل، جعل
تعريفهم بالموصولية للتعريض بهم بمذمة
الخوف وعدم الشجاعة.
وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾، أي: بالطاعة
والتوفيق لما يرضيه، وبسلب الخوف من
نفوسهم وبمعرفة الحقيقة، والرجلين هما:
يوشع بن نون وكالب بن يفنة، وأنهما كانا
يحثان القوم على الطاعة ودخول أرض
الجبارين، ثقة بوعد الله بالنصر وتأييده
إياهم، وهذا يقتضي أن الشجاعة في نصر
(١) انظر: تفسير المراغي ٦ / ٩١، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٦ / ١٦٣.
الدين نعمة من الله على صاحبها (٢).
وأیدکم بروح من عنده، بعد أن تعملوا ما
في طاقتکم من طاعة ریکم وتثقوا به فيما لا
يصل إليه كسبكم، وبعد أن أمرا القوم باتخاذ
الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكل على الله
والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله.
﴿إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾، بأن وعد الله حق،
وأنه قادر على الوفاء به، وإنما جزم هذان
الرجلان بأنهم سيغلبون إذا دخلوا، ثقة بنبوة
موسى، وهو قد أخبرهم بأن الله أمرهم
بدخول الأرض المقدسة التي کتبها لهم، لا
جرم قطعا بالنصر والغلبة على العدو (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَنْ
نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ﴾، أي:
إنهم أصروا على العناد والتمرد، وأكدوا
الامتناع من الدخول بعد المحاورة أشد
توكيد دل على شدته في العربية بثلاث
مؤكدات: (إن)، و (لن)، وكلمة (أبدا).
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾، تركوا
آداب الخطاب فصرحوا ببيان الجحد ولم
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: المصادر السابقة.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الباء
يحتشموا من مجاهرة الرد، قيل: إنهم طلبوا
منه معجزة كما تعودوا من النصر فطلبوا أن
يهلك الله الجبارين بدعوة موسى، وقيل:
أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى،
وهذا بعيد، لأنهم ما كانوا يشكون في
رسالته، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا،
وليس في كلام موسى الواقع جوابا عن
مقالتهم هذه إلا وصفهم بالفاسقين، والفسق
يطلق على المعصية الكبيرة، فإن عصيان أمر
الله في الجهاد كبيرة، ولذلك قال تعالى:
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ﴾(
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا
نَفْسِى وَآَخِى﴾، أي: قال موسى باثا شكواه
إلى ربه، معتذرا من فسق قومه عن أمره الذي
يبلغه عنه، إني لا أملك أمر أحد أحمله على
طاعتك إلا أمر نفسى وأمر أخي، ولا أثق
بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر والمنشط
والمكره المحبوب والمكروه.
﴿فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾،
أي: لا تؤاخذنا بجرمهم، لأنه خشي أن
يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع
فطلب النجاة، ولا يصح أن يريد الفرق
بينهم في الآخرة لأنه معلوم أن الله لا يؤاخذ
البريء بذنب المجرم، ولأن براءة موسى
وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١ / ٤١٧،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ / ١٦٦.
الله، ويجوز أن يراد بالفرق بينهم الحكم
بينهم وإيقاف الضالين على غلطهم
٠
(٢)
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ﴾، التيه:
الحيرة، يقال تاه يتيه: إذا تحير ومفازة تيهاء
إذا تحير فيها سالكها لعدم الأعلام التي
يهتدى بها، والتحريم: المنع، أي: قال
الله لموسى عليه السلام مجيبا دعوته: إن
الأرض المقدسة محرمة على بني إسرائيل
تحريما فعليا لا تكليفا شرعيا، مدة أربعين
سنة.
﴿يَنِيهُونَ فِى الأَرْضِ﴾، أي: يسيرون
فيها في بریة تائهین متحیرین لا يدرون أين
مصيرهم.
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اٌلْفَسِفِينَ﴾،
الأسى: الحزن، يقال أسيت عليه أسى
وأسيت له أي فلا تحزن عليهم، لأنهم
فاسقون متمردون مستحقون لهذا التأديب
(٣)
الإلهي(٣).
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢ / ١٢٢،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ / ١٦٧.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦ / ١٦٧.
٣٢٢
مَوَسُولَةُ اللَّقية
القرآن الكريم

بنوإسرائيل
٢. إنزال المن والسلوى.
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أنزل
على بني إسرائيل المن والسلوى.
قال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ
مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ
﴾ [البقرة: ٥٧].
يَظْلِمُونَ {٥٧
بَيَّنَت الآية نعم الله تعالى على بني
إسرائيل ورعايته لهم في الصحراء، حيث
يسر لهم السحاب يظللهم من هجير
الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره،
حين خرجوا إلى الأرض المقدسة، ويسر
لهم طعامًا شھیًا لا یجهدون فیه ولا یکدون.
﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾، والمن:
هو مادة حلوة تتجمع على أوراق الشجر،
وقيل: هو الترنجين، وقيل: المن ما يمن الله
به من غير تعب ولا نصب، والسلوى طائر
کالسماني، وذکر إنه کان یأتیھم من هذین ما
فيه كفايتهم، والسلوى وهو طائر السماني
يساق إليهم في الصحراء، قريب المتناول
سهل التناول، كان نعمة من الله ومظهرا
لعنايته بهم في الصحراء الجرداء، وهو
يتولاهم حتى في طعامهم اليومي فييسره
لهم من أقرب الموارد(١).
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٣٨/١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٨/٥، في
ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٣٤٥، أضواء
البيان الشنقيطي ٤ / ٧٤.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِبَتٍ مَا
رَزَقْنَكُمْ﴾، أي: وقلنا لهم كلوا من ذلك
الرزق الطيب الحلال، ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾،
يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن
الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه
طاعات الطائعين.
﴿وَلَكِنْ كَانُّواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي:
فكفروا تلك النعم الجزيلة، وما عاد ضرر
ذلك إلا عليهم باستيجابهم عذابي وانقطاع
ذلك الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مئونة
ولا مشقة، وفي هذا إيماء إلى أن كل ما يطلبه
الله من عباده فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم عنه
فإنما ذلك لدفع ضر يقع عليه، والتعبير
عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة كانوا والفعل
المضارع يظلمون يدل على أن ظلمهم
لأنفسهم كان يتكرر منهم، لأنك لا تقول في
ذم إنسان کان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت
الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى (٢).
٣. سقيا الماء.
ذكر القرآن الكريم أن موسى عليه السلام
استسقى الماء لبني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿﴿ وَإِذِاسْتَسْقَى مُوسَىْ لِقَوْمِهِ،
فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ
أَثْنَا عَشْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ تَشْرَبَهُمٌ
(٢) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٢٢، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص: ٥٣، التفسير الوسيط،
محمد طنطاوي ١ / ١٣٩.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الباء
كُلُوا وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ
مُفْسِدِينَ
﴾ [البقرة: ٦٠].
٦٠
بَينَتْ هذه الآية نعمة أخرى من نعم الله
تعالى التي آتاها بني إسرائيل فكفروا بها،
وذلك أنهم حين خرجوا من مصر إلى التيه
أصابهم ظمأ من لفح الشمس، فاستغاثوا
بموسی، فدعا ربه أن يسقيهم فأجاب دعوته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذٍ اسْتَسْقَى مُوسَى
لِقَوْمِهِ،﴾، يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو
موسی علیه السلام وحده، لتظهر کرامته عند
ربه لدى قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله
تعالی له، حیث أجاب سؤاله، وفجر الماء
لهم ببر کة دعائه.
﴿فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، أي:
فأجبناه إلى ما طلب، وأوحينا إليه أن اضرب
الحجر بعصاك، وقد أمره أن يضرب بعصاه
التي ضرب بها البحر حجرا من أحجار
الصحراء، قال الحسن: لم یکن حجرا معینا،
بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء، وهذا
أظهر في حجة موسى عليه السلام، وأدل
على قدرة الله تعالى (١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ
عيّنًا﴾، أي: فضرب فانفجرت منه اثنتا
عشرة عينا بقدر عدد الأسباط، فاختص كل
منهم بعين حتى لا تقع بينهم الشحناء.
(١) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٢٦، روح
المعاني، الألوسي ١ / ٢٧١.
وفيه إشارة إلى تدفق الماء بقوة وغزارة
أكثر مما في قوله تعالى: ﴿إِذِ اسْتَسْقَنُ
قَوْمُهُ: أَنِ أَضْرِب بِعَصَاكَ الَجَرّ
فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةً عَيْئاً قَدْ عَلِمَ
كُلُّ أُنَاسِ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٠].
فالانبجاس دون الانفجار، قوة وأثرًا،
وهذا الاختلاف في التعبير إنما هو لاختلاف
الحال، فحين ضرب موسى الحجر كان
الانبجاس أولا، ثم تلاه الانفجار، فكل
من الانبجاس والانفجار وصف لحال من
أحوال ضربة العصا، وأثر من آثارها، وذلك
وجه مشرق من وجوه الإعجاز، في التكرار
الوارد على الأحداث، في القصص القرآني.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾، أي:
قد صار لكل سبط منهم مشرب یعرفه، لا
يتعداه إلى مشرب غيره (٢).
وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ
اللّهِ﴾، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به،
والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه، ومن
لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض،
وفي ذكر الرزق مضافا تعظيم للمنة، وإشارة
إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا
تکلف.
﴿وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾،
تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال
(٢) انظر: تفسير المراغي ١ / ١٢٦، التفسير
القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١ /
٩٠.
مَوَسُوبَةُ الْبَعِيد
القرآن الكريم
٣٢٤