النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
بَنُوابِرَابيك
عناصر الموضوع
التعريف ببني إسرائيل
٢٨٦
ذكر بني إسرائيل في القرآن
٢٩٠
من نعم الله على بني إسرائيل
٢٩١
صفات بني إسرائيل
٢٩٥
بنو إسرائيل مع موسى وفرعون
٣٠٧
أخذ الميثاق على بني إسرائيل
٣٢٥
موقفهم من الأنبياء بعد موسى
٣٣١
عقوبات الله على بني إسرائيل
٣٣٥
٣٤٠
الدروس المستفادة من قصة بني إسرائيل
المُجَلَّدَ السَّابِعْ
حرف الباء
التعريف ببني إسرائيل
أولًا: التسمية:
يطلق المؤرخون أسماء العبرانيين واليهود وبني إسرائيل، ويريدون بها طائفة واحدة
معينة من الناس وهم: أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
١. العِبْرِئُون.
اختلفت الآراء في سب تسميتهم بهذا الاسم، فقيل: إنهم سموا بالعبريين نسبة إلى
إبراهيم عليه السلام، فقد ذكر في سفر التكوين باسم (إبراهيم العبراني)؛ لأنه عبر نهر الفرات
وأنهار أخرى، ورجحه أكثر العلماء، وقيل: إنهم سموا بالعبريين نسبة إلى (عبر) وهو الجد
الخامس لإبراهيم عليه السلام، وقيل: إن كلمة (عبري) ترجع إلى الموطن الأصلي لبني
إسرائيل، وذلك أنهم كانوا في الأصل من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان،
وتتنقل من مكان إلى آخر بماشيتها بحثا عن الماء والمرعى، وكلمة عبري أصلها من العبور
والتنقل، وكانوا يسمون بذلك تميزًا لهم عن أهل العمران، ثم لما عرفوا المدنية نفروا من
هذه التسمية، وآثروا أن يعرفوا ببني إسرائيل (١).
٢. بنو إسرائيل.
سموا بذلك نسبة إلى أبيهم إسرائيل، وهو إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام،
وإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من (إسرا) بمعنى عبد أو صفوة، ومن (إيل) وهو الله، فيكون
معنى الكلمة عبد الله أو صفوة الله (٢).
٣. اليهود.
قيل إنهم سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل، وقالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
أي: تبنا ورجعنا، وقيل: إنهم سموا بذلك لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة
التوراة، وقيل: سُمُّوا بذلك نسبة إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام (٣).
(١) انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: ٥٨٢، بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد
سيد طنطاوي ص: ٩، بنو اسرائيل، مهران محمد بيومي ١ / ٢٩.
(٢) انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: ٥٨٢، بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد
سيد طنطاوي ص: ١١، بنو اسرائيل، مهران محمد بيومي ١ / ٣٥.
(٣) انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: ٥٨٢، بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد
٢٨٦
القرآن الكريم
بنوإسرائيل
ثانيًا: المكان:
يذكر المؤرخون أن العبريين: وهم من نسل إسحاق ويعقوب عليهما السلام كانوا
يسكنون في بلاد كنعان، وكانوا يسكنون في جنوبي بلاد الشام، فلسطين وشرق الأردن،
وكانوا عبارة عن بدو رحل يهتمون بتربية المواشي (١).
ولما اشتد القحط في هذه البلاد هاجر يعقوب عليه السلام إلى أرض مصر، وقد ذكر
القرآن الكريم هذه القصة وبين ما حدث بين يوسف عليه السلام وإخوته.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَ خَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الْفُّرُّ وَحِثْنَا بِبِضَعَةٍ مُّزْجَةٍ فَأَوْفٍ
لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاْ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِفِينَ ﴾
﴾ [يوسف: ٨٨].
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا دَ خَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أُدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَمِنِينَ (٢) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُوالَهُ، سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا
رَبِّ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِّ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السّجْنِ وَجَلَّ بِكُمْمِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ
إِخْوَيَّ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: ٩٩-١٠٠].
عاش بنوا إسرائيل في مصر حياة كريمة آمنه في ظل يوسف عليه السلام، ويقال أن حكام
مصر خلال هذه الفترة هم الهكسوس، وكان حكمهم في القرن السادس عشر ق.م.
ثم لما قامت الأسرة التاسعة عشرة والتي من ملوكها (رمسيس الثاني) جاهر المصريون
بعداوتهم لبني إسرائيل وساموهم سوء العذاب، وقد ذكر القرآن الكريم هذا العذاب الذي
حل على بني إسرائيل.
قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنْكُم مِّنْ
مَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَابِ وَيُّدَتِجُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ
ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [إبراهيم: ٦].
ثم من الله تعالى على بني إسرائيل فأرسل إليهم نبي الله موسى عليه السلام لإنقاذهم
وهدايتهم، ثم استمر الأذى والهوان في عصر موسى عليه السلام حتى خرجوا من مصر
بقيادة موسى عليه السلام إلى بلاد الشام، فتوجه بهم إلى مدينة أريحا، وأمرهم بدخولها.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاً إِنَّا
مَهُنَا قَعِدُونَ ﴾ [المائدة: ٢٤].
سيد طنطاوي ص: ١٢، بنو اسرائيل، مهران محمد بيومي ١ / ٣٥.
(١) انظر: أطلس الأنبياء والرسل لسامي بن عبد الله المغلوث ص: ١٢١.
www. modoee.com
٢٨٧
حرف الباء
فلما أحجموا عن دخول الأرض المقدسة حل بهم عذاب الله فتاهوا في الصحراء أربعين
سنة، وبعد ذلك بأعوام قلائل توفي هارون عليه السلام، ثم توفي بعده موسى عليه السلام(١).
وبعد وفاة موسى عليه السلام شعر بنو إسرائيل بسوء أعمالهم وقبح تصرفاتهم مع نبيهم،
فنصبوا عليهم يوشع بن نون عليه السلام، وهو الذي عبر بهم نهر الأردن إلى أريحا، ثم انتصروا
على الملوك العموريين ثم سيطروا بعد ذلك على كامل الأرض المقدسة (فلسطين)(٢).
بعد موت يوشع تقسم الأسباط أرض الشام، فسلط الله سبحانه وتعالى بعضهم على
بعض، فانقسموا إلى مملكتين، مملكة (يهوذا) في الجنوب بقيادة داود عليه السلام، وتضم
بيت المقدس، ومملكة (إسرائيل) في الشمال بقيادة إيشبعل وتضم سامريا، وبعد ذلك قتل
إيشبعل، فبايع أهل الشمال داود عليه السلام وتوحدت دولة إسرائيل، وأصبحت أورشليم
عاصمة دينية وسياسية لها، وبعد وفات داود عليه السلام خلفه في الملك سليمان عليه
السلام، وكانت هذه المرحلة هي العصر الذهبي لدولة بني إسرائيل(٣).
وبعد موت سليمان عليه السلام انقسمت مملكة إسرائيل إلى مملكتين، مملكة (يهوذا)
في الجنوب، وعاصمتها أورشليم، بقيادة (رحبعام)، وعمرت (٤٠٠ عام)، وكانت نهايتها
على يد البابليين، ومملكة (إسرائيل) في الشمال وعاصمتها شكيم، بقيادة (يربعام)، وعمرت
(٢٥٠) سنة، وكانت نهايتها على يد الأشوريين (٤).
قال عبد الكريم الخطيب: ((ثم إذا أعدنا النظر إلى بني إسرائيل بعد الأسر البابلي، لم نجد
لهم دولة ظاهرة ولا ملكا قائما، وإنما هم دويلات ممزقة، متقاتلة فيما بينها، تخرج من حكم
البابلیین لتقع تحت حكم الفرس في سنة (٥١٨ ق.م)، ثم تحت حكم الرومان، إلى أن جاء
الفتح الإسلامي، الذي أدخل بيت المقدس في دولته، فأصبح المسجد الأقصى من مساجد
الإسلام، ليس لبنو إسرائيل شأن به منذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا))(٥).
ثالثًا: الزمان:
يمكن تلخيص الفترة الزمنية التي عاشها بنو إسرائيل كما يأتي:
(١) انظر: أطلس تأريخ الأنبياء والرسل، سامي بن عبد الله المغلوث ص: ١٤٧، معجم الحضارات
السامية، عبودي هنري ص: ٥٨٢.
(٢) انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: ٥٨٦.
(٣) انظر: معجم الحضارات السامية، عبودي هنري ص: ٥٨٦.
(٤) انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: ٤٨.
(٥) انظر: التفسير القرآني للقرآن ٨ / ٤٤٨.
٢٨٨
مُوسْو ◌َ النَّة
الْقُرآن الكَرِيْمِ
بنوإسرائيل
أولًا: يذكر المؤرخون أن الفترة الزمنية التي عاشها بني إسرائيل في أرض كنعان كانت
الفترة التي عاشها يعقوب عليه السلام، (١٨٣٧ - ١٦٩٠ ق. م).
ثانيًا: يرى كثير من المؤرخين أن استيطان بني إسرائيل في مصر كان خلال حكم
الهكسوس لمصر (خلال السنوات ١٧٢٠ - ١٥٧٠ ق.م)(١)، وقيل: إن بني إسرائيل نزلوا
إلى مصر (سنة: ١٦٧٨ ق.م) (٢).
ثالثًا: يرى بعض المؤرخين أن بني إسرائيل خرجوا من مصر بقيادة موسى عليه السلام في
عهد (منفتاح بن رمسيس الثاني) حوالي (١٢١٣ ق.م) (٣).
رابعًا: دخل بنو إسرائيل فلسطين بقيادة يوشع بن نون لما خرجوا من التيه في صحراء
سيناء بعد أربعين سنة، في القرن الثالث عشر قبل الميلاد (٤).
خامسًا: تأسست المملكة اليهودية حوالي (١٠٩٥ ق.م)، وأبرز ملوكها الأول طالوت
وداود وسليمان عليهم السلام، واستمرت هذه المملكة حتى تم القضاء عليها وزوالها على
ید بختنصر (سنة ٥٨٦ ق.م)(٥).
سادسًا: انقسمت مملكة بني إسرائيل بعد وفاة سليمان عليه السلام (سنة ٩٧٥ ق.م) إلى
مملکتین:
مملكة (يهوذا) في الجنوب، وعاصمتها أورشليم، بقيادة (رحبعام)، وقد تعاقب عليها
من بعده عشرون ملكًا، وعمرت (٤٠٠ عام)، وكانت نهايتها على يد البابليين (سنة
٥٨٦ ق.م) (٦).
مملكة (إسرائيل) في الشمال وعاصمتها شكيم، بقيادة (يربعام)، وقد تعاقب عليها من
بعده حوالي تسعة عشر ملكًا، وعمرت (٢٥٠) سنة، وكانت نهايتها على يد الأشوريين
(سنة ٧٢١ ق.م)(٧).
(١) انظر: العبرانيون وبني إسرائيل في العصور القديمة، إبراهام مالمات ص: ١٢١.
(٢) انظر: رحلة بني إسرائيل إلى مصر، غطاس بن عبد الملك ص: ١٥٢.
(٣) انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: ٢٣.
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: المصدر السابق ص: ٢٦، أرض الميعاد، حسين فوزي النجار ص: ٤٤.
(٦) انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: ٤٨.
(٧) انظر: بنو اسرائيل في الكتاب والسنة، محمد سيد طنطاوي ص: ٤٩.
www. modoee.com
٢٨٩
حرف الباء
ذكر بني إسرائيل في القرآن
ورد ذكر (بني إسرائيل) في القرآن الكريم (٤١) مرة، في (١٦) سورة.
وأما قصة (بنو إسرائيل) فذكرت في السور الآتية:
السورة
الآيات
البقرة
٤٠ - ٤٧ - ٤٣ - ٨٣ - ٦١ - ٨٦ -
٢٤٦- ٢٤٨-
الأعراف
١٣٨-١٤١
الإسراء
٤-٨-١٠١ - ١٠٣
طه
٨٠- ٨٢-٨٦-٩٧
الصف
٦-١٤
٢٩٠
مُوسو
القرآن الكريم
بنوإسرائيل
من نعم الله على بني إسرائيل
أنعم الله تعالى على بني إسرائيل بنعم
عظيمة، حيث فضلهم على العالمين، وأنزل
عليهم التوراة لهدايتهم، ومكن لهم في
الأرض، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: التفضيل على عالمي زمانهم:
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى فضل
بني إسرائيل على العالمين، قال تعالى:
﴿يَبَّنِيّ إِسْرَّهِيَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ أَلَِّىّ أَنْتُ عَلَيْكُمْ
وَأَنِّ فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾ [البقرة: ٤٧].
والتفضيل إنما أتاهم لتمسكهم بالفضائل
وتر کهم للرذائل، إذ من یری نفسه مفضلا
شريفا يترفع عن الدنايا، وذكرهم بهذا الفضل
لينبههم إلى أن الذي فضلهم على غيرهم له
أن يفضل غيرهم كمحمد صلى الله عليه
وسلم وأمته، وإلى أنهم أجدر من جميع
الشعوب بالتأمل فيما أوتیه النبي صلى الله
عليه وسلم من الآيات، فإن المفضل أولى
بالسبق إلى الفضائل ممن فضل عليه، وهذا
الفضل إن كان بكثرة الأنبياء فلا مزاحم لهم
فيه، ولا تقتضي هذه الفضيلة أن يكون كل
فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم،
ولا تمنع أن يفضلهم أخس الشعوب إذا
انحرفوا عن جادة الحق وتركوا سنة أنبيائهم
واهتدى بهديها غيرهم، وإن كان بالقرب
من الله باتباع شرائعه، فذلك إنما يتحقق
في أولئك الأنبياء والمهتدين من أهل
زمانهم، ومن تبعهم بإحسان ما داموا على
الاستقامة وسلكوا الطريق الذي استحقوا به
التفضيل (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِّ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾،
وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت
بزمان استخلافهم واختيارهم، فأما بعد
ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا أنبياءهم،
وجحدوا نعمة الله عليهم، وتخلوا عن
التزاماتهم وعهدهم، فقد أعلن الله حكمه
عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة،
وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد،
وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين، هو
تذكير لهم بما كان لهم من فضل الله وعهده
وإطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على
يدي الدعوة الإسلامية، فیعودوا إلى موكب
الإيمان، وإلى عهد الله شكرًا على تفضيله
لآبائهم، ورغبة في العودة إلى مقام التكريم
الذي يناله المؤمنون(٢).
قال سيد قطب: ((ومعنى هذا التفضيل
أن الله قد جمع لهم من المحامد التي
تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه
لغيرهم، وهي شرف النسب، وكمال الخلق،
وسلامة العقيدة، وسعة الشريعة، والحرية
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٥٢/١، تفسير المراغي ١ / ١٠٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١ / ٤٨٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٤٨٤.
www. modoee.com
٢٩١
حرف الباء
أحوالهم، وقد أشارت إلى هذا آية: ﴿وَإِذْ
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا
وَءَاتَّنَكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ
[المائدة: ٢٠].
وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم في
وقت اجتماعها، وقد شاع أن الفضائل
تعود على الخلف بحسن السمعة وإن كان
المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل
على العالمين، ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه
فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا
العصور))(١).
وقال محمد رشيد: ((ثم طلب منهم أن
يذكروا نعمته، وتفضيله إياهم على الناس،
إحياء لشعور الكرامة في نفوسهم، ووصله
بالأمر باتقاء يوم الدين والجزاء، وهذا
أسلوب حكيم في الوعظ، فينبغي لكل
واعظ أن يبدأ وعظه بإحياء إحساس الشرف
وشعور الكرامة في نفوس الموعوظين
لتستعد بذلك لقبول الموعظة، وتجد من
ذلك الإحساس معونة من العزيمة الصادقة
التي هي من خصائص النفوس الكريمة
على عوامل الهوى والشهوة، فإن النفس
إذا استشعرت كرامتها وعلوها إلى ما في
الرذائل من الخسة أبى لها ذلك الشعور
(١) في ظلال القرآن ١ / ٦٩.
مَوَسُولَة
القرآن الكريم
والشجاعة، وعناية الله تعالى بهم في سائر - شعور العلو والرفعة - أن تنحط إلى
تعاطي تلك الخسائس، و کان ذلك من أقوى
الوسائل لمساعدة الواعظ على بلوغ قصده
من نفس من يوجه إليه وعظه، ثم إن في
الوعظ ما يؤلم نفس الموعوظ، وحرجا يكاد
يحملها على النفرة من تلقينه، والاستنكاف
من سماعه، فذكر الواعظ لما يشعر بكرامة
المخاطب ورفعة شأنه، وإباء ما ينمي إليه
من الشرف أن يدوم علی مثل ما يقترف يقبل
بالنفس على القبول، كما يقبل الجريح على
من يضمد جراحه ويسكن آلامه»(٢).
ثانيًا: إيتاء موسى التوراة لهداية بني
إسرائيل:
ذكر القرآن الكريم أن من نعم الله
تعالى على بني إسرائيل إعطاء موسى عليه
السلام التوراة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا
مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
٥٣
[البقرة: ٥٣].
هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها
صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف
جماعتهم، مع الإشارة إلى تمام النعمة،
وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة
الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتابا فكانوا
به أهل کتاب أي أهل علم تشريع، والکتاب
والفرقان: اسمان لشيء واحدٍ لكن يقالان
(٢) تفسير المنار ١ / ٢٥١.
٢٩٢
بنوإسرائيل
باعتبارين مختلفين، أما الكتاب، فلجمع
الأحكام المتفرقة فيه، وأما الفرقان: فلكونه
مفرقًا بين الحق والشبهة وبين الأحكام
المختلفة، وأتى باللفظين تنبيهًا على تضمين
التوراة للمعنيين (١).
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾، أي:
ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر
ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء
ويهيئكم للاسترشاد، فلا تقعوا في وثنية
أخرى، وإن من كمال الاستعداد للهداية
بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم هو هدى ونور يرجعهم
إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه،
وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون،
وجاحده الرؤساء المستكبرون، والمقلدون
الذين لا يعقلون، وهذا هو محل المنة؛ لأن
إتيان الشريعة لو لم يكن لاهتدائهم وكان
قاصرا على عمل موسی به لم یکن فیه نعمة
عليهم(٢).
ثالثًا: التمكين في الأرض:
ذكر القرآن الكريم أن من نعم الله تعالى
على بني إسرائيل التمكين في الأرض،
قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
(١) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١ / ١٩١،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٠١.
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ١ / ٢٦٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٠٢.
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا
أَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى
عَلَى بَنِىَّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَمَا كَانُواْ
يَعْرِشُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٧].
بينت الآية نعمة الله العظيمة على
بني إسرائيل، ولطفه بهم حيث رفعوا من
حضيض المذلة إلى أوج العزة والكرامة،
فتأسست لهم دولة عظيمة في بلاد
الشام، وصاروا يتصرفون في أرض مصر
كما شاءوا، ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ﴾، أي: وأورثنا القوم
الذين كانوا يستضعفون في مصر بالاستعباد
وقتل الأبناء واستحياء النساء وأخذ الجزية
واستعمالهم في الأعمال الشاقة، والجمع
بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على
استمرار الاستضعاف وتجدده، وذكروا بهذا
العنوان إظهارا لكمال اللطف بهم وعظم
الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض
المذلة إلى أوج العزة، ولعل فيه إشارة إلى
أن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَشَرِقَ الْأَرْضِ
وَمَغَرِبَهَا﴾، قيل: أرض مصر، وقيل:
أرض الشام، ومشارقها من حدود الشام،
ومغاربها من حدود مصر، وقيل: جهاتها بما
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ / ٧٦، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٤ / ٣٤٨، تفسير المراغي ٩
/ ٤٨، روح المعاني، الألوسي ٥ / ٣٦.
www. modoee.com
٢٩٣
حرف الباء
فیها بیت المقدس ومصر والشام، وهذا أولى
من الاقتصار على أرض مصر التي كانوا فيها
عبيدا هم ونساؤهم، وهذه الأرض هي:
﴿الَِّی بَرَكْنَا فِيهَا ﴾، بكثرة الثمار والزروع
والأشجار والخصب وسعة الرزق وكونها
مساكن الأنبياء والصالحين ومرقدهم،
﴿پما صبرُوا﴾، بسبب صبرهم، وحسبك به
(١)
.
حاثاً على الصبر
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
الْحُسْنَى عَ بَنِّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبِرُواْ﴾، أي:
ونفذت كلمة الله ومضت على بني إسرائيل
تامة كاملة، بسبب صبرهم على الشدائد
التي کابدوها من فرعون وقومه، وقد كان
وعد الله تعالی إياهم مقرونا بأمرهم بالصبر
والاستقامة، كما أمرهم نبيهم عليه السلام
مبلغا عن ربه، ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ
◌ِاَللَّهِ وَأَصْبِرُواْ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
ومن قابل البلاء بالجزع و کله الله إليه،
ومن قابله بالصبر ضمن الله له الفرج، وقد
تم وعد الله تعالى لهم بذلك، ثم سلبهم
تلك الأرض بظلمهم لأنفسهم وللناس ولم
يكن من مقتضى الوعد أن يعودوا إليها مرة
أخرى(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ
فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾،
أي: وخربنا ما كان يصنع فرعون وقومه
من المباني والقصور التي كانوا يبنونها
للمصريين، والمكايد السحرية والصناعية
التي كان يصنعها السحرة لإبطال آياته
والتشكيك فيها، وما كانوا يعرشون من
الجنات والبساتين (٣).
وقد جاء في آية أخرى: ﴿وَزُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَتَجْعَلَهُمْ أَيِمَّةً
وَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ٥﴾ [القصص: ٥].
أي: ونريد أن نتفضل بإحساننا على من
استضعفهم فرعون وأذلهم، وتنجيهم من
بأسه، ونريهم في أنفسهم وفي أعدائهم فوق
ما يحبون، وأكثر مما يؤملون، ﴿وَتَجْعَلَهُمْ
أَبِمَةٌ﴾، مقتدى بهم في الدين والدنيا،
﴿وَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِينَ﴾، لملك الشام لا
ینازعھم فیه منازع(٤).
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢ / ٢٥٤،
الكشاف، الزمخشري ٢ / ١٤٩، بيان
المعاني، عبد القادر ملا ١ / ٤١٠.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٥٩٩،
تفسیر المنار، محمد رشید ٩ / ٨٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٩ / ٧٦.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥ / ١٥٦،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩ / ٧٦.
(٤) انظر: تفسير المراغي ٢٠ / ٣٤.
٢٩٤
القرآن الكَرِيْمِ
بنوإسرائيل
صفات بني إسرائيل
تظهر صفات بني إسرائيل من خلال
النقاط الآتية:
أولًا: التبديل والتحريف:
ذكر القرآن الكريم أن من صفات
بني إسرائيل الاستهزاء ومخالفة الأوامر
وتبديلها.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ اَلْقَرْيَةَ
فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ
سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْلَكُمْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا
الْمُحْسِينِينَ ()
غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
رِجْزًا مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٥٩
[البقرة: ٥٨-٥٩].
بينت الآية أن من صفات بني إسرائيل
القبيحة تبديل آيات الله وتحريفها وفق
رغباتهم وأهواءهم، فخاطب الله تعالى
بهذه الآيات يهود بني إسرائيل الذين كانوا
في المدينة بين ظهراني مهاجر رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا
أن يكونوا في تكذيبهم محمدا صلى الله
عليه وسلم وجحودهم نبوته كآبائهم
وأسلافهم، الذين كذبوا الرسل السابقين
وتمردوا عليهم واستهزؤا بهم، واستعمال
ضمير المخاطب في توجيه الكلام حتى
لیکاد يكون للسامعين، مع أنه في صدد
اليهود القدماء، وذلك لبيان وتوكيد شدة
اللحمة في الأخلاق والجبلة والمواقف بين
القديمين والحاضرين، وهو بصدد التنديد
بأفعال الأبناء المكروهة إذا كانت على وتيرة
أفعال الآباء، وفي ذلك توكيد بأن اليهود
السامعين هم أنسال بني إسرائيل القدماء
كما هو المتبادر، وتحذيرهم أن يفعلوا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل
أباءهم مع أنبيائهم(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ
فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾، أي: وإِذ أمرنا
بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام
فبلغه للقوم، والقرية: البلدة المشتملة على
المساكن المبنية من حجارة وهي مشتقة
من القري، وهو الجمع، يقال: قرى الشيء
يقريه إذا جمعه، وهي تطلق على البلدة
الصغيرة وعلى المدينة الكبيرة ذات الأسوار
والأبواب، وهذه القرية: هي الأرض
المقدسة، قال تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ
الْمُقَدَّسَةَ أَلَّتِ كَعَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَزْئَدُواْ عَلَى
أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٢١].
وهو أصح الأقوال، وقيل: هي حبرون،
وقيل: هي أريحا، لتكون مركزًا أولًا لهم،
والأمر بالدخول أمر بما يتوقف الدخول
عليه وهو القتال كما دل عليه قوله:
(١) انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي ١ /
١٣٥، التفسير الحديث، دروزة محمد عزت
٦ /٠١٧٠
www. modoee.com
٢٩٥
حرف الباء
نَرْكُواْ عَلَى أَدْبَارِكُتِ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾، فإن حطة خاصة وامتثلوا ما عدا ذلك لأنه لو
كان كذلك لكان الأمر ھینا، وقيل: قالوا:
الارتداد على الأدبار من الألفاظ المتعارفة
في الحروب.
مكان حطة حنطة، وقيل قالوا: بالنبطية حطا
سمقاثا، أي: حنطة حمراء، استهزاء وتبديلًا
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قال سبحانه:
لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَزْبَارَ
* [الأنفال: ١٥](١).
منهم بما قيل لهم، وعدولًا عن طلب ما عند
الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنیا،
وكان هذا رغبة في المخالفة وإصرارًا على
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ
رَضَدًا﴾ أي: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم
عیشا هنیا واسعا بغير حساب، وفيه دلالة
على أن المأمور به الدخول على وجه الاقامة
والسكنى، ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا﴾، أي:
باب القرية، وقيل: هو باب الحطة من بيت
المقدس.
العناد، ما يكشف عما في طبيعة القوم من
عناد، وإنه عناد الأطفال، يأبون إلا ركوب
رءوسهم، والاتجاه إلی غیر ما یوجهون إليه،
ولو کان في ذلك تلفهم وهلاکهم، وقد بينت
السنة هذا التبديل، فعن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُواْالْبَابَ سُجَّدًا
وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾، والمراد بالحطة:
الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير
وكفر (٢).
وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾، فدخلوا يزحفون على أستاهم
فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعرة)(٣) (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
رِجْزًا﴾، أي: عذابًا، وفي تكرير الذين
ظلموا زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بإنزال
الرجز عليهم لظلمهم، وإنما جاء بالظاهر
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
قَوْلًاً غَيْرَ الَّذِى ◌ِّلَ لَهُمْ﴾، أي: فلما دخلوا
الباب خالفوا أمر الله، وقالوا بخلاف ما
قيل لهم، وتبديل القول تبديل جميع ما قاله
الله لهم، وفائدة إظهار لفظ القول دون أن
يقال فبدلوه، لدفع توهم أنهم بدلوا لفظ
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١ / ١٤٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٢٧٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥١٤.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢ / ١٠٣، روح
البيان، إسماعيل حقي ١ / ١٤٣، تفسير
المنار، محمد رشيد رضا ١ / ٢٦٩، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥١٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى
عليهما السلام، رقم ٣٤٠٣، ١٥٦/٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، رقم
٣٠١٥، ٢٣١٢/٤.
(٤) انظر: تفسير السمر قندي ١ / ٥٦، مدارك
التنزيل، النسفي ١ / ٩٢، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١ / ٥١٦، التفسير القرآني
للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١ / ٨٨.
مَوَسُوبَةُ النَّية
القرآن الكريم
٢٩٦
بنوإسرائيل
في موضع المضمر، فقال: ﴿عَلىَ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ﴾، ولم يقل: عليهم؛ لئلا يتوهم
أن الرجز عم جميع بني إسرائيل، ﴿مِّنَ
السَّمَآءِ﴾، وإنما جعل من السماء لأنه لم
یکن له سبب أرضي من عدوی أو نحوها،
فعلم أنه رمتهم به الملائكة من السماء بأن
ألقيت عناصره وجراثيمه عليهم فأصيبوا
به دون غيرهم، ولأجل هذا خص التبدیل
بفريق معروف عندهم، فعبر عنه بطريق
الموصولية لعلم المخاطبين به وبتلك
الصلة، فدل على أن التبديل ليس من فعل
جميع القوم أو معظمهم؛ لأن الآية تذكير
للیھود بما هو معلوم لهم من حوادثهم،
﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾، بسبب فسقهم (١).
[انظر: اليهود: تحريفات اليهود]
ثانيًا: التعنت:
من صفات بني إسرائيل الذميمة التي
ذكرها القرآن الكريم التعنت.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ»
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا
هُوَّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلَْهِينَ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ.
٦٧
يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ
ذَالِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمُرُونَ (٥) قَالُواْ أَدْعُ لَنَا
(١) انظر: تفسير السمرقندي ١ / ٥٦، مدارك
التنزيل، النسفي ١ / ٩٢، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١ / ٥١٦.
رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ: يَقُولُ إِنَّهَا
بَقَرَةٌ صَغْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّظِرِينَ
قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ
تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ
٧٠
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا
تَسْقِى أَلْزَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَاَ قَالُواْ الْقَنَ
جِثْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ
٧١
وَإِذْقَلْتُمْ نَفْسًا فَأَذَّارَةَ تُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجُ مَاكُنُمْ
فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاْ كَذَلِكَ يُحْىِ
تَكْتُمُونَ
اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
﴾ [البقرة: ٦٧ -٧٣].
بینت هذه الآيات قصة بني إسرائيل في
تلقيهم لأوامر الله تعالى، وعدم التوفير
لأنبيائهم، والتعنت في الأسئلة، وسوء
الفهم في مقاصد الشريعة، وذلك أنه وجد
قتيل فيهم، وكانوا يطالبون بدمه، فأمرهم
الله تعالى بذبح بقرة، وأن يضربوه ببعضها
ليحيى ويخبر بقاتله، فأخبرهم موسى عليه
السلام بذلك.
وإنما أمر -والله أعلم - بذبح البقرة دون
غيرها؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل،
ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه،
وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم
من عبادته، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْ بَهُواْ بَقَرَةً
وقدم هنا قول موسى عليه السلام؛ لأن
خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ
www. modoee.com
٢٩٧
حرف الباء
عنه ضرب من مذامهم في تلقي التشريع،
وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤا،
والإعنات في المسألة، فأرید من تقديم جزء
القصة تعدد تقريعهم، ﴿قَالُواْ أَلَتَّخِذُنَاهُزُوًا ﴾،
أي: سخرية يهزأ بنا، وهذا القول من سفههم
وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله تعالى
وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام
والامتثال، وإن لم تظهر حكمته(١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ
مِنَ الْجَهِلِينَ﴾، لأن الهزو في أثناء تبليغ
أمر الله سبحانه جهل وسفه نفى عنه عليه
السلام ما توهموه من قبله على أبلغ وجه
وآكده، بإخراجه مخرج ما لا مكروه وراءه
بالاستعاذة منه، استفظاعا له، واستعظاما لما
أقدموا عليه من العظيمة التي شافهوه بها،
والعوذ: اللجوء من متخوف لکاف یکفیه،
والجهل: التقدم في الأمور بغير علم، وكان
في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم،
ویرجعوا إلى ربهم، وینفذوا أمر نبيهم(٢).
ولما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من
الله عز وجل سألوه الوصف، ولو أنهم
عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١ / ١٣٧،
محاسن التأويل، القاسمي ١ / ٣٢٥، تفسير
المنار، محمد رشيد ١ / ٢٨٨، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٤٦.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١ / ١٣٧،
محاسن التأويل، القاسمي ١ / ٣٢٥، في
ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٧٨.
عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد
الله عليهم، وقالوا لموسى تماديًا في
تعنتهم: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ أَنَامَاهِىَ﴾، أي: ما
حالها وصفتها، وكان حقهم أن يقولوا: أي
بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن ما يسأل به عن
الجنس غالبًا.
لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم
يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجری ما
لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله.
﴿قَالَ إِنَّهُ, يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا
پگرُ﴾، أي: لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض:
المسنة التي لا تلد، یقال: منه فرضت تفرض
فروضا، والبكر: الفتية الصغيرة التي لم
تلد قط، وحذفت الهاء منهما للاختصاص
بالإناث کالحائض.
﴿عَوَانٌ﴾، وسط نصف بين ذلك، أي:
بين السنين، يقال: عونت المرأة تعوينا إذا
زادت على الثلاثين، وقيل: العوان التي لم
تلد قط، وقيل: العوان التي نتجت مرارًا.
وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن
يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضا
بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف
حتى لا يترك لهم مجالًا لإعادة السؤال،
وزجرهم عن التعنت والتمادي والمراجعة،
بقوله: ﴿فَأَفْعَلُواْ مَا تُؤْمِّرُونَ﴾، أي:
كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا
البقرة، ولكنهم لم یسکنوا أنهم يريدون أن
٢٩٨
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
بنوإسرائيل
يحاوروا، ولذلك غيروا صيغة السؤال(١).
ومما يبين تعنت بني إسرائيل وسوء
أدبهم مع نبيهم موسى عليه السلام، وهم
يسألون: ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيْنِ أَنَا مَا هِىَ ﴾،
وإضافة الرب إلی موسی علیه السلام، ولم
يقولوا أدع لنا ربنا، فكأنه رب موسى عليه
السلام، والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما
يزالون في شکهم أن یکون موسی هازًا فيما
أنهى إليهم! فهم أولًا: يقولون: ﴿أَدْعُ لَنَا
رَبَّكَ﴾، فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك!
وربه!(٢).
ثم تمادوا في تعنتهم وتماديهم بما يوحي
أنه صفة من صفاتهم القبيحة وخلق من
أخلاقهم المتجذرة في نفوسهم، ﴿قَالُواْ
أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأْ قَالَ إِنَّهُ.
يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ
النَّظِرِينَ﴾، أي: صاف لونها، ﴿قَسُرُّ
النَّظِرِينَ ﴾، أي: تعجب الناظرين، وكان
يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولكنهم
زادوا تنطعا إذا قالوا: ﴿أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ أَنَا
مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١ / ١٥٤،
الكشاف، الزمخشري ١ / ١٤٨، أنوار
التنزيل، البيضاوي ١ / ٨٦، معالم التنزيل،
البغوي ١ / ١٢٩، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ١ / ٥٥١، تفسير الشعراوي ١ /
٣٩٣.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٧٨.
لَمُهْتَدُونَ ﴾ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾
أي: لم يذللها العمل، ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾، أي:
وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِى
الْرَثَ﴾، يقول: ولا تعمل في الحرث،
﴿مُسَلَّمَةٌ ﴾، أي: مسلمة من العيوب،
شِيَةً فِيهَا﴾، لا بياض فيها (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾،
اعتذار عن إعادة السؤال، وإنما لم يعتذروا
في المرتين الأوليين واعتذروا الآن؛ لأن
للثالثة في التكرير وقعا في النفس في التأكيد
وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى والسآمة وغير ذلك، وقولهم: ﴿وَإِنَّا إِن
شَآءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، تنشيط لموسى عليه
السلام، ووعد له بالامتثال لينشط إلى دعاء
ربه بالبيان، ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم
التي ظهرت بوارقها في قوله: ﴿فَأَفْعَلُواْ مَا
تُؤْمَرُونَ﴾، ولإظهار حسن المقصد من
كثرة السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات،
تفاديا من غضب موسى عليهم، والتعليق بـ
﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾، للتأدب مع الله في رد الأمر
إليه في طلب حصول الخير (٤).
ولما استوفى جميع المميزات
والمشخصات ولم يروا سبيلا إلى سؤال
آخر، ﴿قَالُواْ الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا
وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾، أي: وما قاربوا أن
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١ / ١٢٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٢٩٥،
تفسير المنار، محمد رشيد ١ / ٢٨٩.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١ / ٥٥٤.
www. modoee.com
٢٩٩
حرف الباء
یذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع
ما كان من تنطعهم وتعنتهم (١).
قال أبو زهرة: ((إن الله تعالى يختبرهم
في إيمانهم بأن يذبحوا بقرة، ولكنهم تأثرًا
بالمصريين وما كانوا عليه من عبادة العجل،
يترددون في ذبح البقرة، فیجادلون في ذبحها
متجاهلين أمرها، ولو أتوا إلى أي بقرة
فذبحوها لكان في ذلك الاستجابة الكاملة،
ولکنھم یثیرون الریب حول الطلب، سألوا
عن حقيقتها، وعن كونها صغيرة أو كبيرة،
فأجيبوا، ثم سألوا عن لونها فأجيبوا، ثم
سألوا عن كونها متخذة معلوفة للنماء
والتوالد، أم هي ذلول عاملة، فذبحوها
وما كادوا يفعلون تقليدًا للمصريين وتأثرًا
فأفكارهم، وأوهامهم في دينهم)) (٢).
ثالثًا: التحايل على الأحكام:
ذكر القرآن الكريم تحايل بني إسرائيل
على الأحكام.
قال تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِىِ
السَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُّونَ" لَا تَأْتِيهِمْ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
١٦٣
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ
أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ١ / ٢٨٩.
(٢) المعجزة الكبرى القرآن ص: ١٣٧.
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿ فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِه
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
[الأعراف: ١٦٣ - ١٦٥].
يقول الله تعالى لنبيه صلوات الله
وسلامه عليه: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾.
والسؤال فيه للتقرير المتضمن للتقريع،
والإدلال بعلم ماضيهم، والمعنى: واسأل
بني إسرائيل عن أهل القرية التي كانت
حاضرة البحر، أي قريبة منه، راكبة لشاطئه.
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، أي: اسأل
عن حالهم في الوقت الذي كانوا يعتدون
في السبت، ویتجاوزون حکم الله بالصيد
المحرم عليهم فيه (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ
يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾، أضيفت الحيتان
إليهم لما كان من ابتلائهم بها، واحتيالهم
علی صیدها، وكانت تأتيهم يوم سبتهم، أي:
تعظیمهم للسبت، فهو مصدر سبتت اليهود
تسبت إذا عظمت السبت بترك العمل فيه
وتخصيصه للعبادة.
﴿شُرَّعًا﴾، أي: ظاهرة من كل
مكان، وهي جمع شارع، من شرع عليه إذا
دنا وأشرف، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة،
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ / ١٨٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ / ٤٩٣،
تفسير المنار، محمد رشيد ٩/ ٣١٧.
مَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِد
القرآن الكريم
٣٠٠
بنواسرائيل
فکانوا یحتالون بحبسها في يوم السبت،
ثم يأخذونها في يوم الأحد، ويقال: إنهم
جاهروا بأخذها في يوم السبت.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونٌَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾، أي:
ولا تأتيهم يوم لا يعظمون السبت فعلا
وتركا، قيل: إنها اعتادت ألا يتعرض أحد
لصیدها یوم السبت، فأمنت وصارت تظهر
فیه، وتختفي في الأيام التي لا يسبتون فيها
لما اعتادت من اصطيادها فيها، فلما رأوا
ظهورها وكثرتها في يوم السبت أغراهم
ذلك بالاحتيال على صيدها ففعلوا (١).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا
كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾، أي: نختبرهم بإظهار
السمك لهم على ظهر الماء في اليوم
المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في
الیوم المحلل لهم صيده.
البلاء بظهور السمك لهم نبلوهم، أي
نختبرهم أو نعاملهم معاملة المختبر لحال
من يريد إظهار كنه حاله ليترتب الجزاء
على عمله بسبب فسقهم المستمر عن أمر
ربهم، واعتدائهم حدود شرعه، وهؤلاء قوم
احتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا
من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن
تعاطي الحرام (٢).
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ٩ / ٣١٧.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /
٤٩٣.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِيَ
تَعِظُونَ قَوَّمَاْ اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا
قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم
صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت
المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك
یوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك وأنكرت
واعتزلتهم، وفرقة سکتت فلم تفعل ولم تنه.
ولكنها قالت للمنكرة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا
اَللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟
أي: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم
هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة
في نھیکم إیاهم.
قالت لهم المنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾،
قرأ بعضهم بالرفع، كأنه على تقديره: هذا
معذرة وقرأ آخرون بالنصب، أي: نفعل
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، أي: مثل هذا ذلك ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾.
أي: نعظهم وعظ عذر نعتذر به إلى
ریکم عن السكوت على المنکر، وقد أمرنا
بالتناهي عنه، ورجاء في انتفاعهم بالموعظة،
وحملها على اتقاء الاعتداء الذي اقترفوه.
أي: فنحن لم نيأس من رجوعهم إلى
الحق يأسكم، فإذا تابوا تاب الله عليهم
(٣)
ورحمهم .
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ /
٤٩٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٤٦٨،
أنوار التنزيل، البيضاوي ٣ / ٣٩، تفسير
المنار، محمد رشيد ٩ / ٣١٧.
www. modoee.com
٣٠١
حرف الباء
قال ابن عاشور: ((إن صلحاء القوم كانوا من العقاب الذي استحقه فاعلو السوء
فريقين، فريق منهم أيس من نجاح الموعظة بظلمهم، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، وحدهم،
وتحقق حلول الوعيد بالقوم، لتوغلهم في
المعاصي، وفريق لم ينقطع رجاؤهم من
حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار.
فأنكر الفريق الأول على الفريق الثاني
استمرارهم على كلفة الموعظة، واعتذر
الفريق الثاني بقولهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ :
فالفريق الأول: أخذوا بالطرف الراجح
الموجب للظن.
والفريق الثاني: أخذوا بالطرف المرجوح
جمعًا بينه وبين الراجح لقصد الاحتياط،
ليكون لهم عُذرًا عند الله إن سألهم: لماذا
أقلعتم عن الموعظة؟ ولما عسى أن يحصل
من تقوى الموعوظين بزيادة الموعظة،
فاستعمال حرف الرجاء في موقعه؛ لأن
الرجاء يقال على جنسه بالتشكيك، فمنه
قوي، ومنه ضعيف»(١).
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾،
أي: فلما نسي العادون المذنبون، ما ذكرهم
ووعظهم به إخوانهم المتقون، بأن تركوه
وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسي في كونه
لا تأثیر له.
﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ﴾، أي:
عن العمل الذي تسوء عاقبته أي: أنجيناهم
(١) التحرير والتنوير ٩ / ١٥٢
﴿بِعَذَاپ یئیٍ﴾، أي: شدید، من البأس
وهو الشدة، أو البؤس، وهو المكروه أو
الفقر، ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾، أي: بسبب
فسقهم المستمر لا بظلمهم في الاعتداء في
السبت فقط (٢).
رابعًا: الحرص على الحياة:
ذكر القرآن الكريم أن بني إسرائيل
أحرص الناس على حياة.
قال تعالى: ﴿وَلَنَجِدَ نَّهُمْ أَخْصَ النَّاسِ
عَلَ حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَذُّ أَ حَدُ هُمْ لَوْ يُعَمٌَّ
أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَّحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَّ
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: ٩٦].
بينت الآية أن بني إسرائيل أحرص
الخلق على حياة وأشدهم كراهة للموت،
لما يعلمون من مآلهم السيء وعاقبتهم
عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن
وجنة الكافر (٣)، فهم يودون لو تأخروا عن
مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما يحذرون
واقع بهم لا محالة، ﴿وَلَنَجِدَ تَّهُمْ أَحْمََ
النَّاسِ عَلَى حيوق﴾، أي: أنك تجدهم في حال
دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على
حياة، وعطف هذه الآية على قوله تعالى:
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ٩ / ٣١٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتبا الزهد
والرقائق، رقم ٢٩٥٦ ٤ / ٢٢٧٢.
٣٠٢
مُوسوبر التفسير
القرآن الكريم
بنوإسرائيل
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَاً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ
بالطّلِمِينَ (٥) ﴾ [البقرة: ٩٥].
للإشارة إلى أن عدم تمنیھم الموت لیس
على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة
الموت ما دام المرء بعافية، بل هم تجاوزوا
ذلك إلی کونهم أحرص من سائر البشر على
الحياة، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ آَشْرگُوا﴾ أي: حتى إنهم
أحرص من جميع الناس حتى من الذين
أشركوا، الذين لا يرجون بعثا ولا نشورا
ولا نعیما فنعیمهم عندهم هو نعيم الدنيا،
وفي هذا توبيخ وإيلام عظيم لهم، إذ أن
المشرکین لا يؤمنون ببعث ولا يعرفون إلا
هذه الحياة، فحرصھم علیها ليس بالغريب،
أما من يؤمن بکتاب ویقر بالجزاء فالأولى
ألا يكون شديد الحرص عليها (١).
وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ
سَنَةٍ﴾ أي: يتمنى كل منهم أن يبقى على
قيد الحياة ألف سنة أو أكثر، مع ما يعتري
صاحب هذا العمر من سوء الحالة ورذالة
العیش، لأنه یتوقع سخط الله وعقابه، فیری
أن الدنيا على ما فيها من الآلام والأكدار خیر
له مما يستيقن وقوعه في الآخرة، والعرب
تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة،
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣ / ٦٠٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٣٣٤،
تفسير المراغي ١ / ١٧٣، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ١ / ٦١٧.
أي: وما بقاؤه فيها بمنجيه ولا بمبعده من
العذاب المعد له، فإن العمر مهما طال فهو
منته لا محالة، ﴿وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
أي: والله عليم بخفيات أعمالهم، وبجميع
ما يصدر منهم وهو مجازيهم به، فطول
العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من
عقابه، فالمرجع إليه، والأمر كله بيديه(٢).
قال الشنقيطي: «فاعلم أن الله قد أوضح
هذا المعنى مبينا أن الإنسان لو متع ما متع
من السنين، ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه
العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه،
ولا يغني عنه شيئا بعد انقضائه وحلول
العذاب محله، وذلك في قوله: ﴿أَفَرَبَيْتَ
إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ { ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ
يُؤْعَدُونَ ﴿٦ مَّا أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ
(٣٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧].
وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال
الذي هو طول الأمل، كفانا الله والمؤمنين
شره»(٣).
وقال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ﴾
[البقرة: ٩٦]: ((أية حياة، لا يهم أن تكون
حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق!
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
١٧٧/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١/ ٣٣٤، تفسير المراغي ١ / ١٧٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ١ / ٦١٧.
(٣) أضواء البيان ١ / ٤١.
www. modoee.com
٣٠٣
حرف الباء
حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة الله))(١).
دیدان أو حشرات! حیاة والسلام! إنها يهود،
في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، وما
ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة، فإذا
وجدت المطرقة نكست الرؤوس، وعنت
الجباه جبنًا وحرصًا على الحياة .. أي حياة!
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُمَتَّرُ أَلْفَ
سَنَّةٍوَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَالَّهُ
بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦].
يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، ذلك أنهم
لا يرجون لقاء الله، ولا يحسون أن لهم حياة
غير هذه الحياة، وما أقصر الحياة الدنيا وما
أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها
لا تتصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير
أنفاس وساعات على الأرض معدودة، إن
الإيمان بالحياة الآخرة نعمة، نعمة يفيضها
الإيمان على القلب، نعمة يهبها الله للفرد
الفاني العاني، المحدود الأجل الواسع
الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ
إلى الخلود، إلا وحقيقة الحياة في روحه
ناقصة أو مطموسة، فالإيمان بالآخرة-
فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه
الأوفى- هو ذاته دلالة على فيض النفس
بالحيوية، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند
حدود الأرض إنما يتجاوزها إلى البقاء
الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى
المرتقى السامي الذي يتجه صعدًا إلى جوار
خامسًا: الإفساد في الأرض:
ذكر القرآن الكريم فساد بني إسرائيل في
الأرض.
قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بنى إِسْرِهِیلَ فِی
اٌلْكِنَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا
كَبِيرًا ، فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ
عِبَادًا لَنَا أُوْلى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِّ
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ
وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (٥)
اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِيِنَ
إِنْ أَحْسَنتُمْ
وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيًّا )
أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَأْ فَإِذَا جَآءَ
وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ
اُلْسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِسُنَّبِرُواْ مَا
عَلَوْاْ تَبِبِيرًا ﴾ [الإسراء: ٤-٧].
يخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه
قضى إلى بني إسرائيل، أي: تقدم إليهم
وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم
سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوًا
كبيرًا، أي: يتجبرون ويطغون ويفجرون
على الناس، ويعصون الله تعالى ويخالفون
أوامره، وأنهم سيعلون في الأرض المقدسة
ويسيطرون عليها، وكلما ارتفعوا زادوا في
الإفساد في الأرض.
وقوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا﴾، أي:
(١) في ظلال القرآن ١/ ٩٢.
٣٠٤
العَرآن الكَرِيمِ