النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ الْتَحْسِ د ٧ م عناصر الموضوع مفهوم البخس ٤٣٤ البخس في الاستعمال القرآني ٤٣٥ الألفاظ ذات الصلة ٤٣٦ أساليب القرآن في ذم البخس ٤٣٩ صور البخس ٤٥٠ أسباب البخس ٤٦٠ ٤٦٣ مضار انتشار البخس في المجتمع المُجَلَدَ السَّادِسْ حرف الباء مفهوم البخس أولًا: التعريف اللغوي: يدور معنى البخس في اللغة حول مطلق النقص، سواء كان النقص على سبيل الظلم، أو بغیر ظلم. فمن الأول: قولهم في المثل: تحسبها حمقاء وهي باخس، ويقال: باخسة (١). ومن الثاني: قول الشاعر(٢): قالت سلیمی اشتر لنا سویقًا وهات بر البخس أو دقيقًا ومعنى ((بر البخس)) في البيت هو الذي لم يسق بماء عدٍ، إنما سقاه ماء السماء، ووجه إطلاق البخس عليه أنه لم ينل من الماء حظًا كافيًا. إلا أنه اشتهر عرفًا في المعنى الأول، وهو النقص على سبيل الظلم. وللبخس معان أخرى غير النقص، فيطلق على الظلم، والتغابن، والمكس، وعلى الأرض تنبت من غير سقي، والزرع لم يسق بماء عدٍ، ذلك حاصل ما ذكره أهل اللغة (٣). ثانيًا: التعريف الاصطلاحي: البخس في الاصطلاح هو: نقص حقوق الناس ظلمًا، قال الراغب الأصفهاني: ((البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم)» (٤). وعرفه الطاهر ابن عاشور بأنه: إنقاص شيء من صفة أو مقدار هو حقيق بكمال في نوعه(٥). وهو قريب مما قبله. والعلاقة بين معنى البخس في الاصطلاح ومعناه في اللغة واضحة، فهو في الاصطلاح أخص منه في اللغة. (١) انظر: مجمع الأمثال، الميداني ١/ ١٢٤-١٢٣. (٢) البيت لرجل من كندة، يقال له: العذافر. النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري ص ١٧٠، ط: دار الشروق، الأولى، ٥١٤٠١، ١٩٨١م. وفي لسان العرب ٢٥/٦: يقال له: العذافة. (٣) الصحاح، الجوهري ٩٠٧/٣، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٥/١، المغرب في ترتيب المعرب، المطرزي ١/ ٥٩، لسان العرب، ابن منظور ٢٥/٦-٢٤، تاج العروس، الزبيدي ٤٣٧/١٥ - ٤٤٠. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٨، وانظر: الفروق اللغوية، العسكري ص١٧٩. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/ ٢٤٢. مُوسُوبة النفسية القرآن الكريم ٤٣٤ الخمس البخس في الاستعمال القرآني وردت مادة (بخس) في القرآن الكريم (٧) مرات(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٥ ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيَهَا﴾ [الكهف: ٤٢] المصدر ٢ ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وجاء البخس في القرآن على معناه اللغوي، وهو: المكس ونقص الشيء على سبيل الظلم(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١١٥، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الباء ص٣١٢. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ١٣٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٢٢٨/٢، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٦٢/١، ١٦٣. www. modoee.com ٤٣٥ حرف الباء الألفاظ ذات الصلة ١ النقص: النقص لغة: خلاف الزيادة (١) النقص اصطلاحًا: عرفه الراغب بأنه الخسران في الحظ (٢). وقال ابن القطاع: النقص في الشيء: ذهاب شيء منه بعد تمامه(٣)، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصِ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴾ [البقرة: ١٥٥]. وقوله جل شأنه: ﴿قَدْ عَلِنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمّ﴾ [ق: ٤]. الصلة بين النقص والبخس: ويفرق بين النقص والبخس من وجهين: الأول: أن النقص يكون ظاهرًا وخفيًا، بخلاف البخس. الثاني: أن النقص يكون بظلم وبغيره، بخلاف البخس. فالعلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص مطلق. التطفيف: ٢ التطفيف لغة: من الطفيف، وهو الشيء النزر القليل، وتطفيف المكيال والميزان، أي: نقصه. قال بعض أهل العلم: إنما سمي بذلك، لأن الذي ينقصه منه يكون طفيفًا (٤). التطفيف اصطلاحًا: تقليل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه(٥). وعرفه الجوهري بأنه: نقص المكيال، (١) تاج العروس ١٨٧/١٨. (٢) المفردات ص٦٥٢. (٣) تاج العروس ١٨٧/١٨. (٤) مقاييس اللغة ٤٠٥/٣. (٥) المفردات ص٣٩٧. ٤٣٦ مَوَسوبر النفسية القرآن الكريم الخمس وهو أن لا تملاه إلى أصباره (١)، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]. الصلة بين التطفيف والبخس: التطفيف أخص في الاستعمال من البخس من وجهين: الأول: التطفيف خاص بنقص المكيال والميزان، والبخس عام في كل حق للإنسان، يقول رشيد رضا: ((البخس أعم من نقص المكيل والموزون، فإنه يشمل غيرهما من المبيعات كالمواشي والمعدودات، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وكذا بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل)»(٢). الثاني: أن التطفيف يكون بالشيء النزر اليسير، والبخس يكون بالقليل والكثير، وبالخسيس والنفيس. وذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى أنهما متباينان، فخص التطفيف بالأموال المثلية، والبخس بالأموال القيمية (٣). الغبن: ٣ الغبن لغة: النقص والخدعة، يقال: غبنه في البيع غبنًا بالسكون، وهو الأكثر، وغبنًا بالفتح، أي: غلبه ونقصه، وغبن رأيه غبنًا بالفتح أي: ضعف(٤). الغبن اصطلاحًا: عرفه الراغب بأنه: أن تبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء(٥). وعرفه تقي الدين النبهاني بأنه: بيع الشيء بأكثر مما يساوي، أو بأقل مما يساوي (٦). الصلة بين الغبن والبخس: البخس نقص الشيء على سبيل الظلم، فإن كان على سبيل الخدعة والخفية فهو الغبن. (١) الصحاح، الجوهري ١٣٩٥/٤. (٢) تفسير المنار ٤٦٨/٨-٤٦٩. (٣) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ١٠/ ٥٤٠٣. (٤) المصباح المنير، الفيومي ص ١٦٨، تاج العروس ٤٦٩/٣٥. (٥) المفردات ص ٤٦٣. (٦) النظام الاقتصادي في الإسلام، النبهاني ص ١٩٣. www. modoee.com ٤٣٧ حرف الباء القسط: ٤ القسط لغة: القسط بالكسر: العدل، يقال أقسط يقسط؛ فهو مقسطٌ: إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسطٌ: إذا جار، والقسط أيضًا: مكيال، وهو نصف صاع(١). القسط اصطلاحًا: ((القسط بالكسر، النصيب بالعدل)) (٢). الصلة بين القسط والبخس: والعلاقة بين القسط - بفتح القاف- والبخس علاقة عموم وخصوص مطلق؛ فإن كلاهما عدول عن الحق، لكن القسط عام في كل عدول عن الحق، لا سيما في العقيدة، والبخس متعلق بحقوق الناس. والعلاقة بين القسط - بكسر القاف- والبخس علاقة تقابل. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٦٢٦/٥؛ الصحاح، الجوهري ١١٥٢/٣. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، ٢٧١/١. وانظر: الكليات، الكفوي ١/ ٧٣٣. ٤٣٨ مَوَسُوبَةُ النَّفِيَة القرآن الكريمِ المض أساليب القرآن في ذم البخس لا تستقيم الحياة الاقتصادية إلا بالمعاوضة القائمة على العدل، ومن ثم حرم الله تعالى كل ما يؤدي إلى اختلال ذلك النظام من الربا، والميسر، والغصب، والسرقة، والغش، والتدليس، والاحتكار، فتلك معاملات محرمة، إما لأنها لم تقم على مبدأ المعاوضة كالسرقة والغصب، أو لأنها تقوم على المعاوضة المبنية على الظلم كالربا والغش والتدليس والبخس. وتحريم هذه الأنواع يأتي في ضوء تنظيم الشريعة الإسلامية لكيفية حيازة الأموال، وهو أحد دعامتي تنظيم الإسلام للحياة الاقتصادية، والدعامة الثانية تتمثل في تنظيم مصارفها، وهاتان الدعامتان أشار إليهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فیم أفناه، وعن علمه نیم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)(١). فالبخس محرم لكونه ظلمًا وتعديًا على حق الغير، وقد سلك القرآن الكريم في ذمه والتنفیر عنه کل مسلك، فقد نهى عنه (١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، رقم ٢٤١٧، ٤ /٦١٢، عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه. وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). صراحة تارة، وضمنًا أخرى، وعلل النهي عنه بالوعيد الشديد، ورتب عليه فساد الأرض، وأمر بالتوبة عنه، وأخيرًا تنزه الله عز وجل عنه في الدنيا والآخرة. والآن نشرع في تفصيل تلك المسالك منتظمة فيما يلي: أولًا: تنزيه الله تعالى عنه: صرح القرآن الكريم بتنزيه الله تعالى عن البخس في الدنيا والآخرة، وذلك من آكد الأساليب في ذم البخس والتنفير عنه، ألا ترى أن الله -جل شأنه- لما حرم الظلم على عباده أكد ذلك التحريم ببيان تنزهه تعالى عنه، فقال في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا)(٢). وقد صرح القرآن الكريم بتنزيه الله تعالى عن البخس في آيتين: الأولی: قوله تعالی: ﴿مَنكَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فِبَهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي اُلْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾[هود: ١٥، ١٦]. والمعنى - كما قال ابن عطية -: ((من كان یرید بأعماله الدنيا فقط - إذ لا يعتقد آخرة- (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧ ، ٤/ ١٩٩٤، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه. www. modoee.com ٤٣٩ حرف الباء فإن الله يجازيه على حسن أعماله في الدنيا بالنعم والحواس وغير ذلك، فمنهم مضيق علیه ومنهم موسع له، ثم حکم علیهم بأنهم لا یحصل لهم يوم القيامة إلا النار، ولا تكون لهم حال سواها)»(١). وهذا التوجيه مبني على أنها نزلت في عموم الكفار، وهو ما اقتضاه سياق الآيات وظاهرها. وقيل: إن الآية نزلت في المرائين، وهو وذلك من كمال عدله جل شأنه، فالبخس المروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة(٢). والمعنى: أن من قصد الدنيا بعمله من صلاة وزكاة وغيرها من الأعمال الصالحة فإن الله يجازيه عليها بالنعم في الدنیا، ولا يحق لهم في الآخرة إلا النار. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، وهو مروي عن أنس رضي الله عنه والحسن (٣). ولا يبعد هذا القول عن الأول. والفرق بين الرأيين السابقين: أن ظاهر الآية الكريمة يقضي بخلود من نزلت فيه في النار، فعلى الرأي الأول لا إشكال فيها. وعلى الثاني فهو مشكل لإيمانهم، فقد ثبت -عندنا نحن أهل السنة والجماعة- بالدليل القطعي أن عصاة المؤمنين لا يخلدون في (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٥٦/٣. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤. (٣) أخرجه الطبري في تفسير ٢٦٥/١٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٦/ ٢٠١٠. النار، فتؤول ظاهرها بأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ ﴾ بمعنى: لیس یجب لهم أو يحق لهم إلا النار (٤)، وذلك لا ينفي أن يتفضل الله عليهم بالخروج من النار وإدخالهم الجنة بإيمانهم. وأيًا من نزلت في شأنه الآية الكريمة فإنها صريحة الدلالة على أن الله تعالى لا یپخس أحدا أجره، ولو کان کافرًا أو عاصیًا، صفة ذم، تنزه الحق تعالی عنه. يقول محمد القوجوي: ((سواء نزلت في المؤمنين ... أو المنافقين .... أو في الكفار يكون معناها: من كان يريد بما عمله من أعمال البر والإحسان التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها من ثناء الخلق عليه في الدنیا ونحو ذلك، فإن جزاء عمله من أعمال البر والإحسان يصل إليه في الدنيا تامًا كاملًا)»(٥). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىّ ءَامَنَّا بِهُ فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَحْسًا وَلَاَ رَهَقَا ﴾ [الجن: ١٣]. والآية الكريمة إخبار عن قول الجن إذ استمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أنا لما سمعنا الهدى -وهو القرآن الكريم - سارعنا إلى التصديق (٤) المحرر الوجيز ١٥٦/٣. (٥) حاشية شيخ زاده، القوجوي ٦٢٩/٤، بتصرف. ٤٤٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ المس به والإذعان له، فمن یؤمن من الجن والإنس بربه فلا يخاف أن يبخس من حسناته شيئًا، ولا أن يحمل عليه من سيئات غيره. والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة في عدالة الله تعالى (١)، فلا يبخس الله أحدًا حقه، ولا يرهقه بما لم تقترف يداه؛ إذ البخس والرهق یتنافیان مع کمال عدل الله تعالى. وقد دلت الآية الكريمة على ثقة المؤمن بكمال عدل الله تعالى بأبلغ الأساليب، حيث عدل عن التعبير بالجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية في قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾، قال الزمخشري: ((فإن قلت: أي فائدة في رفع الفعل وتقدیر مبتدأ قبله حتی یقع خبرًا له ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنی عنه بأن يقال: لا يخف؟ قلت: الفائدة فیه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قیل: فهو لا یخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره»(٢). ثانيًا: النهي عنه: نهى الله تعالى عن البخس في القرآن الكريم، والنهي عن الشيء -بصورة عامة- يستلزم أمرين: (١) التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي ١٣٨/١٥. (٢) الكشاف ٢٢٨/٦. الأول: كونه حرامًا؛ إذ النهي يقتضي التحريم ما لم يرد دليلٌ يصرفه عن التحريم إلى غيره من الكراهة أو الدعاء أو الالتماس أو التحذير أو اليأس أو تحقير شأن المنهي عنه (٣). الثاني: كونه قبيحًا، فقد عرفنا أن النهي عن الشيء يعني قبحه شرعًا، كما أن الأمر بالشيء يعني حسنه شرعًا، إذ العقول السليمة تدرك حسن ما أمر به الله - جلت حکمته- وقبح ما نھی عنه. وقد جاء النهي الصريح عن البخس في أربعة مواضع، واحدة منهن وردت في سياق آية المداينة، وثلاثة في سياق قصة نبي الله شعيب عليه السلام. أولًا: ما ورد في سياق آية المداينة، وهو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلٍ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فالنهي عن البخس في قوله: ﴿وَلَايَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ ورادٌ في سياق الأمر بتوثيق الدين بالكتابة حفظًا للحقوق، وحسمًا للنزاع. (٣) البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي ٤٢٨/٢. www. modoee.com ٤٤١ حرف الباء فقد أمر الله تعالى المتداينين بكتابة دینهما -والأمر للندب عند جمهور العلماء، وقيل: للوجوب - وأن لا يكون الكاتب أحد المتعاقدين ضمانًا للحيادية وعدم الانحياز، وأن يكون ذا خبرة بشروط العقود وتوثيقها، وهو اللازم من اشتراط العدالة فيه في قوله: ﴿كَائِبُ بِالْعَدْلِّ﴾؛ إذ الكاتب الجاهل قد یترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو یکتب أجلًا باطلًا في الشرع أو نحو ذلك(١). وقد أكد اشتراط علمه بقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾﴾ وأن يتولى المدين الإملال(٢) على الكاتب بما اتفقا عليه؛ ليكون إقراره أثبت وأوثق. وأن لا ينقص منه شيئًا، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾، وذلك بأن لا يسوغ عبارات محتملة أو يضع شروطًا أو غير ذلك من وجوه الاحتيال التي من شأنها الإضرار بصاحب الدين، هذا التوجيه مبني على أن مرجع الضمير المستكن في (١) صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري ٣/ ٥٥٥. (٢) الإملال والإملاء واحد، إلا أن الأولى لغة الحجاز وبني أسد، والثانية لغة بني تميم وقيس، وقد ورد القرآن الكريم بهما، فالأولى كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، والثانية كما في قوله جل شأنه: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيُرُ الأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَعِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا O﴾ [الفرقان: ٥]. انظر: المصباح المنير ٢/ ٥٨٠. ﴿وَلْيَتَّقِ﴾ و﴿يَبْخَسْ﴾ يعود إلى ﴿الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، وهو الراجح؛ صناعةً لكونه أقرب مذكور، ومعنىّ لكونه هو من تنازعه نفسه ببخس صاحب الحق حقه. ونقل الآلوسي جواز رجوعه إلى الكاتب، وضعفه بأن الكاتب يتوقع منه الزیادة کما یتوقع منه النقص، فلو أريد نهیه لنهى عن كليهما (٣). وقد اقترن هذا النهي بالأمر بالتقوى، فقال جل شأنه: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾، ولهذا الاقتران دلالات عدة، منها: # ربط الأحكام الشرعية بالوازع الديني. وذلك لأن الوازع النفسي للتمسك بها أقوى وأعم من الوازع الخارجي، ومن ثم كثر اقتران الأوامر والنواهي بالتقوى، كما في قوله جل شأنه: ﴿فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. وقوله جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ اَلْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الطلاق: ١]. ونحو ذلك كثير في القرآن الكريم. النهي ضمنًا عن البخس خاصة، وعن سائر ما يؤدي إلى الخصومة والنزاع ٤٤٢ القرآن الكريمِ (٣) روح المعاني ٥٦/٣. البخس بين المتداینین عامة. فمعنى قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: عليه عند الإملاء أن يراقب الله ربه جل جلاله فلا یملي بما يضر بصاحب الدین، وقد جمع بين لفظي الألوهية والربوبية ترهيبًا وترغيبًا، فلفظ الجلالة ﴿اَللَّهَ﴾ له من الدلالة على معاني الترهيب ما يردع عن اقتراف الذنب، کبیرًا کان الذنب أو صغیرًا، ولفظ ﴿رَبَّهُ﴾ له من الدلالة على معاني الترغيب ما يحمل النفس على الالتزام بما أمر الله به وبما نھی عنه. قال العلامة أبو زهرة: ((وإذا كانت تبعة الإملاء قد وضعت في عنق من عليه الحق، فإن عليه عند الإملاء واجبين: تقوى الله، وعدم البخس؛ ... وقد وثق سبحانه الأمر بالتقوى بأن جعل التقوی من الله، وهو رب كل شيء ورب من عليه الحق، أي: عليه عند الإملاء أن يراقب الله جل جلاله الواحد القهار، الغالب على كل شيء، المسيطر علی کل شيء، الذي يغلب ولا یغلب، فلا يتلاعب بالعبارات حتى لا يذهب بحق صاحب الحق، ثم ليعلم أن الذي عليه أن يتقيه هو ربه الذي ذراه ورباه ونماه، ووهب له المواهب التي توجب الشكر، ولا تسوغ التلاعب بالحقوق)) (١). تأکید النهي عن البخس وتوثيقه؛ لما (١) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ١٠٦٩/٢. يترتب عليه من أضرار خطيرة. قال أبو السعود: ((وإنما شدد فى تكليف المملي حيث جمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس؛ لما فيه من الدواعي إلى المنهي عنه؛ فإن الإنسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما في ذمته بما أمكن»(٢). ثانيًا: ما ورد في قصة نبي الله شعيب عليه السلام. بعث الله تعالی نبيه شعيبًا عليه السلام إلى مدین -وهي اسم قبيلة تنسب إلی مدین ابن خليل الله إبراهيم عليه السلام - وأصحاب الأيكة، كلاهما سكن شمال الحجاز، وكانوا عربًا مستعربة، عبدوا غير الله، وكانوا في رغد من العيش، ومع ذلك نقصوا الكيل والميزان، وبخسوا الناس أشياءهم، وسعوا في الأرض فسادًا، فأمرهم نبي الله شعیب عليه السلام بعبادة الله وحده، وترك ما هم عليه من صور الظلم والفساد، ولنقف مع الآيات التي ورد فيها النهي عن البخس إجمالًا: وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ قال تعالى: شُعَيْبَأُ قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُوا (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ٢٧٠. www. modoee.com ٤٤٣ حرف الباء فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقال جل شأنه: ﴿ وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَا هُرْ شُعَيْبًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّهِ غَيْرُهُ، وَلَا تَنْقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَاَلْمِيزَانَ إِّ أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنّ ◌َغَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (١٥) وَيَقَوْمِ أَوْقُواْ أَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْتَّوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينٌّ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ ﴾ [هود: ٨٦،٨٦]. وقال سبحانه: ﴿أَوَّقُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (س) وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاَءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣]. فالآيات السابقة اشتملت على النهي عن البخس بأبلغ الأساليب وأدقها، وإن اختلفت طريقة العرض فيما بينها على حسب اختلاف موضوع السورة وسياقها، ولنقصر الحديث هنا على ما يتعلق بالبخس، وأوجز القول عنه فيما يلي: أولًا: أن النهي عن البخس جاء صريحًا تارة، حيث قال: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ﴾، وضمنًا تارة أخرى، حيث أمرهم -في المواضع الثلاثة- بإیفاء الکیل والوزن والعدل فيهما، ونهاهم عن نقصانهما، وكل ذلك يتضمن النهي عن البخس. فإن قيل: هل للنهي عن البخس بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان والعدل فيهما فائدة؟ فالجواب: نعم، له فائدة من و جھین: الأول: أنه أفاد التأكيد، فإن القوم كانوا مصرين على بخس الناس أشياءهم، فكرر النهي عنه -تارة صريحًا وأخرى ضمنًا- والتكرار يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام(١). قال أبو السعود: «وقد صرح بالنهي عن البخس بعد ما علم ذلك في ضمن النهي عن نقص المعيار، والأمر بإيفائه اهتمامًا بشأنه وترغيبًا في إيفاء الحقوق بعد الترهيب والزجر عن نقصها))(٢). الثاني: أن النهي عن بخس الناس أشياءهم أعم من الأمر بإيفاء الكيل والميزان والعدل فيهما، قال الفخر الرازي: «لما نهى قومه من البخس في الكيل والميزان، منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه، ويدخل فيه المنع من الغصب والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل))(٣). كذلك النهي عن الفساد في الأرض أعم من النهي عن البخس؛ بل إن البخس يؤدي إلى المنازعة والخصومة وسفك الدماء، (١) مفاتيح الغيب ١٤ / ١٨١. (٢) إرشاد العقل السليم ٧٩/٣. (٣) مفاتيح الغيب ١٨١/١٤. ٤٤٤ القرآن الكريم المخس فالجمع بينهما إنما هو جمعٌ بین النهي عن السبب ومسببه معًا. قال الطاهر ابن عاشور: ((وسلك في نهيهم عن الفساد مسلك التدرج، فابتدأه بنھیھم عن نوع من الفساد فاش فيهم وهو التطفیف، ثم ارتقی فنهاهم عن جنس ذلك النوع وهو أكل أموال الناس، ثم ارتقى فنهاهم عن الجنس الأعلى للفساد الشامل لجميع أنواع المفاسد وهو الإفساد في الأرض كله. وهذا من أساليب الحكمة في تهيئة النفوس بقبول الإرشاد والكمال)»(١). ثانيًا: أن النهي عن البخس جاء معللًا: ففي سورة الأعراف جاء التعليل بقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾، فاسم الإشارة ﴿ذَلِكُمْ﴾ يعود على جملة ما أمرهم به ونهاهم عنه، أي: إنما طلبت منكم ما طلبته؛ لأن ذلكم خير لكم، والمراد بالخيرية ما يشمل خيري الدنيا والآخرة بشرط الإيمان، فإن ذلك يوجب هناء العيش واستقرار الأمن وصفاء الود بين الأمة، وزوال الإحن المفضية إلى الخصومات والمقاتلات، فإذا تم ذلك كثرت الأمة وعزت، وهابها أعداؤها، وحسنت أحدوثتها، وكثر مالها بسبب رغبة الناس في التجارة والزراعة لأمن صاحب المال من ابتزاز ماله. (١) التحرير والتنوير ١٣٨/١٢. وفيه خير الآخرة؛ لأن ذلك إن فعلوه امتثالا لأمر الله تعالى بواسطة رسوله أكسبهم رضى الله، فنجوا من العذاب، وسكنوا دار الثواب، فالتنكير في قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ للتعظيم والكمال؛ لأنه جامع خيري الدنيا والآخرة(٢). ومن ذهب من المفسرين إلى أن المراد بالخيرية ما يعود عليهم من نفع دنيوي(٣)، فقوله مرجوح؛ لأن فيه حملًا للألفاظ على غیر محملها الشرعي، حیث حمل الإيمان في قوله ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ على مجرد التصدیق، وقد تقرر أنه إذا تردد حمل اللفظ بين معناه الشرعي ومعناه اللغوي، فإن حمله على المعنى الشرعي هو الأولى، قال الطاهر ابن عاشور: ((والمؤمنون لقب للمتصفين بالإيمان بالله وحده، كما هو مصطلح الشرائع، وحمل المؤمنين على المصدقين لقوله ونصحه وأمانته حملٌ على ما يأباه السياق)»(٤). كما أن التعظيم المستفاد من تنكير ﴿خَيْرٌ﴾ ينصرف إلى ما يتعلق بأمور الآخرة، وإن کانوا -مع کفرهم- لا يعدمون الخير بترك البخس والتطفيف. وفي سورة هود جاء النهي عن البخس معللًا بعلتين: (٢) التحرير والتنوير ٢٤٥/٨. (٣) روح المعاني ٨/ ١٧٧ (٤) التحرير والتنوير ٢٤٥/٨. www. modoee.com ٤٤٥ حرف الباء الأولى: قوله: ﴿إِنَّّ أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ﴾ ، والمعنى: إني أراكم في سعة من العيش، تستغنون به عن البخس، وهو تعليل لا مفهوم له؛ لأنه تقریر للأمر الواقع، والبخس محرم سواء كانوا في عوز وفاقة أو في غنى؛ إذ لم يقيد النهي عنه بشيء. الثانية: قوله: ﴿وَ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾، والمراد بالعذاب هنا هو عذاب يوم القيامة، أو عذاب الاستئصال : لا ـط الذي حل بهم، ومعنى یشذ عنه أحد منهم، أو يوم مهلك، نحو قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢]. ووصف الإحاطة لليوم لا للعذاب. قال الزمخشري: ((فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟ قلت: بل وصف اليوم بها؛ لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه)»(١). وتعليل البخس بهذا الوعيد دليل على أنه من الكبائر(٢)؛ وذلك بناءً على ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الكبيرة هي: ما لحق ـھا بخصوصها وعیدٌ شديدٌ بنص صاحبها عـ كتاب أو سنة(٣). (١) الكشاف ٢٢٣/٣. (٢) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر الهيتمي ١ /٤٠٨. (٣) الزواجر ٨/١. فإذا كان البخس من الكبائر، فإن المبادرة إلى التوبة عنه آكد وألزم؛ ولذلك أمر شعيب عليه السلام قومه التوبة، فقال لهم-كما حكى الله عنه -: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ﴾ [هود: ٩٠]. والمعنى: استغفروا ربكم من عبادة الأوثان، ثم توبوا إليه عن البخس والنقصان(٤). كما أن الإصرار عليه سبب للهلاك، فقد أهلك الله مدين بأنهم بخسوا الناس أشیاءهم، وإلیهم أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لأصحاب المكيال والميزان: (إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيه أممٌ سالفةٌ قبلكم)(٥). وروي هذا الحديث موقوفًا عن ابن (٤) مفاتيح الغيب ٤٩/١٥. (٥) أخرجه الترمذي في سننه، کتاب البيوع، باب ما جاء في المكيال والميزان، رقم ١٢١٧ ، ٥١٣/٣، والحاكم في مستدرك، كتاب البيوع، رقم ٣٢/٢،٢٢٣٢، عن ابن عباس. قال الترمذي: ((هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث حسين بن قيس، وحسين بن قيس يضعف في الحديث، وقد روي هذا بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفا). وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). وخالفه الذهبي في التلخيص، حيث قال: ((حسين بن قيس ضعفوه)). وأخرجه مرفوعًا وموقوفًا البيهقي في شعب الإيمان، باب الأمانات وما يجب من أدائها إلى أهلها، رقم ٢٢١/٧،٤٩٠٤. ٤٤٦ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الخمس عباس رضي الله عنهما، ووقفه أصح من رفعه. والتعلیلان السابقان واردان عقب النهي عن نقصان الکیل والمیزان، وهو أخص من البخس، فتعليل النهي عنه تعليل للنهي عن البخس أيضًا. كما أن قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِينَ﴾، فيه حثٌ للانتهاء عن البخس، والمعنى: ما يبقى -بعد التنزه عما هو حرام- لکم من رزق حلال ومن ذكر حسن ومن أمن وبركة خير لكم من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس والتطفيف، وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ بيان أن هذه الخيرية لا تتم إلا مع الإيمان بالله. أما سورة الشعراء فقد خلت عن تعليل النهي عن البخس؛ وذلك لأن الجو العام للسورة يمتاز بالنصح والإرشاد، والدعوة والاتعاظ والاعتبار، ألا ترى أنه تکرر فيها خمس مراتٍ قول الله تعالى -على لسان كل نبي خلا كليمه موسى وخليله إبراهيم -: ﴿أَلَا نَنَّقُونَ ﴿ إِنْ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (١٠٧) [الشعراء: ١٠٦ - ١٠٧]. وتكرر ثماني مراتٍ قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ () وَإِنَّ رَبَّكَ لَوَ الْعَزِيزُ الرَّحِمُ ثَ﴾ [الشعراء: فلا يتلاءم مع هذا الجو تعليل النهي عن البخس. وذلك بخلاف سورة هود، فإن الجو العام لها يمتاز بالتهديد والتقريع، فناسب ذلك الكشف عن حكمة ما اشتملت عليه من تشريعات وتعليلها إقامةً للحجة عليهم قبل نزول العذاب بهم. أما سورة الأعراف فالجو العام لها هو الدعوة إلى عمارة الأرض التي قوامها اتباع ما أنزل الله، فناسب ذلك بيان الحكمة في النهي عن البخس بما يتلاءم وهذا الجو العام لها، حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ثالثًا: أنه اقترن ذكر البخس بالفساد في الأرض متقدمًا عليه في المواضع الثلاثة، وفي ذلك إشارة إلى أن البخس سبب للفساد في الأرض، فإن بخس الناس حقوقهم مفضٍ إلى وقوع المنازاعات والخصومات بينهم وسفك الدماء. فإن قلت: فما الأداة الدالة على السببية في الآيات؟ فالجواب: أن تكرار الاقتران بينهما، وتقدم البخس على الفساد في الذكر مشعرٌ بکونه سببًا فیه. ومما يؤكد تلك السببية: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بخس قومٌ المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، ٦٧-٦٨]. www. modoee.com ٤٤٧ حرف الباء وجور السلطان عليهم)(١). عن الكفر، وإذا أمره بالحركة فإنه يكون فأداة السببية هنا هي ترتب الحكم -وهو نهيًا عن السكون، أو كان الضد متعددًا، كما الأخذ بالسنين، وشدة المئونة، وجور إذا أمره بالقيام فإنه يكون نهيًا عن القعود السلطان- على الوصف، وهو البخس. وقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا بخس الميزان حبس القطر))(٢)، فأداة السببية هي أداة الشرط: ((إذا))(٣). ثالثًا: الأمر بضده: تقرر فيما سبق أن القرآن الكريم قد سلك في ذم البخس كل مسلك، ومن تلك المسالك: الأمر بما هو ضده، حيث أمر الله تعالى بإقامة العدل بين الناس بوجه عام، وإيفاء الكيل والميزان بوجه خاص. وكلا الأمرين نهيٌّ عن البخس، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، سواء كان الضد واحدًا کما إذا أمره بالإيمان فإنه یکون نھیًا (١) أخرجه ابن ماجه في سنن، كتاب الفتن، باب العقوبات، رقم ١٣٣٢/٢،٤٠١٩، والبيهقي في شعب الإيمان، كتاب الزكاة، باب ، رقم ٣٠٤٣، ٢٣/٥، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال الألباني: ((صحيح لغيره). انظر: صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٥٢١. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، رقم ٨٥٣٦، ٤ /٥٤٩. وقال: (( هذا حديث صحيح على شرط الشیخین، ولم يخرجاه)). ولم يتعقبه الذهبي. (٣) تراجع تلك الأدوات في: الأسباب والمسببات في القرآن الكريم ص ٤٥ - ١٧٤. والاضطجاع والسجود وغير ذلك، وهو ما ذهب إليه الجمهور من أهل الأصول، من الحنفية والشافعية والمحدثين، عزاه إليهم الشوكاني (٤). ١. الأمر بإيفاء الكيل والوزن. فقد أمر الله تعالى بإيفاء الكيل والميزان، فقال: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِّ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ فقوله: بِالْقِسْطِ﴾ أمرٌ بالعدل في الأخذ والعطاء، بأن یوفي ذو الحق حقه من غير نقصان، وأن يأخذ صاحب الحق حقه من غير طلب زيادة، فالأمر بالإيفاء من الجانبين (٥)، وهو يتضمن النهي عن النقص فيهما، بأي وجه من الوجوه، وهو ما توعد الله عليه بالويل في قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ) الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: ١ - ٣]. وقوله: ﴿لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ بيان أن من أخطأ في أداء ما عليه من حق بعد استفراغ جهدہ فلا حرج علیه، فما لا یمکن الاحتراز عنه ولا يدخل تحت قدرة البشر (٤) إرشاد الفحول، الشوكاني ١/ ٤٦٩. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٧/١٣. مُوسُوبَةُ النَ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٤٤٨ المض فمعفو عنه(١)، فإن الله لم يكلف عباده ما لا اُلنَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، أي: لتعاملوا بينهم طاقة لهم به. ونحو الآية السابقة قوله جل شأنه: وَأَوْقُواْ الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٥]. والقسطاس (بكسر القاف وضمها (٢)) هو آلة ميزان يعرف بالقبان، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾؛ أي: إيفاء الكيل والميزان خير عند الله وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة، ولا يخفى ما في الأمر بإیفاء الکیل والميزان من النهي عن البخس. ٢. الأمر بالعدل. فقد أمر الله بإقامة العدل في أكثر من آية، منها قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. والمراد بالميزان: العدل، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة (٣)، ومعنى ﴿لَيَقُومَ (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٣/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٦/٧، وإرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٩٩/٣. (٢) قرئ بهما في السبعة المتواترة، حيث قرأ ابن كثير ونافعٍ وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبى بكر بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بكسر القاف. انظر: السبعة، ابن مجاهد ص ٣٨٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧/٨. بالنصفة والعدل، وهو نهي عن الجور والظلم، وقد عرفت أن البخس ظلمٌ، فتضمنت الآية النهي عنه. وقد صرح الحق بالجمع بين الأمر بالعدل والنهي عن البخس في قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: ٩]. تأکیدا للأمر بالعدل وللنھي عن البخس، قال السيوطي: (فيه وجوب العدل في الوزن، وتحريم البخس فيه»(٤). والخلاصة أن الله أمر بما يتنافى مع البخس ليتضمن النهي عن البخس؛ تأكيد للنهي عنه. (٤) الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي ص٢٥٣. www. modoee.com ٤٤٩ حرف الباء صور البخس لم يرد في مصنفات أهل العلم قديمًا أو حديثًا تقسيم له، وذلك - فيما يبدو لي - لأن حكمه واحد، وهو التحريم. وقبل أن أتطرق إلى ذكر أنواع البخس أنبه على أمرين: الأول: النهي عن البخس جاء بصورة مجملة، ليشمل كل ما يستجد من صور البخس على تعاقب الأزمان، سواء ما عرف منها وقت التنزيل مما ورد في القرآن الكريم كالتطفيف والغلول، أو في السنة النبویة کالنجش والاحتکار، أو ما عرف بعد كالحقوق المدنية. الثاني: أكثر الآيات التي ورد فيها النهي عن البخس تدور حول المعاملات المالية، إلا أن التعبير عنها جاء بصيغة العموم، كما أسلفنا من قبل. وإذا كان البخس عامًا في جميع حقوق الناس، فمن الأجدر تصنيفه تقريبًا للأذهان، وتوضيحًا للأفهام، وذلك ينتظم فيما يلي: أولًا: البخس في الحقوق: المراد بالحقوق هي: ما ثبت للإنسان شرعًا من مما لا تتحقق إنسانيته إلا بها (١)، فإن کانت هذا ما ثبت له ماديًا نحو المال فهي حقوق مادية، وإن كان معنويًا كالحرية (١) الأسباب والمسببات في القرآن الكريم ص٥٣٦. والأمن فهي حقوق معنوية. ١. الحقوق المادية. إن انتقاص شيء من تلك الحقوق بأي صورة من الصور حرام؛ لأن فيها إهدارًا لحقوق الإنسان وإضرارًا به، ویمکن تعداد تلك الصور فيما يلي: ١. التطفيف. أحد أساليب بخس الناس أموالهم وأكثرها شيوعيًا قديمًا وحديثًا، لا سيما في البيع والشراء، حیث يكون بالازدياد إن اقتضى من الناس، أو بالنقصان إن قضاهم، وقد توعد الله تعالى المطففين بالويل، فقال جل شأنه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َزَنُوهُمْ ◌ُخْسِرُونَ ﴾ [المطففين: ١-٣]. ٢. الغلول. لم يكن البخس قاصرًا على الاحتيال لأخذ أموال الناس فرادى، وإنما يشمل الاحتيال لأخذ شيء من أموال الأمة، وذلك مثل التعدي على أموال الغنائم قبل تقسيمها، وهو ما يسمى بالغلول، وهو - كما عرفه ابن عرفة -: أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها(٢). ويلحق به ما يأخذه الولاة والعمال من أموال الدولة بغير حق، كهدية تعطی إلیه، أو مال يتقاضاه بدون حق. فذلك كله خيانة وخديعة لأكل أموال (٢) شرح حدود ابن عرفة، الرصاع ص٢٣٤. ٤٥٠ جَوَسُوع القرآن الكريم المخس الناس بالباطل، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبِيَّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ بَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَلَى كُلُّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١)هـ ﴾ [آل عمران: ١٦١]. فقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ تبرئة لساحة النبي صلى الله عليه وسلم من خيانة الأمة بأي صورة من صور الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك(١)، ويدخل فيها دخولًا أوليًا ما تقوله البعض يوم بدر من أنه صلی الله علیه وسلم أخذ قطيفة حمراء، فنزلت الآية (٢) وقوله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيمَةِ ﴾ وعید شدید وتهدید أکید لمن يغل من أموال المسلمين شيئًا، والمعنى: من یغلل شيئًا يأت به حاملًا له على ظهره ورقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رءوس الأشهاد (٣). وبین النبي صلى الله عليه وسلم صورًا من الغلول محذرًا من الوقوع في شيء منه، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥١/٢. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحرف والقراءات، باب بدون تسمية، رقم ٣٩٧١، والترمذي في سننه، أبواب التفسير، باب ومن سورة آل عمران، رقم ٣٠٠٩، ٢٣٠/٥، عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال الترمذي: «هذا حدیث حسن غریب)). (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٦/٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥١/٢. فقال صلی الله علیه وسلم: (من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلولٌ)(٤). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فینا النبي صلی الله عليه وسلم، فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاءٌ، على رقبته فرس له حمحمةٌ، يقول: یا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، وعلى رقبته بعیرٌ له رغاءٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، وعلى رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، أو على رقبته رقاعٌ تخفق، فیقول: یا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك)(٥). وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أرزاق العمال، رقم ٢٩٤٣، ٢٣٨/٣، والحاكم في المستدرك، كتاب الزكاة، رقم ١٤٧٢، ١ /٥٦٣، عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشیخین، ولم يخرجاه)) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب (٥) الجهاد والسير، باب الغلول، رقم ٣٠٧٣، ٣٧٩/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول، رقم ١٨٣١، ١٤٦١/٣، واللفظ للبخاري. www. modoee.com ٤٥١ حرف الباء رجلًا من بني أسد، يقال له ابن الأتبية على حقيقته(٣). صدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فینظر أیهدی له أم لا، والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة یحمله على رقبته، إن كان بعیرًا له رغاءٌ، أو بقرةً لها خوارٌ، أو شاةً تیعر - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه - ألا هل بلغت) ثلاثًا (١). وعن أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعظم الغلول عند الله عز وجل ذراعٌ من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض أو في الدار، فيقتطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة)(٢). وهو: إظهار الشيء على خلاف ٣. الغش. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب هدایا العمال، رقم ٧١٧٤، ٣٣٧/٤. (٢) أخرجه أحمد في المسند، رقم ١٧١٨٨، ٣١٧/١٣، والطبراني في المعجم الكبير ٢٩٩/٣، رقم ٣٤٦٣. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٧٥ : ((أخرجه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده حسن)). وهو حرام؛ إذ إنه ضرب من الاحتيال والمكر؛ لأكل أموال الناس بالباطل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) (٤). ومر صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام(٥)، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟) قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني) (٦). وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقوله جل شأنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِاَلْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]. وللغش میادین عديدة، وله في کل میدان صور كثيرة، فيدخل في باب البيع والشراء، وذلك بأن يخلط البائع الجيد بالرديء، ويظهره كله في صورة الجید، وبأن يكذب (٣) أحكام المال الحرام، عباس الباز ص ٦٠. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم ٩/١،١٠١، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٥) الصبرة: ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن، يكون بعضه فوق بعض. انظر: تاج العروس ٢٧٦/١٢. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم ١،١٠٢/ ٩٩، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ٤٥٢ جَوَسُورُ القرآن الكريم