النص المفهرس
صفحات 61-80
الإنفاق وتتعمدوا، يقال: تيممت الشىء ويممته إذا قصدته، ویقال: یممت جهة کذا إذا قصدته، ومنه الإمام؛ لأنه المقصود المعتمد، وأصل تیمموا، فحذفت إحداهما تخفيفًا. والخبيث: هو الرديء من كل شيء، وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير؛ لأنه ينفى الرديء، ويطلق الخبيث على الشيء الحرام والمستقذر. والمراد: لا تنفقوا من الأشياء التي لا فائدة فيها، أو مضرة، مثل الملابس الخلقة، أو الفواكه والمأكولات الفاسدة، وما شابه ذلك، بل مما يحبه الإنسان، والذي هو أهل لأن یعطی بید الله، فإن غير ذلك ليس أهلًا لوضعه بيد الله، فالإنفاق بالأكل ينبغي أن يكون من النوع الذي يحبه المنفق له ولعیاله، وفي الملابس من النوع الذي يحب لبسه المنفق وأهل بيته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله یتقبلها بیمینه، ثم یربیھا لصاحبه، کما يربى أحدكم فلوه -أي: المهر الصغير- حتى تكون مثل الجبل)(١). والإغماض في اللغة -كما يقول (١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب لا يقبل الله صدقة من غلول ولا يقبل إلا من كسب طيب ٢/ ٥١١، ١٣٤٤، ومسلم في الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ٨٥/٣، ٢٣٩٠، واللفظ للبخاري. الرازي -: غض النظر، وإطباق جفن على جفن، وأصله من الغموض، وهو الخفاء(٢)، والمراد بالإغماض ها هنا: المساهلة؛ وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عنه لئلا یری ذلك، ثم کثر ذلك حتی جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضًا. والمعنى: أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها، ولا تتحروا وتقصدوا أن يكون انفاقكم من الخبيث الرديء، والحال أنكم لا تأخذونه إن أعطي لكم هبة أو شراء أو غير ذلك، إلا أن تتساهلوا في قبوله، وتغضوا الطرف عن رداءته، إذا كان هذا شأنکم في قبول ما هو رديء، فكيف تقدمونها لغیرکم؟ فإن الله ینهاکم عن ذلك؛ لأن من شأن المؤمن الصادق في إيمانه ألا يفعل لغيره إلا ما يجب أن يفعله لنفسه، ولا يعطي من شيء إلا ما يجب أن يعطى إليه(٣). والله غني عن الخبيث الذي تقصدون إليه، فتخرجون منه صدقاتكم! بينما هو سبحانه یحمد لكم الطیب حین تخرجونه، ويجزيكم عليه جزاء الراضي الشاكر، وهو الله الرازق الوهاب، يجزيكم عليه جزاء الحمد، وهو الذي أعطاكم إياه من قبل! فأي إيحاء! وأي إغراء! وأي تربية للقلوب بهذا (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٤ / ٢. (٣) الوسيط لسيد طنطاوي ١ / ٤٩٧. www. modoee.com ٦٧ حرف الألف الأسلوب العجيب! الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمٍ والحكمة من النهي عن التصدق بالرديء بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاً والخبيث إضافة إلى ما سبق: أن الإنفاق لما كان تضميدًا لجراح الفقير، ومواساة له في محنته، فإن الخلق الرفيع يقتضي أن تكون هذه المواساة على النحو الأحسن؛ لتثمر وتؤثر أثرها الطيب في نفوس الضعفاء والمحرومین؛ لیشعر کل فرد منهم بالعطف، والمشاركة لهم في الطيب من العيش، لا للتخلص من هذا الذي قدم لهم. فشعور الفقير بأن ما دفعه إليه المحسن من النوع الرديء إنما كان للتخلص من رداءته يترك في نفسه الأثر السيئ إزاء المنفق الذي أخرج الرديء من المال. ولما كان الكف عن الإنفاق أو التقدم بالرديء الخبيث إنما ينشأ عن دوافع السوء، وعن تزعزع اليقين فيما عند الله، وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفسًا تتصل بالله، وتعتمد عليه، وتدرك أن مرد ما عندها إليه، كشف الله للذين آمنوا عن هذه الدوافع لتبدو لهم عارية، ولیعرفوا من أين تنبت النفوس؟ وما الذي يثيرها في القلوب؟ إنه الشيطان (١). وتقوم الآيات بإجراء مقارنة بين وعدين، أحدهما صادر من الشيطان، والآخر من الله سبحانه، وكم بين الوعدين من الفرق (١) في ظلال القرآن ١/ ٢٩٢. مُوَسُولَةُ الْبَقِنَّة جوبيبو القرآن الكريم وَاَللَّهُ وَاسِعُ عَلِيٌُ. ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. فهذا البخل، واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر، ويغريكم بالبخل، ويأمركم بالمعاصي، ومخالفة الله تعالى، والله سبحانه وتعالى يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم، ورزقًا واسعًا، والله واسع الفضل، عليم بالأعمال والنيات. ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حميد﴾ فغناه وحمده یأبی قبول الرديء، فإن قبل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه؛ لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله(٢). والمقصود أن الآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يلتزموا في نفقتهم المال الطيب في كل وجه من وجوهه، بأن يكون جيدًا نفيسًا في صنفه، وحلالا مشروعًا في أصله. خامسًا: أن تطيب نفس المنفق بالنفقة: ومن آداب الإنفاق أن تطيب نفس المنفق بالنفقة، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلٍ جَنَِّم بِرَبِّوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. (٢) التفسير القيم، ابن القيم ٢٧١/١. ٦٨ الإنفاق فمعنى: ﴿وَتَقْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس، سخية به، لا على وجه التردد، وضعف النفس في إخراجها؛ وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان: إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم، وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين، فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، و تثبيتًا من أنفسهم(١). فقوله تعالى: ﴿وَتَثَّبِينًا﴾ معطوفة على ﴿أَبْتِغَاءُ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ ﴾ ابتدائية؛ يعني: تثبيتًا كائنًا في أنفسهم لم يحملهم عليه أحد، ومعنى يثبتونها: يجعلونها تثبت، وتطمئن، أي: لا تتردد في الإنفاق، ولا تشك في الثواب؛ وهذا يدل على أنهم ينفقون طيبة نفوسهم بالنفقة (٢). فالإنفاق على وجه التثبيت من النفس له فضل عند الله؛ لأنه يندفع بدافع نفسي، لا بتوصية من أحد أو نصيحة، بل هم على يقين بالثواب، وتصدیق بوعد الله، ویعلمون أن ما أخرجوا خير لهم مما تركوا، والإنسان الذي لا يعمل إلا كارهًا فيه خصلة من خصال المنافقين، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١١٤/١. (٢) تفسير القرآن للعثيمين ٢٥٨/٥. وجاء في تفسير ابن عبد السلام في قوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. ((أي: طيبةً بها نفسه، أو محتسبًا لها عند الله، وسمي حسنًا لصرفه في وجوه حسنة، أو لأنه لا من فيه ولا أذى، فيضاعف القرض الحسنة بعشر، أو الثواب تفضلًا بما لا نهاية له))(٣). وقال البقاعي في ﴿قَرْضَا حَسَنًا﴾: ((أي: طيبًا خالصًا فيه، متحريًا به أفضل الوجوه، طيبة به النفس، من غير من، ولا كدر بتسويف ونحوه)) (٤) وقال ابن القيم: ((وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسنًا؛ وذلك يجمع أمورًا ثلاثة، أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثه، الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله، ابتغاء مرضاة الله، الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذي، فالأول يتعلق بالمال، والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه وبين الآخذ))(٥). وقال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنًا حتى تجمع فيه أوصاف عشرة، وهي: أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن لا (٣) تفسير ابن عبد السلام ٦/ ٣٩٩. (٤) نظم الدرر للبقاعي ٣٦٢/٨. (٥) التفسير القيم، ابن القيم ٢٥٨/١. www. modoee.com ٦٩ حرف الألف تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه فقط، فلما كان واليًا لخزانته، وأدى حقوق الله، ولا ترائي بها الناس، وأن تستحقر ما الناس في ولايته، طيبة نفسه بما أدى استحق ذلك التكريم لأمانته، فإذا كان هذا شأن الخازن فصاحب المال أولى، بأن يعطي العطاء من طيب نفس. تعطي، وتتصدق به، وإن کان کثیرًا، وأن یکون من أحب أموالك إليك، وأن لا تری عز نفسك وذل الفقير، فهذه عشرة أوصاف، إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضًا حسناً(١). وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الخازن المسلم الأمين الذي ینفذ، وربما قال: يعطي ما أمر به، فيعطيه کاملا موفرًا، طيبة به نفسه، فیدفعه إلی الذي أمر له به أحد المتصدقین)(٢). فهذه الأوصاف شروط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يعتنى بها، ويحافظ عليها، وقوله: (طيبة به نفسه) بأن لا يحسد المعطى، ولا يظهر له من العبوس وتقطيب الوجه ما يكدر خاطره، ونبه على ذلك لأن أكثر الخزان غلب عليهم البخل بمال غیرهم، فهم أبخل البخلاء. فإذا أعطى هذا الخازن وهو طيب النفس فهو أحد المتصدقين، مع أن المال الذي تصدق منه ليس ملكًا له، وإنما هو خازن (١) لباب التأويل، الخازن ٦/ ٥١. (٢) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد ٥٢١/٢، ١٣٧١، ومسلم في الزكاة، باب أجر الخازن الأمين والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة بإذنه الصريح أو العرفي ٢٤١٠،٩٠/٣. والمقصود أن من آداب الإنفاق في سبيل الله أن تكون نفس المنفق طيبة به، لا مکرھًا، ولا معتقدًا أنه غرم وضريبة، كما يظن بعض الناس أن الزكاة ضريبة، حتى إن بعض الكتاب يعبرون بقولهم: ضريبة الزكاة، والعياذ بالله. سادسًا: أن يكون الإنفاق وسطًّاً، لا إسراف فيه ولا تقتير: ومن آداب الإنفاق التوسط فیه، وقد نهى الله تعالى عن الإسراف في الإنفاق، فقال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ اٌلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. فقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَّا تُّرِفُواْ﴾ أي: كلوا من المآكل الطيبة، واشربوا المشارب الحلال، ولا تسرفوا، لا في زينتكم، ولا في مأكلكم، أو مشربكم؛ لأنه سبحانه یکره المسرفین. قال ابن كثير رحمه الله: ((قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية، في قوله: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُوا﴾))(٣)، (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٦/٣. جَوَس ◌َ النَِّيّة القرآن الكريم ٧٠ الإنفاق وقال البخاري: ((قال ابن عباس: كُلْ ما المال في تحصيلها يفضي غالبًا إلى استنزاف الأموال، والشره إلى الاستكثار منها، فإذا شئت، والبس واشرب ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف، أو مخيلة))(١). ضاقت على المسرف أمواله تطلب تحصیل المال من وجوه فاسدة؛ ليخمد بذلك نهمته والإسراف والسرف: تجاوز الحد الذي يقتضیه الإنفاق، بحسب حال المنفق، وحال المنفق عليه، وهذا النهي عن الإسراف نهي إرشاد وإصلاح. والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي، والشره في المأكولات، الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه، والتنوع في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام(٢). إلى اللذات، فیکون ذلك دأبه، فربما ضاق عليه ماله فشق عليه الإقلاع عن معتاده، فعاش في كرب وضيق، وربما تطلب المال من وجوه غير مشروعة، فوقع فيما يؤاخذ علیه في الدنيا أو في الآخرة، ثم إن ذلك قد يعقب عياله خصاصة وضنك معيشة، وينشأ عن ذلك ملام وتوبيخ وخصومات، تفضي إلى ما لا يحمد في اختلال نظام العائلة (٤). ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ فإن السرف یبغضه الله، ویضر بدن الإنسان ومعیشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلی أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما(٣). ولهذا كان من الأعمال التي لا يحبها الله، ومن الأخلاق التي يلزم الانتهاء عنها، ونفي المحبة مختلف المراتب، فيعلم أن نفي المحبة يشتد بمقدار قوة الإسراف، وهذا حكم مجمل، وهو ظاهر في التحريم. ووجه عدم محبة الله للمسرف أن الإفراط في تناول اللذات والطيبات والإكثار من بذل (١) أخرجه البخاري في كتاب اللباس ٢١٨٠/٥. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٢٨٧. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٢٨٧. فأما كثرة الإنفاق في وجوه البر فإنها لا توقع في مثل هذا؛ ولذلك قيل في الكلام الذي يصح طردًا وعكسًا: لا خير في السرف ولا سرف في الخير. وفي معنى هذه الآية قوله صلی الله عليه وسلم: (ویکره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)(٥). وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿ وَءَاتِ ذَا اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٣) إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦- ٢٧]. فقوله: ﴿إِخْوَنَ﴾ يعني: أنهم في حكمهم؛ إذ المبذر ساعٍ في إفساد (٤) التحرير والتنوير ١٤٤٣/١. (٥) أخرجه مسلم في الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة ٥ / ١٣٠، ٤٥٧٨. www. modoee.com ٧١ حرف الألف كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم حال المسلمين اليوم هو الإنفاق الفاحش والبذخ الزائد، الذي يدل على غياب هذه أنفسهم، أو أنهم یقرنون بهم غدًا في النار، ثلاثة أقوال، والإخوان هنا جمع: أخ من غير النسب. الوسطية، فكانت النتيجة أن كثر الفقر والجوع والجهل. وندب الله تعالى إلى التوسط في الإنفاق في المباح في قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُواْلَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. فمدح الله هنا الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وهذه هي الوسطية المرتبطة بالإنفاق الخاص والعام، فالتبذير مذموم، بل إن صاحبه يعد من إخوان الشياطين، والتقتير على النفس والأهل ومن له حق أيضًا مذموم. هكذا وضع القرآن الكريم هذه القاعدة الذهبية للوسطية الإنفاقية، حتى لا تزل الأقدام، ولا تضيع الأموال، فقال: ﴿ وَأَلَِّينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُّرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. فهي قمة الوسطية، في قمة السلوك، فلماذا بعد ذلك تنفق الأموال في البهرجة الكاذبة، والمظاهر الزائفة، والحفلات الماجنة، من قبل الحكومات أو الأفراد، لو دبر الناس الإنفاق بعقلية وسطية لكان الوضع الاجتماعي والوضع الاقتصادي للأمة على أحسن حال، ولتوفر للأمة من الثروات الشيء الكثير، ولكن المشاهد من ٧٢ بوبيـ القرآن الكريم الإنفاق آثار الإنفاق للإنفاق آثار جليلة في الدنيا والآخرة، نتناولها فيما يأتي: أولًا: آثار دنيوية: للإنفاق فى سبيل الله فوائد عديدة، وآثار حميدة، يجنيها المتصدق إذا أحسن القصد، وأخلص العمل لوجه الله، ومن هذه الآثار الدنيوية: ١. تهذيب النفس وتطهيرها من الشح. تعد عملية الإنفاق في سبيل الله درسًا تهذيبيًا أكثر من كونها مساعدة مالية؛ وذلك لما للإنفاق من دور عظيم في تهذيب النفوس، وإصلاح حال الفرد، واستقامة المجتمع، وتليين وتذليل ومعالجة لتلكم القلوب الصلدة القاسية، كما أن الجود والسخاء بإذن الله تعالى يقلب البغضاء محبة، والعداوة ودًا، وفيه مواساة للفقراء والمسكين والمعوزين عمومًا. فعندما تطهر النفس من آفاتها، وتتخلص من شهواتها، وتتحلى بالفضائل، وتتزين بالمكارم، تثمر أعظم الثمار، وتخرج لنا كل إحسان. فالصدقة وسيلة من وسائل تطهير النفس، وتهذيب الأخلاق، فهي تزيل الخطايا، وتغسل صحيفة صاحبها من الأدناس، وتطهرها من الذنوب، وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على أن الصدقة تطهر الإنسان وتزكي نفسه؛ ولهذا سميت الصدقة الواجبة زكاة، وهي: النماء والطهارة، وزكا الشيء: نما وتكاثر، وزكت النفس: طهرت، وقد قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. تطهرهم من البخل والشح، وحب المال، وتزكيهم بنماء أموالهم وحسناتهم، وتهذيب نفوسهم؛ وبذلك يرتفعون إلى منازل المخلصين الطيبين. كما أن الإسلام يريد تربية النفوس على البذل والعطاء حتى تتخلق بأخلاق الله، فكلما اعتاد الإنسان البذل والعطاء ارتقى من حضيض الشح الإنساني إلى أفق الكمال الرباني، فإن من صفات الحق سبحانه إفاضة الخير والرحمة على عباده دون نفع يعود عليه، والسعي في تحصيل هذه الصفات بقدر الطاقة البشرية تخلق بأخلاق الله، قال الرازي: ((أن النفس الناطقة لها قوتان نظرية وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنًا إلى الخلق، ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم، دافعًا للآفات عنهم))(١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ٦٥. www. modoee.com ٧٣ حرف الألف ولما كان البذل في سبيل الله برهان السؤال، وإحواج غيره إليه)) (٤). الصدق وعلامة الإيمان، كما قال عليه الصلاة والسلام: (والصدقة برهان)(١) كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وقد عرف بذلك من قبل رسالته؛ لأن الله ھیاه لمكارم الأخلاق، فقد قالت له خديجة في حديث بدء الوحي: (إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم)(٢). كما أن في البذل وإيتاء الزكاة شكرًا لنعمة الله عز وجل، وفي ذلك تهذيب للنفس، يقول الكاساني: ((لأن إخراج العشر إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها، وكل ذلك لازم عقلًا وشرعًا))(٣). ويقول الغزالي: ((إن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله، فالعبادات البدنية شکر لنعمة البدن، والمالية شكر النعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق، وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن (١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء ١ / ١٤٠، ٥٥٦. (٢) أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ١/ ٤، ٣، ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم ١/ ٩٧، ٤٢٢. (٣) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٥٨/٤. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر)(٥). والزكاة بكونها شكرًا لنعمة الله كانت نصف الإيمان. والإنفاق يقي صاحبه من الشح المنهي عنه، فإذا يسر على المرء الإنفاق فيما أمر الله به فقد وقي شح نفسه؛ وذلك من الفلاح، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن ◌ُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[الحشر: ٩]. وإضافة (الشح) إلى النفس للإشارة إلى أن الشح من طباع النفوس، فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. وفي الحديث لما سئل رسول الله صلى الله علیه وسلم عن أفضل الصدقة، قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، وأن لا تدع حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان)(٦). (٤) إحياء علوم الدين ١ / ٤١٦. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٦٥/٨. (٦) أخرجه البخاري في الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح ١١٠/٢، ١٤١٩، ومسلم في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح رقم ١٠٣٢. ٧٤ لِلْقُرآن الكْرِيْمِ الإنفاق والمقصود أن الإنفاق في سبيل الله يجعلوا تقديم الخير إلى الناس شغلهم الدائم، لا ينفكون عنه في صباح أو مساءً، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. وسيلة لتهذيب النفس وتزكيتها وتطهيرها من خلق الشح والبخل، إلا أن الإنفاق لا يهذب النفس ويطهرها إلا إذا أخرجت الصدقة على وجهها الصحيح، بأن يخرجها بانشراح صدر، ومن أحل ماله وأصفاه وأطيبه، ويخرجها في أول وجوبها خوف الحوادث وشح النفس، وألا يعذب قلوب الفقراء بالانتظار، وينظر في ذلك إلى نعمة الله علیه بتوفیقه؛ لئلا یتکبر ویعجب فیورثه المن والأذی، فیحبط أجره، وأن یری فضل المستحق عليه؛ لأنه سبب طهرته، ورفع درجته في الآخرة، وأن تكون صدقته سرًا، اكتفاء بنظر الله وعلمه، وصيانة الفقير عن اشتهار أمره، وأن یکون عند الإخراج مستصغرًا لما يعطي، متواضعًا لمن يعطي، إلى غير ذلك من الآداب التي قد سبق تفصيلها. ٢. حسن التكافل الاجتماعي. ومن آثار الإنفاق في سبيل الله تعالى تحقيق التكافل الاجتماعي بأبهى صوره؛ حيث يتم تحقيق كفاية الفقير دون المساس بكفاية الغني. وقد عرف أن من أعظم وسائل تقوية التكافل الاجتماعي في الإسلام البذل والإنفاق؛ لذلك حبب الإسلام إلى بنيه أن تكون نفوسهم سخيةً، وأكفهم نديةً، وأن فهي عملية مستمرة إنفاق بالليل والنهار، في السر والعلن، في الشدة واليسر، حتى صارت نظرية الإنفاق في الإسلام من أبرز السياسات لعلاج مشكلة الفقر، ولو فكر العالم المعاصر اليوم قليلاً في حيثيات وضوابط نظرية الإنفاق لوجدها من أبرز وأنجع الحلول لمشكلة الفقر، الذي يعاني منه الملايين في أنحاء العالم، وإنه بحساب يسير لحصيلة زكاة أموال المسلمين في أرجاء المعمورة نجد أنها كافية لإغناء كل فقراء المسلمين، بل فقراء العالم أجمعين، وتحقيق كفايتهم من مأكل وملبس وتعليم ومسکن. والإسلام وهو يدعو إلى الإنفاق في سبيل الله على الفقراء والمحتاجين يحرص أن يجعل المسلمين كتلة واحدة، يشد بعضها بعضًا، يربط بينهم رباط الإيمان والعقيدة، يعطف كبيرهم على صغيرهم، وغنيهم على فقيرهم، كل منهم يتحسس حاجة أخيه المسلم، ويفعل الأسباب لإزالة هذه الحاجة بصدر رحب، وقلب منشرح، www. modoee.com ٧٥ حرف الألف ينطلقون من توجهات کتابهم، بقوله: ﴿إِنَّمَا اٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]. ومن سنة رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتکی منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(١). وبقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)(٢). فصدقة التطوع إذن تساعد على إذابة التفاوت الطبقي بين المسلمين، وتعينهم على حل مشكلة الفقر، وما ينتج عنه من مآسٍ ومشاکل، وهي أيضًا سبب من أسباب الألفة والمحبة بين المسلمين، ولها دور في إشاعة روح التسامح والتعاون والتآخي بینهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من کرب الدنیا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على (١) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٦٧٥١،٢٠/٨. (٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا ٢٢٤٢/٥، ٥٦٨٠، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٢٠/٨، ٦٧٥٠. معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)(٣). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل، أو طلبت إليه حاجة، قال: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء) (٤) يقول ابن حجر: ((في الحديث حض على الخير وفعله، والتسبب إليه بكل وسيلة، والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة، ومعونة ضعيف)) (٥). والمقصود أن من آثار الإنفاق ما يحققه من التكافل بين أفراد المجتمع المسلم؛ وذلك عن طريق ما شرعه الله من الإنفاق، ومد يد العون إلى الضعفاء والمعوزين؛ ليجد هؤلاء من یحنو عليهم، ومن ينتشلهم من براثن الفقر، ويبعد عنهم صوره المرعبة، وبذلك تتوازن القوى، ويتجه کلهم نحو بناء مجتمع مثالي في کل عصر، ومع كل جيل، ويلتحم الأفراد فيما بينهم في إطار من الود والرحمة، یشد بعضهم بعضًا. ومن صور التكافل الاجتماعي في (٣) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٨/ ٧٠٢٨،٧١. (٤) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ٥٢٠/٢، ٠١٣٦٥ (٥) فتح الباري ١٠/ ٤٥١. صَوَ هُ ود القرآن الكريم ٧٦ الإنفاق الإسلام في باب الإنفاق: ما شرعه الله من ذلك الوعد بصيغة الشرط، ويجعل جملة الجواب اسمية، وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ففي هذا الوعد ثلاث مؤكدات دالة على مزيد العناية بتحقيقه ... ، وجملة: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ تذييل للترغيب والوعد بزيادة أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق)) (١). وجوب نفقة الأقارب الفقراء على القريب الغني، فنفقة الزوجة على الزوج، والأبناء على الأب، ونفقة الوالدين الفقيرين على الولد القادر، ونفقة الأخ الفقير أو المحتاج على أخيه الذي يرثه، وقد وسع بعض علماء المسلمین في شأن نفقة الأقارب حتى تصل إلى ذوي الأرحام. وهكذا من صور التكافل الاجتماعي أحكام الديات في القتل الخطأ، فإن الدية تجب لورثة القتيل، وقد یکونون صغارًا فتعينهم على مواجهة الحياة بعد فقد مورثهم، ويتشارك أقرب العصبة إلى القاتل خطأ في دفع الدية إلى ورثة المقتول، والدية هنا تمثل ضمانًا من المجتمع لورثة المقتول، فلا يضيع دم إنسان هدرًا في مجتمع مسلم. ٣. سعة الرزق. ومن آثار الإنفاق في سبيل الله أن الصدقة تجلب الرزق، وتحفظ المال من الآفات والهلكات والمفاسد، وتحل فيه البركة، وتكون سببًا في إخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له، وأكثر وأطيب، دلت على ذلك النصوص الثابتة، والتجربة المحسوسة، فمن النصوص الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِّفُةٌ، وَهُوَ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. قال ابن عاشور في تفسيره: «وأکد وقال السعدي: ((قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ نفقة واجبة أو مستحبة، على قريب أو جار أو مسكين أو يتيم أو غير ذلك فهو تعالى يخلفه، فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق الذي يبسط الرزق ويقدر)»(٢). ومن النصوص الدالة أيضًا على أن الصدقة بوابة للرزق، ومن أسباب سعته واستمراره، وتهيؤ أسبابه، وأنها لا تزید العبد إلا كثرة: قوله تعالى: ﴿لَيْن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾[إبراهيم: ٧]. إذ الصدقة غاية في الشكر، وقوله عز وجل في الحديث القدسي: (يا ابن آدم أنفق أنفق عليك)(٣). وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة إلا زاده الله (١) التحرير والتنوير ٣٤٤٧/١. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٦٨١. (٣) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤٢، ٧٢٩٦، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: ((إسناده صحيح على شرط الشيخين)). www. modoee.com ٧٧ حرف الألف بها كثرة)(١). وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا)(٢). کما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته، يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة-، فقال له: يا عبد الله لم تسالنى عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول: اسق حديقة فلان - لاسمك-، فماذا تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآکل أنا وعیالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه)(٣). (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٣٣/٣، ٣٤١٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٥٦٤٦. (٢) أخرجه البخاري في الزكاة، باب قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى)، ١١٥/٢، ١٤٤٢، ومسلم في كتاب الكسوف، باب في المنفق والممسك ٢/ ١٠١٠،٧٠٠. (٣) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب الصدقة في المساكين ٧٦٦٤،٢٢٢/٨. وفي رواية: (وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل) (٤). وفي المقابل جاءت نصوص عديدة ترد على فئام من الخلق -ممن رق دينهم وساءت أفهامهم- ظنوا أن الصدقة منقصة للمال، جالبة للفقر، مسببة للضيعة، بل أبانت هذه النصوص أن الصدقة لا تنقص مال العبد، وأن شحه به هو سبب حرمان البركة، وتضييق الرزق، وإهلاك المال، وعدم نمائه، ومن هذه النصوص قوله صلى الله عليه وسلم: (ما نقصت صدقة من مال)(٥). وفي حديث أسماء رضي الله عنها قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تو کی فیو کی عليك ... لا تحصي فيحصی الله عليك)(٦). وأيضًا فأن التجربة المحسوسة تثبت أن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤونة، وأن رزق العبد یأتیه بقدر عطيته ونفقته، فمن أکثر أکثر له، ومن أقل أقل له، ومن أمسك أمسك عليه، وقد نص غير واحد أن ذلك مجرب محسوس، ومن شواهد ذلك قصة (٤) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب الصدقة في المساکین ٧٦٦٥،٢٢٣/٨. (٥) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع ٦٧٥٧،٢١/٨. (٦) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ٢/ ٠١٣٦٦،٥٢٠ مُوسُوْ بَة الَّفِي الْقُرآن الكَرِيْمِ ٧٨ الإنفاق عائشة رضي الله عنها: «أن مسکینًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاتھا: أعطیہ إیاہ، فقالت: لیس لك ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه! قالت: ففعلت، قالت: فلما أمسینا أهدی لنا أهل بيت أو إنسان -ما كان يهدي لنا- شاة وكفنها، فدعتني، فقالت: كلي من هذا، هذا خير من قرصك))(١). فالقضية إذن مرتبطة بالإيمان، ومتعلقة باليقين، والأمر كما قيل: ((من أيقن بالخلف جاد بالعطية))(٢). ومما يدل على أن الصدقة سبب لزيادة المال، وسعة الرزق: قول الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُو أَسْعَافًا كَثِيرَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمٍ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. يقول ابن القيم رحمه الله: ((وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلًا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه، إما في الدنيا أو في الآخرة)»(٣). ويقول الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ مُخْلِفُةُ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. (١) أخرجه مالك في الموطأ ٥/ ١٤٥١، ٣٦٥٥، والبيهقي في شعب الإيمان ٥/ ١٤٢، ٣٢٠٧. (٢) مسند الشهاب القضاعي ١/ ٢٣٣. (٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص ٣٧٥. یقول ابن کثیر رحمه الله في تفسیر ھذہ الآية: ((أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، وأباحه لکم، فهو يخلفه علیکم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب)» (٤). ومما يدل على ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسگا تلفًا)(٥). ومعلومٌ أن سعة الرزق والبركة فيه لها ارتباط وثيق بالأعمال الصالحة التي يقدمها العبد، فكلما ازداد العبد صلة بالله عز وجل بارك الله له في رزقه، وأغناه من فضله، ومن الأعمال الصالحة الإنفاق في سبيل الله، وهو من الأعمال التي ترتبط بالرزق، فجزاؤه في الدنيا الإخلاف والبركة، وسعة الرزق، وفي الآخرة الجنة، ورضوان الله. ومن الأعمال الصالحة التي تزيد في الرزق أيضًا صلة الرحم، وهذا من أجل الأعمال وأفضلها عند الله. فقد روی أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٦٢. (٥) أخرجه البخاري في الزكاة، باب قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى)، ١١٥/٢، ١٤٤٢، ومسلم في الكسوف، باب في المنفق والممسك ٢/ ١٠١٠،٧٠٠. www. modoee.com ٧٩ حرف الألف رحمه)(١) . فصلة الرحم لها علاقة بالرزق، والله عز فعلى المسلم أن يعلق قلبه بالله، وأن يحذر وجل قد تكفل بأن يصل من وصلها، ويقطع من قطعها، والجميع يقصر في هذا الجانب إلا من رحم الله، خاصة مع تعقيدات الحياة المعاصرة، وكثرة الارتباطات والأعمال، ثانيًا: آثار أخروية: ولكن لا أقل من أن يرفع المرء سماعة الهاتف، ويطمئن على ذوي رحمه. والمقصود أن الصدقة من أهم موجبات توسيع الرزق، كما أنها تصون المال الباقي وتحفظه وتبعد عنه الكوارث وتزيده نماءً، والصدقة من الأمور المجربة في استنزال الرزق! وكأن الله عز وجل يقول: أنت دفعت لأخيك مالًا أكرمته، أنا أولى منك بالإكرام؛ لذا أوسع عليك في الرزق! وبما أن الصدقة هي عبارة عن تطهير للنفس؛ لذا فهي من مواطن استجابة الدعاء، وبإمكان الإنسان أن يطلب من الفقير الذي تصدق علیه أن يدعو له بسعة الرزق! ولابد من التنبيه إلى أمر مهم وهو أن سعة الرزق أو ضيقه قد تعني بالدرجة الأولى ما يجعله الله تعالى من البركة فيما آتاه لعبده، وما يمتعه به من السعادة والطمأنينة (١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم ٨/ ٢٥٥٧،٥، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها ٤ / ١٩٨٢، ٥٩٨٦. به، وشواهد ذلك كثيرة من واقع الناس، من الركون إلى الأسباب المادية، وينسى مسبب الأسباب سبحانه وتعالى، الذي بيده ملكوت كل شيء، والذي تكفل برزق جميع المخلوقات. کما أن للإنفاق في سبيل الله آثار دنيوية، فله أيضًا آثار أخروية، ومن هذه الآثار: ١. الحصول على محبة الله ورحمته ورضاه. فمن فوائد الصدقة وآثارها الحميدة أنها طريق للظفر بمحبة الله ورحمته ورضاه، ففي الصدقة إحسان ورحمة، وتفضل وشفقة؛ ولذا كانت من وسائل نیل محبة رب العالمين، والحصول على رحمته، والظفر برضوانه؛ لأنه سبحانه يحب المحسنين، ويرحم الرحماء، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك، فمما يدل على أن التصدق والإنفاق في مرضاة الله من دواعي حبه عز وجل للعبد: قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوَ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى الَّهُكَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: ١٩٥]. فقوله: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييل للترغيب فى الإحسان؛ لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس؛ إذ محبة الله العبد مَوْشَوَةُ الْبَّفِيه لِلْعَشْرَآن الكَرِيْمِ ٨٠ الإنفاق سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة، واللام من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل للاستغراق العرفي، والمراد: المحسنون من في الإحسان أيضًا الإحسان في عبادة الله تعالی»(٢). المؤمنين (١). والمحسن مشتق من فعل الحسن، و کثر استعماله فیمن ینفع غیره بنفع حسن، من حيث إن الإحسان حسن في نفسه، أو مشتق من الإحسان، ففاعل الحسن لا یوصف بکونه محسنًا إلا إذا كان فعله حسنًا وإحسانًا معًا، فالاشتقاق إنما يحصل من مجموع الأمرين. ومعنى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أي: في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطًا لا إسراف فيه ولا تقتير، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله، ويمكن حمل الآية على جميع وجوه الإحسان. قال السعدي: ((وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان؛ لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم، ويدخل فيه الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعلیم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملًا، والعمل لمن لا يحسن العمل، ونحو ذلك مما هو (١) التحرير والتنوير ١/ ٥٤٦. وفي الآية إثبات المحبة لله عز وجل، وهي محبة حقيقية على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافًا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنّ لا يكون بمثابته، فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة، وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين، وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين. فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أحدًا -وهو جبل- يحب ويحب، فقال: (هذا جبل يحبنا ونحبه)(٣) . والإنسان يجد أن دابته تحبه وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه، وكذلك غيره من المواشي، والإنسان یجد أنه یحب نوعًا من ماله أُکثر من النوع الآخر. والصدقة أيضًا تورث جنات النعيم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنِّئُكُم بِخَيْرٍ مِن (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١ / ٩٠. (٣) أخرجه البخاري في المغازي، باب أحد يحبنا ونحبه ١٠٣/٥، ٤٠٨٣، ومسلم في الحج، باب فضل المدينة ٢ / ٩٩٣، ٠١٣٦٥ www. modoee.com ٨١ حرف الألف ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَدُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَفَرَةٌ وَرِضْوَاتٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرًا بَلْمِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَاً ءَامَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّلِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَنِينَ ١٦ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾[آل عمران: ١٥ - ١٧]. قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾[ التوبة: ٧٢]. وأظهر اسم الجلالة في قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ دون أن يقول: ورضوان منه، أي: من ربهم؛ لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان. والتنوين في (رضوانٌ) للتفخيم، أي رضوان وأي رضوان لا یقادر قدره کائن من رضوان من الله، رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما، ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة، وبكل ما في ظله من حنان. فرضوان الله ومحبته والتفاته وعطفه كل هذه غاية يتوخاها الإنسان، بل يبذل للحصول علیھا کل غالٍ ونفيس، وما أسعد الإنسان وهو یری نفسه محبوبًا لله سبحانه، وذكر من صفاتهم أنهم (منفقون) أموالهم في طاعة الله، ويدخل فيه إنفاق راضيًا عنه، على أن في الإخبار بالرضا المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه، وفي الزكاة والجهاد، وسائر وجوه البر. والمحبة في الآيتين السابقتين فرقًا ظاهرًا وواضحًا، فإن المحبة أمر أعمق من مجرد الرضا، فمحبة الله لها معنى عظيم له تأثيره الخاص في النفس. فهؤلاء المتقون المنفقون أموالهم في سبيل الله لهم هذا الأجر العظيم، الذي جاء في الآيتين، ومنه (رضوان من الله) الذي حرمه من لم يتصف بهذه الصفات، وعطف ومن النصوص الدالة على أن الصدقة دافعة لغضب الله وسخطه، جالبة لرضوانه (رضوان من الله) على ما أعد للذين اتقوا ورحمته: ما جاء عن النبي صلى الله عليه عند الله؛ لأن رضوانه أعظم من ذلك النعيم وسلم أنه قال: (إن الصدقة لتطفئ غضب المادي؛ لأن رضوان الله تقريب روحاني. ٨٢ صَوْ نُوبَةُ النَّهـ بوبيـ القرآن الكريم ففي هذه الآية ذكر الله تعالى جزاء الله عز وجل، فهو أكبر من كل متاع، فهو المتقين، وهو جنات فيها من أصناف الخيرات، والنعيم المقيم، ولهم الأزواج المطهرة من كل آفة ونقص، جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق؛ لأن النفي يستلزم ضده، فتطهيرها عن الآفات مستلزم لوصفها بالكمالات، ولهم رضوان من الله الذي هو أکبر من كل شيء. الإنفاق الرب، وتدفع ميتة السوء)(١). وحديث أبي وسلم: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل)(٥). هريرة رضي الله عنه الذي تضمن قصة الأبرص والأقرع والأعمى، وفيه قول الملك للأعمى لما بذل المال محتسبًا الثواب من الله، وأمسکه صاحباه شحًا به وبخلًا: (أمسك مالك، فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك)(٢). كما أتت أحاديث عديدة تبين أن الله يحب المتصدقین، وذوي البر والإحسان، وصانعي المعروف، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)(٣). كما جاءت أحاديث تبين أن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء بخلقه، المشفقين على عباده - وهي صفة المتصدق - ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء)(٤)، وقوله صلى الله عليه (١) أخرجه الترمذي في أبواب الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة ٣/ ٦٦٤،٤٣. (٢) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٤ / ١٧١، ٣٤٦٤. (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط ١٣٩/٦، ٦٠٢٦، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم ١٧٦. (٤) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في الرحمة ٤ / ٤٤٠، ٤٩٤٣، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين ٤/ ٣٢٣، ١٩٢٤، وأحمد ٣٣/١١، ٦٤٩٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم فيا طامعًا في محبة الله ورضوانه، ویا راجيًا رحمته وإحسانه: عليك بالصدقة، فإنها نعم الوسيلة لتحقيق غايتك، والوصول إلى بغیتك. فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما سمع النبي صلی الله عليه وسلم يحض على الإنفاق في تجهيز جيش العسرة، فجاء بتسعمائة بعير برواحلها ومراكبها ونفقاتها وسلاحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم)(٦). فقد حل علیه رضوان الله الأکبر الذي لا سخط بعده. ٢. مغفرة الذنوب. وجعل الله الصدقة سببًا لغفران المعاصي، وإذهاب السيئات، والتجاوز عن الهفوات، دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّخَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ٣٥٢٢. (٥) أخرجه مسلم في الفضائل، باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك ٤ / ٢٣١٩،١٨٠٩. (٦) أخرجه أحمد ٣٤/ ٢٣١، ٢٠٦٣٠، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح ٣/ ١٧١٣، ٦٠٧٣. www. modoee.com ٨٣ حرف الألف وهذا نص عام يشمل كل حسنة، أي: تنميهم وتزيد في أخلاقهم الحسنة وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم»(١). وفعل خير، والصدقة من أعظم الحسنات والخيرات، فهي داخلة فيه بالأولوية. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وقوله سبحانه: وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاَلْقَنِينَ وَالْقَيِّئَاتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِنَ وَالْخَشِعِينَ وَالْخَشِعَتِ وَالصَّبِرَتِ وَالصَّنْيِمِينَ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَتِ وَالْحَفِظِينَ فَرُوجَهُمْ وَالصَّنَّبِمَتِ وَاَلْحَفِظَتِ وَاَلَّكِرِينَّ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقوله عز وجل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السََّّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِّ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾[آل عمران: ١٣٣-١٣٤]. فهاتان الآيتان أفادتا أن من أولى وأجل ما تنال به مغفرة الله للخطایا، وتجاوزه عن الذنوب الإنفاق في مرضاته سبحانه . ومما يدل على أن الصدقة تمحو الذنوب وترفع الدرجات: قول الله تعالى: ﴿خُذِّمِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا ﴾ [التوبة: ١٠٣]. يقول السعدي رحمه الله: ((أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة، وتزكيهم وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. قال ابن كثير رحمه الله: (أي: يخوفكم الفقر؛ لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله ... ، ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء و ﴿وَفَضْلًا﴾ أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر))(٢). ٠ ومن النصوص الدالة على ذلك: ما أخرجه البخاري في باب: الصدقة تكفر الخطيئة من حديث حذيفة رضي الله عنه، وفيه: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف)(٣). ٣. الحشر تحت ظل الصدقة. ومن فوائد الإنفاق الأخروية: أن الناس إذا حشروا يوم القيامة واشتد الكرب فإن المتصدقین یتفیئون في ظل صدقاتهم، وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يفصل بين الناس) (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٣٥٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٠٠/١ (٣) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة تكفر الخطيئة ٢/ ٥٢٠، ١٣٦٨. مُوسْو ◌َة النَِّيَّة القرآن الكريم ٨٤ الإنفاق أو قال: (حتی یحکم بین الناس) قال یزید -راوي الحديث -: وكان أبو الخير لا يخطئه یومٌ إلا تصدق فيه بشيء، ولو کعکة أو بصلة أو كذا(١). وقال في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا أو تجسم ثوابها، وتحول إلى مظلة تظل ظل إلا ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)(٢). وقوله: (في ظل صدقته) ظاهره العموم، فيشمل صدقته الواجبة والنافلة، والمراد: يوم القيامة، حین تدنو الشمس من الرؤوس، ويبلغ الکرب في الناس مبلغه. والمقصود أن أعمالهم تظلهم أو تضحيهم، فإضافة الظل إلى الأعمال إضافة سبب؛ فالأعمال الصالحة أصحابها في ظلها، وكل ذلك في ظل العرش. وليس المراد بها ظله من حر الشمس فقط، بل تمنعه من جميع المكاره، وتستره من النار إذا واجهته، وتوصله إلى جميع المحاب، من قولهم: فلان في ظل فلان، وتمسك به من فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر، ولو لم يكن في فضل الصدقة إلا أنها لما تفاخرت الأعمال كان لها الفضل (١) أخرجه أحمد ١٤٧/٤، وابن حبان ٣٣١٠، والحاكم ٤١٦/١، وصححه الألباني في التعليق الرغيب ٢/ ٢٥. (٢) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين ١٤٢٣، ومسلم في الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة ١٠٣١. عليهن لكفى (٣). والمقصود أنه مما جاء في الترغيب بالصدقة أن صاحبها يكون في ظلها يوم القيامة، ويمكن أن نقول: الصدقة تجسمت، صاحبها، حتى يقضى بين الخلائق، ولا يناله ما ينال عامة الناس، من حرارة الشمس التي تدنو منهم فيعرقون، والأولى ترك التعمق في البحث في مدلول قوله: (في ظل صدقته) وتفويض ذلك إلى ما يعلمه المولى سبحانه، ويكفينا أن نقول: إن هذا أعظم موعظة، وأعظم مرغب في أن يكون الإنسان من المنفقين في سيبل الله. ٤ . دخول جنات النعيم. ومن فوائد الصدقة، وآثارها الحميدة أنها سبب في دخول الجنة، وأصل ذلك بیان الرب سبحانه أن الجنة هى دار المحسنين والمحسنات من عباده وإمائه، فقال تعالى: ﴿كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَتَأْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ ◌َجْزِى الْمُحْسِينَ﴾ [المرسلات: ٤٣ -٤٤]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَيْهِمْ ذَلِكَ جَزَّآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَاً وَذَالِكَ جَزَآءُ اٌلْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥]. (٣) فيض القدير ٢/ ٤٥٩. www. modoee.com ٨٥ حرف الألف إلى غير ذلك من الآيات والإحسان هنا بمعناه العام، يدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وغيره. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْتَهُمْ بِرّاً ٠١٠٠٠٤٠ وَعَلَائِيَةً وَيَدْرَهُونَ بِالْخَنَةِ السِّئَةَ أُوْلَكَ لَهْ عُقْبَ الدَّارِ ( جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٢ -٢٣]. فذكر الله تعالى هاهنا الذين صبروا على مشاق الطاعة وترك المخالفة، أو على ما تكرهه النفوس ويخالفه الهوى، فعلوا ذلك ابتغاء وجه ربهم، وطلبًا لرضاه، لا فخرًا ما أعده الله لهم في الجنة مما لا تعلمه ورياء، وأقاموا الصلاة المفروضة، بحيث حافظوا على شروطها وأركانها، وأنفقوا مما رزقناهم من الأموال فرضًا ونفلًا، سرًا وعلانيةً، ويدرءون بالحسنة السيئة، أي: يدفعون الخصلة السيئة بالخصلة الحسنة، فيجازون الإساءة بالإحسان. ثم ذكر جزاءهم، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ لَّمْ عُقْىَ الدَّارِ﴾ أي: عاقبة دار الدنيا، وما يؤل إليه أهلها، وهي: الجنة التي فسرها بقوله: ﴿حَثَّتُ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ مخلدين فيها، والعدن: الإقامة، وقيل: هي بطنان الجنة: أي: مداخلها(١). ومما يدل على أن من آثار الصدقة دخول الجنة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُشَّدِّقَتِ وَأَقْرَضُوْ اَللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌّ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨]. فالأجر الكريم هنا: هو الجنة. قال السعدي في تفسير: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَتِ﴾ ((أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية والنفقات المرضية ﴿وَأَقْرَضُوْاللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا﴾ بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما یکون مدخرًا لهم عند ربهم ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ﴾ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌّ كَرِيمٌ﴾ وهو النفوس»(٢). ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ )) أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَُّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٣-٤]. فقوله: ﴿لَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لما فرط من ذنوبهم ﴿وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾ أعده لهم في الجنة لا ینقطع مدده، ولا ینتهي أمده، بمحض الفضل والكرم. ومما يدل على أن الإنفاق في سبيل الله من أسباب دخول الجنة: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٨٤٠. (١) البحر المديد ٣/ ١٦٣. جَوَسُو ◌َرَ النفسية القصويـ القرآن الكريم ٨٦