النص المفهرس

صفحات 41-60

الإنفاق
وجاء التعبير بقوله: ﴿هَلْ أَذُلْكُمْ﴾ الإفادة هنا في معرض الاستبدال والعرض والطلب
أن ما يذكر بعد ذلك من الأشياء التي تحتاج والأخذ والعطاء، فقدم سبحانه الأنفس؛
لأنها أعز ما يملكه الإنسان، وجعل في
مقابلها الجنة؛ لأنها أعز ما يوهب، وأسمى
ما تتطلع إلى نيله النفوس(٣).
إلی من یهدي إليها؛ لأنها أمور مرد تحديدها
إلى الله تعالى، وتنكير لفظ التجارة للتهويل
والتعظيم، أي: هل أدلكم على تجارة عظيمة
الشأن، وأطلقت التجارة هنا على الإيمان
والعمل الصالح؛ لأنهما يتلاقیان ويتشابهان
في أن كليهما المقصود من ورائه الربح
العظيم، والسعي من أجل الحصول على
المنافع.
وقدم الأموال على الأنفس لأنها هي التي
يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد(١).
أو لأن المقام مقام تفسير وتوضيح المعنى
التجارة الرابحة عن طريق الجهاد في سبيل
الله، ومن المعلوم أن التجارة تقوم على
تبادل الأموال، وهذه الأموال هي عصب
الجهاد، فعن طريقها تشترى الأسلحة
والمعدات التي لا غنى للمجاهدين عنها،
وفى الحديث الشريف (من جهز غازيًا فقد
غزا)(٢).
بينما نجد في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة١١١].
قدم الأنفس على الأموال لأن الحديث
(١) فتح القدير ٣١١/٥.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل إعانة
الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره،
وخلافته في أهله بخير ٣/ ١٥٠٧، ١٨٩٥.
واسم الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُوَإِن
كُنَلُونَ﴾ يعود إلى ما سبق ذكره من الإیمان
والجهاد، أي: ذلكم الذي أرشدناكم إلى
التمسك به من الإيمان والجهاد في سبيل
الله هو خیر لکم من كل شيء إن كنتم من
أهل العلم والفهم.
وفي هذه الآية بيان أن مفهوم الجهاد
لا يتمثل فقط في الجهاد بالسيف، وهذه
من المسائل التي أخطأ فيها المترجمون
الذين ترجموا معاني مفردات القرآن وسنة
الرسول عليه الصلاة والسلام، فمن الترجمة
الخاطئة أن يترجم الجهاد بمعنى (القتال)
فقط، ويحصر مفهوم الجهاد في القتال،
وهذا مفهوم قاصر، فالجهاد أعم من القتال؛
ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن
جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم
بقلبه فهو مؤمن)(٤).
وهناك صور من صور الجهاد غير القتال
كالجهاد بالمال والجهاد بالكلمة.
(٣) الوسيط لسيد طنطاوي ١ / ٤١٩١.
(٤) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان كون
النهي عن المنكر من الإيمان ١/ ٥٠،٦٩.
www. modoee.com
٤٧

حرف الألف
ومنها: حديث النبي عليه الصلاة بتخصيص جزء من ماله للتفقه في سبيل
الله، فیکون مجاهداً حينئذٍ، وهو بذلك على
ثغر من الثغور، وإن کان لا يشعر به أحد من
والسلام: (أفضل الجهاد كلمة حق عند
سلطان جائر) (١).
ومن هذا الباب: قوله: (ففيهما الناس.
فجاهد)(٢).
فالمجاهدة لها صور متعددة؛ فترجمة
الجهاد إلى (القتال) تفسير قاصر، وترجمة
قاصرة من المترجم الذي قام بها؛ ولذلك
قال كثير من العلماء المعاصرين: إن التفاسير
التي ترجمت وإن کان مترجموها على درجة
من الخلق الحسن والصلاح، لكن لقلة
علمهم بالمدلولات الشرعية أخطؤوا في
كثير من الألفاظ حين ترجموها.
ولكن استدركوا على مثل هذه الترجمة
القاصرة بعموم سيرة النبي وعموم سنته
صلى الله عليه وسلم ؛ فقد بين أن الجهاد
أنواع متعددة، فقضى هذا البيان على حصر
الجهاد بالسيف فقط، فلا يظن أن الجهاد
انتھی بعدم وجود المعارك.
أنواع الجهاد، فإن الجهاد بالمال ماضٍ أيضًا
إلى يوم القيامة، وهو أحد أقسام الجهاد،
فالباب مفتوح لمن أراد أن يجاهد؛ وذلك
(١) أخرجه أحمد ١٧ / ٢٢٧، ١١١٤٣، وصححه
الألباني في الصحيحة: ٤٩١.
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الجهاد
بإذن الأبوين ٤ / ٥٩، ٣٠٠٤، ومسلم في البر
والصلة، باب بر الوالدين ٢٥٤٩.
٢. الصدقة على المدين المعسر.
ومن أبواب صدقة التطوع الصدقة على
المدين المعسر، وهو من ثبت إعساره
وعدم قدرته على الوفاء بشهادة من يعلم
بحاله کجار أو صاحب ونحو ذلك، وتكون
بإنظاره، أو مسامحته بالمال، فقد ورد في
فضل إنظاره قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو
عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌّ
لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
والمعنى: وإن وجد مدين معسر ممن
لكم علیهم دین فأنظروه وأمهلوه إلی حین
اليسار، حتی یتمکن من أداء دينه، وقوله:
﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وتصدقكم
على المعسرين من المدينين بإبرائهم من
الدين كلا أو بعضًا خير لكم من إنظارهم
بل مراد النبي صلى الله عليه وسلم به كل وأكثر ثوابًا، وفي ذلك حث على الصدقة،
والسماح للمدين المعسر؛ لما فيه من
التعاطف والتراحم، وبر الناس بعضهم
ببعض، وفي الآية وجوب إنظار المعسر إلى
اليسار، وأفضل منه الإبراء.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إن رجلاً كان فيمن كان
قبلکم أتاه الملك ليقبض روحه، فقيل له:
٤٨
مُوسُوبَةُ الْبَشِير
بُوَيَـ
القرآن الكريم

الإنفاق
هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له:
انظر، قال: ما أعلم شيئًا غير أني كنت أبايع
الناس في الدنيا وأجازيهم فأنظر الموسر،
وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة)(١).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في
ظله)(٢).
٣. القرض الحسن.
ومن أبواب صدقة التطوع القرض
الحسن، بأن يقرض المسلم أخاه المسلم
إذا علم حاجته، والقرض يعد من أبواب
الخير والمعروف الذي يساهم في تفريج
الكربات، وتخفيف الهموم، ويعد من أبواب
صدقة التطوع؛ لأن المسلم استفاد من المال
في تلك المدة التي اقترض فيها.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (من أقرض ورقًا مرتين كان كعدل
صدقة مرة)(٣)
بل قد يكون القرض أفضل من الصدقة؛
لأن صاحب القرض لا يأتي إلا وهو محتاج،
وأما الصدقة فربما وضعت في يد غني.
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب ما
ذكر عن بني إسرائيل ٣/ ٣٢٦٦،١٢٧٢.
(٢) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب حديث
جابر الطويل وقصة أبي اليسر ٢٣١/٨،
٧٧٠٤.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣٥٣/٥،
وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم
٦٠٨٠.
وقد قال الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى
يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُنَدِفَهُ لَهُو أَضْعَافًا
كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وقد ذكر الله هذه الآية في كتابه مرارًا
مبينًا فضل القرض وثوابه، وأنه سبحانه
متكفلٌ بالأجر العظيم، والثواب الكبير لمن
أقرض الله قرضًا حسنًا، وإن كان معنى
القرض هاهنا عموم الصدقة لوجه الله إلا
أنه يدخل فيه: ما يعطيه الإنسان من ماله
لغیره علی أن یقوم برده إليه.
ثالثًا: الإنفاق المذموم:
ومن أنواع الإنفاق المذكورة في القرآن
الكريم الإنفاق المذموم، ومنه إنفاق الأموال
في الصد عن سبيل الله، كما وقع من كفار
قریش یوم بدر ویوم أحد ويوم الأحزاب،
فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على
الجيش لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم،
والصد عن سبيل الله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَّرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
أي: إن الذين جحدوا وحدانية الله،
وعصوا رسوله، ينفقون أموالهم فيعطونها
أمثالهم من المشركين وأهل الضلال؛
ليصدوا عن سبيل الله، ويمنعوا المؤمنين
www. modoee.com
٤٩

حرف الألف
عن الإيمان بالله ورسوله، فينفقون أموالهم
في ذلك، ثم تكون عاقبة نفقتهم تلك ندامة
وحسرة عليهم؛ لأن أموالهم تذهب ولا
يظفرون بما يأملون من إطفاء نور الله،
والصد عن سبيله، ثم یهزمهم المؤمنون آخر
الأمر، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون
فیعذبون فيها.
والآية وإن نزلت في أهل بدر إلا أنها
-كما قال ابن كثير - عامة، وإن كان سبب
نزولها خاصًا، فقد أخبر تعالى أن الكفار
ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق
الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم
﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: ندامة؛
حيث لم تجد شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء
نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق،
والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر
دینه ومعلن کلمته، ومظهر دينه علی کل
دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في
الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى
بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم
أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب
السرمدي(١).
حاله من الذين ينفقون أموالهم ليصدوا
عن سبيل الله، فأخبر الله تعالى أنها ستعود
علیهم بالحسرة، وأنهم سينفقونها لتضيع في
النهاية وليغلبوا هم، وينتصر الحق في هذه
الدنيا، وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم
فتتم الحسرة الكبرى، حيث يجمع الله
الخبيث على الخبيث فيلقي به في جهنم،
وتلك غاية الخسران.
والتعبير القرآني يجسم الخبيث حتى
لكأنه جرم ذو حجم، وكأنما هو كومة من
الأقذار، يقذف بها في النار دون اهتمام ولا
اعتبار!
فما أعظمها من حسرة! فإنفاق الأموال
هدرًا، وانقلابها حسرة وغلبة من دواعي
الهم والغم أن ينفق الإنسان ماله لهدف من
الأهداف، ثم يكون الفشل بضياع المال دون
تحقيق الغاية، ومما يزيد الأمر مرارة أن
ینقلب هذا الإنفاق حسرة علیھم، ليس ذلك
فحسب، بل تكون الهزيمة والغلبة عليهم
أيضًا، بالإضافة إلى العذاب الأخروي، وهو
الحشر إلى جهنم ليذوقوا العذاب.
فهو وعيدٌ يتلوه وعيد، أربعة تهديدات
متتالية لأولئك الذين ينفقون الأموال لأجل
الصد عن سبيل الله، إنها قضية قديمة حديثة،
فالكفار في زماننا ومن والاهم ينفقون
والآية واردة في مقام الإنذار لمن هذا الأموال والثروات لأجل محاربة الإسلام
والمسلمين، فسينفقونها ثم تكون عليهم
حسرة ثم يغلبون، ثم إلى جهنم يحشرون،
هكذا أخبر الله تعالى .
والإنفاق في الصد عن سبيل الله مستمر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥٣.
جَوَبوسة النسبية الموضـ
القرآن الكريم
٠

الإنفاق
في كل زمان، ومنه الإنفاق على الفتنة حصول المقصود من المباينة.
والفساد والكبائر كلها، وإغواء عباد الله
بأنواع من الفتن، كمن يطلق قنوات فضائية
غنائية وغير غنائية، فيها الفحش والتعري،
أو فيها الدعوة إلى تقليد الأعداء، والسير
في ركابهم، وفيها تخدير العقول، وتعطيل
الطاقات، والإعجاب بالأعداء وبعاداتهم
وتقاليدهم، ونزع حاجز العداوة الذي
بيننا وبينهم، أو في نشر البدع والضلالات
والسحر والشعوذة، فكل من أنفق هذه
الأموال في هذه المنابر هو من الصادين
عن سبيل الله، وكذلك من يقومون بالدعاية
لها، أو الترويج لها، ببيع أو تسويق ونحوها،
نسأل الله أن یکف أذاهم عن المسلمين.
ونلحظ في هذه الآية أن الله سبحانه
وتعالى أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز،
فقال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ أي: سيقع منهم هذا
الإنفاق ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ كما وعد الله به، في
مثل قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِ﴾
[المجادلة: ٢١].
وأتى بصيغة المضارع في ﴿يُفِقُّونَ﴾
للإشارة إلى أن ذلك دأبهم، وأن الإنفاق
مستمر لإعداد العدد لغزو المسلمين
وصرفهم عن دينهم، فإنفاقهم حصل في
الماضي ويحصل في الحال والاستقبال،
وأشعرت لام التعليل بأن الإنفاق مستمر؛
لأنه منوط بعلة ملازمة لنفوسهم وهي بغض
الإسلام، وصدهم الناس عنه.
و ﴿أَمْوَلهُمْ ﴾ جمع مضاف، يجعله من
صيغ العموم، فكأنه قيل: ينفقون أموالهم
كلها مبالغة، وإلا فإنهم ينفقون بعض
أموالهم، والفاء في ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾ تفريع
على العلة؛ لأنهم لما كان الإنفاق دأبهم
لتلك العلة المذكورة كان مما يتفرع على
ذلك تكرر هذا الإنفاق في المستقبل، أي:
ستكون لهم شدائد من بأس المسلمين
تضطرهم إلى تكرير الإنفاق على الجيوش
لدفاع قوة المسلمين.
وضمير (ينفقونها) راجع إلى الأموال
لا بقيد كونها المنفقة، بل الأموال الباقية،
أو بما يكتسبونه ... ، وأسندت الحسرة إلى
الأموال؛ لأنها سبب الحسرة بإنفاقها، ثم
إن الإخبار عنها بنفس الحسرة مبالغة،
مثل الإخبار بالمصادر؛ لأن الأموال سبب
التحسر لا سبب الحسرة نفسها، وهذا إنذار
كما أن ظاهر قوله: ﴿إِلَى جَهَنَّمَ
يحشرُونَ ﴾ يفيد أنه لا یکون حشرهم إلا
إلى جهنم؛ لأن تقديم الخبر يفيد الحصر،
ومعنى: ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين إما التراخي
في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين
ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما
التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائل فيما
www. modoee.com

حرف الألف
أنفقوا لأجله؛ لأن المنفق إنما يتحسر ويندم الخبيئة بعضها إلى بعض، فيلقيها في جهنم،
ویعذبهم بها.
إذا لم يحصل له المقصود من إنفاقه، ومعنى
ذلك أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلبون، فقد
أنفقوا بعد ذلك على الجيش يوم أحد ... ، ثم
أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا المدينة،
ثم انصرفوا بلا طائل، فكان إنفاقهم حسرة
عليهم، وقوله: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ارتقاء في
الإنذار بخيبتهم وخذلانهم؛ فإنهم بعد أن
لم يحصلوا من إنفاقهم على طائل، توعدوا
بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن غلبوهم
أيضًا يوم بدر، وهو إنذار لهم بغلب فتح
مكة، وانقطاع دابر أمرهم، وإسناد الفعل
إلى المفعول لكون فاعل الفعل معلومًا
بالسیاق، فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غیر
المسلمين (١).
ثم قال الله: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ﴾ أي: الفريق
الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من
المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه
على بعض فيركمه جميعًا، وهو عبارة
عن الجمع والضم، حتى يتراكموا، يعني:
لفرط ازدحامهم، وقوله: (أولئك) إشارة
إلى الفريق الخبيث، والمراد بالخبيث:
نفقة الكافر على عداوة محمد، وبالطيب
جهاد الكفار، كإنفاق
نفقة المؤمن في
أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه
الصلاة والسلام، فیضم تعالی تلك الأمور
والمقصود أن من الإنفاق المذموم ما
أنفقه الكفار يوم بدر في الصد عن دين الله،
وليس هذا الذي حدث قبل بدر وبعدها
إلا نموذجًا من الأسلوب التقليدي لأعداء
هذا الدين، إنهم ينفقون أموالهم، ويبذلون
جهودهم، ویستنفدون کیدهم في الصد عن
سبيل الله، وفي إقامة العقبات في وجه هذا
الدين، وفي حرب العصبة المسلمة في كل
أرض وفي كل حين، فالمعركة لن تكف،
وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة، ولن
يتركوا أولياء هذا الدين في أمن، فالصد عن
سبيل الله معركة متجددة، وعداوة باقية،
وأسلوبٌ متواصّى به، عودي به الأنبياء
أزمانًا، واشتكى الصالحون منه دهورًا
﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:
٥٣].
والصد عن سبيل الله أيضًا قد يكون
عامًا، وذلك بالصد عن الدين كليةً، وقد
یکون الصد جزئیًا، وذلك بالصد عن بعض
تشريعات الإسلام، ومحاربتها ومنعها،
والتضييق على أهلها، كالحجاب والنقاب
والأذان وحلقات القرآن، فمن الناس من
يستغل كل إمكاناته العقلية وقدراته المالية
في تزیین الباطل وتلميعه بشتى ألوان الزينة
والإغراء، يريد إضلال الناس، وتجهيلهم
(١) انظر: التحرير والتنوير ١٧٥٧/١.
جَوَسُولَهُ النَّبـ
القرآن الكريم
٥٢

الإنفاق
وإبعادهم عن الهدى، ومن ثم فإن وجهه
يتمعر غضبًا حينما يرى كلمة الحق قد
أينعت وآتت أكلها، فلا يهدأ له بال، أو
يطمئن له حال، حتى يفسد تلك الثمار بكل
تشنج واضطراب.
وهؤلاء القوم مساكين يظنون أنهم
بكلمة عوراء أو عصا غليظة أو جحور
مظلمة سوف يقضون على شجرة التوحيد،
ويقطعون أغصان الفضيلة، وما دروا أن الله
متم نوره، ومظهر دینه، وناصر أولیاءه.
وقد أخبر الله أن هؤلاء لا يستفيدون
من بذلهم أموالهم في تلك الإنفاقات إلا
الحسرة والخيبة في الدنيا، والعذاب الشديد
في الآخرة؛ وذلك يوجب الزجر العظيم عن
ذلك الإنفاق الخبيث.
آداب الإنفاق
تحدث القرآن الكريم عن آداب الإنفاق،
وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أن يكون الإنفاق في سبيل الله:
حث الإسلام على الإنفاق، وأن
یکون في سبيل الله، في كثير من الآيات
والأحاديث؛ لأن الإنفاق في سبيل الله هو
نتيجة مباشرة للإيمان بالله، وعلامة على
عمق اليقين بالله، وبأنه واهب الحياة والغنى
والملك والهدى، وشخصية المسلم تتميز
بأنها معطاءة، وعطاؤها ليس من أجل شهرة
أو رياء، بل في سبيل الله، ووفق المنهاج
الذي رسمه لها الله.
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوَا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلِكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ
بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:
٤١].
وقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ
اللَّهِ ﴾ [التوبة: ٣٤].
والمراد بـ (سبيل الله) المعنى الأعم،
كما قال الحافظ ابن حجر، لا خصوص
القتال، وإلا لكان الذي ينفق ماله على
الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل
ونحوها دون خصوص القتال داخلًا في
www. modoee.com
٥٣

حرف الألف
دائرة الكانزين والمبشرين بالعذاب(١).
وعلى هذا فيدخل ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
كل نفقة ينفقها المسلم في أوجه الخير
المختلفة، بل حتى الزكاة فتدخل في ذلك،
قال ابن عثيمين: ((الأمر بالإنفاق في سبيل
الله؛ والزكاة تدخل في هذا الإنفاق، بل
هي أول ما يدخل؛ لأنها أوجب ما يجب
من الإنفاق في سبيل الله، وهي أوجب من
الإنفاق في الجهاد، وفي صلة الرحم، وفي
بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام))(٢).
وزعم بعض المعاصرين أن عبارة ﴿في
سپیلِ اللهِ﴾ إذا قرنت بالإنفاق كان معناها
الجهاد جزمًا، ولا تحتمل غيره مطلقًا(٣).
ويدل على ذلك أن هذه العبارة (أنفقوا في
سبيل الله) تذکر کثیرًا بعد الأمر بالجهاد،
فكأن المراد منه الإنفاق في الجهاد. وهو
زعم غير مبني على الاستقراء التام لموارد
الكلمة في الكتاب العزيز، وآيتا البقرة
والتوبة المذكورتان تردان علیه.
ففي قوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلٍ
اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
أي: في وجوه الخيرات الشاملة للجهاد
وغيره؛ ولأنه قد أطلق في قوله تعالى:
(١) فتح الباري ٣/ ١٧٢.
(٢) تفسير القرآن للعثيمين ٥/ ٢٤٦.
(٣) انظر: النظام الاقتصادي في الإسلام لتقي
الدين النبهاني ص ٢٠٨.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٥٤].
ولم يقل: في سبيل الله، كما في سائر
الآيات الأخرى.
فالظاهر: هو حمل قوله: ﴿فِي سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ على ما ينفق على الفقراء والمساكين
واليتامى وابن السبيل وصلة الرحم، وسائر
وجوه الخير والبر، ولكن إذا كان سياق
الآيات أو الآية في ذكر القتال وجهاد
الکافرین ترجح أن یکون المراد (في سبيل
الله) ما دل عليه السياق، فيحمل على إنفاق
الأموال في القتال في سبيل الله.
وفي قوله: ﴿فی سَبِيلِ اللهِ﴾ فيه إشارة
إلى الإخلاص في العمل، ويدخل في هذا
القصد والتنفيذ، أن يكون القصد لله، وأن
يكون التنفيذ على حسب شريعة الله؛ لأن
(في) للظرفية، والسبيل بمعنى الطريق،
وطريق الله: شرعه، والمعنى: أن هذا
الإنفاق لا يخرج عن شريعة الله، والإنفاق
الذي يكون موافقًا للشرع هو ما ذكره بقوله
تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ
يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:
٦٧].
ومعنی إنفاقهم في شرع الله: أن يكون
ذلك إخلاصًا لله واتباعًا لشرعه، فمن نوی
بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله، کرجل
أنفق في الجهاد، أو أنفق في الصدقة على
مُوسَوَرُ الْبَشِد
القرآن الكْرِيْمِ
٥٤

الإنفاق
المساکین، لكنه أنفق لیقال: إن فلانًا جواد،
أو إنه كريم، هذا ليس في سبيل الله؛ لأنه
مراءٍ، لم يقصد وجه الله عز وجل، ولم يرد
السبيل الذي يوصل إلى الله، ولا يهمه أن
يقبل الله منه أو لا يقبل، المهم عنده أنه يقال
عند الناس: إنه رجل کریم أو جواد.
وأما أن يكون على حسب شريعة الله، الخاص من المعنى العام السابق، وهذا
فإن أنفق في وجهٍ لا يرضى به الله، فلیس
في سبيل الله -وإن أخلص لله-، کرجل
ينفق على البدع یرید بذلك وجه الله، وهذا
كثير، كبناء الربط للصوفية المنحرفة، وبناء
البيوت للأعياد الميلادية، وبناء القصور
للمآتم، وطبع الكتب المشتملة على بدع،
هذا الإنسان قد يريد بذلك وجه الله، لكنه
خلاف شريعة الله، فلا يكون في سبيل
الله(١).
والمقصود أن ﴿فِي سَبِيلِ اَللَّهِ﴾ له
معنیان: معنی عام، يدخل ضمنه الصدقات،
وإعطاء المحتاجين، وصلة الأرحام، وتقوية
الضعفاء من الفقراء والمساكين، ورعاية
حقوق الأهل والأولاد وغير ذلك مما يتقرب
به إلى الله تعالى، ويدخل ضمنه الحقوق
الواجبة كالزكوات والأخماس، والإنفاق
على الحج والعمرة وأمثالها، ويدخل ضمنه
تشغیل الأموال بفتح مشاریع لیستفید الناس
من هذه المشاريع وغير ذلك.
(١) انظر: تفسير القرآن للعثيمين ٤/ ٣١٣.
والمعنى الثاني: معنى خاص، والمقصود
به الجهاد في سبيل الله، ويدخل فيه نصرة
دين الله، ومحاربة أعدائه، وإعلاء كلمته في
الأرض؛ حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين
کله لله.
والسياق هو الذي يميز هذا المعنى
المعنى هو الذي يجيء بعد ذكر القتال
والجهاد، مثل: ﴿قَتِلُواْ فِى سَبِيلِاللهِ﴾ و
﴿وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللّهِ﴾ ومن ذلك قوله
تعالى بعد آيات القتال في سورة البقرة:
﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوَّ بِأَيْدِيكُمْإِلَى النَُّكَةِ﴾
[البقرة: ١٩٥].
فالإنفاق هنا: إنفاق في نصرة الإسلام،
وإعلاء كلمته على أعدائه المحاربين له
الصادین عنه.
قال الطاهر بن عاشور رحمه الله:
((الإنفاق في سبيل الله بمعناه المشهور
وهو الإنفاق في عتاد الجهاد لم يكن إلا
بعد الهجرة، فإن سبيل الله غلب في القرآن
إطلاقه على الجهاد)» (٢).
وقال البغوي رحمه الله تعالى: ((قوله
تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أراد به الجهاد،
وكل خير هو في سبيل الله، ولكن إطلاقه
ينصرف إلى الجهاد)) (٣).
(٢) التحرير والتنوير ١ / ٥٤٥.
(٣) معالم التفسير، البغوي ١/ ٢١٥.
www. modoee.com

حرف الألف
ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد:
﴿وَمَا لَكُنْ أَلَّا نُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَّه ◌ِيَتُ السَّمُوَّتِ
وَاْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَتَلَّ أُوْلَيْكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ
وَقَالَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠].
فالسياق يدل على أن الإنفاق هنا للقروض، أو غير ذلك؛ لأن سبيل الله
كالإنفاق في الآية السابقة.
وفي سورة الأنفال قال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَمَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعَلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لًا
نُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فالمقام يدل بوضوح على أن سبيل الله
في الآية هو محاربة أعداء الله، ونصرة دين
الله، كما صرح بذلك الحديث الصحيح:
(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله)(١).
وهذا المعنى الخاص هو الذي يعبر
عنه أحيانًا بالجهاد والغزو، وتفسيره بنصرة
الإسلام أولى، وإلا لكان مضمون معنى:
﴿وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاهدوا في
الجهاد، ولا ينبغي قصر المراد من ﴿في
(١) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، باب من
قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ١٠٣٤/٣،
٢٦٥٥، ومسلم في الإمارة، باب من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا رقم ١٩٠٤.
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على الإنفاق لأجل الجهاد
فقط، وذلك لأن المراد منه مطلق سبيل
الله، سواء كان في الجهاد العسكري، أو
الجهاد الثقافي، أو الجهاد العمراني، أو
إعانة المحتاجين، أو بناء المستشفيات
والمستوصفات، أو تأسيس صندوق
طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما
یضاف إلی ما یوصل إليه، ولما علم أن الله لا
يصل إليه الناس إلا عبر الطريق الذي رسمه
وحدده، تعين أن يكون المراد من الطريق
العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو
مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد.
وقد عبر القرآن عن هذا المعنى في آية
أخرى بلفظ: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ، كما
قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ
أَبْتِغَاءُ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثَّبِينًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
كَمَثَلِ جَنَِّمْ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ
أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ
وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
فيقصد به طلبًا لمرضاة الله تعالى، كما
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((فإن ابتغاء
مرضاته سبحانه هو الإخلاص»(٢).
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية
الكريمة: ((يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿وَمَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ﴾ فيصدقون بها،
(٢) طريق الهجرتين ١/ ٥٤٦.
٥٦
القرآن الكريم

الإنفاق
ويحملون عليها في سبيل الله، ویقوون بها
أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في
سبیل الله، وفي غير ذلك من طاعات الله،
وطلب مرضاته))(١).
وجاء التعبير عن هذا المعنى في آية
أخرى بلفظ: (وجه الله) كما قال تعالى:
﴿إِنَّا تُطِعِمُّكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِدُ مِنْكُ جَزَّهُ وَلَا شُكُرًا ﴾
[الإنسان: ٩].
فقوله: ﴿إِنّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ بيان لشدة
إخلاصهم، ولطهارة نفوسهم، وهو مقول
لقول محذوف، أي: يقدمون الطعام لهؤلاء
المحتاجين، مع حبهم لهذا الطعام، ومع
حاجتهم إليه، ثم يقولون لهم بلسان الحال
أو المقال: إنما نطعمكم ابتغاء وجه الله
تعالی، وطلبًا لثوابه ورحمته.
فیحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم،
أو قالوه في نفوسهم، فهو عبارة عن النية
والقصد. أو هو بيان من الله تعالى عما في
ضمائرهم من الإخلاص؛ لأن الله تعالى
علمه منهم، فأثنى عليهم، وإن لم يقولوا
شيئًا، أي: قائلين بلسان الحال أو المقال؛
لإزاحة توهم المن المبطل للصدقة، وتوقع
المكافآت المنقصة للأجر، أو إنهم يقولون
ذلك لهم تأنيسًا لهم، ودفعًا لانكسار النفس
الحاصل عند الإطعام، أي: ما نطعمكم إلا
استجابة لما أمر الله، فالمطعم لهم هو الله.
(١) جامع البيان، الطبري ٥/ ٥٣٠.
وقوله: ﴿لَا تُرِدُ مِنْكُ جَزَّهُ وَلَ شُكُورًا﴾ أي:
لا نطلب على طعامنا مكافأة ولا ثناءً(٢).
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: ﴿إِنَّاتَخَافُ مِن
◌َّيِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَطَرِيرًا﴾ فهذه هي العلة والغاية
وهي خوفهم من هذا اليوم الموصوف بهذه
الصفات.
والقصر المستفاد من (إنما) قصر قلب،
مبني على تنزيل المطعمين منزلة من يضن
أن من أطعمهم يمن عليهم، ویرید منهم
الجزاء والشكر، بناء على المتعارف عندهم
في الجاهلية، والمراد بالجزاء: ما هو عوض
عن العطية من خدمة وإعانة، وبالشكور:
ذكرهم بالمزية(٣).
ثانيًا: ألا يتبع الإنفاق بالمن والأذى:
ومن آداب الإنفاق في سبيل الله ألا يتبع
المنفق نفقته بالمن والأذى، قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا
يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَّىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[البقرة: ٢٦٢].
ونظيره قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْصَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَئِ كَلَّذِى
يُنفِقُ مَالَهُ رِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ
اُلْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَصَابَهُ.
وَاِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ
(٢) البحر المديد ٦/ ٤٦٩.
(٣) التحرير والتنوير ١/ ٤٦٥٦.
www. modoee.com
٥٧

حرف الألف
مِمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْكَفِينَ ﴾
[البقرة: ٢٦٤].
فقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ ﴾ أي: لا يتبع نفقته
التي أنفقها منّا أو أذى. وعطف بـ(ثُمَّ﴾ إما
لبعد ما بين المنزلتين، أو للمهلة حقيقة،
ویکون فیه إشارة إلى أنھم یمنون بنفقة طال
أمدها، وداموا عليها، فأحرى أن لا يمنوا
بنفس الإنفاق(١)، ولأن ذكر المن والأذى
وإن كان متأخرًا عن الإنفاق إلا أن هذا الذكر
المتأخر يدل ظاهرًا على أنه حين أنفق ما
كان إنفاقه لوجه الله، بل لأجل الترفع على
الناس، وطلب الرياء والسمعة، ومتى كان
الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب.
وفيه إشارة على أن المن والأذى ولو
تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه،
ولم يحصل له مقصود الإنفاق، ولو أتى
بالواو، وقال: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا
وَلَآّ أَذَى﴾ لأوهمت تقييد ذلك بالحال،
وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلًا لأثر
الإنفاق، مانعًا من الثواب، فالمقارن أولى
وأحرى(٢).
وقوله: ﴿مَنَّا وَلَا أَذَى﴾ المن: أن يعتد
بإحسانه علی من أحسن إلیه، بحیث یقول:
أنا فعلت معه كذا وكذا، إظهارًا لميزته عليه،
والأذى: أن يتطاول عليه بذلك، ويقول:
لولا أنا لم يكن منك شيء مثلًا. ويقعان
بالقول والفعل.
ولكثرة وقوع المن من المتصدقين
وعسر تحفظهم منه أفرده بالذكر، وقدم على
الأذى، وإلا فالأذى يشمل المن وغيره،
وإنما نص عليه لكثرته.
وقد جعل ابن القيم المن نوعين، فقال:
((فالمن نوعان: أحدهما: منٌ بقلبه، من
غير أن يصرح به بلسانه، وهذا إن لم يبطل
الصدقة فهو من نقصان شهود منة الله عليه
في إعطائه المال، وحرمان غيره، وتوفيقه
للبذل، ومنع غيره منه، فلله المنة علیه من
كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة لغيره.
والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه،
فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه
أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقًّا وطوقه
منة في عنقه، فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا،
ویعدد أياديه عنده، قال سفيان: يقول:
أعطيتك فما شكرت، وقال عبد الرحمن
بن زيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا
شيئًا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه، فكف
سلامك عنه، وكانوا يقولون: إذا اصطنعتم
صنيعة فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة
فلا تنسوها ... ، وحظر الله على عباده المن
بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه؛ لأنه
من العباد تكدير وتعبير، ومن الله سبحانه
وتعالى إفضال وتذكير، وأيضًا فإنه هو
(١) تفسير ابن عرفة ١/ ٣٤٢.
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ١ / ٢٦١.
مُوسُوبَةُ النَّفِي
القرآن الكَرِيْمِ
٥٨

الإنفاق
المنعم في نفس الأمر والعباد وسائط، شعورًا، الإنفاق الذي ينبعث عن أريحية
ونقاء، ويتجه إلى الله وحده ابتغاء رضاه ... ،
فهو المنعم على عبده في الحقيقة، وأيضًا
فالامتنان استعباد، وكسر وإذلال لمن يمن
عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله ... ،
ومن هنا -والله أعلم- بطلت صدقته بالمن،
فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله،
وعوض تلك الصدقة عنده فلم یرض به،
ولاحظ العوض من الأخذ، والمعاملة عنه،
فمن علیه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله،
ومعاملته له»(١).
والمن عنصر کریه لئیم، وشعور خسیس
واطٍ، فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت
إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب، أو رغبة
في إذلال الآخذ، أو رغبة في لفت أنظار
الناس، فالتوجه إذن للناس لا لله بالعطاء،
و کلها مشاعر لا تجیش في قلب طيب، ولا
تخطر كذلك في قلب مؤمن، فالمن من
ثم يحيل الصدقة أذى للواهب، وللآخذ
سواء، أذى للواهب بما يثير في نفسه من کبر
ويفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه
المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب
المذكور هنا، في قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ
رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[البقرة: ٢٦٢].
وخيلاء، ورغبة في رؤية أخيه دليلا له کسیرًا
لديه، وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد
من الله، وأذى للآخذ بما يثير في نفسه
من انكسار وانهزام، ومن رد فعل بالحقد
والانتقام(٢).
وقد صرح تعالی بهذا المفهوم في قوله:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْصَدَقَتِكُمْ بِآلْمَنّ
وَاْلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وفي قوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْصَدَقَتِكُمْ﴾ دلالة
على أن حصول المن والأذى يخرجان
الإنفاق عن أن یکون فیہ أجر وثواب أصلًا
والحكمة من أن المن والأذى مبطلان
للصدقة لما فيه من جرح شعور المسكين، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن،
والشرع حريص على الحفاظ على شعور ولم ينفق لطلب رضوان الله ولا على وجه
وإحساس المسكين، بحيث لا يشعر بجرح القربة والعبادة، فلا جرم أن يبطل الأجر.
المسكنة، ولا ذلة الفاقة.
وفي الآية تحذير للمتصدق من هاتين
فالشرع يريد الإنفاق الطيب المحمود الصفتين الذميمتين؛ لأنهما مبطلتان لثواب
الذي يرفع المشاعر الإنسانية ولا يشوبها،
الإنفاق الذي لا يؤذي كرامة ولا يخدش
الصدقة، فإن قيل: ظاهر هذا اللفظ أن
مجموع المن والأذى يبطلان الأجر، فيلزم
(٢) انظر: في ظلال القرآن ١/ ٢٨٦ بتصرف يسير.
(١) التفسير القيم، ابن القيم ١/ ٢٦٠.
www. modoee.com
٥٩

حرف الألف
أنه لو وجد أحدهما دون الآخر لا يبطل ينفق ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس
الأجر، أجيب: بأن الشرط يقتضي أن لا
يقع هذا ولا هذا، أي: فتبطل بکل واحد
منهما (١).
الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله،
ثم ينزل المطر، فيزيل التراب، وتنكشف
حقيقته، ويراه الرائي عاريًا من أي شيء
يستره، وكذلك المنافق المرائي في إنفاقه
يتظاهر بمظهر السخاء أمام الناس، ثم لا
يلبث أن ينكشف أمره؛ لأن ثوب الرياء
یکشف دائمًا عما تحته، وإن لم یکشفه فإن
الله كاشفه.
وقد أفرد المن بالذكر في كلام النبي
صلى الله عليه وسلم في قوله: (ثلاثة لا
یکلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم،
ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) قال: فقرأها
رسول الله صلی الله علیه وسلم ثلاث مرار:
قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول
الله؟ قال: (المسبل، والمنان، والمنفق
.
سلعته بالحلف الكاذب)(٢).
وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ
فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ شبه المنان
بنفقته كمثل المنافق الذي ينفق ماله من
أجل الرياء لا من أجل رضا الله، وإن مثل
هذا المنافق في انكشاف أمره وعدم انتفاعه
بما ینفقه ریاء و حبًا للظهور مثل حجر أملس
لا ینبت شيئًا، ولکن علیه قليل من التراب
الموهم للناظر إليه أنه منتج، فنزل المطر
الشديد، فأزال ما عليه من تراب، فانكشف
حقيقته، وتبين للناظر إليه أنه حجر أملس
صلد، لا يصلح لإنبات أي شيء عليه.
فالتشبيه في الجملة الكريمة بين الذي
(١) تفسير السراج المنير ٣٩١/١.
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان غلظ
تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق
السلعة بالحلف ١/ ٣٠٦،٧١.
ومن المفسرين من يرى أن التشبيه
في الجملة الكريمة بين المنفق الذي
يبطل صدقته بالمن والأذى، وبين الحجر
الأملس، وأن الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ.
كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ يعود إلى هذا المبطل
لصدقته بالمن والأذى، فيكون المعنى: لا
تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، فيكون
مثلكم كمثل الحجر الأملس الذي عليه
تراب، کان یرجی أن یکون منبتًا للزرع، فنزل
المطر فأزال التراب فبطل إنتاجه، فالمن
والأذى يبطلان الصدقات، ويزيلان أثرها
النافع، كما يزيل المطر التراب الذي يؤمل
منه الإنبات من فوق الحجر الأملس.
والأظهر في عود الضمير في قوله:
﴿فَمَثَلُهُ﴾ على الذي ينفق ماله رئاء
الناس؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن التشبيه في
قوله: ﴿فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ قد جاء بلفظ
المفرد، وهو المناسب للذي ينفق ماله رئاء
٦٠
جوبي
القرآن الكريم

الإنفاق
الناس؛ لأنه مفرد مثله، بخلاف قوله:
نُبْطِلُواْصَدَ قَتِّكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فإن الضمير
فيه بلفظ الجمع، فمن الأولى أن يعود
الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ إلى المرائي
لتوافقهما في الإفراد (١).
ثم فاضل سبحانه وتعالى بين الكلمة
الطيبة والصدقة المؤذية، فأخبر أن كلمة
طيبة و قولًا حسنًا يواجه به الفقير والمسکین
خير من صدقة يتبعها أذى، فقال تعالى:
١٠ ,١٠ * ٠٠٠
﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا
أَذَّى﴾ [البقرة: ٢٦٣].
فالقول المعروف وهو الذي تعرفه
القلوب ولا تنكره، والمغفرة وهي العفو
عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى،
فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول،
والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة،
فهما نوعان من أنواع الإحسان والصدقة
المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها،
ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة،
ويدخل في المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد
منه بعض الجفوة، والأذى له بسبب رده
فيكون عفوه عنه خيرًا من أن يتصدق عليه
ويؤذيه، هذا على المشهور من القولين في
الآية.
والقول الثاني: أن المغفرة من الله أي:
مغفرة لكم من الله؛ بسبب القول المعروف
(١) الوسيط لسيد طنطاوي ١ / ٤٩١.
والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى،
وفيها قول ثالث- أي: مغفرة وعفو من
السائل إذا رد وتعذر المسئول خير من أن
ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى، وأوضح
الأقوال هو الأول، ويليه الثاني، والثالث
ضعيف جدًا؛ لأن الخطاب إنما هو للمنفق
المسئول لا للسائل الآخذ، والمعنى: أن
قول المعروف له، والتجاوز والعفو خير لك
من أن تتصدق عليه وتؤذيه(٢).
والحكمة من ذلك: أن الكلمة الطيبة
للسائل، والعفو عنه فیما صدر منه کل ذلك
یؤدي إلی رفع الدرجات عند الله، وإلى
تهذيب النفوس، وتأليف القلوب، وحفظ
کرامة أولئك الذین مدوا أیدیھم بالسؤال،
أما الصدقة التي يتبعها الأذى فإن إيتاءها
بتلك الطريقة یؤدي إلی ذهاب ثوابها، وإلی
زيادة الآلام عند السائلين، ولا سيما الذين
يحرصون على حفظ كرامتهم، وعلى صيانة
ماء وجوههم، فإن ألم الحرمان عند بعض
الناس أقل أثرًا في نفوسهم من آلام الصدقة
المصحوبة بالأذى؛ لأن ألم الحرمان يخففه
الصبر الذي وراءه الفرج، أما آلام الصدقة
المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس
الكريمة بالجراح التي من العسير التئامها
وشفاؤها.
وفي الآية دليل على أن الأعمال السيئة
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ٢٦٠/١.
www. modoee.com
٦١

حرف الألف
تبطل الأعمال الحسنة، كما قال تعالى: ثالثًا: الإنفاق في السر أولى، إلا أن
يكون قدوة لغيره:
﴿َلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
[الحجرات: ٢].
فكما أن الحسنات يذهبن السيئات،
فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات،
وفي هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَلَا ◌ُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
حث على تكميل الأعمال وحفظها من
كل ما يفسدها؛ لئلا يضيع العمل سدى(١).
والمقصود أن لقبول الصدقة شروطًا
سابقة، ومبطلات لاحقة؛ أما الشروط
السابقة فالإخلاص لله والمتابعة، وأما
المبطلات اللاحقة فالمن والأذى، وقد
امتدح الله في الآيات السابقة الذين ينفقون
في سبيله، ولا يتبعون ما أنفقوا منًا على من
أعطوه لا بقول ولا بفعل، ولا يفعلون مع من
أحسنوا إليه مكروهًا، يحبط به إحسانهم،
ووعدهم تعالى جزيل الثواب على ذلك،
ثم بين أن ترك المن والأذى بنفسه خير من
الإنفاق، وأن الواجب رد السائل ردًا جميلًا،
وهو المعروف، وعفوه أن صدر منه ما يثقل
عليه، وينال مغفرة الله بسبب ذلك.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١١٣/١.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم إنفاق
السر وإنفاق العلانية، وجعل کلیهما سلوكًا
عامًا للمؤمنين، ومدح كلا النوعين في سياق
واحد، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّاً وَعَلَانِيَةً
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَرَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤].
﴿وَلَِّنَ صَبَرُواْ أَبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ
وقال:
وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنَفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرّاً وَعَلَائِيَّةٌ
وَيَدْرَءُونَ بِالْخَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا
وَعَلَائِيَّةٌ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِ يَوْمٌ لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا
خِلَلُ﴾ [إبراهيم: ٣١].
وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا
يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا
فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرَّاً وَجَهْرًاٌ هَلْ يَسْتَوُنَ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:
٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ
اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ
سِرَّ وَعَلَانِيَةٌ يَرْجُونَ تَجَرَةً لَّنْ تَبُّورَ﴾
[فاطر: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ
مَوَسوبر النفسيةِ الوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٦٢

الإنفاق
فَنِعِمَّا هِىٌّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ وحده))(١). ويروى عن ابن عباس رضي الله
فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمَّ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن
سَيِّئَاتِكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [ البقرة:
٢٧١].
فهذه الآيات الكريمة تفيد أن الإنفاق في
كلا الحالين في السر وفي العلانية مشروع
ومحمود، وأن الصدقات في كل أحوالها
خيرٌ محضٍّ، ما دام المنفق قد خلص من
الرياء، وجانب المن والأذى، وإذا كان ثمة
تفاوت فهو في حال النفس، والاحتياط
للرياء، و سد مداخله.
إلا أن هناك تفصيلاً من ناحية أفضلية أي
منهما في أحوالٍ وظروفٍ معينة، ومنطلق
العلماء في مسألة تفضيل الإنفاق سرًا على
الإنفاق علانية أو العكس هو قوله تعالى:
﴿إِن تُبْدُوأُ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا فِىٌّ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَّ
وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
فذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه
الآية في صدقة التطوع، فالإخفاء فيها
أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات
الإخفاء أفضل في تطوعها؛ لانتفاء الرياء
عنها، وليس كذلك الواجبات، قال الحسن:
((إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوع
أفضل؛ لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به
عنهما أنه قال: ((جعل الله صدقة السر في
التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفًا،
وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من
سرها بخمسة وعشرين ضعفًا))(٢).
قال ابن العربي: ((أما صدقة الفرض فلا
خلاف أن إظهارها أفضل، كصلاة الفرض،
وسائر فرائض الشريعة؛ لأن المرء يحرز
بها إسلامه، ويعصم ماله) ثم قال في مسألة
صدقة النفل: ((والتحقيق فيها: أن الحال في
الصدقة تختلف بحال المعطي لها، والمعطى
إياها، والناس الشاهدين لها، أما المعطي فله
فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وآفتها
الرياء والمن والأذى، وأما المعطى إياها
فإن السر أسلم له من احتقار الناس له، أو
نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها، وترك
التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل
من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا
على المعطي لها بالرياء، وعلى الآخذ لها
بالاستثناء؛ ولهم فيها تحريك القلوب إلى
الصدقة، لكن هذا اليوم قليل))(٣).
وبعض العلماء يرى أن أفضلية إخفاء
الصدقة مقيدة بإيتاء الفقراء خاصةً لا في
كل الصدقات؛ تماشيًا مع منطوق الآية،
(١) الجامع لأحكام القرآن ٣٣٢/٣.
(٢) انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور
٢/ ٧٧.
(٣) أحكام القرآن ٣١٥/١.
www. modoee.com
٦٣

حرف الألف
يقول ابن القيم: ((تأمل تقييده تعالى الإخفاء النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم
محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في
بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: وإن تخفوها
فهو خيرٌ لكم، فإن من الصدقة ما لا یمکن
إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء
نهر، أو غير ذلك))(١).
مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق،
وبر قلوبكم، ويقين تقواكم، فيدخل في ذلك
إنفاق نفائس الأموال، والإنفاق في حال
الأفضل في الصدقات الواجبة الإظهار، وأما
في سائر الصدقات المندوية والمستحبة
فالأفضل فيها الإخفاء والإسرار، وهذا
في الأحوال العادية، أما في أحوالٍ أخرى
استثنائية، فيمكن النظر في المصلحة
المتحققة بين إخفاء أو إسرار الصدقة
الواجبة أو النافلة.
رابعًا: أن يكون المال المنفق منه من
الطيب:
ومن آداب الإنفاق في سبيل الله أن
يكون الإنفاق من الطيب، وقد حث القرآن
الكريم على الإنفاق مما يحبه الإنسان، فقال
تعالى: ﴿أَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَبُ
وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران:
٩٢].
فقوله: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ﴾ أي: تدركوا، وتبلغوا
البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات،
وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة
﴿حَقّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي: من أموالكم
(١) التفسير القيم للإمام ابن القيم ص ١٧٠.
والمقصود أن أكثر العلماء يرون أن حاجة المنفق إلى ما أنفقه، والإنفاق في
حال الصحة، ودلت الآية أن العبد بحسب
إنفاقه للمحبوبات یکون بره، وأنه ینقص من
بره بحسب ما نقص من ذلك (٢).
ولم يبين في الآية المنفق وإنما أبهمه،
فقال: ﴿مِمَّا ◌ُبُّونَ﴾ وسوغ هذا الإبهام
هنا وجود ﴿تُنفِقُوا﴾ إذ الإنفاق لا يطلق
على غير بذل المال ... ، والمال المحبوب
يختلف باختلاف أحوال المتصدقين،
ورغباتهم، وسعة ثرواتهم، والإنفاق منه،
فیکون التصدق من النفيس والذي یحب
دلیل علی سخاء لوجه الله تعالى، وفي ذلك
تزكية للنفس، وتنقية لها مما فيها من الشح،
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَّفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
وفي ذلك أيضًا صلاح عظيم للأمة؛ إذ
يجود أغنياؤها على فقرائها بما تطمح إليه
نفوسهم من نفائس الأموال، فتشتد بذلك
أواصر الأخوة، ويهنا عيش الجميع.
و(ما) في قوله: ﴿مَِّّا يُحِبُّونَ﴾
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
١٣٨/١.
جَوَسُ عَرَ النفسية الوضوء
القرآن الكريم
٦٤

الإنفاق
للتبعيض ... ، والظاهر: أن المحبة هنا هو الله، وبذلك المهج في سبيل الله.
ميل النفس، وتعلقها التعلق التام بالمنفق،
فیکون إخراجه على النفس أشق وأصعب
من إخراج ما لا تتعلق به النفس ذلك التعلق؛
ولذلك فسره الحسن والضحاك: بأنه
محبوب المال، كقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى
حُبٍِّ﴾ [الإنسان: ٨].
وقد روي عن جماعة أنھم لهذه الآية
تصدقوا بأحب شيء إليهم، فتصدق أبو
طلحة ببيرحاء، وتصدق زيد بن حارثة
بفرس له كان يحبها، وابن عمر بالسكر
واللوز؛ لأنه کان یحبه، وأبو ذر بفحل خير
إبله، ويبرنس (١) على مقرور(٢)، وتلا الآية،
والربيع بن خيثم بالسكر لحبه له، وأعتق
عمر جارية أعجبته، وابنه عبد الله جارية
كانت أعجب شيء إليه.
وقيل: معنى ﴿مِمَّا ◌ُُّونَ﴾ ما يكون
محتاجًا إليه. وقيل: كل شيء ينفقه المسلم
من ماله يطلب به وجه الله(٣).
والإنفاق من المحبوب يدخل فيه المال
وغيره، كبذل الجاه فى معاونة الناس، إن
صحبه الإخلاص، وكبذل البدن في طاعة
(١) البرنس: كل ثوب رأسه منه ملْتزق به، دراعةً
كان أو ممطرًا أو جبة. انظر: العين ٧/ ٣٤٣.
(٢) القر: البرد، يقال: يوم مقرور بارد، ورجل
مقرور أصابه البرد. انظر: المعجم الوسيط
٢/ ٧٢٥.
(٣) تفسير البحر المحيط ٣١٩/٣.
وإذا تأملت جميع الطاعات وجدتها
إنفاقًا مما یحب الإنسان، إما من ماله، وإما
من صحته، وإما من دعته وترفهه، وهذه كلها
محبوبات (٤).
ولما کان الإنفاق على أي وجه کان مثابًا
علیہ العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبًا
للنفس أم لا، وكان قوله: ﴿أَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّحَقّ
تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ مما يوهم أن إنفاق غير
هذا المقید غیر نافع، احترز تعالى عن هذا
الوهم بقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ
عَلِيمٌ﴾ فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه
علی حسب نیاتكم ونفعه.
الإنفاق من الطيب:
وأمر الله تعالى بالإنفاق من أطيب المال
وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة
المال و دنیئه و خبیثه، فإن الله طيب لا يقبل
إلا طيبًا، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ
وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وهو المعبر عنه بـ(الحسن) في قوله:
﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:
٢٤٥].
فقوله: ﴿أَنْفِقُواْ﴾ يشمل النفقة الواجبة
(٤) المحرر الوجيز ٤٦١/١.
www. modoee.com
٦٥

حرف الألف
والمستحبة، أما الواجبة وهي الزكاة، فيحمل ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب
والثمار والزروع وغيرها، وترك سبحانه ذكر
الأمر على الوجوب؛ إذ لا يصح دفع الرديء
فيها، وأما التطوع فعلى سبيل الكمال.
كلمة الطيبات في هذه الجملة لسبق ذكرها
في الجملة التي قبلها.
وقوله: ﴿مِن طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾
أي: من جيد ما كسبتم ومختاره، كذا قال
الجمهور، وقال جماعة: إن معنى الطيبات
هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين
جمیعًا؛ لأن جید الکسب ومختاره إنما يطلق
على الحلال عند أهل الشرع، وإن أطلقه
أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالًا
كان أو حرامًا، فالحقيقة الشرعية مقدمة على
اللغوية(١).
وأضاف سبحانه الكسب إليهم فقال:
﴿مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وإن كان هو
الخالق لأفعالهم؛ لأنه فعلهم القائم بهم،
وأسند الإخراج إليه فقال: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا
﴾ لأنه ليس فعلًا لهم ولا هو مقدور
لهم، فأضاف مقدورهم إلیھم، وأضاف
مفعوله الذي لا قدرة لهم علیه إليه، ففي
ضمنه الرد على من سوى بين النوعين،
وسلب قدرة العبد وفعله، وتأثيره عنها
بالكلية (٢).
وقوله: ﴿وَمِمَّآ أَخْرُجْنَالَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
معطوف على ما قبله، أي: أنفقوا من طيبات
أموالكم التي اكتسبتموها، ومن طيبات
(١) فتح القدير ٤٣٦/١.
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ١ / ٢٧١.
وخص سبحانه هذين النوعين، وهما
الخارج من الأرض، والحاصل بكسب
التجارة دون غيرهما من المواشي وغيرها،
إما بحسب الواقع، فإنهما كانا أغلب أموال
القوم إذ ذاك، فإن المهاجرين كانوا أصحاب
تجارة وكسب، والأنصار كانوا أصحاب
حرث وزرع، فخص هذين النوعين بالذكر
لحاجتهم إلى بيان حكمهما، وعموم
وجودهما، وإما لأنهما أصول الأموال،
وما عداهما فعنهما يكون، ومنهما ينشأ،
فإن الكسب تدخل فيه التجارات كلها على
اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس
والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات
والأمتعة، وسائر ما تتعلق به التجارة،
والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها
وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول
الأموال وأغلبها على أهل الأرض، فكان
ذكرهما أهم(٣).
وقد أكد الله تعالى هذا الأمر بجملتين
كريمتين، فقال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ
تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِشَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾
فقوله: ﴿وَلَا تَيَمِّمُواْ﴾ أي: ولا تقصدوا
(٣) التفسير القيم، ابن القيم ٢٧١/١.
مُوسُوبَةُ التَّفي
القرآن الكريم
٦٦