النص المفهرس

صفحات 21-38

البهل
من يشاء، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ(٣)﴾
[المنافقون: ٧].
فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها
أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت
مشيئتهم))(١).
فبعد هذا العرض يتبين لنا أن المنافين
من أشد الناس بخلًا على المؤمنين، وأن
سبب البخل عندهم هو: عدم الإيمان بالله
وحده، وعدم اليقين على لقائه يوم القيامة،
وكذلك الحسد الذي ملأ قلوبهم غيظًا على
المؤمنين، وكرهًا لهذا الدين العظيم، والله
أعلم.
٢. أشحة على الخير.
ليس بخل المنافقين منحصرًا فقط
على المؤمنين وعلى أنفسهم؛ بل بخلهم
شمل كل خير، يقول الله تعالى مبينًا ذلك:
﴿أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩].
(فهم مع ذلك أشحة على الخير، أي:
ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب
وقلة الخير))(٢).
قال السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير
هذه الآية: ((أشحة على الخير الذي يراد
منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون
شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه
في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٩١.
الله، أو يدعو إلى سبيل الله، شحيحا بجاهه،
شحيحًا بعلمه، ونصيحته ورأيه)»(٣).
ففي هذه الآية دليل واضح على أن
المنافقين من أشد الناس بخلًا، فهم ((بخلاء
على مشاريع الخير، وما ينفق في سبيل
الله، فلا ینفقون؛ لأنهم لا يؤمنون بالخلف
ولا بالثواب والأجر، وذلك لكفرهم بالله
ولقائه؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾
[الأحزاب: ١٩].
فسجل علیھم وصف الكفر، ورتب عليه
نتائجه)) (٤).
فقد بين لنا ربنا جل وعلا حجم البخل
والشح الذي وصل إليه المنافقون، وأن
شحهم عم الخیر کله، وسبب ذلك کله هو
عدم الإيمان برب العالمين، والحسد على
المؤمنين؛ ولذلك حذر الله المؤمنين من
أن یتصفوا بأخلاق المنافقین، فقال سبحانه:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَمَوَّلُكُمْ وَلَاّ
أَوْ لَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [المنافقون: ٩].
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((حذر
المؤمنين أخلاق المنافقين، أي: لا تشتغلوا
بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا- للشح
بأموالهم -: لا تنفقوا على من عند رسول
الله)) (٥).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦١.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٢٥٥.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ١٢٩.
www. modoee.com
٤٨٩

حرف الباء
فلا بد على المسلم أن يحذر من هذه
الصفات التي قد تؤدي بالإنسان إلى
الهاوية، نسأل الله تعالى العفو والعافية، في
الدنيا والآخرة.
الوقاية والعلاج من الشح
قد تقرر من خلال المبحث الثالث أن
البخل والشح طبيعة إنسانية! فهو موجود
إذن في كل أحد، ولكن المشكلة التي وقع
فيها البخلاء أنهم أطلقوا العنان لأنفسهم
حتى تزايد البخل فيهم فتمكن منهم، فهذا
هو السبب الداعي للذم الذي أصابهم، وهذا
ما سنحاول التكلم فيه عن طرق الوقاية منه
وعلاجه، لكيلا يصل المسلم إلى ما وصلوا
إليه.
إن البخل والشح من الأمراض القلبية
التي لا بد على المسلم أن يتجنبها ويبتعد
منها قدر الإمكان، ولذلك ذم الله في كتابه
من هي فيه، وحذر منها النبي صلى الله عليه
وسلم في سنته، ومدح الله ورسوله متجنبها،
ونحن في هذا المبحث سنتكلم بإذن الله
تعالى عن طرق الوقاية منها لمن لم يصب
بها، وطرق العلاج لمن أصيب بها، ولذلك
سنقسم هذا المبحث إلى قسمين:
القسم الأول: ذكر طرق الوقاية من البخل
والشح.
القسم الثاني: ذكر طرق العلاج من
البخل والشح.
وسنبدأ بذکر طرق الوقاية التي يسلكها
الشخص حرصًا منا على عدم تفشي هذا
المرض العضال الذي ذمه الله ورسوله،
٤٩٠
◌ُ الَّتِدُ
القرآن الكريم

البهل
فنقول وعلى الله نتكل:
أولًا: ذكر طرق الوقاية من البخل
والشح:
لقد مدح الله تعالى من وقى نفسه من
الشح فقال: ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ
مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى
صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١
[الحشر: ٩].
وقال جل في علاه: ﴿فَنَّقُوا اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ
وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[التغابن: ١٦].
١٦
وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم من
تصدق وهو شحیح کما عند البخاري ومسلم
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى
رسول الله صلی الله عليه وسلم رجل فقال:
يا رسول الله، أي الصدقة أعظم؟ فقال:
(أن تصدق وأنت صحیح شحيح، تخشى
الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت
الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا
وقد كان لفلان)(١).
(١) أخرجه البخاري ٢/ ١١٠، رقم ١٤١٩، كتاب
الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح،
ومسلم ٢/ ٧١٦، رقم ١٠٣٢، كتاب الزكاة،
باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح
الشحيح.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم كثرة
الشح دليل على فساد الزمان، وعلامة على
قرب الساعة، فقد جاء عند البخاري ومسلم
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتقارب
الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى
الشح، ويكثر الهرج) قالوا: وما الهرج؟ قال:
(القتل)(٢).
وقبل ذكر طرق الوقاية من البخل والشح
لا بد علينا من ذكر أسباب الوقوع في ذلك؛
لأنه إذا عرف الإنسان سبب المرض استطاع
أن یتجنبه.
١. أسباب الوقوع في البخل
والشح.
للبخل والشح أسباب توقع فيه ودواعي
تدعو إليه، وأهم هذه الأسباب:
١. عدم اليقين على رب العالمين.
إن عدم اليقين على رب العالمين سواء
بما أعده للمنفقین، أو بما عند الله من ثواب
الدنيا والآخرة، قد يكون هو الباعث على
البخل، والسبب في ذلك: أن من لم يتيقن
أن الله يبدل للعبد أكثر مما يعطي هذا العبد،
بل هو المعطي للعبد ابتداء من غير حول منه
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ١٤، رقم ٦٠٣٧، كتاب
الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره
من البخل، ومسلم ٤ / ٢٠٥٧، رقم ١٥٧
كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور
الجهل والفتن في آخر الزمان.
www. modoee.com
٤٩١

حرف الباء
ولا قوة، من لم یتیقن بذلك يبخل، لذلك
يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَعِلَ وَأَسْتَغْقَى )
وَكَذَّبَ يِاَ لْصُنْفَى لَ فَسَيَسْرُهُ لِلْعُسْرَى ) وَمَا يُغْنِى عَنْهُ
مَالَهُمْ إِذَا تَرَدَّقَ ١﴾ [الليل: ٨ - ١١].
فقد ربط في الآيات بين البخل
والتكذيب.
٢. نسيان العواقب المترتبة على الشح.
قد يكون نسيان العواقب والآثار المترتبة
على الشح سواء كانت دنيوية أو أخروية،
أو كانت على الفرد، أو على المجتمع
الإسلامي هي السبب في الوقوع في
الشح، فإن من نسي عاقبة الشيء الضارة،
وأثره المهلك، أو جهلها، فإنه يقع في هذا
الشيء وهو لا يدري بعواقبه، وسنتكلم على
عواقب الشح والبخل بالتفصيل في المبحث
القادم إن شاء الله تعالى.
٣. حب الدنيا وتوهم الفقر.
المؤدية إلى الشح، حیث یتوهم من ابتلي
بحب الدنيا أنه إذا أعطى فسيصبح فقيرًا
تعیسًا، وستضیع صحته وعافيته، وتذهب
مكانته وغناه ومنزلته بين الناس، وسيعيش
شقيًا ذليلًا أمامهم، ويعرض نفسه لما لا
تحمد عقباه من الأذی بکل صنوفه وأشكاله
المادية والمعنوية.
فلذلك یفکر أن من الخیر له أن يمسك
عن الإنفاق، وعن المعروف الذي سيقدمه
للناس؛ کي تدوم له دنياه، ناسیًا أو متناسيًا أن
الله يخلف على عبده، كما قال تعالى: ﴿قُلّ
إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ
لَهُ، وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفٌُ، وَهُوَ خَيْرُ
الزَّزِقِينَ ﴾ [سبأ: ٣٩].
ولعل هذا من بين الأسباب التي من أجلها
ذم الله عز وجل حب الدنيا، والمحبين لها،
إذ يقول الله سبحانه: ﴿كَلَّابَلْ تَحِبُّونَ الْعَامِلَةْ
٢٠
[القيامة: ٢٠٢١].
وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ(١)
ويقول سبحانه: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُمَا فِي
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اْأَرْضُِّ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ
مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ
اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَاْ أُوْلَئِكَ فِ ضَكَلٍِ
بَعِيدٍ ﴾﴾ [إبراهيم: ٢ - ٣].
٤. الواقع الذي يعايشه البخيل.
إن الواقع الذي يعيشه البخيل -سواء
حب الدنيا بزينتها وزخارفها من الأسباب كان البيت أو المجتمع - إذا كان هذا الواقع
معروفًا بالشح، ولم تكن لدى هذا الشخص
المناعة الكافية، قد يتأثر بهذا الوقع المر،
وتنتقل عدواه إليه، فيبخل بكل ما لديه من
مال أو غيره، سواء كان في يده أو في يد
غيره؛ ولهذا المعنى وغيره أكد الإسلام على
ضرورة نظافة وطهارة واستقامة المجتمع
المسلم، والحفاظ عليه من الآفات.
٥. إهمال الإنسان عن مجاهدة نفسه.
بسبب إهمال الإنسان نفسه عن المجاهدة
٤٩٢
القرآن الكريم

البهل
قد يقع في الشح دون أن يعلم، والسبب في فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ
ذلك: أن من طبيعة الإنسان أنه مجبول
بفطرته على الشح كما بينا سابقًا، كما قال
سبحانه: ﴿وَأَحْضِرَتِ آلْأَنفُسُ الشَّخِ﴾ [النساء:
١٢٨].
حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ
كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ
وَإِنَّهُ, عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ
اْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العاديات: ٦ - ٨].
فقد يستسلم الإنسان لفطرته دون أية
مجاهدة، فیقع في الشح ویتمکن منه،
ويصعب عليه بعد ذلك علاجه.
٦. الکبر والحقد.
قد يكون الكبر والحقد من أسباب
الوقوع في الشح، والسبب في ذلك: أن
المتکبر یری نفسه فوق الناس، وذلك بسبب
اتباعه هواه، ووسوسة نفسه الأمارة بالسوء
له، وطاعته لشياطين الجن والإنس، فيزينون
له: ألا يعطي مما عنده شيئًا للآخرين؛ لأنهم
هم المطالبون بخدمته وقضاء حوائجه، لا
أن یکون هو في خدمتھم وحاجتهم، وحينئذ
يقع في آفة الشح، والعياذ بالله.
وكذلك الحقد من بين الأسباب التي
توقع في الشح، لأن المرء إذا كان حاقدًا على
غيره فإنه سيسعى جاهدًا ألا ينفعه بنافعة من
نفس، أو مال، أو هما معا، وهذا أمر بديهي،
فقد أشار إليه ربنا جل وعلا في كلامه حین
تحدث عن موقف الأنصار من المهاجرين
فقد بين سبحانه وتعالى في هذه الآية أن
الذي حمل هؤلاء الأنصار على التضحية
التي وصلت إلى حد الإيثار، إنما هو الإيمان
بالله، مع سلامة الصدر من الأحقاد، والذي
أثمر المحبة والمودة والموالاة.
٢. طرق الوقاية من البخل والشح.
وبعد أن تكلمنا عن أسباب البخل ننتقل
إلى طرق الوقاية من البخل والشح، ویمکن
تلخيصها في التخلص من الأسباب الجالبة
للبخل، ونذكر منها الآتي:
١. الإيمان الصادق واليقين الجازم على
رب العالمين.
إن اليقين على رب العالمين سواء بما
أعده للمنفقين، أو بما عند الله من ثواب
الدنيا والآخرة؛ مما يقي الإنسان من البخل،
وكذلك اليقين بأن الرزق بيد الله.
يقول الله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْوَمَا
تُؤْعَدُونَ ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ، لَحَقٌ مِثْلَ
﴾ [الذاريات: ٢٣،٢٢].
مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ( ٢)
﴿ وَمَا مِن دَآَبَّةٍ
ويقول سبحانه:
فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلّ فِي كِتَبٍ ◌ُبِينٍ
www. modoee.com
٤٩٣

حرف الباء
[هود: ٦].
وكذلك اليقين بأن الله سيخلف على
المنفق ما أنفقه، وأن ما عند الله خير وأبقى.
يقول تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِينَ ﴾ [سبأ:
٣٩].
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُوْتِلْتُمْ مِن شَىْءٍ فَمَتَعُ
اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاَ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَّ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ
(٦٠) ﴾ [القصص ٦٠].
فإن من تيقن ذلك لن يبخل في أن ينفق
مما آتاه الله تعالى.
٢. تذكر العواقب المترتبة على الشح.
عندما يتذكر المسلم العواقب المترتبة
على البخل والشح والآثار السيئة، وما
سيحصل للبخيل في الدنيا والآخرة،
سيخشى من الوقوع في هذا الخلق الذميم
فیسعی لتجنبه.
٣. عدم التعلق بالدنيا وزينتها.
وذلك بأن یعلم أن الله کتب على الدنيا
الفناء، وعلى الآخرة البقاء، وسيجزي كل
إنسان بما یسعی، ولا يظلم ربك أحدا.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوِيْتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَحُ
اَلْحَيَوِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفْلاَ
تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [القصص ٦٠].
٤. مجاهدة النفس في دفع الشح عنها.
إن المسلم لا بد عليه أن يسعى لدفع
الشح عن نفسه، وعليه أن يتذكر فضل من
وقى عن نفسه الشح.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ.
﴾ [الحشر: ٩].
فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))
وعليه أن يسعى لإصلاح المجتمع من
حوله، وذلك بإصلاح أهله ومن يعول؛ لكي
ينجو المجتمع كله من هذا المرض الذي
يميت القلوب قبل موت الأبدان.
٥. تذكر فضل الإنفاق في سبيل الله
وأجره.
يقول الله تعالى: ﴿وَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الرَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرًّا حَسَنَا وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُر ◌ِّنْ
غَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرً وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهُ
جمــ عم ـ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المزمل: ٢٠].
فمن تذكر ذلك الفضل والأجر لن يبخل
بشيء.
٦. الاهتمام بإصلاح القلوب من الكبر
والحقد والحسد وغيرها.
فمن اهتم بإصلاح قلبه من أمراض
القلوب الخبيئة سهل عليه أن يتحرر بعد
ذلك من الشح، بل سيصل إلى الإيثار في
أسرع وقت ممكن، فإن الشح يعتبر ثمرة من
ثمرات أمراض القلوب الخبيثة.
وَالَّذِينَ
يقول الله تعالى عن الأنصار:
تَّبَوَّهُ و الدَّارَ وَاُلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّاً
أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَكَ هُمُ
٤٩٤
جَوَسُبْ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الجهل
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
ولم يحصل منهم ذلك إلا بعد أن طهروا
صدورهم من الأمراض.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ
وقد قال الله تعالى:
وَلَا بَنُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
ثانيًا: ذكر طرق العلاج من البخل
والشح:
بعد أن تكلمنا عن أسباب البخل، وأهم
طرق الوقاية منه لمن لم يصب به، وجب
علينا أن نذكر أهم طرق العلاج لمن ابتلاه
الله به، وأراد التخلص منه؛ ليصبح من
السهل عليه أخذ الدواء بعد أن علم الداء،
ويسعى إلى الشفاء بإذن الله تعالی.
لقد أبدى القرآن الكريم وأعاد في معالجة
مشكلة البخل التي تنخر في جسد المجتمع
المسلم، ونوع في أساليب تلك المعالجة
ما بين ترغيب وترهيب، فإليك السبل ومن
ذلك ما يلي:
١. مدح المنفقين والمتصدقين.
فقد مدح الله أبا بكر الصديق رضي الله
عنه بکرمه، وإنفاقه في سبيله، وفكه للعاني،
وبذله ماله لله تعالى بقوله سبحانه وتعالى:
وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى ◌َ الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّّى
وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نَّعْمَةٍ تُجْرَ (١) إِلَّا أَبْغَ
١٨
وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىِ ، وَكَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ [الليل: ١٧
- ٢١].
وقد قال سبحانه في مدح من وقى نفسه
من الشح: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُخَّنَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن: ١٦].
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو
وقال جل وعلا:
الدَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّاً
أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
٢. ترتيب الثواب العظيم للمنفقين
والمتصدقین.
﴿وَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ
يقول سبحانه:
أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ
سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ
لِمَن يَشَآءٌ وَاللّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ
مَنَّا وَلَا أَذَىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٢ ﴾ [البقرة: ٢٦١ -
٢٦٢].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِنَّاً وَعَلَانِيَةً
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ
وَلَاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٧)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
٣. حث المؤمنين على الإنفاق.
يقول تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ
مِمَّا رَزَّقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِ يَوْمٌ لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا
www. modoee.com
٤٩٥

حرف الباء
◌َُّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظََّلِمُونَ ﴾
[البقرة: ٢٥٤].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وقال سبحانه:
أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ
وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍّ وَأَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهُ غَفِىُّ حَمِيدُ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمٍ بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً
مِنْهُ وَفَضْلاً وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ()﴾ [البقرة:
٢٦٧ - ٢٦٨].
وقال عز وجل: ﴿وَمَا لَكُنْ أَلَّا نُنْفِقُواْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَللَّهِ مِيَرَثُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا يَسْتَوِى
مِنْكُ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَكَ أَعْظَمُ
دَرَجَةٌ مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ
اَللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مَن ذَا
الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَِفَهُ لَهُ, وَلَّهُ، أَجْرٌّ
كَرِيمٌ ﴾ [الحديد: ١٠ - ١١].
وقال جل وعلا: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمُ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ
وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
١)﴾ [التغابن: ١٦].
٤. الوعد بالخلف على المنفق.
من أساليب القرآن أيضًا في علاج هذه
الظاهرة هى: وعد المنفق بالخلف، وإقناعه
بأن ما ينفقه من مال هو لنفسه، وأنه لا ينقص
من ماله شيئًا، بل قد يزيده، ويبين القرآن
للمنفق بأن ما عند الله خير مما أنفق، وأبقى،
قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ، وَمَا أَنفَقْتُم مِّن
شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَبْرُ الزَّزِقِنَ ١
[سبأ: ٣٩].
ويقول تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ
فَلِأَنْفُسِكُمّْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَآءَ
وَجْدِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ()
[البقرة: ٢٧٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُوِيْتُمْ مِن شَىْءٍ فَمَتَحُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاَ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ
﴾ [القصص ٦٠].
٦٠
فمن استشعر أن ما عند الله من الأجر
والثواب، والنعيم المقيم، وأنه خير مما ينفقه
العبد آناء الليل وآناء النهار، فإنه سيسعى
لعلاج نفسه من البخل.
٥. توجيه نظر الإنسان إلى أن المال ملك
الله تعالى، وإنما الإنسان خليفة فيه.
ومن أساليب القرآن كذلك أنه جعل
الإنسان يوجه نظره إلى النعم التي أنعم الله
بها علیه من مال وغیره على أنها ليست ملكًا
له حتى يمنعها عن عباد الله، وإنما هي ملك
لله، وهو أمين أو خازن فقط على هذه النعم،
ومن واجب الأمين أو الخازن: أن يتصدق
وفق مراد صاحب النعمة، وقد دعا صاحب
النعمة إلى إنفاقها على عباده، وفي مرضاته.
يقول الله تعالى: ﴿مَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيَّةٍ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
٤٩٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البهل
﴾ [الحديد: ٧].
مِنْكُمْ وَأَنْفَقُواْ لَمْ أَبْرُ كِيْرٌ
٦. جعل الزكاة ركن من أركان الإسلام.
يقول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قال الرازي: ((اقتضت حكمة الشرع
تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من
يده؛ ليصير ذلك الإخراج: كسرًا من شدة
الميل إلى المال، ومنعًا من انصراف النفس
بالكلية إليها. وتنبيها لها على أن سعادة
الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب
المال، وإنما تحصل بإنفاق المال في طلب
مرضاة الله تعالی.
فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة
مرض حب الدنيا عن القلب، فالله سبحانه
أوجب الزكاة لهذه الحكمة، وهو المراد من
قوله: ﴿خُذُّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم
بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
أي: تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في
طلب الدنيا))(١).
٧. إيراد القرآن لبعض قصص وأخبار أهل
الكرم والجود من البشرية.
من ذلك ما أورده الله تعالى من قصة
نبيه إبراهيم عليه السلام وإكرامه لأضيافه،
فقال سبحانه: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ
الْمُكْرَمِينَ ® إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ
سَلَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٥) فَرَاغَ إِلَّ أَهْلِهِ، فَجَآءُ بِعِجْلِ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ٧٧.
سَمِينٍ ٦ فَقَرَّهُهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ
[الذاريات: ٢٤ - ٢٧].
٢٧
فبمطالعة قصص وسير الكرماء، ولا
سيما سيرة نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم، وسير الصحابة والتابعين، وقصص
أبناء أمتنا المسلمة المعروفين بالكرم وهم
كثر، فبمطالعة أخبار هذا الصنف من البشر
سیکون له دور كبير في تحريك الأشحاء
من داخلهم، علهم یتوبون أو یذکرون، قال
تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ
الْأَلْبَبُ ﴾ [يوسف: ١١١].
٨. حث المسلم على التوسط في الإنفاق.
أي: بلا إفراط ولا تفريط (٢)، وبإعطاء
كل ذي حق حقه، فقلیل دائم خیر من کثیر
منقطع، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا
◌َّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ
[الإسراء:
الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا )
٢٩].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ((يقول
تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذامًا للبخل
ناهيا عن السرف: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى
عُنُفِكَ﴾ أي: لا تكن بخيلًا منوعًا، لا تعطي
أحدًا شيئًا.
(٢) قال الزمخشري رحمه الله تعالى: ((وقيل:
الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، فأما
في القرب فلا إسراف، وسمع رجل رجلًا
يقول: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف
في الخير)). الكشاف ٣/ ٢٩٣.
www. modoee.com
٤٩٧

حرف الباء
وقوله: ﴿وَلَا نَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ أي:
ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك،
وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا
محسورًا.
وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد
إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك
ویستغنون عنك، ومتی بسطت يدك فوق
طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون
كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن
السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا، فإنها تسمى
الحسير)) (١).
ولذلك يقول الرحمن ممتدحًا عباده:
﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان:
٦٧].
٩. ذم البخل وأهله.
سواءً ذمه الله ورسوله أم ذمه الناس وعابوه،
فکیف بشيء یذمه الله ورسوله و کل الناس
ممن سلمت فطرتهم؟! والمتأمل للقرآن
الكريم يجد أن الخطاب القرآني لعباده
المؤمنين يصور لهم البخل والشح دائمًا
في قالب الذم، ولم تأت آية أو إشارة في
آیة تمدح البخل أو تزینه، وهذا امرٌ واضح
وبين في كتاب الله تعالى، ويكفي في ذمه
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥ / ٧٠.
ءَاتَّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّلَهُمّ
سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخْلُواْ بِ يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠
[آل عمران: ١٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِتُّهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِيدُ
﴿٢ أَلْقِيَا فِى جَهَمُّ كُلّ كَفَّارٍ عَنِيْدٍ ) مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ
مُعْتَدٍ قُرِبٍ ﴾ [ق: ٢٣ - ٢٥].
ففي هذه الآية ذم الله المانع للخير بصيغة
المبالغة.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
مُخْتَالا فَخُورًا (٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ
ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧].
(فـ ﴿اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: بدل من قوله:
﴿مَن كَانَ تُخْتَالًا فَخُورًا ﴾، والمعنى:
إن الله لا یحب من کان مختالًا فخورًا، ولا
فعادة الناس دائمًا النفور من المذموم يحب الذين يبخلون))(٢).
وقال عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَحِلَ وَأَسْتَغْفَى
٨
وَكَذَّبَ بِاْسُنْنَى ل فَسَنْيَسِرُ لِلْمُسْرَى ) وَمَا يُغْنِى عَنْهُ
[الليل: ٨ - ١١].
مَالُهُ جِإِذَا تَرَدَّىَ (١)﴾
١٠. الخوف مما يقع على البخيل من
العقاب الأخروي.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَآءَاتَنَّهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ- هُوَ خَيْرُلُّ بَلْ هُوَ شَرّ
لَمُّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةُ﴾ [آل
عمران: ١٨٠].
(٢) مفاتيح الغيب، ١٠ / ٨٧.
٤٩٨
مُؤَنُوابَرُ الْبَّقُ
القرآن الكريم

البهل
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُّونَهَا فِ سَبِيلٍ
اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيٍ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ وَتُهُورُهُمِّ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْفِرُونَ .
[التوبة: ٣٤ - ٣٥].
١١. عدم طاعة البخلاء، أو التشبه بهم.
فلقد حذر الله رسوله من طاعة البخلاء
بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ) هَازٍ
مَّشَّلِ بِنَّمِيمٍ آ مَنَّاعِ لِلْغَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيرٍ ﴾
[القلم: ١٠ - ١٢].
ى سبحانه: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَاضَرَبُوا
فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ
وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِ قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ
يُحِ، وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [آل
عمران: ١٥٦].
فقد نهى الله المؤمنين عن مشابهة الذين
كفروا في البخل بأنفسهم عن الجهاد في
سبيل الله.
فعدم مصاحبة البخلاء والابتعاد عنهم،
والذهاب إلى المجتمع المعروف بالسخاء،
يحمل الشحيح على الاقتداء والتأسي، أو
على الأقل التشبه.
١٢ . النظر في آيات وأحاديث فضل الإنفاق،
والحض على الصدقة.
النظر في فضل الإنفاق من كتاب الله
عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه
وسلم؛ لكي تتعظ النفوس بما فيهما، ولكي
تقف على أخبار وجزاء المنفقين، وأخبار
وعاقبة البخلاء، كما في سورة القلم من قصة
أصحاب الجنة.
يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا
اُلَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنَّاً وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمِنْ
خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَأْ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهُ
عم حسن
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ؟
[المزمل: ٢٠].
٢٠
وقد كان من هدي نبينا محمد صلى الله
عليه وسلم كثرة الإنفاق من النعم التي أنعم
الله بها عليه من مال أو غيره، وكان من أشد
الناس حرصًا على إنفاقها في مرضاة الله عز
وجل دون بخل أو شح.
فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان
أجودما یکون في رمضان حين يلقاه جبريل،
وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه
القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم
أجود بالخير من الريح المرسلة)(١).
(١) أخرجه البخاري ١/ ٨، رقم ٦، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى
رسول الله صلی الله علیه وسلم، ومسلم ٤/
١٨٠٣، رقم ٢٣٠٨، كتاب الفضائل، باب
كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس
بالخير من الريح المرسلة.
www. modoee.com
٤٩٩

حرف الباء
كان لزامًا عليه أن يتوجه بقلبه لمالكه
فبالنظر في الآيات والأحاديث يسهل
على النفس الوصول إلى التخلص من ومدبره ومقلبه ليصرف عنه من الأمراض
الأخلاق الذميمة، ويبعث فيها النشاط
للتحلي بالأخلاق الحميدة.
١٣ . مجاهدة النفس.
فلا بد من مجاهدة النفس والأخذ
بعزيمتها، وحملها بجد على ترك البخل
والشح، والتحلي بالإيثار والكرم، ووعظها
تارة بالترغيب، وتارة أخرى بالترهيب،
والصبر على ذلك زمانا، فإن هذه المجاهدة
إن كانت صادقة توصل بسرعة إلى المراد،
فالله تعالى يقول: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينًا
لَتَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاْ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِينَ ﴾
[العنكبوت: ٦٩].
ومع ذلك لا بد من محاسبة النفس
أولًا بأول، فإن المحاسبة لها دور كبير في
التخلص من هذا المرض، ولا سيما إن کان
مع المحاسبة تأدیب للنفس، وتتبع للمرض
حتى الشفاء بإذن الله تعالى.
١٤. كثرة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى.
إذا علم العبد أن (القلوب بين أصبعين
من أصابع الله يقلبها كيف يشاء)(١).
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٩/ ١٦٠، رقم
١٢١٠٧، والترمذي ٤ / ٤٤٨، رقم ٢١٤٠،
أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي
الرحمن، وابن ماجه ٢/ ١٢٥٧، رقم ٣٨٣٤،
كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
ما يبعده عن مرضاته، ولهذا كان التخلص
من البخل أو أي خصلة من خصال الشر لا
يتحقق إلا بتوفيق الله سبحانه، ثم بالدعاء .
وكيف لا يكون الأمر كذلك والله سبحانه
يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونَ أَسْتَجِبْ لَكَّرْ
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاِخِرِينَ ﴾ [غافر: ٦٠].
فبالدعاء إن كان صادقًا يكفي الله العبد
كل الأزمات، ويعينه على نفسه في التخلص
من کل مرض.
١٥. النظر في العواقب والآثار المترتبة
على الشح في الدنيا والدين والآخرة.
إن النظر في العواقب الضارة والآثار
المهلكة المترتبة على الشح والبخل -سواء
كانت هذه العواقب دنيوية أو أخروية،
أو كانت على الفرد، أو على المجتمع
الإسلامي-مما يخوف النفوس، ويحركها
من داخلها، الأمر الذي ييسر عليها سبل
الإقلاع، والتخلص من هذا الداء.
فعندما ينظر البخيل إلى عواقب البخل
والشح، وما سيحصل له في الدنيا والآخرة،
سيسعى حثيثًا لعلاج هذا الخلق الذميم.
وبعد أن أكملنا الكلام عن أسباب الوقوع
قال الترمذي: وهذا حديث حسن.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
وزيادته ١/ ٣٤٧، رقم ١٦٨٥.
جَوَسُوع
القرآن الكريم
٥٠٠

البخل
في البخل والشح، وطرق الوقاية منها،
وكيفية العلاج لمن ابتلاه الله بهذا الداء،
وجب علينا أن نتحدث عن عاقبة البخل
والشح في الدنيا والآخرة، وهذا ما سنتكلم
عليه بالتفصيل في المبحث القادم، إن شاء
الله تعالى.
عاقبة الشح والبخل
إن البخل دليل على قلة العقل وسوء
التدبير، وهو أصل لنقائص كثيرة، ويدعو
إلى خصال ذميمة، ومن شأنه: أن يهلك
الإنسان ويدمر الأخلاق، ويؤخر صاحبه،
ويبعده عن صفات الأنبياء والصالحين، كما
أنه دليل على سوء الظن بالله عز وجل.
فالبخيل محروم في الدنيا، مؤاخذ في
الآخرة، وهو مكروه من الله عز وجل،
مبغوض من الناس، والشحيح أشد في
الذم من البخيل، لأنه يجتمع فيه البخل مع
الحرص.
وللشح والبخل آثار ضارة، وعواقب
مهلكة، على الفرد وعلى المجتمع، ودونك
طرفًا من هذه الآثار، وتلك العواقب:
١. تنوع العقاب في الآخرة:
وهذا من أعظم العواقب التي تقع على
ـَبَنَّ الَّذِينَ
وَلَا يَحْسَبَةٌ
البخيل، يقول الله تعالى:
يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرَهُّ بَلّ
هُوَشَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ
وَإِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
فالبخلاء ((ظنوا أنه خير لهم، بل هو
شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم
وآجلهم))(١)، ((فلا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٨.
www. modoee.com
١
٥

حرف الباء
بخلهم هو خير لهم، بل هو شر لهم؛ وذلك
لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم)» (١).
ويقول سبحانه: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُونَ
أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُم
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِ نَارِ
جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ
وَتُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ
﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
مَاكُمْتَكْنِرُونَ
فهذه العاقبة أشد العواقب وأنكاها على
النفس، فمهما واجه البخيل في الدينا من
عواقب ومصائب ورزایا فإنها لا تعد شيئًا
أمام تلك الألوان العظام من عذاب الله
تعالى، أجارنا الله وإیاکم منه.
٢. يستبدل الله به غيره من عباده فينفق في
أوجه الخير ما لا ينفقه الشحيح.
ولعل من أشد العواقب التي قد يواجهها
البخيل بماله والضان به على دين الله وعباد
الله، أن يستبدل الله به غيره من عباده فينفق
في أوجه الخير ما لا ينفقه الشحيح؛ فيحوز
المنفق الأجر والثواب مع رضوان الله
عنه، قال تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ
لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلَّ وَمَن
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٤٣.
الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا
يَكُونُواْ أَمْشَلَكُمْ ﴾﴾ [محمد: ٣٨].
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((ولما
کان صلاح بني آدم لا یتم في دينهم ودنياهم
إلا بالشجاعة والكرم بين الله سبحانه أنه من
تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من
يقوم بذلك، ومن تولی عنه بإنفاق ماله أبدل
الله به من يقوم بذلك فقال: ﴿يَكَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم
بِالْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّ قَلِيلُ @)
إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًّا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً
وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة:
٣٨ - ٣٩].
وقال تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ
لِنُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِِّ وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ
اَلْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا
يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٨]))(٢).
٣. البخل يورث النفاق في القلب.
ومن العواقب الوخيمة للبخل أنه يورث
النفاق في القلب.
﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ
قال الله تعالى:
اللَّهَ لَيْنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ
(٢) الاستقامة، ابن تيمية ٢/ ٢٦٩.
٥٠٢
مَوَسُوالَهُ النَِّيَة
القرآن الكْرِيْمِ

البهل
﴿ فَلَقَآ ءَاتَنهُم مِّن فَضْلِهِ»
مِنَ الصَّلِحِينَ
يَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ ) فَأَعْقَبَهُمْ
◌ِفَاقًاً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَّا أَخْلَفُوا اللَّهَ
مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴾
[التوبة: ٧٥ - ٨٠].
فالذي سبب لهم خلف الوعد والوقوع
في خصلة النفاق هو بخلهم وشحهم ومنعهم
الصدقات، ولهذا كان البخل موصلًا للنفاق
بما یترتب عليه من خلف الوعد.
٤. الحرمان من الأجر المترتب على
الإنفاق في أبواب الخير.
قال الله تعالى: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ
لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلٌ وَمَنْ
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهٍّ وَاللهُ الْفَنِىُّ وَأَنْتُمُ
اَلْفُقَرَّاءُ وَإِنْ تَتَوَلَوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا
يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ ﴾﴾ [محمد: ٣٨].
فهو ((حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته
خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق
شيئا))(١)، ((فما يبذله الناس إن هو إلا
رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون
إلی رصید، یوم یحشرون مجردين من كل
ما يملكون، فلا يجدون إلا ذلك الرصيد
المذخور، فإذا بخلوا بالبذل، فإنما يبخلون
على أنفسهم، وإنما يقللون من رصيدهم،
وإنما يستخسرون المال في ذواتهم
وأشخاصهم، وإنما يحرمونها بأيديهم!
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٩١.
أجل. فالله لا يطلب إليهم البذل، إلا وهو
يريد لهم الخير، ويريد لهم الوفر، ويريد لهم
الكنز والذخر، وما یناله شيء مما يبذلون،
وما هو في حاجة إلى ما ينفقون))(٢).
٥. الوقوع في الإثم بسبب منعه لما يجب
عليه من حقوق وواجبات.
يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْتِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ
اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيِ ◌ّ يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِىِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبَاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْنِرُونَ
٣٥
[التوبة: ٣٤ - ٣٥].
فهذا العذاب الأليم ما ناله المعذبون إلا
بسبب وقوعهم في إثم المنع من الإنفاق
الواجب، البخلاء به، فمنع الواجب إثم
پرتکبه البخیل بماله، فيعاقب عليه.
٦. حرمان البخيل من التزكية والتطهير
الذي يحوزه المنفقون.
فإن البخيل يحرم من تزكية وتطهير النفقة
للمنفق من الذنوب والخطايا، يقول الله
تعالى لنبيه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قال الماوردي رحمه الله تعالى:
((فقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ فيها
وجهان: أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٣٠٣.
www. modoee.com
٥٠٣

حرف الباء
التي أوجبها الله تعالى في أموالهم فرضًا؛
ولذلك قال: ﴿مِنْ أَمْوَلِمْ﴾، لأن الزكاة لا
تجب في الأموال كلها، وإنما تجب في
بعضها، ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّهِم بِهَا﴾، أي: تطهر
ذنوبهم، وتزكي أعمالهم)»(١)، ((والتزكية:
جعل الشيء زكيًا، أي: كثير الخيرات،
فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى مقام التخلية
إشارة إلى
عن السيئات، وقوله:
مقام التحلية بالفضائل والحسنات، ولا جرم
أن التخلية مقدمة على التحلية، فالمعنى: أن
هذه الصدقة کفارة لذنوبهم، ومجلبة للثواب
العظيم»(٢).
يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَنْفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ
وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ غَفِىُّ حَمِيدُ الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمٍ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً
مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ()﴾ [البقرة:
٢٦٧ - ٢٦٨].
قال البغوي رحمه الله تعالى: ((ومعنى
الآية: أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول
(١) النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٣٩٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٢٣.
من أموالهم تطوعًا، والثاني: أنها الزكاة للرجل: أمسك عليك مالك فإنك إذا
تصدقت به افتقرت، ﴿وَيَأْمُرُكُم
بِالْفَحْشَآءِ﴾، أي: بالبخل ومنع الزكاة))(٣)؛
وذلك «لأن الشيطان يصد الناس عن إعطاء
خيار أموالهم، ويغريهم بالشح أو بإعطاء
الرديء والخبيث، ويخوفهم من الفقر إن
أعطوا بعض مالهم)» (٤).
وكما في قصة أصحاب الجنة في سورة
القلم، قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ
اَلْجَنَِّ إِذْ أَقْسَمُواْ لَصْرِمُنَّهَا مُصْبِينَ () وَلَا يَسْتَثْنُونَ (
١٨
فَطَافَ عَلَيْهَا طََّيِفٌ مِّن رَّيِّكَ وَهُمْ نَِّمُونَ (١) فَأَصْبَحَتْ
كَالصَّرِ ﴾ الآيات [القلم: ١٧ - ٢٠].
((فلما منعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق
٧. البخل من أسباب فقر البخيل، وتعريض الله فيها؛ أهلكها الله من حيث لم يمكنهم
ماله للتلف.
دفع ما حل بها)»(٥).
٨. فوات الخيرية في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ
إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
فالبخيل الذي لا يتصدق ليس له من هذا
الخير نصيب، و((المراد بالخير: حصول
الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في
الآخرة)) (٦).
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٣٧٢.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/ ٥٩.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي
١٩/ ٢٨٥ بتصرف.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٧ / ٨٧.
٥٠٤
مَوَسُو ◌َرَ النَّفِيكِالوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الجهل
٩. تعسير الأمور على البخيل.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَعْلَ وَأَسْتَغْفَى ®
وَكَذَبَ بِالْحُسْنَى
وَمَا يُغَنِى عنه
فسنَفسِّرَمُ لِلْعُسْرَى
٩
مَالَهُ وَ إِذَا تَرَدَقَ (١١)﴾ [الليل: ٨ - ١١].
ففي هذه الآية دليل على أن البخيل أموره
كلها متعسرة.
١٠. حمل النفس على الوقوع في كل إثم
ورذيلة.
فلقد أرشدنا النبي صلی الله عليه وسلم
إلى الآثام والرذائل التي يثمرها البخل حين
قال -في الحديث الذي رواه مسلم من
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما -:
(اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،
واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان
قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم
واستحلوا محارمهم)(١).
وفي رواية لأبي داود من حديث عبد الله
بن عمرو رضي الله عنهما قال: خطب رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إياكم
والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح:
أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة
فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا)(٢).
(١) أخرجه مسلم ٤ / ١٩٩٦، رقم ٢٥٧٨، کتاب
البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
(٢) أخرجه أبو داود ٣/ ١٢٣، رقم ١٦٩٨، كتاب
الزكاة، باب في الشح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
وزيادته ١/ ٥٢١، رقم ٢٦٧٨.
١١. سبب في الهلاك وفساد المجتمع.
فقد بین ذلك النبي صلى الله عليه وسلم
كما مر في حديث جابر بن عبد الله السابق.
١٢. يوقع الإنسان في كبائر الذنوب، ومن
ذلك سفك الدماء واستحلال المحارم.
كما مر في حديث جابر بن عبد الله
السابق أيضًا.
١٣. البخل يفسد العلاقات بين الناس.
فالبخل يعيق الصلح بين الناس، ويزرع
الفرقة والتمزق في المجتمع، وإذا ابتلي
المجتمع الإسلامي بالفرقة والقطيعة بين
أهله، ومزقوا شر ممزق، كانت النتيجة:
تمكن العدو، وإحكامه القبضة على أعناقه،
وتضييق الخناق علیه، فتطول الطريق، وتکثر
التكاليف، على النحو الذي نشهده، ونعيشه
نحن المسلمين اليوم.
قال تعالى: ﴿﴿ لَّاخَيرَ فِى كَثِيرٍ مِّن
نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيِّنَ النَّاسَِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اَللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْنِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا ()﴾
[النساء: ١١٤].
وختامًا لهذا المبحث نقول: إن البخيل
بعد هذا كله أشد الناس عناءً وشقاءً في
الدنيا، فهو مبغوض مکروه حتی من أقرب
الناس إليه کزوجته وأبنائه وأقاربه، وربما
تمنی موت البخيل أقربهم إليه، وأحبهم له،
بل قد يصل بهم الحد إلى أن يدعوا عليه،
www. modoee.com
٥٠٥

حرف الباء
لأنه حرمهم من نواله، وطمعًا في ثروته،
حتى يستطيعوا التنعم بما حرمهم منه من
أموال، فالبخیل یعیش في قلق واضطراب
نفسي، یکدح في جمع المال والثراء، ولكن
لا یستطیع الاستمتاع والتلذذ به، وسرعان ما
يخلفه للورثة، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء
مع وجود المال معه، ويحاسب في الآخرة
حساب الأغنياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم، والله سبحانه وتعالى أعلى
وأعلم.
موضوعات ذات صلة:
الإكراه، الحرام، الحلال، الضر
٥٠٦
◌ُ التَّقْدِ
القرآن الكريم