النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الُخْل
C
عناصر الموضوع
مفهوم البخل
٤٧٠
البخل في الاستعمال القرآني
٤٧١
الألفاظ ذات الصلة
٤٧٢
إيتاء المال فضل من الله
٤٧٥
٤٨٠
الشح والبخل طبيعة إنسانية
٤٨٢
أنواع البخل
٤٨٥
درجات البخل
٤٨٧
الشح من صفات المنافقين
٤٩٠
الوقاية والعلاج من الشح
٥٠١
عاقبة الشح والبخل
المُجَلَد السّادِسْ

حرف الباء
مفهوم البخل
أولًا: البخل لغة:
إن الناظر في معاجم اللغة العربية، والمتتبع لكتبها، والباحث فيها، يجد أن مادة (ب خ
ل) تدل على: ((ضد الكرم والجود»، وقد بخل بكذا: أي ضن بما عنده ولم يجد، ويقال: هو
بخيل وباخل، وجمعه: بخلاء، والبخال: الشديد البخل، والبخل مشتق من قولهم: بخل
بالشيء يبخل به، وهو خلاف الكرم، والبخيل: صاحب البخل، وجمعه: بخل وبخال،
والبخلة: المرأة الواحدة من البخل(١).
وحد البخل الزبيدي رحمه الله تعالى بقوله: ((إمساك المقتنيات عما لا يحل حبسها
عنه»(٢).
ثانيًا: البخل اصطلاحًا:
أما البخل في الاصطلاح فقد ورد له تعاريف متعددة عند أهل العلم:
فعرفه القرطبي رحمه الله تعالى بأنه: ((الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه))(٣).
وأما ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى فقال: ((البخل: منع ما يطلب مما يقتنى، وشره
ما كان طالبه مستحقًا، ولا سيما إن كان من غير مال المسئول)» (٤).
وقيل: هو إمساك المال وعدم صرفه في الوجوه المعتبرة حرصًا على بقائه وزيادته وخوفًا
من نفاده(٥).
وبهذا يتبين أن البخل في الاصطلاح هو: منع ما يطلب عما لا يحق حبسها عنه، سواء
كانت من مال نفسه أو من مال غيره وهو أشد.
وعند المتأمل في المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للبخل يتبين أن معناهما جميعًا
يدور حول: المنع والإمساك.
(١) لسان العرب ابن منظور ١١/ ٤٧ بتصرف، وانظر: العين، الفراهيدي ٤/ ٢٧٢، الصحاح الجوهري
٤/ ١٦٣٢، مجمل اللغة، ابن فارس ص ١١٨، مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٠٧، القاموس المحيط،
الفيروز آبادي ص ٩٦٥.
(٢) تاج العروس، الزبيدي ٢٨/ ٦٢ - ٦٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/ ١٩٣ بتصرف.
(٤) فتح الباري، ابن حجر ١٠ / ٤٥٧.
مشارق الأنوار على صحاح الآثار، أبو الفضل البستي ٢/ ٢٤٥.
(٥)
٤٧٠
العضوي
مُؤَسُو ◌َةُ التَّفي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البخل
البخل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بخل) في القرآن الكريم (١٢) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
﴾ [التوبة: ٧٦]
٧٦
الفعل المضارع
٧
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ
خَيْرُ الَُّّ بَلْ هُوَشَرٌّلَمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]
﴿أَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
المصدر
٢
[النساء: ٣٧]
وجاء البخل في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: إمساك المقتنيات عما لا يحق
حبسها عنه(٢).
(١) نظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١١٥.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٢٧/٢.
www. modoee.com
٤٧١
﴿فَلَمَّا ءَاتَنُهُمْ مِن فَضْلِهِ، بَحِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُمْ تُعْرِضُونَ

حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
الشح:
١
الشح لغة:
((البخل مع حرص))(١). وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ((الشح أشد البخل))(٢).
الشح اصطلاحًا:
((حرص النفس على ما ملكت وبخلها به، وما جاء في التنزيل من الشح، فهذا معناه،
كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ آلْأَ نفُسُ الشَّخِّ﴾ [النساء: ١٢٨]))(٣).
قال الراغب رحمه الله تعالى: ((الشح: بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة)) (٤).
العلاقة بين البخل والشح:
العلاقة بين الشح والبخل علاقة عموم وخصوص، فالبخل لفظ عام يدل على المنع،
بينما الشح يدل على شدة المنع، أو البخل بمال الغير.
وذكر ابن القيم أن البخل: منع إنفاق ما هو موجود، والشح: الحرص على ما ليس
موجودًا، وجشع النفس في تحصيله، قال رحمه الله: ((فهو شحيح قبل حصوله، بخيل بعد
حصوله)»(٥).
الإقتار:
٢
الإقتار لغةً:
التضييق. قال ابن فارس: ((القاف والتاء والراء أصل يدل على تجميع وتضييق)»(٦).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٧٨.
وانظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص ٥٠٠، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٢٢٦، تاج العروس،
الزبيدي ٦/ ٤٩٧ - ٥٠٢، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ١/ ٤٧٤.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٤٩٥.
(٣) المصدر السابق ٢ / ٤٩٦.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٤٦.
(٥) الوابل الصيب، ابن القيم ص ٣٣.
(٦) مقاییس اللغة، ابن فارس ٥/ ٥٥.
وانظر: العين، الفراهيدي ٥/ ١٢٤، لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٧٠، القاموس المحيط، الفيروز آبادي
ص ٤٥٩، تاج العروس، الزبيدي ١٣/ ٣٦١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧١٤.
٤٧٢
مَنُوالَهُ النَّقِيَّة
القرآن الكريم

الخل
الاقتار اصطلاحًا:
((تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان))(١).
الصلة بين البخل والاقتار:
العلاقة بين البخل والإقتار: أن البخل هو: المنع، والاقتار هو: التضييق في النفقة
والمعاش، فبينهما شبهٌ من جهة أن في كلٍ منهما منع، وإن اختلف مقدار المنع فيما بينهما،
والله أعلم.
الضن:
٣
الضن لغة:
((الإمساك والبخل))(٢).
قال ابن فارس رحمه الله تعالى: ((الضاد والنون أصل صحيح، يدل على بخل بالشيء،
يقال: ضننت بالشيء أضن به ضنا وضنانة، ورجل ضنين))(٣).
الضن اصطلاحًا:
((البخل بالشيء النفيس ... وفلان ضني بين أصحابي، أي: هو النفيس الذي أضن به))(٤).
الصلة بين البخل والضن:
العلاقة بين البخل والضن أن البخل عام في إمساك كل شيء، حقيرًا كان أو نفيسًا، بينما
الضن يكون في إمساك الشيء النفيس.
الكرم:
٤
الكرم لغة:
((ضد اللؤم))(٥)
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٥٥.
(٢) العين، الفراهيدي ٧/ ١٠.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٣٥٧.
وانظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص ٥٦٠، لسان العرب، ابن منظور ١٣ / ٢٦١، تاج العروس، الزبيدي
٣٥/ ٣٣٩.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥١٢.
(٥) الصحاح، الفارابي ٢٠١٩/٥.
وانظر: العين، الفراهيدي ٥/ ٣٦٨، مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ١٧١، القاموس المحيط،
الفيروزآبادي ص ١١٥٣، تاج العروس، الزبيدي ٣٣/ ٣٣٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
بالقاهرة ٢/ ٧٨٤.
www. modoee.com
٤٧٣

حرف الباء
الكرم اصطلاحًا:
((اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر من الإنسان، ولا يقال: هو كريم حتى
يظهر ذلك منه))(١). قال الجرجاني رحمه الله تعالى: ((الكرم هو: الإعطاء بسهولة، والكريم:
من يوصل النفع بلا عوض))(٢).
الصلة بين البخل والكرم.
البخل يعني: المنع من إعطاء شيء للغير، وأما الكرم فهو من الألفاظ المقابلة للبخل الذي
يعني: الإعطاء بسهولة، ولذلك وصف الله سبحانه وتعالى به نفسه، فهو الکریم سبحانه.
الإيثار:
١
الإيثار لغة:
تقديم الشيء.
قال ابن فارس رحمه الله تعالى: ((الهمزة والثاء والراء، له ثلاثة أصول: تقديم الشيء،
وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي))(٣)، والمعنى الأول هو الذي يعنينا هنا.
الإيثار اصطلاحًا:
تفضيل المرء غيره على نفسه.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((الإيثار: تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية؛ رغبة
في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة)) (٤).
وأضاف الجرجاني رحمه الله تعالى معنىّ لطيفًا فقال: ((الإيثار: أن يقدم غيره على نفسه
في النفع له والدفع عنه، وهو النهاية في الأخوة)»(٥).
الصلة بين البخل والإيثار:
الإيثار هو: تفضيل المرء غيره على نفسه، فهو ضد البخل الذي يعني: منع الشخص نفسه
من إعطاء شيء لغيره، فالصلة بينهما هي الضدية.
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٠٧.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ١٨٤.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٥٣.
وانظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ١/ ٦.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ٢٦.
(٥) التعريفات، الجرجاني ص ٤٠.
٤٧٤
مُوسُوبة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الجهل
إيتاء المال فضل من الله
اعلم أن المال ملك لله تعالى وحده،
أعطاه الإنسان في هذه الحياة منة منه
سبحانه وفضل، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَرَهُمْ لَا
يَشْكَرُ
﴾ [النمل: ٧٣].
٧٣
فما في أيدي الناس من مال وغيره إنما هو
من فضل الله سبحانه وتعالى عليهم، يعطيه
من يشاء من عباده ليبتليهم، ماذا سيصنعون
به؟ قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيِّرِ
[الأنبياء: ٣٥].
٣٥
فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْحَعُونَ
ولذلك فإنه سبحانه سيحاسب الإنسان
عليه يوم القيامة، فقد جاء في الحديث
الذي رواه الترمذي في سننه: عن أبي برزة
الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة
حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه
فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم
أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)(١).
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَّهِ مِيَّثُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾.
وتمام هذه الآية هو قوله تعالى: ﴿وَلَا
(١) أخرجه الترمذي ٤ / ٦١٢، رقم ٢٤١٧،
كتاب أبواب صفة القيامة والرقائق والورع،
باب في القيامة، وقال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح، وصححه الألباني في سلسلة
الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها
وفوائدها ٢/ ٦٢٩، رقم ٩٤٦.
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنَّهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ.
هُوَ خَيْرُلَمُّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِه
يَوْمَ الْقِيَامَةُ وَ لِلَّهِ مِيرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ
بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠ ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
ولقد أبدع الشيخ السعدي رحمه الله
تعالى عند تفسيره لهذه الآية فقال: «قوله
تعالى: ﴿وَإِلَّهِ مِيْرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل
عمران: ١٨٠].
أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع
الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا
ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من
المال، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ
عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ(٥)﴾ [مريم: ٤٠].
وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي
والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما
أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله.
فأخبر أن الذي عنده وفي يده فضل من
الله ونعمة، لیس ملكًا للعبد، فمنعه لذلك
منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه
موجب للإِحسان إلى عبيده كما قال تعالى:
﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص
٧٧].
ثم ذكر أن هذا الذي بيد العباد کله يرجع
إلى الله، ويرثه تعالى، وهو خير الوارثين،
فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل
إلى غيرك.
ثم ذكر السبب الجزائي، فقال: ﴿وَاَللَّهُمَا
www. modoee.com
٤٧٥

حرف الباء
٥)﴾ [آل عمران: ١٨٠].
تَعَمَلُونَ خَبِيرٌ
فإذا كان خبيرًا بأعمالكم جميعها
-ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على
الخيرات، والعقوبات على الشر- لم
يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن
الإنفاق الذي یجزی به الثواب، ولا یرضی
بالإمساك الذي به العقاب»(١).
وعند قوله تعالى: ﴿وَرِلَّهِ مِيَّثُ السَّمَوَتِ
والأَرْضِ﴾ قد يتساءل متسائل فيقول: كيف
يرث الله السماوات والأرض وهي ملكه في
الحقيقة؟
فيجيب على هذا التساؤل القرطبي رحمه
الله تعالى بقوله: ((أخبر تعالى ببقائه ودوام
ملكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل غني
عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه
وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا
مدعى فيها، فجرى هذا مجرى الوراثة في
عادة الخلق، وليس هذا بميراث في الحقيقة؛
لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئًا
لم یکن ملكه من قبل، والله سبحانه وتعالى
مالك السموات والأرض وما بينهما، وكانت
السموات وما فيها، والأرض وما فيها له،
وإن الأموال كانت عارية عند أربابها، فإذا
ماتوا ردت العارية إلى صاحبها الذي كانت
له في الأصل، ونظير هذه الآية قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
[مريم: ٤٠].
والمعنى في الآيتين: أن الله تعالى أمر
عباده بأن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا
ویترکوا ذلك ميراثًا لله تعالى، ولا ينفعهم
إلا ما أنفقوا))(٢).
ومن رحمة الله بعباده: طلب إنفاق
بعض المال: ﴿إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ
تَبْخَلُواْ﴾.
وحتى يتم معنى هذا الجزء من الآية
نذكر سباقها ولحاقها، قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَسْتَلَكُمْ أَمْوَلَكُمْ ﴿ إِن يَسْتَلْكُمُوهَا
فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْفَتَكُم
[محمد: ٣٦ - ٣٧].
((قوله: ﴿وَلَا يَسْئَلَّكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾، يفيد
بعمومه وسياقه معنى لا يسألكم جميع
أموالكم، أي: إنما يسألكم ما لا يجحف
بكم، فإضافة أموال وهو جمع إلى ضمير
المخاطبين تفيد العموم، فالمنفي سؤال
إنفاق جميع الأموال)»(٣).
وفي هذا السياق يقول تعالى: ﴿خُذِّمِنْ
أَمَّوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣].
قال البغوي: ((قال الله تعالى: ﴿خُذْمِنْ
أَمْوَلِمْ﴾، ولم يقل: خذ أموالهم))(٤)، فهذا
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٩٣.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٣٨٤.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٨ (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ١٣٤.
بتصرف.
مُوسُوبَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم
٤٧٦

البخل
من رحمة الله سبحانه بعباده أنه طلب إنفاق
بعض المال ولم يطلب إنفاق المال كله.
قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾، («الإحفاء أخذ
الجميع، أو الإلحاح وإكثار السؤال، مأخوذ
من الحفاء وهو: المشي بغير حذاء)» (١).
قال الرازي رحمه الله تعالى: ((الفاء
في قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ للإشارة إلى أن
الإحفاء يتبع السؤال بيانًا لشح الأنفس،
وذلك لأن العطف بالواو قد یکون للمثلین،
وبالفاء لا يكون إلا للمتعاقبين أو متعلقين
أحدهما بالآخر، فكأنه تعالى بين أن الإحفاء
يقع عقيب السؤال؛ لأن الإنسان بمجرد
السؤال لا يعطي شيئًا))(٢).
وقد فسر ابن عاشور قوله تعالى:
﴿وَيُخْرِجْ أَضْفَنَّكُمْ ﴾ بقوله: ((تحدث
فيكم أضغان فيكون سؤاله أموالكم سببًا في
ظهورها فكأنه أظهرها، وهذه الآية أصل في
سد ذريعة الفساد))(٣).
قال قتادة: ((قد علم الله في مسألة الأموال
خروج الأضغان)) (٤)، قال ابن كثير معلقًا
على قول قتادة: ((وصدق قتادة فإن المال
محبوب، ولا یصرف إلا فيما هو أحب إلى
الشخص منه))(٥).
(١) النكت والعيون، الماوردي ٥/ ٣٠٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ٦٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ١٣٥.
(٤) الدر المنثور، السيوطي ٧/ ٥٠٥.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٢٤.
أولا: منافع الإنفاق فى وجوه الخير:
واعلم أن من رحمة الله سبحانه وتعالى
بعباده أنه طلب منهم الإنفاق مما آتاهم من
الأموال؛ ليمنحهم فوائد وجوائز عظيمة
أعدها لهم، منها:
١. مضاعفة ما أنفقوا أضعافًا كثيرة.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّن ذَا
الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُو
أَمْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُّطُ وَإِلَيْهِ
تَرَجَعُونَ
(٢٤٥) ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
«فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على
رجاء ما أعد لهم من الثواب قرضًا؛ لأنهم
يعملونه لطلب ثوابه» (٦).
٢. الله تعالى جعل النفقة تطهر صاحبها
من الذنوب والخطايا وتزكيه.
قال الله سبحانه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيَّهِمّ إِنَّ
صَلَوَتَكَ سَكَنُ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِهُ ﴾
[التوبة: ١٠٣].
٣. مساعدة الفقراء والمساكين، ومواساة
المحتاجين.
ورتب الله سبحانه على ذلك الأجر
العظيم، ووعدهم جنة عرضها السماوات
والأرض.
، وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ
قال تعالى:
مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ
(٦) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٣٣٠.
www. modoee.com
٤٧٧

حرف الباء
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِ السََّّآءِ
وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَالْعَافِينَ عَنِ
[آل
النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ()﴾
عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
واعلم أن الإنفاق لا ينقص المال، ولكنه
يزيده؛ لأن الله وعد عباده بالخلف منه
سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْمِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ، وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن
شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفَةٌ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ {
[سبأ: ٣٩].
وهذا من رحمة الله بعباده، فإنه سبحانه
لما علم أن النفس البشرية تخشى الفقر
وتخاف الإنفاق، ضمن لها سبحانه وتعالى
أن یخلف لها غیر ما أنفقت، وخیرًا منه.
ولقد وكل الله ملكين من ملائكته كل
صباح بالدعاء، فأحدهما يدعو للمنفق
بالخلف، والآخر يدعو على الممسك
بالتلف، فقد روى البخاري ومسلم، عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح
العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما:
اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم
أعط ممسكاً تلفًا)(١).
(١) أخرجه البخاري ٢/ ١١٥، رقم ١٤٤٢،
كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّ مَنْ
أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُْفَ ) فَسَتْيَسْرُهُ لِلْيُّسْرَىّ
وَأَمَّا مَنْ بَعِلَ وَأَسْتَغْفَى ٥ وَكَذَّبَ بِلْمُنْقَ ) فَسَتْكَيْرُهُ
لِلْصُرَى ))، ومسلم ٢/ ٧٠٠، رقم ١٠١٠،
ثانيًا: الله عز وجل غني عن عباده:
واعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الغني
فلا يفتقر إلى شيء، والمستغني عن الخلق
بقدرته وعز سلطانه، فلا يحتاج إلى إنفاق
عباده ولا إلى شيء من خلقه، والخلق
فقراء إلى إحسانه، قال الله تعالى:
يَتُهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ
اٌلْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: ١٥].
وهو سبحانه الذي أغنى الخلق جميعًا،
فقال سبحانه:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْفَ وَأَقْنَى
[النجم: ٤٨].
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: ((وما
دلت عليه هذه الآية الكريمة: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ
أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
١٥﴾ [فاطر: ١٥].
مع كونه معلومًا من الدين بالضرورة،
جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله، كقوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا
يَسْتَبْدِلَ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ الآية [محمد: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَواْ وَأَسْتَقْنَ اللَّهُ
وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾ [محمد: ٦].
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَىَ إِن تَكْفُرُوَاْ
أَنْتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ
﴾ [إبراهيم: ٨].
٨
إلى غير ذلك من الآيات، وبذلك تعلم
عظم افتراء: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَغَحْنُ
كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك.
٤٧٨
صَوْسُور
القرآن الكريم

الحل
أَغْنِيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٨١].
إليه في تعلیمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما
وقد هددهم الله على ذلك، بقوله: يصلحهم، فلولا تعليمه؛ لم يتعلموا، ولولا
توفيقه؛ لم يصلحوا.
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ
حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ()﴾ [آل
عمران: ١٨١]))(١).
فمن هذا یتبین أن الله تعالی غني بذاته،
لا یحتاج إلی أحد من خلقه، سواء كان هذا
المخلوق: ملك من ملائكته العظام، أو إنس
أو جن، أو أي مخلوق کان، وأن جميع خلقه
مفتقرون إليه في كل حال من أحوالهم، وفي
كل وقت من الأوقات.
وللسعدي رحمه الله تعالى كلام لطيف
﴿﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
عند قوله تعالى:
اَلْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾
[فاطر: ١٥].
بین فیه وجوه فقر العباد إلى الله تعالى
بالتفصيل فقال: ((أنهم فقراء إلى الله من
جميع الوجوه:
فقراء في إيجادهم، فقراء في إعدادهم
بالقوى والأعضاء والجوارح، فقراء في
إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة
والباطنة، فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع
المكاره، وإزالة الكروب والشدائد، فقراء
إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس
التدبير، فقراء إلیه في تألههم له، وحبهم له،
وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فقراء
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٢٨٢.
فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل
اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر
أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي
لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور
دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله
إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع
أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل
وقت.
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّالْحَمِيدُ ﴾﴾ [فاطر: ١٥].
أي: الذي له الغنى التام من جميع
الوجوه.
ومن غناه تعالى: أن أغنى الخلق في
الدنيا مفتقر إليه في الدنيا والآخرة، الحميد
في ذاته وأسمائه؛ لأنها حسنى، وأوصافه؛
لكونها عليا، وأفعاله؛ لأنها فضل وإحسان
وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه،
فهو الحمید على ما فيه، وعلى ما منه، وهو
الحميد في غناه، الغني في حمده))(٢).
فالرب الذي هذا غناه وهذا ملكه غني
عن إنفاق عباده كلهم، ولو أنفق عباده كلهم
جميع ما يملكون، وأنفقوا الأرض وما فيها،
ما زادوا في ملكه مثل قطرة في بحر، ولو
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨٧
بتصرف.
www. modoee.com
٤٧٩

حرف الباء
بخل عباده كلهم وأمسكوا عن الإنفاق،
ولم ينفقوا مثقال ذرة، ما نقصوا من ملكه
مثل قطرة من بحره سبحانه وتعالى، جل في
علاه الغني الحميد.
الشح والبخل طبيعة إنسانية
سنحاول في هذا المبحث أن نتعرف
من خلال القرآن الكريم على هذه الجبلة
التي طبع الله الخلق علیھا، فعندما تحدثت
الآيات عن داء البخل لم تقل: وكان الكافر
أو وكان المنافق قتورًا، ولكن بلغة التعميم
نجد الآيات تتحدث عن الإنسان بصفة
عامة، و كأنها صفة كائنة فيه، حتى وإن كان
مؤمناً، ولكن بدرجات متفاوتة مختلفة من
شخص لآخر، قال الله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ
الْأَ نفُسُ الشَّخِّ﴾ [النساء: ١٢٨].
فهذا ((إخبار بأن الشح في كل أحد، وأن
الإنسان لا بد أن یشح بحكم خلقته وجبلته،
حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره))(١)،
(«فالمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور
للنفوس اللازم لها)»(٢).
ولقد كرر القرآن الكريم هذا المفهوم في
مواضع أخرى كثيرة، منها قوله تعالى:
◌َهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلَّكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا
﴾ [النساء: ٥٣].
٥٣
{ إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا( ١) إِذَا
وقوله:
مَسَّهُ الشَّرُّ جُزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (١)﴾
[المعارج: ١٩ - ٢١].
وقوله: ﴿كَلَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَقِيمَ (
وَلَا تَحَُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
١٧
١٨
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ٥/ ٤٠٦.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٣٧.
٤٨٠
◌ُ الَّتِدُ
جوب
القرآن الكريم

الخل
وَتَأْكُلُونَ الزَُّاثَ أَكْلًا لَنَّا (٥)
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبََّ جَمَّا ﴾ [الفجر: ١٧ - الله))(٣).
٢٠].
وقوله: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمَلِكُونَ خَزَآيِنَ رَحْمَةِ
رَبِّ إِذَا لَأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِّ وَكَانَ اُلْإِنْسَنُ
قَتُورًا ﴾ [الإسراء: ١٠٠].
فيخبر تعالى في هذه الآية أنه بسبب والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة،
البخل المطبوع في الإنسان ((لو ملك أحد
المخلوقین خزائن الله تعالی لما جاد بها
كجود الله تعالى، لأمرين:
أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته
وما یعود بمنفعته.
الثاني: أنه يخاف الفقر ويخشى العدم،
والله عز وجل یتعالى في جوده عن هاتین
الحالتين)) (١).
﴿إِذَا لَأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾ [الإسـ
١٠٠].
أي: ((خشية أن ينفد ما تنفقون منه، مع
أنه من المحال أن تنفد خزائن الله، ولكن
الإنسان مطبوع على الشح والبخل))(٢).
«وقد بلغت هذه الآية الكريمة من وصف
الإنسان بالشح الغاية القصوى، حیث أفادت
أنه لو استولى على خزائن رحمة ربه التي لا
تحد ولا تنفذ، وانفرد بملكها دون مزاحم
(١) النكت والعيون، الماوردي ٣/ ٢٧٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٧.
له لأمسکھا؛ لشدة حرصه ویخلہ علی عباد
فإن قيل: فقد دخل في (الإنسان) الجواد
الكريم؟
فيجيب عن هذا الرازي فيقول: ((الأصل
في الإنسان البخل؛ لأنه خلق محتاجًا،
وأن يمسكه لنفسه، إلا أنه قد يجود به
لأسباب من خارج، فثبت أن الأصل في
الإنسان البخل.
ثم إن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء
والحمد، وللخروج عن عهدة الواجب! فهو
في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض، فهو
في الحقيقة بخيل» (٤).
إذًا ففي نفس كل إنسان قدر من الشح،
قال السعدي رحمه الله في قوله تعالى: ولكن مع هذا فكل إنسان مأمور أن يقاوم
هذا الشح، يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ
شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾
[الحشر: ٩].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم - فيما
رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله
رضي الله عنه -: (اتقوا الظلم، فإن الظلم
ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح
أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن
(٣) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية
بالأزهر ٥/ ٨١٠ - ٨١١.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤١٣ بتصرف.
www. modoee.com
٤٨١

حرف الباء
سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)(١).
فقد أمر الله سبحانه ورسوله صلی الله
علیه وسلم المسلم بالابتعاد عن الشح، ولو
لم يوجد في نفس الإنسان شح لما أمراه بأن
یتوقاه، إذ کیف یامراه بأن یتوقی شيئًا ليس
موجودًا فيه أصلًا، فالله عز وجل له الحكمة
البالغة والعلم الكامل، وهو الحكيم العليم
سبحانه.
وإذا أمر الله العبد بشيء لم يأمره إلا
بما فيه مصلحة ومنفعة له سواء كانت هذه
المنفعة دنيوية أو أخروية، وإذا نهاه عن
الشيء لم ينهه إلا عن شيء فيه مضرة عليه
في الدنيا وفي الآخرة.
فالشريعة أتت لتهذيب نفس هذا
الإنسان، والاهتمام بأخلاقه، فلا بد على
كل إنسان أن يتعرف على طرق الوقاية من
داء البخل والشح وطرق العلاج؛ لكي يعمل
بما أمره الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه
وسلم، وهذا ما سنتكلم عليه في مبحث
قادم، إن شاء الله تعالى.
أنواع البخل
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَآ ءَاتَنَّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ بَلَّ هُوَ
شـ
[آل عمران: ١٨٠].
لا شك أن البخل لا خير فيه؛ بل هو
شر كله، وهو من الصفات المذمومة التي
نهى الله تعالى عنها، وحذر منها في القرآن
الكريم وفي السنة النبوية المطهرة، فالبخل
داء فتاك، کم فرق بين أحباب، ودمر بیوتًا
ومجتمعات، وزرع الحسد والحقد بين
قلوب البشر.
ولا شك أن البخل مذموم كله، وظلمات
بعضها فوق بعض؛ لكنه كما قيل: بعض
الشر أهون من بعض! فلذلك سنتكلم عن
أنواع البخل في القرآن الكريم، فلقد ذكر
القرآن الكريم نوعين للبخل:
النوع الأول: بخل المرء بما يملك:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾.
النوع الثاني: بخل المرء بما يملك غيره:
﴿وَ يَأْمُرُ ونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِّ
قال الرغب رحمه الله تعالى: ((والبخل
ضربان: بخل بقنيات نفسه، وبخل بقنيات
غيره، وهو أكثرها ذمًا، دليلنا على ذلك
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ
(٢)
بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد:
(١) أخرجه مسلم ٤ / ١٩٩٦، رقم ٢٥٧٨، كتاب
البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٠٩.
٤٨٢
مُؤَسُولَةُ اللَّهِيَة
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الجهل
ونحن إن شاء الله تعالى سنتكلم فى هذا
المبحث عن النوعین، کل نوع في مطلب،
فسنتكلم في المطلب الأول عن النوع الأول
من أنواع البخل، ثم في المطلب الثاني
نتكلم إن شاء الله عن النوع الثاني.
أولًا: بخل المرء بما يملك:
هذا هو النوع الأول من أنواع البخل،
وهو: بخل الإنسان بمقتنيات نفسه مما
يملك مما آتاه الله سواء كان مالًا أو علمًا أو
جاهًا أو غير ذلك.
وهذا النوع قد أكثر القرآن الكريم من
ذمه، من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ
مَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
وَكَذَّبَ بِالْمُسْفَىِ فَسَيَسْرُ لِلْمُسْرَى ، وَمَا يُغْنِى عَنَّهُ
:[الليل: ٨ - ١١].
مَالُإذَا تَرَّ )﴾
ولقد كان من هدي النبي صلى الله عليه
وسلم الاستعاذة من البخل، فقد جاء في
الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان نبي
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم
إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن
والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر،
وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)(١).
(١) أخرجه البخاري ٨/ ٧٩، رقم ٦٣٦٧،
كتاب الدعوات، باب التعوذ من فتنة المحيا
والبخل قد يحمل صاحبه على الامتناع
عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه في هذه
الحياة، فترى البعض يبخل بنفسه وماله
ووقته عن أداء ما أوجبه الله عليه في الدنيا،
فيمتنع عن تأدية حقوق الله من الزكاة
والصدقة وغيرها، أو عن تأدية حقوق النفس
من الطعام والشراب والملبس، أو عن تأدية
حقوق الخلق من حق الوالدين والزوجة
والأولاد والأقارب، يمتنع عن كل ذلك
بسبب البخل، وبهذا یکون قد دمر سعادته
في حياته الدنيا وفي الآخرة.
فصاحب البخل لا يشعر بالراحة ولا
الطمأنينة، فهو دائمًا يسيء الظن بخالقه،
ويعيش في هم وحزن على رزقه، ويحسب
أنه بقوته وفطنته هو الذي جمع هذا المال
کله بتعبه وجده واجتهاده و علمه، كما قال
الله تعالى عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَى
عِلْمٍ عِندِيٌ﴾ [القصص ٧٨].
ویحسب أن الله لن یرزقه ولن یکرمه إذا
أنفق من هذا المال الذي عنده، ویحسب أن
هذا الذي بين يديه من خير ونعمة إذا ذهبت
لن يأتي بعده خير منها، فلهذا يطمع ويبخل
ويحرص على ماله كل الحرص مع عدم
إنفاقه.
ولقد حذر الله تعالى الناس من البخل
والممات، ومسلم ٤ / ٢٠٧٩، رقم ٢٧٠٦،
كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب
التعوذ من العجز والكسل وغيره.
www. modoee.com
٤٨٣

حرف الباء
الذي یزینه لهم الشيطان؛ فبین أنه شر عظيم،
وَلَّا
وداء عضال مهلك، فقال سبحانه:
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،
هُوَ خَيْرُالَّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَحِلُوا بِهِ،
يَوْمَ الْقِيَّمَةُ وَ لِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ وَاللَّه
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
ومن أساليب القرآن في ذم هذا النوع
من البخل: أنه جعل عاقبة البخل راجعة
على البخيل بعكس قصده، كما في قوله
تعالى: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِّ﴾
[محمد: ٣٨].
وقد نقل الخطيب البغدادي في كتابه
البخلاء عن أعرابي قوله: ((عجبًا للبخيل
المتعجل للفقر الذي منه هرب، والمؤخر
للسعة التي إياها طلب، ولعله يموت
بین هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدنيا
عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب
الأغنياء، مع أنك لم تر بخيلاً إلا وغيره
أسعد بماله منه؛ لأنه في الدنیا متهم بجمعه،
وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدنيا
من همه، وناج في الآخرة من إثمه))(١).
ثانيًا: بخل المرء بما يملك غيره:
هذا هو النوع الثاني من أنواع البخل،
وهو: بخل الإنسان بمقتنيات غيره مما لا
يملك.
(١) البخلاء، الخطيب البغدادي ص ٢٢٥.
وهذا النوع أشد ذما في كتاب الله تعالى،
فهو من أشد أنواع البخل، وهو صفة غير
لائقة بأهل الإسلام، بل هو سجية عرف
بها اليهود قديمًا وحديثًا، وهو من صفات
المشركين عامة، كما قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم
مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥].
((الخير: النعمة والفضل))(٢)، فانظر كيف
يبخلون بما لا يملكون من فضل الله تعالى
ونعمه؟!
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: ((البخل
قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس، فلا ترى
يهوديًا، وإن كان ماله في غاية الكثرة، إلا
وهو من أبخل خلق الله))(٣).
وفي قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ
مَآ ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا
[النساء:
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾
٣٧].
((ذكر تعالى في هذه الآية من الأحوال
المذمومة ثلاثا:
أولها: كون الإنسان بخيلاً وهو المراد
بقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾.
وثانيها: كونهم آمرين لغيرهم بالخبل،
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٦٥٣.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٦٦.
٤٨٤
مُوسُوبة النفسية
القرآن الكريم

الدخل
وهذا هو النهاية في حب البخل، وهو المراد
بقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
وثالثها: قوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ
ءَاتَمُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾، فيوهمون الفقر
مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع
الإمكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على
وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية
عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر،
وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال:
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (((١).
إذَا فالبخل من الأخلاق السيئة،
والسجايا الذميمة، والخلال الرديئة التي
عابها الإسلام، وحذر منها تحذيرًا رهيبًا،
فهو خلق لئيم باعث على المساوئ الجمة،
والأخطار الجسيمة في دنيا الإنسان وأخراه،
الموجبة لهوان صاحبها ومقته وازدرائه.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٧٩.
درجات البخل
بما أن الناس يتفاوتون في أعمالهم
فكذلك الحال في إنفاقهم، فمن الناس من
هو مسارع ومنفق للمال في وجوه الخير لا
یبالي به، ومنهم من هو ممسك بخیل به لا
ینفق حتی الواجب منه.
والممسكون عن الإنفاق البخلاء به
يتفاوتون في بخلهم، فمنهم من يبخل عن
أداء الواجبات، ومنهم من يبخل عن أداء
المستحبات.
قال الألباني رحمه الله تعالى: ((البخل
بخلان:
بخل يعذب علیه الإنسان، وهو إذا بخل
بما فرض الله عليه.
والبخل الآخر يذم عليه، ولكن لا
يعاقب عليه، وهو الذي لا ينفق يمينًا
ولا يسارًا ولا أمامه ولا خلفه.
فمن هنا نفرق بين ما هو واجب وبين ما
هو مستحب، والناس في هذا متفاوتون))(٢).
وبما أن الممسكون والبخلاء عن الإنفاق
يتفاوتون في بخلهم على درجات، فنحن إن
شاء الله تعالى سنتكلم في هذا المبحث عن
ذلك بشيء من التفصيل فيما يلي:
(٢) دروس للشيخ الألباني ٦/ ١١، بترقيم
الشاملة آليا.
www. modoee.com
٤٨٥

حرف الباء
الدرجة الأولى: البخل عن أداء بضده)) (١).
الواجبات.
يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ
الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلٍ
اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِي نَارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ وَفُلُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنُمْ تَكْفِرُونَ ﴾
[التوبة: ٣٤ - ٣٥].
فهذا الوعيد الشديد في حق من بخل عن
أداء الواجبات، ومنع كل ذي حق من أخذ
حقه.
يقول السعدي رحمه الله تعالى عند ذلك البخل ضرر عائد إليه، فلا تظنوا أنهم
تفسير هذه الآية: ((وهذا هو الكنز المحرم،
أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنح
منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو
الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت.
وذكر الله في هاتين الآيتين، انحراف
الإنسان في ماله، وذلك بأحد أمرين:
إما أن ينفقه في الباطل الذي لا يجدي
عليه نفعًا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض،
وذلك كإخراج الأموال في المعاصي
والشهوات التي لا تعين على طاعة الله،
وإخراجها للصد عن سبيل الله.
وإما أن يمسك ماله عن إخراجه
في الواجبات، والنهي عن الشيء، أمر
الدرجة الثانية: البخل عن أداء
المستحبات.
وأما الذي يبخل عن أداء المستحبات
فيقول الله جل وعلا فيه: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلاء
تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن
يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِِِّ وَاللهُ
الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا
غَيْرَّكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ ﴾ [محمد:
٣٨].
(يعني: قد طلبت منكم اليسير فبخلتم
فكيف لو طلبت منكم الكل ... ثم بين أن
لا ينفقونه على غيرهم؛ بل لا ينفقونه على
أنفسهم، فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن
الدواء وهو مريض فلا يبخل إلا على نفسه،
ثم حقق ذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ﴾، غير
محتاج إلى مالكم، وأتمه بقوله: ﴿وَأَنْتُمُ
اٌلْفُقَرَآءُ﴾، حتى لا تقولوا: إنا أيضًا أغنياء
عن القتال، ودفع حاجة الفقراء، فإنهم لا
غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة)»(٢).
فقوله: ﴿فَمِنْكُمْ مَّن يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ
فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨].
((مسوق مساق التوبيخ أو مساق التنبيه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٦
بتصرف.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ٦٣.
٤٨٦
جَوَسُ
القرآن الكريم

البخل
على الخطأ في الشح))(١).
فالبخل إنما يعود على الإنسان بالوبال،
سواء كان البخيل يبخل عن الواجبات أو
يبخل عن المستحبات؛ ((لأنه حرم نفسه
ثواب الله تعالی، وفاته خیر کثیر، ولن يضر
الله بترك الإنفاق شيئًا))(٢).
فمن خلال هذا العرض نستطيع أن نقول:
إن البخل درجات يتفاوت فيها الناس من
شخص إلى آخر، فهناك أشخاص يبخلون
عن أداء الواجبات التي فرضها الله عليهم،
فيعذبون بسبب بخلهم، ووهناك أشخاص
يبخلون عن أداء المستحبات، فيذمون على
بخلهم، والله أعلم.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦ / ١٣٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٩١.
الشح من صفات المنافقين
لا شك أن البخل خلق ذميم، ووصف
قبیح، لا بد على المسلم أن يتجنبه، وذلك
لأنه من الصفات التي يبغضها الله تعالى،
وهو من صفات المنافقين.
يقول الله سبحانه وتعالى فيهم:
وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،
(٧٥)﴾ فَلَمَآ
لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
ءَاتَّمُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَقَوَلَّواْ وَهُم
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ
مُعْرِضُونَ ()
يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ ) أَلَّ يَعْلُواْأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
سِرَّهُمْ وَنَجْوَلَهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوْعِينَ مِنَ
٧٨
اَلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اَللَّهُ مِنْهُمْ
وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيُ ﴿ أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرِ
لَكُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ، وَاَللَّهُ لَا
[التوبة: ٧٥ -
يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ®
٨٠].
والمنافقون هم أشد الناس بخلًا على
المؤمنين، وبخلهم على المؤمنين أشد من
بخلهم علی غیرهم من الناس.
قَدْ يَعْلَمُ
يقول الله تعالى مبينًا ذلك: «
اَللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَآِلِنَ لإِخْوَفِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَاً وَلَا
www. modoee.com
٤٨٧

حرف الباء
يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ( أَشِخَةٌ عَلَيْكُمْ فَإِذَا
جَّةُ اَلْنَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَدُورُ أَعْيُهُمْ
كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ لَلْفُوْقُ
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَ
لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرًا ﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩].
فحول هذا الموضع سنتحدث بشيء من
التفصيل فيما يلي:
١. أشحة على المؤمنين.
يقول تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾
[الأحزاب: ١٩].
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((أي:
بخلاء عليكم، أي: بالحفر في الخندق،
والنفقة في سبيل الله، وقيل: بالقتال معكم،
وقيل: بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم،
وقيل: أشحة بالغنائم إذا أصابوها)»(١)،
وذلك ((للضغن الذي في أنفسهم))(٢).
فالبخل من صفات المنافقين التي ظهرت
جلية عليهم، وأثبتها الله تعالى في كتابه في
غير ما موضع، وقد قال الله تعالى فيهم أيضًا
أنهم قالوا: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنْفِقُواْ عَلَى
مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ وَللَّهِ خَزَآمِنُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
﴾ [المنافقون: ٧].
٧
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ١٥٢-
١٥٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٢٣٢.
ضوء
مَوَسُولَةُ النَّية
القرآن الكريم
فهم من أشد الناس بخلًا على المؤمنين،
ويسبب بخلهم هذا لا يحبون أن ينال
المؤمنون خيرًا ولا نصرًا، ولو كان هذا
الخير سيأتي من غيرهم، وتراهم يحرضون
الناس على بغض المؤمنين ومعاداتهم
وعدم الإنفاق عليهم، وذلك من شدة
عداوتهم وبخلهم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم وعلى المؤمنين.
قال السعدي رحمه الله تعالى عند تفسير
هذه الآية: ((وهذا من شدة عداوتهم للنبي
صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لما رأوا
اجتماع أصحابه وائتلافهم ومسارعتهم في
مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا
بزعمهم الفاسد: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ ﴾ [المنافقون:
٧].
فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين
ونفقاتهم عليهم؛ لما اجتمعوا في نصرة دين
الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعي
هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس
على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل
هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من
لا علم له بحقائق الأمور، ولهذا قال الله
ردًّا لقولهم: ﴿وَلِلَّهِ خَزَّابِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
[المنافقون: ٧].
فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء،
وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على
٤٨٨