النص المفهرس

صفحات 21-32

البحر
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]
والمراد بالحلية في الآية: قال الطبري الملح؛ حيث تنصب أنهار الماء العذب، أو
((اللؤلؤ والمرجان))؛ وذلك لقوله تعالى:
يَتْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَضِيَانِ
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْنَقِيَانِ (
فَبِأَقِ ءَلَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ، يَخْرِجُ مِنْهُمَا
اُلُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢-١٩].
(«الحلية ههنا: اللؤلؤ وما يتحلى به مما
يخرج من البحر))، وقال الواحدي: ((الحلية
الدر والجواهر)).
وقال الرازي: ((المعهود في القرآن في
لفظ الحلي: اللآلئ)).
وهل تخرج الحلية من المالح والعذب،
أم من المالح فقط؟
قيل: إن الحلية لا تخرج إلا من البحر
المالح دون العذب.
فكيف قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى
اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَابِعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا
مِلْعُ أُجَابٌ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا
وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ
مَوَاخِرَ لِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[فاطر: ١٢]؟
قال ابن جزي: ((فالجواب من ثلاثة
أوجه:
الأول: أن ذلك تجوز في العبارة كما
قال: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُمْ ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
والرسل إنما هي من الإنس.
الثاني: أن المرجان إنما يوجد في البحر
ينزل المطر فلما كانت الأنهار والمطر، وهي
البحر العذب تنصب في البحر الملح كان
الإخراج منهما جميعًا.
الثالث: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ
والمرجان من الملح والعذب، وهذا قول
يبطله الحس)»(١).
قال الشنقيطي: ((قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ
تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ عِيَةٌ
تَلْبَسُونَهَا﴾ دليل قرآني واضح، على
بطلان دعوى من ادعى من العلماء أن
اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من الملح
خاصة))(٢).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين
رحمه الله: ((نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن،
فالله عز وجل يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُ
وَالْمَرْحَاثُ﴾ وهو خالقهما وهو يعلم ماذا
يخرج منهما، فإذا كانت الآية ظاهرها أن
اللؤلؤ يخرج منهما جميعًا وجب الأخذ
بظاهرها، لكن لا شك أن اللؤلؤ من الماء
المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول
بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية.
وهذه قاعدة في القرآن والسنة: إننا
نحمل الشيء على ظاهره، ولا نؤول، اللهم
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ٢/ ١٧٣.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي، ٦/ ٢٨٢.
www. modoee.com
٤٢١

حرف الباء
إلا لضرورة، فإذا كان هناك ضرورة، فلابد تستعمل في الزينة حجر التوباز، ويوجد في
الرواسب النهرية في مواقع كثيرةٍ ومنتشرةٍ
أن نتمشى على ما تقتضيه الضرورة، أما بغير
ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على
ظاهرهما)»(١).
في البرازيل وروسيا (الأورال وسيبريا)،
وهو فلورسيليكات الألمونيوم، ويغلب أن
يكون أصفر أو بنيًا (٣).
أما العلم الحديث فإن الموسوعات
العلمية تؤكد استخراج الحلي من الأنهار
والمياه العذبة(٢)، ففي تعليق علمي على
قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُ وَالْمَرْحَانُ﴾:
قد يستبعد بعض الناس أن تكون المياه
العذبة مصدرًا للحلي، ولكن العلم والواقع
أثبتا غير ذلك، أما اللؤلؤ فإنه كما يستخرج
من أنواع معينة من البحر، يستخرج
أيضًا من أنواع معينة أخرى من الأنهار،
فتوجد اللآلئ في المياه العذبة في إنجلترا
وأسكتلندا وويلز و تشيكوسلوفاكيا واليابان
وغيرها، بالإضافة إلى مصاید اللؤلؤ البحرية
المشهورة. ويدخل في ذلك ما تحمله المياه
العذبة من المعادن العالية الصلادة، كالماس
الذي يستخرج من رواسب الأنهار الجافة
المعروفة باليرقة. ويوجد الياقوت كذلك
في الرواسب النهرية في موجوك بالقرب من
بانالاس في بورما العليا. أما في سيام وفي
سيلان فيوجد الياقوت غالبًا في الرواسب
النهرية. ومن الأحجار شبه الكريمة التي
(١) تفسير القرآن الكريم من سورة الحجرات
حتى سورة الحديد، العثيمين، ص٣١٠.
(٢) انظر: موسوعة بريتانيكا العلمية، الطبعة
الرابعة عشرة موضوع رقم ٤٤٧٩٧٤.
وروي عن الزجاج أنه قال: ((إنما
تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا لا من كل
واحد منهما على انفراده)) (٤).
والحلية لها منافع كثيرة، والذي ورد في
الآية: اللبس، وهو تنيبه على غاية الحلية (٥).
واللباس: اسم لما يلبس، وقوله:
تَلْبَسُونَهَا﴾: تلبسون كل شيء منها
بحسبه، كالخاتم في الأصبع، والسوار في
الذراع، والقلادة في العنق والخلخال في
الرجل، ومما يلبس حلية السلاح الذي
يحمل كالسيف والدرع ونحوهما (٦).
قال ابن عاشور: ((واللباس: اسم لما
يلبسه الإنسان، أي يستر به جزءًا من جسده،
فالقميص لباس، والإزار لباس، والعمامة
لباس، ويقال: لبس التاج، ولبس الخاتم)) (٧).
(٣) التعليقات العلمية على المنتخب في تفسير
القرآن الكريم، لنخبة من علماء الأزهر،
٢٥٣/٢.
(٤) فتح البيان، القنوجي، ١١/ ٢٣٣.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٥١٣.
(٦) فتح البيان، القنوجي، ١١/ ٢٣٣.
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢/ ٢٨١.
مُوسُوبَةُ النَّسية
القرآن الكريم
٤٢٢

البحر
ثالثًا: التجارة لطلب الرزق:
من نعم الله على الإنسان: أن كرمه
وحمله في البر والبحر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم
مِنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ
خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٠].
وركوب الإنسان البحر متعدد المقاصد،
منها التجارة، وطلب الرزق، كما يذكر
المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِئًا
وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى
اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ
قال الطبري: ((وقوله:
فَضْلِهِ﴾ يقول - تعالى ذكره -: ولتتصرفوا
في طلب معايشكم بالتجارة))(١)، وبنحوه قال
الثعلبي (٢)، وقال السمر قندي: ((لكي تطلبوا
رزقه، حين تركبون السفينة للتجارة))(٣)،
وقال الزمخشري: ((قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ
فَضْلِهِ﴾ يريد تجارة البحر))(٤).
وقد ذكر الله تعالى في قصة موسى
والخضر عليهما السلام، قصة القوم
المساكين الذين يعملون في البحر، قال
تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ
(١) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ١٨٢.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي، ٢٦٨/٦.
(٣) تفسير السمر قندي، ٢٦٨/٢.
(٤) الكشاف، الزمخشري، ٤٨٩/٣.
فِى الْبَحْرِ فَأَرَّدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ
سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].
قال السمرقندي: (قوله: ﴿یَعْمَلُونَ فِی
الْبَحْرِ﴾: أي يؤاجرون في البحر ويكسبون
قوتهم»(٥).
فائدة: استدل الإمام الشافعي بهذه الآية
على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين(٦).
وقد ذكر البخاري: ((باب التجارة في
البحر))(٧)، وکان تميم الداري رضي الله عنه
عظيم التجارة في البحر.
رابعًا: ركوبه للحج والغزو والعلم:
قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ
الَّتِى ◌َّجْرِى فِ الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ (( قوله:
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾، يعني: بما ينفع الناس
من ركوبها والحمل عليها في التجارات
والمكاسب وأنواع المطالب»(٨).
ذکر مالك رحمه الله أن عمر بن الخطاب
کان یمنع الناس من ركوب البحر، فلم يركبه
أحد طوال حياته، فلما مات استأذن معاوية
عثمان بن عفان في رکوبه فأذن له، فلم يزل
يركب حتى كان أيام عمر بن العزيز رحمه
الله فمنع الناس من رکوبه، ثم رکب بعده
حتى الآن.
(٥) تفسير السمر قندي، ٣٥٧/٢
(٦) غرائب القرآن، النيسابوري ٤ / ٤٥١.
(٧) صحيح البخاري، باب التجارة في البحر،
٥٥/٣.
(٨) معالم التنزيل، البغوي، ١/ ١٩٥.
www. modoee.com
٤٢٣

حرف الباء
وقال ابن عبد البر: ((وهذا إنما كان من
عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز رضي
الله عنهما ما في التجارة وطلب الدنيا، والله
أعلم»(١).
وعن ابن عمر: «أنه کان یکره رکوب
البحر إلا لثلاث: غازٍ، أو حاج، أو
معتمر»(٢).
وفي حديث أبي هريرة: جاء رجلٌ إلى
رسول الله صلی الله علیه وسلم، فقال: يا
رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا
القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا،
أفنتوضاً به، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)(٣).
قال ابن عبد البر: ((وفي حديث هذا
الباب من الفقه: إباحة ركوب البحر؛ لأنه
لو كرهه لنهى عنه الذين قالوا: إنا نركب
البحر، وقولهم هذا يدل على أنهم کثیرًا ما
كانوا يركبون البحر لطلب الرزق من أنواع
التجارة وغيرها وللجهاد وسائر ما فيه
إباحة أو فضيلة، والله أعلم، فلم ينههم عن
رکوبە»(٤).
وقال الجصاص في قوله تعالى: جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى
(١) التمهيد، ابن عبد البر، ٢٣٣/١.
(٢) أخرجه عبدالرزاق الصنعاني في مصنفه،
٢٨٤/٥.
(٣) أخرجه مالك في موطأه، باب الطهور
للوضوء، رقم ١٢.
(٤) التمهيد، ابن عبد البر، ١/ ٢٣٣.
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ
[البقرة: ١٦٤]: ((دلالة على إباحة ركوب
البحر غازيًا وتاجرًا ومبتغيًا لسائر المنافع؛ إذ
لم يخص ضربًا من المنافع دون غيره)»(٥).
وقد امتن الله على عباده بجريان الفلك
في البحر.
قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ
اَلْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهَ إِنَّهُ كَانَ
بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦].
قال ابن عاشور: ((وفى امتنان الله تعالى
بجريان الفلك في البحر دليل على جواز
ركوب البحر من غير ضرورة، مثل: ركوبه
للغزو والحج والتجارة)»(٦).
عقد البخاري في صحيحه: ((باب ركوب
البحر)، وبوب الإمام مسلم في صحيحه:
«باب فضل الغزو في البحر)) ثم ساقا حديث
أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم
حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرامٍ
تحتَ عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسولٌ
الله صلی الله علیه وسلم يومًا، فأطعمته، ثم
الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟
قال: (ناسٌ من أمتي عرضوا علي، غزاةً في
(٥) أحكام القرآن، الجصاص، ١٣١.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢/ ٨١.
مَوسُو ◌َ النَّقِين
القرآن الكريم
٤٢٤

البحر
سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكًا
على الأسرة)، أو (مثل الملوك على الأسرة)
-يشك أيهما- قال: قالت: فقلت: يا رسول
الله، ادع الله أن يجعلني منھم، فدعا لھا، ثم
وضع رأسه، فنام، ثم استيقظ وهو يضحك،
قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟
قال: (ناسٌٌ من أمتي عرضوا علي، غزاةً في
سبيل الله)، كما قال في الأولى، قالت:
فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني
منهم، قال: (أنت من الأولين)، فركبت أم
حرامٍ بنت ملحان البحر في زمن معاوية،
فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر،
فهلكت (١).
نخلص مما سبق أن ركوب البحر جائز
في طلب شتى المنافع من التجارة، والجهاد،
والغزو، والحج، وطلب العلم، وغيرها.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ركوب
البحر، رقم ٢٨٩٤، ومسلم في صحيحه،
باب فضل الغزو في البحر، رقم ١٩١٢.
البحر من جند الله سبحانه وتعالى
إن الله تعالى قويٌّ عزيزٌ لا یغالب، له
جنود السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَللَّهِ
جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
[الفتح: ٧].
وجنوده تعالی لا يعلمها إلا هو، کما قال
تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَيْكَ إِلَّ هُوَ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَى
لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: ٣١].
وقد ذكر الله تعالى البحر في آيات
متعددة، تبرز البحر کونه جندًا من جنده
يسلطه على من يشاء من خلقه، وقد تجلى
البحر بهذا المعنى في قصة نبي الله موسى
-عليه السلام -وذلك في مراحل دعوته:
أولًا: البحر من جند الله، بحفظه لنبي
الله موسى عليه السلام:
فقد أوحى الله تعالى لأم موسى عليه
السلام إذا خافت عليه من بطش فرعون،
أن تضعه في تابوت، ثم تلقيه في اليم،
قال تعالى: ﴿إِذْ أَ وْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ
٣٨
أَنِ آَقْذِفِيهِ فِ النَّبُوتِ فَأَقْذِفِيهِ فِ الْبَرِّ فَلْيُلْقِهِ آلْيَمُّ
بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوٌّ لَّهُ، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ
مَحَبَّةٌ مِنِى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ )﴾ [طه: ٣٨ -
٣٩].
فسخر الله تعالى اليم جندًا من جنوده
لحفظ نبيه وهو طفل صغير، قال السمعاني:
((اليم: هو البحر، ويقال: إن اليم ها هنا هو
www. modoee.com
٤٢٥

حرف الباء
النيل، والعرب تسمي الماء الكثير بحرًا))(١).
وفي قوله تعالى: ﴿فَيُلْقِهِ اَلْيَمُّ ◌ِلسَّاحِلِ﴾
جزاء أخرج مخرج الأمر، وكأن اليم هو
المأمور(٢).
ثانيًا: البحر من جند الله ينفلق لموسى،
ویغرق فرعون وجنده:
لما أمر الله تعالی موسى أن يخرج بيني
إسرائيل، فرارًا بدینهم من فرعون وجنده،
قابلهم البحر، فكان البحر من أمامهم
وفرعون من خلفهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا
تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَىَ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
[الشعراء: ٦١].
فقال موسى: ﴿قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّ
سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن
اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر أن
اسمع لموسى وأطع إذا ضربك(٣)، فضربه
موسی فانفلق فکان فیه اثنا عشر طریقًا، کل
طريق كالطود العظيم، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَاً
إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَأَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
فِرْقٍ كَالطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ
أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ بَسَا لَا
تَخَفُ دَرَّكًا وَلَا تَّخْشَى﴾ [طه: ٧٧]
(١) تفسير القرآن، السمعاني، ٣٢٩/٣.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٣٠٢/١٨.
(٣) المصدر السابق ٥٤/٢٠.
فسار موسی وأصحابه، حتى خرجوا
من البحر، ودخل فرعون وقومه في البحر،
فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم
موسى، أراد موسى أن يضرب البحر بعصاه
ثانیة لینطبق حتى لا يمر فرعون وجنده، فأمر
الله موسى أن يترك البحر ((رهوً)): أي ساكنًا
فهو مأمورٌ بإغراقهم (٤).
قال تعالى: ﴿وَآتُرُكِ الْبَحْرَ رَهْوَاْ إِنَّهُمْ جُنْدٌ
مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤].
فأطبق البحر على فرعون وقومه فأغرقوا،
قال تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ اَلْبَحْرَ
فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا
أَدْرَكَةُ الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ
ءَامَنَّتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:
٩٠].
وقال جل وعلا: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ
الْبَحْرَ فَأَنْجَيِّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَجَوَزْ نَابِبَنِّ إِسْرَّهِيَلَ اَلْبَحْرَ
فَأَتَواْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾
[الأعراف: ١٣٨].
ولما كان البحر جنديًا مأمورًا من الله
تعالى، أمره بأن يحفظ جثة فرعون ويلقيها
على الساحل، وأن يبقيها حتى يكون آية لمن
خلفه من الطغاة.
قال السمرقندي: ((قوله تعالى: ﴿قَالْيَوْمَ
(٤) الكشاف، الزمخشري، ٢٧٥/٤.
٤٢٦
جوب
القرآن الكريم

البحر
تُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ﴾: نخرجك من البحر نَسْفًا﴾ أي: نلقيه في البحر))(٣).
بجسدك)).
وقال أبو عبيدة: ((نلقيك على نجوة من
الأرض، والنجوة من الأرض: ما ارتفع منها
ببدنك))(١).
﴿ فَلْيَوْمَ تُنَجِيكَ بِبَّدَنِكَ
قال تعالى:
لِتَّكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
ثالثًا: البحر المكان الذي نسف فيه
موسى عجل بني إسرائيل:
وقال البغوي: ((﴿ثُمَّ لَتَنْسِفَنَّهُ﴾، أي:
لنذرينه، ﴿فِ اَلْيَمِ﴾: في البحر)) (٤).
إن موسى عليه السلام لما ذهب
لمواعدة ربه إياه، واستخلف هارون على
بني إسرائيل، وكان فيهم السامري، فأخرج
السامري لهم عجلًا له خوار، وقال لبني
إسرائیل: هذا إلهکم، فلما رجع موسی سأل
السامري فأخبره خبر العجل، قال -تعالى
حكاية عن موسى -: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ
لَكَ فِ الْحَيَوَةِ أَن تَقُولَ لَامِسَاسٌَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا
أَنْ تُخْلَفَةُ، وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَيْهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ
عَاكِفَاً لَنُحَرِّقَنَّهُ، ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِّ نَسْفًا﴾
[طه: ٩٧].
قال الطبري: ((قوله تعالى: ﴿ثُمَّلَنَنِسِفَنَّهُ,
فِ اَلْيَمِّ نَسْمَا﴾ أي: ثم لنذرينه في البحر
تذرية))(٢).
وقال الكلبي: ((﴿ثُمَّ لَتَنِسِفَنَّهُفِ الْيَمِ
(١) تفسير السمر قندي، ١٣١/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري، ١٨/ ٣٦٣.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ١٣.
(٤) معالم التنزيل، البغوي، ٢٩٣/٥.
www. modoee.com
٤٢٧

حرف الباء
البحر في المثل القرآني
جاءت الآيات القرآنية بضرب المثل
بالبحر، وذلك في آيتين:
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا
لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنفَدَ كَلِمَتُ رَبٍِ وَلَوْجِئْنَا
بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
وذلك أنه لو كان البحر مدادًا - والمداد:
اسم لما يمد الشيء كالحبر للدواة - للقلم
الذي يكتب به كلمات الله تعالى وحكمه
وآياته، من وعد بالثواب والعقاب، وذكره ما
خلق وما هو خالق، وعلم القرآن، ومواعظه
تعالى وعلمه وحكمته، لنفد البحر، وما
نفدت كلمات الله تعالى(١).
ولو أن شجر الله كلها بريت أقلامًا،
والبحر لهذه الأقلام مدادًا، ومن بعده سبعة
أبحر، تكتب هذه الأقلام كلام الله تعالى
بذلك المداد من البحار، لتكسرت تلك
الأقلام، ولنفد ذلك المداد ولم تنفد كلمات
الله تعالى وعلمه (٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ
مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ،
سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
قال البيضاوي: ((وإيثار جمع القلة
للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل، فكيف
(١) جامع البيان، الطبري، ١٨/ ١٣٣.
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ٢٩٢/٦ بتصرف.
بالکثیر! فإن الله عزیزٌ لا يعجزه شيء، حکیمٌ
لا يخرج عن علمه وحكمته أمر)»(٣).
وهل إذا نفدت البحار هل تنفد كلمات
الله تعالی؟
قال الزركشي: «ليس المراد أن كلمات
الله تنفد بعد نفاد البحر، بل لا تنفد أبدًا،
لا قبل نفاد البحر ولا بعد نفاده، وحاصل
الكلام: لنفد البحر ولم تنفد كلمات
ربي)» (٤).
والبحار السبع التي تمد البحر، هي بحار
غير موجودة.
قال الرازي: ((قوله تعالى: ﴿َمُدُّهُ،مِنْ
بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ﴾ إشارة إلى بحار غير
موجودة، يعني لو مدت البحار الموجودة
بسبعة أبحر أخر))(٥).
وحصر البحار بالسبعة غير مراد، بمعنى
لو كانت أكثر من سبعة بحار تمد البحر هل
تنفد كلمات الله؟
قال الرازي: ((وقوله: سبعة، ليس
لانحصارها في سبعة، وإنما الإشارة إلى
المدد والكثرة ولو بألف بحر، والسبعة
خصصت بالذكر من بين الأعداد؛ لأنها عدد
كثير يحصر المعدودات في العادة، والذي
يدل على ذلك وجوه : ... فصارت السبعة
كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة،
فاستعملت في كل كثير)) (٦).
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢١٦/٤.
(٤) البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ٣٩٩/٣.
(٥) مفاتح الغيب، الرازي، ١٣٨/٢٥.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣٨/٢٥.
٤٢٨
القرآن الكريم

البحر
لمسات إعجازية في البحر
لما كان كتاب الله تعالى بحر درر،
لا تنقضي عجائبه، ولما كانت البحار
والمحيطات تشغل الحيز الأكبر من سطح
الأرض فتبلغ نحو ثلاثة أرباعه(١)، كانت
عناية الباحثين والعلماء عناية فائقة في
استنباط دلائل صدق النبوة في الآيات التي
ذكرت البحر وما تحمل في طياتها من إعجاز
علمي أبهر كبار العلماء والباحثين الغربيين.
أولًا: ظلمات البحر:
﴿أَوْ كُظُلُمَتِ فِ بَحْرِ لُّبِيِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِّن
فَوْقِهِ، مَوْجٌّ مِّن فَوْقِهِ، سَّحَابٌ خُلُّمَتُ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجُ بَدَهُ: لَمْ يَكَدْ يَرَهَا وَمَن ◌َزْيَجْعَلِ
اُللَّهُ لَهُهُ نُورًا فَمَا لَهُمِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
تتحدث الآية الكريمة عن أولئك الذين
كفروا بآيات الله وأنكروا لقاءه وجحدوا
برسوله، فهؤلاء مثل أعمالهم التي قاموا بها
في الدنیا کمثل إنسان یرکض وراء سراب،
یلهٹ وراءه فإذا ما وصل إلیه لم یجده شيئًا،
ووجد عنده عمله السيئ، ومثل هذا الكافر
کإنسان یعیش في ظلمات بحر عميق لا يكاد
يرى شيئًا بسبب الظلمات المتراكمة.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله: ((﴿في
بَهْرٍ لِيٍ﴾: وهو الذي لا يدرك قعره،
(١) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
المطهرة، يوسف الحاج أحمد، ٤٢٧/١.
واللجة معظم الماء، والجمع لجج، واللج
هو البحر إذا تلاطمت أمواجه))(٢).
وتبرز الحقيقة العلمية(٣): عندما نزل
العلماء إلى أعماق المحيطات وجدوا أن
البحار العميقة تتمتع بظلام دامس، وعلى
عمق كيلو متر واحد لا يكاد الإنسان يرى
شيئًا، وتزداد الظلمة إذا كانت أمواج البحر
السطحية عالية الارتفاع؛ لأنها تساهم في
حجب ضوء الشمس.
وكذلك وجدوا أن البحار العميقة في
أعماقها هناك أمواج داخلية لا يمكن لأحد
أن يراها إلا إذا نزل إلى أعماق أكثر من
ألف متر، وهذه الأمواج قد تكون أشد من
الأمواج السطحية.
وجه الإعجاز في هذا الآية يتمثل في
إشارتین علمیتین:
تحدثت عن الظلمات في البحار
العميقة، وهو ما كشفه العلماء حديثاً، ولم
یکن معلومًا زمن التنزيل.
أشارت إلى الأمواج الداخلية العميقة،
وهو ما كشفه العلماء أيضًا، وهو ما أشارت
إليه الآية في قوله تعالى: ﴿يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِّن
فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٢/ ٢٨٣.
(٣) آيات الله في المحيطات والبحار والأنهار،
ماهر أحمد الصوفي، ٢٦١/١.
www. modoee.com
٤٢٩

حرف الباء
ثانيًا: الحاجز بين البحرين:
١٩ منهما
قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ
بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٠].
العَذْب هو النهر، وصفه القرآن الكريم
بوصفين ﴿عَذَّبٌ﴾ و﴿فَرَاتٌ﴾، ومعناهما
أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه
وصف ﴿قُرَاتٌ﴾، وبهذا الوصف خرج
ماء المصب، الذي يمكن أن يقال: إن فيه
عذوبة، ولكنه لا يمكن أن يوصف بأنه
فرات، وما كان من الماء ملحًا أجاجًا فهو
ماء البحار.
ووصفه القرآن الکریم بوصفین:
أي: شديد الملوحة.
وواجاج
وبهذا خرج ماء المصب؛ لأنه مزيج بين
الملوحة والعذوبة، فلا ينطبق عليه وصف
◌ُجَاجٌ﴾.
وبهذه الأوصاف الأربعة تحددت حدود
الكتل المائية الثلاث:
١ - ﴿هَذَا عَذْبٌ فَرَاتٌ﴾ ماء النهر.
٢ - ﴿وَهَذَا مِلْعُّ أَجَاجٌ﴾ ماء البحر.
٣ - ﴿وَجَعَلَ يَتْنَهُمَا بَرْزَنَا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا}
،
البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصب.
الحجر والحجر هو المنع والتضييق،
يسمى العقل حجرًا؛ لأنه يمنع من إتيان ما
لا ينبغي، قال تعالى: ﴿هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِى
حجمْرٍ﴾ [الفجر: ٥].
فمن يقرأ قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَقِ
يَلْنَفِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩].
فقط يتصور أن امتزاجًا واختلاطًا كبيرًا
يحدث بين هذه البحار، يفقدها خصائصها
المميزة بها، ولكن العليم الخبير يقرر في
الآية بعدها ﴿يَتْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَضِيَانِ﴾
ومع حالة الاختلاط والاطراد هذه
التي توجد في البحار، فإن حاجزًا يحجز
بينهما، يمنع كلا منهما أن يطغى ويتجاوز
حده، وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدم
في علومه وأجهزته، فقد وجد ماءٌ ثالث
يختلف فى خصائصه عن خصائص كل من
البحرين، ويفصل كل من البحرين الملحين
المتمايزين في خصائصهما من حيث
الملوحة والحرارة، والكثافة، والأحياء
المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، ووجد
أن هذا الحاجز المائي متحرك بين البحرين
على اختلاف فصول السنة، وهذا المعنى
يندرج أيضًا تحت قوله تعالى: ﴿مَرَجَ﴾ الذي
يعني أيضًا الذهاب، والإياب، والاختلاط،
والاضطراب(١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَالْبَحْرَيْنِ
هَذَا عَذْبٌ فَرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أَجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَّغًا
وَحِجْرًا تَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣].
يقول الشيخ النابلسي: ((إن بين البحرين
برزخًا وحجرًا محجورًا، هذا الماء العذب
(١) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مناهج
جامعة المدينة العالمية، ١/ ٣٩٣.
٤٣٠
القرآن الكريمِ

البحر
يسير داخل الماء المالح، ومع ذلك لا ذرة الماء من الأوكسجين والهيدروجين؟
بَينَهُمَا برزخ
يختلطان، ولا يتمازجان، لأن:
لَا يَتَغِيَانِ﴾، فهناك بين الماء العذب، والماء
المالح حجرٌ محجورٌ، والحجر المحجور
يعني: أن معظم أسماك المياه العذبة لا
تدخل في المياه المالحة، وأسماك المياه
المالحة لا تدخل في المياه العذبة، ففي
الحجر المحجور حجرٌ على هذه الأسماك
من أن تنتقل إلى الماء المالح، وحجرٌ على
تلك الأسماك أن تنتقل إلى الماء العذب»(١).
والأوكسجين غازٌ مشتعلٌ، والهيدروجين
غاز یعین علی الاشتعال، فلو أن الله فك هذه
العلاقة الباردة بينهما لأصبح البحر كتلةً من
اللهب، هذا معنی، بید أن عالمًا معاصرًا قال:
((ثبت أن في قاع المحيطات براكين تقذف
باللهب من الصدوع)»، وهذه آيةٌ من آيات
الله في خلقه، حيث إنه لولا هذه النار لما
استطاعت الكائنات الحية في قاع المحيط
أن تعيش في هذه الظلمة الحالكة، والعلماء
في أواخر الستينيات من القرن العشرين، أي
ثالثًا: البحر المسجور:
بعد أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام من نزول
هذا القرآن يقررون أن جميع المحيطات،
وعديدًا من البحار قيعانها مسجورةٌ بالنيران،
وهي الحقيقة التي ذكرها القرآن قبل ألفٍ
وأربعمئة عام، وسماها: البحر المسجور(٢).
من أكثر الآيات الباهرة في البحار
والمحيطات: ما جاء به القرآن الكريم في
مطلع سورة الطور في وصف البحر بأنه
مسجورٌ، قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ اَلْمُسْجُورِ﴾
[الطور: ٦].
يقسم الله تبارك وتعالى بهذا البحر
المسجور، وهو تعالى غنيٌ عن القسم
لعباده، ولكنه يلفت نظرهم إلى عظمة
المقسم به، فإنه تعالی لا یقسم إلا بعظیم،
والمسجور في اللغة: هو الذي أوقد عليه
حتى أصبح حارًا، والماء يتناقض مع النار؛
لأن وجود أحدهما ينقض وجود الآخر،
حيث إننا نطفيء النار بالماء، فكيف يكون
البحر مسجورًا؟ بعضهم قال: ألا تتألف
(١) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة،
محمد راتب النابلسي، ٩٦/٢ بتصرف.
موضوعات ذات صلة:
الأرض، الأنهار، الجبال، الماء
(٢) المصدر السابق.
www. modoee.com
٤٣١