النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الْجَز
2
عناصر الموضوع
مفهوم البحر
٤٠٢
البحر في الاستعمال القرآني
٤٠٣
الألفاظ ذات الصلة
٤٠٤
البحر والقدرة الإلهية
٤١٣
البحر وأشراط الساعة
٤١٤
البحر والابتلاء
٤١٩
منافع البحر
٤٢٥
البحر من جند الله سبحانه وتعالى
٤٢٨
البحر في المثل القرآني
٤٢٩
لمسات إعجازية في البحر
المُجَلَد السّادِسْ
٤٠٦

حرف الباء
مفهوم البحر
أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والحاء والراء أصل يدل على السعة والانبساط، قال الخليل: ((سمي البحر بحرًا
لاستبحاره وهو انبساطه وسعته))(١)، والبحر لغة: الشق، وإنما سمي البحر بحرًا؛ لأنه شق في
الأرض شقًا، وجعل ذلك الشق لمائه قرارًا، والبحر: الماء الکثیر، ملحًا كان أو عذبًا، وهو
خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه.
وقد غلب البحر على الملح حتى قل في العذب، وجمعه أبحرٌ وبحورٌ وبحارٌّ، وماءٌ بحرٌ:
ملحٌّ، قل أو كثر، قال ابن سيده: ((وكل نهرٍ عظيمٍ بحرٌ))، وقال الزجاج: ((وكل نهرٍ لا ينقطع
ماؤه فهو بحرٌّ)) (٢)، قال الراغب في المفردات: ((أصل البحر: كل مكانٍ واسعٌ جامعٌ للماء
الكثير)) (٣)، ويسمى الفرس الواسع الجري: بحرًا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في
مندوب فرس أبي طلحة: (إن وجدناه لبحرًا) (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
من المعاني اللغوية يتضح أن تعريف البحر اصطلاحًا لابد أن يشتمل على ثلاثة أمور:
سعة المكان، وجمعه للماء، وأن يكون الماء كثيرًا، سواء كان هذا الماء ملحًا أو عذبًا، راكدًا
أو جاريًا (٥)، وقد عرف البحر خلق كثيرون، قال صاحب التوقيف على مهمات التعريف:
(البحر: مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من
الاتساع»(٦).
وقال بعضهم: ((البحر يقال في الأصل للماء الملح دون العذب))(٧).
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ٦٤.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٠١/١.
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ١١٤/١٠، مختار الصحاح، الرازي ٢٩/١.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني، ١/ ١٠٨.
(٥) المحكم، ابن سيده ٣١٩/٣.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤١،٤٢/٤
(٧) التوقيف على مهمات التعريف، المناوي ١/ ٧١.
٤٠٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البحر
البحر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بحر) في القرآن الكريم (٤٢) مرة، يخص موضوع البحث منها (٤١)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
٣٣
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٤٢]
المثنى
٥
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: ٢٧٢]
الجمع
٣
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ
[البقرة:
٢٥٤]
وجاء البحر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي وهو: المكان الواسع الجامع للماء
الكثير، سواء كان عذبًا أو مالحًا (٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١٧/٦.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ١٩٧.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الباء
الألفاظ ذات الصلة
اليم:
١
اليم لغة:
الياء والميم: كلمةٌ تدل على قصد الشيء وتعمده وقصده، واليم: البحر(١).
اليم اصطلاحًا:
متسع من الأرض أصغر من المحيط مغمور بالماء الملح أو العذب(٢).
الصلة بين البحر واليم:
اليم من الكلمات المرادفة للبحر، قال ابن منظور: ((وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو
البحر))(٣)، لكن من الملاحظ أن القرآن لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة، ولم
يستعمله في مقام النجاة، أما البحر: فقد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة (٤).
ويطلق اليم أيضًا على النهر العذب: كما في قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي النَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِفِ
اَلْيَمْ فَلْيُّلْقِهِ آلْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِىِ وَعَدُوٌّ لَّهُ, وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْفِ﴾ [طه: ٣٩].
قال القرطبي: ((﴿فَأَقْذِفِيهِ فِ اَلْيَمِ﴾ أي اطرحيه في البحر: نهر النيل))(٥)
النهر:
٢
النهر لغة:
النون والهاء والراء أصل صحیح یدل على تفتح شيءٍ أو فتحه، وسمي النهر؛ لأنه پنھر
الأرض أي يشقها (٦).
النهر اصطلاحًا:
الماء الجاري المتسع، ثم أطلق على الأخدود مجازًا(٧).
الصلة بين البحر والنهر:
أطلق في القرآن البحر على النهر، ولم يطلق النهر على البحر.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ١٥٢.
(٢) انظر: المحكم، ابن سيده، ١٠ /٥٧٩.
(٣) لسان العرب، ابن منظور، ٤ / ٤٢.
(٤) لمسات بيانية في نصوص التنزيل، فاضل السامرائي، ٩٣/١.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٩٥/١١.
(٦) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٦٢/٥.
(٧) التوقيف على مهمات التعريف، الميناوي، ٣٣١/١
٤٠٤
جَوَسُو ◌َرُ النَّتِيَّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البحر
البر:
٣
البرُ لغة:
خلاف البحر. والبرية من الأرضين، بفتح الباء: خلاف الريفية. والبرية: الصحراء نسبت
إلى البر، ويقال: أفصح العرب أبرهم. معناه: أبعدهم في البر والبدو دارًا. وقوله تعالى:
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ﴾ [الروم: ٤١]، قال الزجاج: ((معناه ظهر الجدب في البر والقحط في
البحر أي: في مدن البحر التي على الأنهار))(١).
والبر: الصادق. وفي التنزيل العزيز: ﴿إِنَّهُ, هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨].
والبر: من صفات الله تعالى وتقدس: العطوف الرحيم اللطيف الكريم(٢).
البراصطلاحًا:
البر: خلاف البحر، وهو التراب واليابس (٣).
الصلة بين البحر والبر:
البحر: مستقر الماء الواسع، وكما ذكرنا في البر أنه خلاف البحر، فيمكننا القول: إن
العلاقة بينهما تضاد.
(١) لسان العرب، ٥٢/٤، ابن منظور، وانظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٧٩/١.
(٢) لسان العرب ٥٢/٤، ابن منظور.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٤/٤، الكليات، أبو البقاء الكفوي، ١/ ٢٢٥.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الباء
البحر والقدرة الإلهية
أولًا: تسخير البحر:
البحر آية عظيمة من آيات الله تعالى
الدالة على قدرته، وتسخير الله تعالى البحر
للناس بما ينفعهم لمن أعظم الدلائل على
ربوبية الله تعالى، والتي تستلزم الإقرار
بوحدانيته جل وعلا.
وتأتي الآيات الكريمة لتذكير الناس بتلك
النعمة العظيمة والآية الباهرة، قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ
لَحْمًا طَرِئًا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ
مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[النحل: ١٤].
وقال تعالى: ﴿اَللَهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ
الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِ، وَلَِبْنَفُواْ مِن فَضْلِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[الجاثية: ١٢].
ومعنى التسخير: التذليل، قال
السمرقندي: ((وهو الذي سخر البحر
أي: ذلل لكم البحر))(١)، وقال ابن عطية:
((وتسخير البحر: هو تمكين البشر من
التصرف فيه وتذليله للركوب والإرفاق
وغيره))(٢)، وقال الماتريدي: ((وتسخيره
إياه لنا: هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع
(١) تفسير السمر قندي، ٢٦٨/٢.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٨٣/٣.
الأموال التي خلق الله فيه من الحلي
والجواهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدواب
السمك وغيره، فلولا تسخير الله إياه للخلق،
وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما
فيه من الأموال النفيسة، وإلا ما قدروا على
استخراج ما فيه والوصول إليه؛ لشدة أهواله
وأفزاعه))(٣).
وللبحر منافع كثيرة (٤)، وقد ذكر الله
تعالى في الآيات السابقة ثلاث منافع من
جملة منافع تسخير البحر (٥):
المنفعة الأولى: أكل اللحم الطري منه:
وهو السمك الذي يصطاد منه.
المنفعة الثانية: استخراج الحلي: وهو
اللؤلؤ والمرجان.
المنفعة الثالثة: جريان الفلك فيه: وهذه
المنفعة من أعظم مظاهر تسخير البحر،
فالله تعالى قد خصها بالذكر والتسخير في
اللَّهُ الَّذِى
غالب آيات البحر، فقال تعالى:
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ
لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ.ٌ وَسَخَّرَ
لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿أَلَّتَّرَ أَنَّ اللَّهَ سَفَّرَ لَكُمْمَّافِ
اَلْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَّجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج:
(٣) تأويلات أهل السنة، للماتريدي، ٤٨٥/٦.
(٤) سيأتي الحديث عن منافع البحر مفصلاً في
مبحث مستقل.
(٥) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ١٨٠.
٤٠٦
مَوَسُولَةُ النَّسَيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

البحر
٦٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْتَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِى فِي
الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اَللَّهِ لِيُرِيِّكُ مِنْ ءَايَتِهِ، إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارِشَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].
والفلك هو السفن، واحده وجمعه
بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث، كما قال تعالى
وقد جاء وصف السفن بأنها مواخر في
تسخير البحر.
في تذكيره في آية أخرى: ﴿وَءَايَةٌ لَّمْ أَنَّا
حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] آيتين من كتاب الله، وهذا الوصف من كمال
فذكره(١).
وسبب تسمية السفينة فلكًا لأنها تدور
في الماء بسهولة (٢)
والآية في الفلك تسخيره وجريها على
وجه الماء، وهي موقرة مثقلة، لا ترسب
تحت الماء بل تعلو على وجه الماء(٣).
فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها
نظير الهواء في أعلاها (٤).
وأما دلالة الفلك على وجود الإله،
فلأنها أثقل من الماء، فحقها الرسوب
فيها، فإمساكها فوق الماء من الله. ودخول
الهواء فيها- وإن كان من الأسباب- فلا
يتم عند امتلاء الفلك بالأمتعة الكثيرة، إذ
يقل الهواء جدًا فيضعف أثره في إمساك هذا
الثقیل جدًا، فلا ينبغي أن ینسب إلا إلى الله
تعالى من أول الأمر وعلى التوحيد، فلأن
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٧٣/٣.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ١٢٢/٣.
(٣) تفسير القرآن، السمعاني، ١/ ١٦٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢/ ١٩٤.
إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع
أحدهما الآخر من التصرف في ملكه، وهو
يفضي إلى اختلال نظام العالم؛ لاختلاف
المنافع المنوطة بالفلك وعلى الرحمتين،
فلأنه رحم المسافرين بالتجارات، والمسافر
إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها(٥).
قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ
لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا
عَذِّبٌ فُرَاتٌ سَآَيْعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْحُّ أُجَابٌّ وَمِنْ
كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلَّكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ
فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢].
وفي معنى ﴿مَوَاخِرَ﴾ أقوال: فقال قتادة:
(مقبلة ومدبرة، وهو أنك ترى سفينتين
إحداهما تقبل والأخری تدبر، تجریان بریح
واحدة».
وقال الحسن: ((﴿مَوَاخِرَ﴾ أي: مملوءة)).
وقال الفراء والأخفش: ((شواق تشق
الماء بجناحیها».
(٥) محاسن التأيل، القاسمي، ١ / ٤٦٠.
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الباء
قال مجاهد: (تمخر السفن الرياح)).
وقال أبو عبيدة: ((صوائخ، والمخر:
صوت هبوب الريح عند شدتها))(١).
ولا يحصل جريان الفلك على وجه الماء
إلا بتسخير ثلاثة أشياء.
قال الرازي (٢): ((أحدها: الرياح التي
تجري على وفق المراد.
وثانيها: خلق وجه الماء على الملاسة
التي تجري عليها الفلك.
ثالثها: خلق الخشبة على وجهٍ تبقى طافيةً
على وجه الماء ولا تغوص فيه.
ولا شك أن الاطلاع على العجائب
التي في البحر من دلائل توحيد الله تعالى،
ولا يكون الاطلاع على عجائب البحر إلا
بالفلك، ولذلك خصها الله تعالی بالذکر،
قال الألوسي: ((خص الفلك بالذكر مع أن
مقتضى المقام حينئذ أن يقال: والعجائب
التي في البحر - لأنه سبب الاطلاع على
أحواله وعجائبه- فكان ذكره ذكرًا لجميع
أحواله، وطريقًا إلى العلم بوجوه دلالته،
ولذلك قدم على ذكر - المطر والسحاب-
لأن منشأهما البحر في غالب الأمر))(٣).
والناظر في آيات البحر يلحظ قضية
عقدية في خلق أفعال العباد في تسيير الله
تعالى الفلك في البحر، فتسيير الفلك في
(١) معالم التنزيل، البغوي، ١٣/٥.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٧/ ٦٧٣.
(٣) روح المعاني ٤٣٠/١.
البحر من الله تعالى، والسير: فعل العباد،
فقوله تعالى: ﴿هُوَالَّذِى يُسَيِّكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ﴾
[يونس: ٢٢].
دليل على أن الحوادث كلها مخلوقة
لله تعالى، فأخبر تعالى بتسيير الفلك في
البحر أنه خالق لسيرنا؛ فالتسيير فعله والسير
فعل العباد وهو أثر التسيير، وفي هذا رد
على القدرية الذين يقولون: إن الخلق هم
الخالقون لسيرهم، وهذا رد منهم للقرآن.
قال ابن القيم: ((فالتسيير فعله، والسير
فعل العباد وهو أثر التسيير)) (٤)
وقال ابن عاشور: ((ومن تسخير البحر
خلقه على هيئةٍ يمكن معها السبح والسير
بالفلك، وتمکین السابحين والماخرين من
صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخرة لحیل
الصائدین»(٥).
ثانيًا: شمول علم الله لما في البحر:
لا شك أن علم الله تعالی لا حد له،
فهو بكل شيء عليم، قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ
مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلُ مَا فِى أَلْبِّ
وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا
حَبَّةٍفِ ظَلُمَتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاپِ إِلَّا فِ
كِتَبِ سُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
قال جمهور المفسرين: «هو البر والبحر
المعروفان؛ لأن جمیع الأرض إما بر وإما
(٤) شفاء العليل ١/ ٥٨.
(٥) التحرير والتنوير، ١١٩/١٤.
٤٠٨
مُوسُو ◌َرُ النَّسيد
القرآن الكريم

البحر
بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب وذلك هو الغيب)) (٣).
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ أَلْبَرِّ
وقوله تعالى:
والبحرِ﴾،هذا یحتمل وجوهًا:
مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ما يدل على
عظیم قدرته وسعة علمه)) (١).
يقول العلامة السعدي في تفسيره: «هذه
الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلاً
لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها،
التي يطلع منها ما شاء من خلقه، و کثیر منها
طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء
المرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين،
وأنه يعلم ما في البراري والقفار، من
الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى،
والتراب، وما في البحار من حيواناتها،
ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه
أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها))(٢).
قال الطبري «قوله تعالى: ﴿وَيَعْلُ مَافِى
اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وعنده علم ما لم يغب أيضًا
عنکم؛ لأن ما في البر والبحر مما هو ظاهر
للعين، يعلمه العباد، فكأن معنى الكلام:
وعند الله علم ما غاب عنکم، أيها الناس،
مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثر بعلمه
نفسه، ويعلم أيضًا مع ذلك جميع ما يعلمه
جمیعکم، لا يخفى عليه شيء؛ لأنه لا شيء
إلا ما يخفى عن الناس أو ما لا يخفى عليهم.
فأخبر الله تعالى ذكره أن عنده علم كل شيء
کان ویکون، وما هو كائن مما لم یکن بعد،
(١) لباب التأويل، الخازن، ١١٩/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ٢٥٩/١.
أولًا: أي يعلم ما في البر والبحر من
الدواب، وما يسكن فيها من ذي الروح،
کثرتها وعددها وصغيرها و کبیرھا، لا يخفى
عليه شيء.
والثاني: يعلم رزق كل ما في البر والبحر
من الدواب ویعلم حاجته، ثم یسوق إلی کل
من ذلك رزقه.
يذكر هذا - والله أعلم- ليعلموا أنه لما
ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه
رزقه من غير تكلف ولا طلب، كما يسوق
أرزاق كل ما في البر والبحر من غير طلب
ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما
بالکم تضیق قلوبکم علی ذلك، وقد ضمن
ذلك لکم کما ضمن لأولئك؟!
والثالث: يعلم ما في البر والبحر من
اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول
بعض في بعض، يخرج هذا على الوعيد:
أنه لما كان عالمًا بهذا كله يعلم بأعمالكم
ومقاصدکم(٤).
الرابع: يعلم ما يهلك في البر والبحر (٥).
وقال الواحدي: ((﴿وَيَعْلُ مَا فِى الْبَرِّ﴾:
القفار، ﴿وَالْبَحْرِ﴾ كل قرية فيها ماءٌ، لا
(٣) جامع البيان، الطبري، ١١/ ٤٠٢.
(٤) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤ / ٩٨.
(٥) تفسير السمر قندي، ٤٥٣/١.
www. modoee.com
٤٠٩

حرف الباء
يحدث فيهما شيء إلا بعلم الله))(١).
قال العلامة محمد رشيد رضا: ((وعلمه
وقد خصهما الله تعالى بالذكر؛ لأنهما تعالى بما في البر والبحر من علم الشهادة
أعظم المخلوقات المجاورة للبشر (٢).
والله تعالى قدم ذكر البر؛ لأن الإنسان
قد شاهد أحوال البر، و کثرة ما فیه من المدن
والقرى والمفاوز والجبال والتلال، وكثرة
ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن.
وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل،
الجملة أکثر، وطولها وعرضها أعظم، وما
فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات
أعجب(٣).
إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الأرض أعظم من قسم البر، وخفاياه أكثر
(٦)
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَيَعْلُ مَا فِى الْبرِ
وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحيط علمه الكريم بجميع
الموجودات، بريها وبحريها لا يخفى عليه
من ذلك شيءٌ»(٤).
وقال أبو السعود: ((﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي
اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ بيان لتعلق علمه تعالى
بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات
تکملةً له، وتنبیھا علی أن الکل بالنسبة إلى
علمه المحيط، سواءٌ في الجلاء أي يعلم ما
فيهما من الموجودات مفصلةً على اختلاف
أجناسها وأنواعها وتكثر أفرادها)»(٥).
(١) الوجيز، الواحدي، ٣٧٥/١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧ /٤.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣ / ٩.
(٤) تفسير القرآن العظيم ٢٦٥/٣.
(٥) إرشاد العقل السليم ٣/ ١٤٣.
المقابل لعلم الغيب، على أن أكثر ما في
خفايا البر والبحر غائب عن علم أكثر
الخلق، وإن كان في نفسه موجودًا يمكن
أن يعلمه الباحث منهم عنه، وقدم ذکر البر
على البحر على طريقة الترقي من الأدنى
إلى ما هو أعظم منه، فإن قسم البحرمن
وأعظم»(٦).
ومناسبة ذكر علم الله تعالى على ما في
البر والبحر بعد ذكر علمه تعالى مفاتيح
﴿وَعِندَهُ
الغيب، قال الرازي: ((وقوله:
مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ قضية عقلية
محضة مجردة؛ فالإنسان الذي يقوى عقله
على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدًا.
والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق.
فههنا طريق آخر: وهو أن من ذكر القضية
العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها
إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالاً من الأمور
المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية
الكلية؛ ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا
المثال المحسوس مفهومًا لكل أحد، والأمر
في هذه الآية ورد على هذا القانون؛ لأنه قال
أولًا: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا
هُوَ﴾ ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد
(٦) تفسير المنار ٣٨١/٧.
مَوَسُوبَةُ النَّيّة
القرآن الكريم
٤١٠

البحر
بجزئي محسوس، فقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ ماء البحر العذب بماء البحر الملح الأجاج،
ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته،
وَالْبَحْرِ﴾ وذلك لأن أحد أقسام معلومات
الله هو جمیع دواب البر، والبحر، الحس،
والخيال، قد وقف على عظمة أحوال البر
والبحر، فذكر هذا المحسوس يكشف عن
حقيقة عظمة ذلك المعقول(١).
وإفساده إياه بقضائه وقدرته؛ لئلا يضر
إفساده إياه بركبان الملح منهما، فلا يجدوا
ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء، فقال
جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَزَخَا وَ حِجْرًا تَّحْجُورًا﴾
يعني حاجزًا يمنع كل واحد منهما من إفساد
ثالثًا: الحاجز بين البحرين:
الآخر ﴿وَحِجْرَا تَحْجُورًا﴾ يقول: وجعل كل
واحد منهما حرامًا محرمًا على صاحبه أن
يغيره ويفسده)» (٢)
سبق القول: إن البحر يطلق على الملح
غالبًا، ويطلق على النهر العذب على سبيل
التغليب، وتظهر قدرة الله تعالى في خلقه
الحاجز بين البحرين: الملح والعذب، يمنع
من اختلاط أحدهما بالآخر، فلا يفسد
أحدهما الآخر، وقد ورد ذكر هذا الحاجز
في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا
عَذْبٌ فَرَاتٌ وَهَذَا مِنْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخَا
وَحِجْرًاً تَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا
وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَا رَوََِّ
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزَاْ أَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١].
وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ يَلْنَقِيَانِ
يَْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٩
قال الطبري: ((وإنما عنى بذلك أنه من
نعمته على خلقه، وعظيم سلطانه، يخلط
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣ / ٩.
وقال بعض المفسرين: إن الحاجز هو
أرض يبس تفصل البحرين الملح والعذب،
وهذا قول مرجوح.
قال الطبري (٣): ((إنما اخترنا القول
الذي اخترناه في معنى قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَنَا وَحِجْرًا تَحْجُورًا﴾ دون القول الذي قاله
من قال معناه: إنه جعل بينهما حاجزًا من
الأرض أو من اليبس؛ لأن الله -تعالى
ذكره- أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين،
والمزج: هو الخلط في كلام العرب على ما
بینت قبل، فلو کان البرزخ الذي بین العذب
الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضًا
أو بيسًا لم يكن هناك مزج للبحرین، وقد
أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وإنما عرفنا
قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد
(٢) جامع البيان، الطبري، ٢٨٣/١٩.
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
٤١١

حرف الباء
هذا العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج
وجعل الأجاج خلالها، فتلقى البحر قد
اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء
العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء
الأجاج فبثها هكذا في الأرض» (٢).
منهما بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما
في حیز عن حیز صاحبه، فليس هناك مرج،
ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل
الجهل به من الناس، ويذكرون به، وإن كان
كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر
والمواعظ والحجج البوالغ)).
قال الزجاج: ((فهما في مرأى العين
مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط
أحدهما بالآخر))، قال أبو سليمان الدمشقي:
((ورأيت عند عبادان من سواد البصرة الماء
العذب ينحدر في دجلة نحو البحر، ويأتي
المد من البحر، فيلتقيان، فلا يختلط أحد
الماءين بالآخر، يرى ماء البحر إلى الخضرة
الشديدة، وماء دجلة إلى الحمرة الخفيفة
فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبًا
لا يخالطه شيء، وإلى جانبه ماء البحر في
مکان واحد، ونيل مصر في فیضه یشق البحر
المالح شقًا بحیث یبقی نھرًا جاریًا أحمر
في وسط المالح؛ ليستقي الناس منه، وترى
المياه قطعًا في وسط البحر المالح فيقولون:
هذا ماء ثلج فيسقون منه من وسط البحر))(١).
قال ابن عطية: ((إن المقصد بها التنبيه
على قدرة الله تعالى وإتقان خلقه للأشياء
في أن بث في الأرض مياها عذبة كثيرة من
(١) زاد المسير، ابن الجوزي، ٣٢٥/٣، البحر
المحيط، أبو حيان، ٨/ ١١٨.
قال الشوكاني: ((﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ
الْبَحْرَيْنِ﴾ مرج: خلى وخلط وأرسل، يقال:
مرجت الدابة وأمرجتها: إذا أرسلتها في
المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء.
قال مجاهد: أرسلهما وأفاض أحدهما
إلى الآخر، وسمي الماء الحلو فراتًا: لأنه
يفرت العطش، أي: يقطعه ويكسره ﴿وَهَذَا
مِلْعُ أَجَاجٌ﴾ أي: بليغ الملوحة))(٣).
والبرزخ حاجز معنوي، قال ابن عاشور:
((وجعل الحاجز بين البحرين من بديع
الحكمة، وهو حاجز معنوي حاصل من دفع
كلا الماءين، أحدهما الآخر عن الاختلاط
به، بسبب تفاوت الثقل النسبي لاختلاف
الأجزاء المركب منها الماء الملح والماء
العذب. فالحاجز حاجز من طبعهما وليس
جسمًا آخر فاصلا بينهما» (٤).
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢١٤/٤.
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ٩٥/٤.
(٤) التحرير والتنوير، ١٣/٢٠.
٤١٢
مَوَالَرُ الْبَِّدُه
القرآن الكريم

البحر
البحر وأشراط الساعة
لما كان البحر من أعظم آيات الله في
الأرض، وقد أخبر الله تعالى أن الأرض
تبدل يوم القيامة.
كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
اُلْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾
[إبراهيم: ٤٨].
كان تغير البحر عن طبيعته من أشراط
الساعة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾
[التكوير: ٦].
فيها ثمانية تأويلات (١):
أحدها: فاضت، قاله الربيع.
الثاني: یبست، قاله الحسن.
الثالث: ملئت، أرسل عذبها على
مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت،
قاله أبو الحجاج.
الرابع: فجرت فصارت بحرًا واحدًا، قاله
الضحاك.
الخامس: سيرت كما سيرت الجبال،
قاله السدي.
السادس: هو حمرة مائها حتى تصير
كالدم، مأخوذ من قولهم عين سجراء، أي:
حمراء.
السابع: يعني أوقدت فانقلبت نـ
(١) النكت والعيون، الماوردي، ٦/ ٢١٣.
علي رضي الله عنه وابن عباس وأبي بن
کعب.
الثامن: معناه: أنه جعل ماؤها شرابًا
يعذب به أهل النار، حكاه ابن عيسى.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢) بتخفيف
(سجرت) إخبارًا عن حالها مرة واحدة،
وقرأ الباقون بالتشديد إخبارًا عن حالها في
تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى.
قال ابن عباس: ((يرسل الله عليها الرياح
الدبور فتسعرها وتصیر نارًا تأجج»، وقال
مجاهد: ﴿سُجِرَتْ﴾: ((أوقدت))(٣).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:
٣].
قال الطبري: ((يقول: فجر بعضها في
بعض، فملأ جميعها)) (٤).
وقال قتادة: ((فجر عذبها في مالحها،
ومالحها في عذبها».
وقال الحسن: ((فجر بعضها في بعض،
فذهب ماؤها».
وقال الكلبي: ((ملئت))(٥).
قال الزمخشري: ((فجرت: فتح بعضها
إلى بعض، فاختلط العذب بالمالح، وزال
البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحرًا
(٢) البدور الزاهرة، عبد الفتاح القاضي، ٣٣٨/١.
(٣) مختصر تفسير ابن كثير، الصابوني، ٢/ ٦٠٥.
(٤) جامع البيان، الطبري، ٢٦٨/٢٤.
(٥) هذه الآثار أخرجها الطبري في تفسيره
٢٦٨/٢٤.
www. modoee.com
٤١٣

حرف الباء
واحدًا))(١).
واعلم أنه على جميع الوجوه، فالمراد أنه
تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها،
وهو كما ذكر الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
غَيِّرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨](٢).
البحر والابتلاء
لا شك أن الابتلاء من سنن الله تعالی في
عباده، والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن
البحر کان محلا للابتلاء في غير ما موضع،
ويتضح ذلك في الآتي:
أولًا: اللجوء إلى الله عند مس الضر:
جاء البحر في القرآن مكانًا لابتلاء الناس
واختبارهم من الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلّ
مَنْ يُنَجِّيَكُم مِّنِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا
وَخُفَيَّةً لَّيِنْ أَنْجَنْنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ
[الأنعام: ٦٣].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه
صلى الله عليه وسلم: قل: يا محمد لهؤلاء
العادلين بربهم، الداعين إلى عبادة أوثانهم:
من الذين ينجيكم من ظلمات البر إذا
ضللتم فيه فتحيرتم، فأظلم عليكم الهدى
والمحجة، ومن ظلمات البحر إذا ركبتموه،
فأخطأتم فيه المحجة، فأظلم عليكم فيه
السبيل، فلا تهتدون له غير الله الذي إليه
مفزعكم حينئذ بالدعاء ﴿تَضَرُّعًا﴾، منكم
إليه واستكانة جهرًا ﴿وَخُفْيَةٌ﴾، يقول:
وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا وإظهارًا
تقولون: ﴿لَّنْ أَنْجَنَامِنْ هَذِهِ،﴾ يا رب، أي
من هذه الظلمات التي نحن فيها ﴿لَنَكُونَنَّ
مِنَ الشَّكِرِينَ﴾، يقول: لنكونن ممن يوحدك
بالشکر، ویخلص لك العبادة، دون من کنا
(١) الكشاف، الزمخشري، ٤ / ٧١٤.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٧٣/٣١.
٤١٤
مَوَسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

البحر
نشر که معك في عبادتك.
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّكُمْ مِّنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ
تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤].
قل يا محمد: الله القادر على فرجكم
عند حلول الكرب بكم، ينجيكم من عظيم
النازل بكم في البر والبحر من هم الضلال
وخوف الهلاك، ومن کرب کل سوى ذلك
وهم لا آلهتكم التي تشرکون بها في عبادته،
ولا أوثانكم التي تعبدونها من دونه، التي
لا تقدر لكم على نفع ولا ضر، ثم أنتم
بعد تفضيله عليكم بكشف النازل بكم من
الكرب، ودفع الحال بكم من جسيم الهم،
تعدلون به آلهتكم وأصنامکم، فتشرکونها
في عبادتكم إياه، وذلك منكم جهل بواجب
حقه علیکم، وكفر لأیادیه عندكم، وتعرضُ
منكم لإنزال عقوبته عاجلًا بكم)) (١).
وابتلاء البحر أشد من ابتلاء البر، قال
الرازي: ((أما ظلمات البحر: فهي أن تجتمع
ظلمة الليل، وظلمة البحر وظلمة السحاب،
ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة
إليها، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم
الخوف، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل
وظلمة السحاب والخوف الشديد من
هجوم الأعداء، والخوف الشديد من عدم
الاهتداء إلى طريق الصواب، والمقصود أن
عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف
(١) جامع البيان ١١/ ٤١٤.
الشدید لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى،
وهذا الرجوع يحصل ظاهرًا وباطنًا؛ لأن
الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في
حضرة الله تعالى، وينقطع رجاؤه عن کل ما
سوی الله تعالی .
فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة
والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا
ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل
الله، وجب أن یبقی هذا الإخلاص عند كل
الأحوال والأوقات، لكنه لیس کذلك، فإن
الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة يحيل
تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية،
ويقدم على الشرك))(٢).
وإن الله تعالى بين أنه لا ينجيهم مما
يعرض لهم من شدائد من خارجهم، وما
لا قبل لهم به وحسب، بل ينجيهم من
ذلك، وينجيهم من الكروب التي تعتري
نفوسهم من ضراء تنزل بهم، أو مرض یحل
بأجسامهم، ومن كل شيء يكربهم ويلقي
غمة النفس عليهم))(٣).
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِرُّكُمْ فِ اَلْبَرِّوَالْبَحْرِ
حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَيِّبَةِ
وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ
اُلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُ اْللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِدِينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/١٣.
(٣) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٢٥٣٢/٥.
www. modoee.com
٤١٥

حرف الباء
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِكُ فِي أَلْبِّ
وَالْبَحْرِ﴾، يعني: يحملكم في البر على
الدواب، وفي البحر على السفن، ويقال: هو
الذي یحفظکم إذا سافرتم في بر أو بحر.
قرأ ابن عامر (١)
ينشركم من النشر،
يعني: ببثكم، ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ بلفظ
المغايبة، ﴿بِرِيج طَيِّبَةٍ﴾، يعني: لينة ساكنة،
﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ بالريح الطيبة، ﴿جَمَتْهَا﴾
يعني: السفينة، ﴿رِيعٌ عَاصِفٌ﴾ يعني:
﴿وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾
شديدة،
يعني: من كل ناحية ﴿وَظَنُواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ
بِهِمْ﴾، يعني: علموا وأيقنوا أنه قد دنا
هلاکھم.
وقال القتبي: ((وأصل هذا أن العدو إذا
أحاط بالقرية، يقال: دنا أهلها من الهلكة،
فصار ذلك كناية عن الهلاك، ﴿دَعَوُ ا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، يعني: إذا دنا هلاكهم
أخلصوا لله تعالى، يعني: بالدعاء وقالوا:
﴿لَيْنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾، يعني: من هذه
الريح العاصف، ويقال: من هذه الأهوال،
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ يعني: من
﴿ فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا
الموحدين المطيعين.
هُمْ يَبْغُونَ ﴾ ﴿فِي الأَرْضِ پِغَيْرِآلْحَتٍ ﴾، يعني:
يعصون ﴿فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ﴾، يعني:
الدعاء إلى غير عبادة الله تعالى، والعمل
(١) البدور الزاهرة، القاضي ١٤٣/١.
بالمعاصي والفساد)»(٢).
واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة
ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود،
حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد
تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة:
فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة
الشديدة.
وثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من
كل جانب.
وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك
واقع، وأن النجاة ليست متوقعة.
ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال
الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة
الشديدة يوجب الخوف العظيم، والرعب
الشديد، وأيضًا مشاهدة هذه الأحوال
والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد
الرعب والخوف، ثم إن الإنسان في هذه
الحالة لا یطمع إلا في فضل الله ورحمته،
ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق،
ویصیر بقلبه وروحه وجمیع أجزائه متضرعًا
إلی الله تعالی.
ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية
العظيمة، ونقله من هذه المضرة القوية
إلى الخلاص والنجاة، ففي الحال ينسى
تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من
العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، فظهر أنه
(٢) تفسير السمر قندي ١١٠/٢.
٤١٦
موسوبر التشيك الموضوع
القرآن الكريم

البحر
لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم،
في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرم
المثال المذكور في هذه الآية (١).
ثانيًا: ابتلاء اليهود بمنع الصيد يوم
السبت:
من سنن الله تعالى في كونه ابتلاء الناس
والأمم لتمحيصهم واختبارهم، وقد ابتلي
اليهود بابتلاءات كثيرة، وذلك لما علم من
كثرة جدالهم أنبياءهم ومخالفتهم أوامر الله
تعالى، ومن جملة ما ابتلي به اليهود: ابتلاء
طائفة منهم وهم أهل قرية كانت مجاورة
البحر وعلى شاطئه، ابتلاهم الله بمنع الصيد
في البحر يوم السبت.
قال تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى
السَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونٌَ لَا تَأْتِيهِمّْ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوْ يَفْسُقُونَ
[الأعراف: ١٦٣].
قال الطبري: «واسأل یا محمد هؤلاء
اليهود، وهم مجاوروك، عن أمر القرية
التي كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر
وعلى شاطئه(٢)، إذ يعتدون في السبت أمر
(١) انظر: مفاتيح الغيب، ٢٣٢/١٧.
(٢) ورد ذكر أصحاب السبت في خمسة مواضع
من القرآن الكريم وهي: البقرة: آية ٦٥،
النساء: الآيتين: ٤٧، ١٥٤، الأعراف: آية:
١٦٣، النحل: آية: ١٢٤، وفي جميعها ذكرت
عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك؛
﴿إِذْ تَأْتِهِمْ﴾ ﴿حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾
الذي نهوا فيه عن العمل شارعة ظاهرةً على
الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق،
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُّونَ﴾ أي: وباقي الأيام
التي لا يعظمونها، وهي سائر الأيام غير يوم
السبت لا تأتيهم الحيتان.
ثم قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾
الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار
السمك لهم على ظهر الماء في اليوم
المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في
اليوم المحلل صيده، وذلك بفسقهم عن
طاعة الله وخروجهم عنها))(٣).
وقد خالف اليهود أمر الله تعالى واعتدوا
في السبت فمسخهم الله تعالى قردة، قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ
السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [البقرة:
٦٥].
قال السمرقندي: ((مسخهم الله تعالى
قردة وأبعدهم عن رحمته لما اعتدوا في
السبت، وهذه الآية على معنى التحذير
والتهديد، فكأنه يقول: إنكم تعلمون ما
أصاب الذين اعتدوا في السبت، فاحذروا
مجملة وفي موضع الأعراف ذكرت مفصلة
وفيها ذكر البحر.
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٣/ ١٨٤.
www. modoee.com
٤١٧

حرف الباء
کیلا یصییکم مثل ما أصابهم»(١).
وقد بین الله تعالی أنه جعل عقاب أهل
القرية وهو المسخ والإبعاد من رحمة الله
نكالًا وعقوبة لما قدم اليهود من الذنوب،
وزجرًا لمن يفعل مثل فعلهم، وموعظة
للمتقين(٢)، قال تعالى: ﴿َجَعَلْنَهَا نَكَلًا
◌ِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
[البقرة: ٦٦].
ثالثًا: ابتلاء يونس عليه السلام:
لا شك أن أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء،
بوب البخاري رحمه الله باب : أشد الناس
بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (٣)، وإن نبي
الله يونس عليه السلام ابتلي بتكذيب قومه
له، فأنذرهم وحذرهم من عذاب الله، فلم
يستجيبوا له، فخرج مغاضبًا لله عز وجل،
قال تعالى: ﴿وَذَا الْنُونِ (٤) إِذٍ ذَّهَبَ مُغَضِبًا
فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُّسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
فَسَاهَمَ
١٤٠
(١٣) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ.
فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ { فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُّ وَهُوَ مُلِيمٌ
١٤٢# [الصافات: ١٣٩-١٤٢].
قال أهل التفسير: ((وإن يونس لمرسل
(١) تفسير السمر قندي، ١/ ٦١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤٤٣/١.
(٣) صحيح البخاري، ٧/ ١١٥.
(٤) النون: الحوت، وذا نون: لقب نبي الله يونس
بن متى، عليه السلام.
انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥١١.
من المرسلين إلى أقوامهم حين فر إلى
الفلك، وهو السفينة، المشحون: وهو
المملوء من الحمولة الموقر، فاحتبست
السفينة، فعلم القوم أنما احتبست من حدث
أحدثوه، فتساهموا، فقرع يونس، فرمى
بنفسه، فالتقمه الحوت وهو مكتسب اللوم
على صنعه، إذ عجل ترك قومه.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
لَلَبِثَ فِى بَعْنِهِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ (
(١٤٣
(١٤٤) فَتَبَذْنَهُ
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً
بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
مِّن يَقَطِينِ
وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ
١٤٦
يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
فلولا أنه كان من المصلين قبل ذلك
والمسبحين في بطن الحوت للبث في بطن
الحوت إلى يوم القيامة، ثم أمر الله الحوت
فألقى يونس بالعراء، وأنبت الله عليه
شجرة من یقطین، ثم اجتباه ربه فجعله من
الصالحين)»(٥).
(٥) جامع البيان، الطبري، ١٠٥/٢١، تفسير
السمرقندي، ١٥٠/٣، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي، ١٢١/١٥.
مَوسُو ◌َة التي
القرآن الكَرِيْمِ
٤١٨

البحر
منافع البحر
للبحر منافع كثيرة، منها ما ذكره القرآن
ومنها ما لم یذکره، بل هو داخل في عموم
نفع البحر للإنسان، وسنقتصر على المنافع
التي ذكرها الله تعالى في كتابه.
أولًا: أكل صيده وطعامه:
من نعم الله على عباده أن من عليهم
أَحِلّ
بصيد البحر وطعامه، قال تعالى:
لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَطَعَامُّهُ, مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلْسَيَّارَةْ
وَيُحْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَاً وَأَتَّقُواْ اللّهَ
الَّذِىَ إِلَيْهِ تُحْشَّرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
فقد أجمع أهل العلم أن صيد البحر
وطعامه حلال، أكله وبيعه وشراؤه، للمقيم
والمسافر(١)، وقد قال عمر بن الخطاب:
(صيده: ما اصطيد، وطعامه: ما رمى به))(٢).
وقد جاء وصف صيد البحر الذي سخره
الله لعباده بالطري، وهذا يدل على حكمة
الله وقدرته، من جهة إظهار الضد من الضد،
فيخرج الله لنا لحمًا طريًا عذبًا من البحر
المالح، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى
سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا
وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى
(١) شرح صحيح البخاري، ابن بطال، ٤/ ٤٨٢،
بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد،
١/ ٢٦٥، المغني في فقه الإمام أحمد بن
حنبل الشيباني، ابن قدامة، ٣/ ١٦٥.
(٢) جامع البيان، الطبري، ١١/ ٦١.
اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ،
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيْعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَانٌ وَمِن
كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ عِلْيَةٌ
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ
فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢].
قال الرازي: ((واعلم أن في ذكر الطري
مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله
مالحًا، لما عرف به من قدرة الله تعالی ما
يعرف بالطري؛ فإنه لما خرج من البحر
الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في
غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب
الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته؛ حيث أظهر
الضد من الضد»(٣).
ولحم البحر طري عذب، والطري:
الناعم الغض (٤).
وقال ابن منظور: «الغض: الطري الذي
لم يتغير)»(٥).
وقال الراغب: ((الغض: الطري الذي لم
يطل مكثه))(٦).
وقال المناوي: ((الشيء الغض، ومنه
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨٨/٢٠.
(٤) تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي،
٤٦٧/١، طلبة الطلبة، النسفي، ١ /١٧١.
(٥) لسان العرب، ابن منظور، ١٩٦/٧.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني، ٣٦١/١.
www. modoee.com
٤١٩

حرف الباء
الطراوة»(١).
وعلى هذا يكون معنى اللحم الطري:
الناعم الطازج الغض الذي لم یطل مکئه.
وميتة البحر جائزٌ أكلها، كما جاء في
حديث النبي.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (أحلت لنا میتتان، ودمان،
فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما
الدمان: فالكبد والطحال)(٢) .
وقوله عن البحر: (هو الطهور ماؤه،
الحل ميتته)(٣).
وجاء في صحيح مسلم: ((باب إباحة
میتات البحر))، وذکر حديث جابر رضي الله
عنه وفيه: ((انطلقنا على ساحل البحر، فرفع
لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم،
فأتيناه فإذا هي دابةٌ تدعى العنبر، قال: قال
أبو عبيدة: میتٌ، ثم قال: لا، بل نحن رسل
رسول الله صلی الله عليه وسلم، وفي سبيل
(١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي،
٤٨٢/١.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن
عمر، ١٦/١٠، وعبد بن حميد في المنتخب،
رقم ٨٢٠، وابن ماجه رقم ٣٢١٨ و ٣٣١٤.
قال الألباني: (صحيح). انظر: المشكاة
٤١٣٢.
(٣) أخرجه مالك في موطأه، باب ما جاء في صيد
البحر، رقم ١٨١٩، وأحمد في مسنده، مسند
أبي هريرة، رقم ٧٢٣٣.
قال الألباني: ((صحيح)). انظر: صحيح الجامع
٢٨٧٧.
الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه
شهرًا ونحن ثلاث مائةٍ حتى سمنا، قال:
ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال
الدهن، ونقتطع منه الفدر كالثور، أو كقدر
الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر
رجلًا، فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعًا
من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعيرٍ معنا،
فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق،
فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله
علیه وسلم، فذكرنا ذلك له، فقال: (هو رزقٌ
أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيءٌ
فتطعمونا؟)، قال: فأرسلنا إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم منه فأكله)» (٤).
ثانيًا: حلية البحر:
الحلية: اسم لما يتحلى به(٥)، وسميت
حلية لأنها تحلي الجوارح في أعين
الناظرين.
وقد امتن الله على عباده بتسخير
البحر، ومن تسخيره استخراج الحلية منه،
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ
لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ
فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد
والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة
ميتات البحر، رقم ١٩٣٥.
(٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عدال الحنبلي،
٢٩/١٢.
مُوسُوبة النفسية
القرآن الكريم
٤٢٠