النص المفهرس

صفحات 21-38

الباطل
يكونوا من الملائكة (١).
ومنهم من يرى أنها في كفار قريش
وغيرهم من المعاصرين للنبي صلى الله
عليه وسلم، واعتبروا أن من الباطل الذي
جادلوه به -تكذيبًا له وللحق ومنه القرآن
- قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم:
أخبرنا عن حدیث فتية ذهبوا في أول الدهر
لم يعرف من شأنهم شيء، وعن رجل بلغ
مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، وما
أشبه ذلك من أمور (٢).
والراجح أنه لا مانع من الجمع بين
القولین؛ فقد استخدم الكفار في کل حین
كل وسيلة لإثبات الباطل ودحض الحق،
وما كانت مجادلتهم للرسول صلى الله عليه
وسلم بدعًا عمن سبقه من الرسل.
ويقصد بالدحض عدم إثبات الحق،
بل وإزالته، وهو مأخوذ من (دحض) وهو
الطین الذي يزهق فيه الإنسان؛ لذا یسمی
المكان الذي تزل فيه القدم وتنزلق: مكان
دحضٌ (٣).
وللباء في قوله تعالى: ﴿بِالْبَطِلِ﴾
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥٪
٢٣٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/
٨٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨ / ٥٠، تفسير
السمرقندي ٢/ ٣٥٢.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٥٢٥،
تفسير السمر قندي ٢/ ٣٥٢، مجاز القرآن ١/
٤٠٨.
معنيان:
الأول: أنها للملابسة، بمعنى أن الكفار
وهم يجادلون الرسل كانوا ملابسين للباطل.
والثاني -وهو الأقرب -: أنها للآلة،
وذلك بتنزيل الباطل منزلة الآلة (٤).
إذن هدف الكفار منذ سيدنا نوح عليه
السلام وحتى خاتم النبيين صلى الله عليه
وسلم أن يبطلوا الحق ویدحضوه، ولا أدل
على ذلك من قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ
قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَنَّتْ
كُلُّ أُمَّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ يَاَلْبَطِلِ
لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾
[غافر: ٥].
قال الطبري: ((وخاصموا رسولهم
بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه
، وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من
عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار
بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه، كما
یخاصمك كفار قومك یا محمد بالباطل»(٥).
وحتى يومنا هذا تتضافر جهود أهل
الباطل؛ فيظلمون الناس ويستعبدونهم،
وخاصة أمة الإسلام التي تخلت عن منهج
ربها سبحانه، فصارت كالقصعة التي
يتنافسون على الأکل منھا، کما قال حبيبنا
الصادق المصدوق في حديث ثوبان رضي
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٨٦.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٥٣.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الباء
الله عنه: (یوشك الأمم أن تداعى عليكم كما
ومما يدل عليه، ما ورد عن ابن عباس
من قوله: ((﴿وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾،
قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب»(٣)، ویری
الماوردي أنه يصح في المقصود بالباطل
المعاني الثلاثة، وهي: الكذب المختلط
بالحق، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام، أو
تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال قائلٌ: ومن
قلٍ نحن يومئذٍ؟ قال: (بل أنتم يومئذٍ کثیرٌ،
ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولینزعن الله من
صدور عدو کم المهابة منكم، وليقذفن الله
في قلوبكم الوهن)، فقال قائلٌ: یا رسول
الله، وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا، وكراهية الذي كتبوه بأيديهم بالتوراة التي أنزلت على
موسى عليه السلام.
الموت)(١).
ولا خلاص لنا إلا بالعودة إلی دیننا.
ثالثًا: خلط الحق بالباطل:
طريقة أخرى من طرق أهل الباطل في
الاستدلال، وهي تزيين الباطل بشيء من
الحق، وخلطه به مغبة أن يلتبس الأمر على
السامعين، قال عز من قائل: ﴿وَلَا تَلْبِسُواْ
اَلْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُواْ أَلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٤٢].
واللبس له معنيان: الأول: مادي
محسوس، وهو مأخوذ من اللباس، وهو
الثوب؛ لأنه يستر الجسد، ويخفي حقيقته،
والثاني: المعنوي، وهو الخلط بغيره حتى
يخفى أمره، (٢) ويجمعهما إخفاء الشيء.
(١) أخرجه أحمد في مسنده، عن أبي هريرة،
مسند المكثرين من الصحابة، رقم ٨٧١٣،
١٤/ ٣٣١، وأبو داود في سننه، واللفظ له،
كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على
الإِسلام، رقم ٤٢٩٧، ٤ / ١١١، وصححه
الألباني، مشكاة المصابيح، رقم ٣،٥٣٦٩/
١٤٧٤.
(٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ١٧١.
والذي يظهر أن الحديث هنا عن بني
إسرائيل، حيث يدعوهم ربنا إلى عدم خلط
كتابه (التوراة) بشيء مما کتبته أیدیھم من
الباطل، والتصاق الباء بالباطل تجعله يحمل
معنیین:
الأول: لا تكتبوا في التوراة شيئًا منكم،
فتخلطوا الحق بالباطل.
والثانى: لا تجعلوا الحق ملتبسًا بالباطل
الذي تکتبونه.
حيث يقول الزمخشري: ((الباء التي في
بالباطل إن كانت صلة مثلها في قولك:
لبست الشيء بالشيء خلطته به، كأن
المعنى: ولا تکتبوا في التوراة ما ليس منها
، فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم،
حتی لا یمیز بین حقها وباطلکم، وإن كانت
باء الاستعانة کالتي في قولك: کتبت بالقلم،
كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسًا مشتبهًا
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١ / ٥٦٨، وابن
أبي حاتم في تفسيره ١ / ٩٨.
٣٨٤
مَوَسُولَةُ البقية
القرآن الكريم

الباطل
بياطلكم الذي تكتبونه)»(١).
وقد ورد في آية أخرى على صورة يراد به كتمانهم ما في التوراة من الأحكام
الاستفهام الإنکاري، ولیس کسابقتها على
صورة النهي المباشر، حيث قال تعالى:
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ ◌ِالْبَطِلِ
وَتَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١].
والملاحظ هنا: التصريح بالمخاطبين
وهم أهل الكتاب، والأرجح أنهم اليهود؛
حيث ورد عن ابن عباس قوله: ((قال عبد الله
بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن
عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل
على محمد وأصحابه غدوةً ونكفر به عشيةً،
حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون
كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم!))(٢).
وهكذا ترتسم صورة اليهود من الكذب
والخلط والکید للمسلمين، يقول ابن عاشور
عن الآية السابقة والتي قبلها:((فيهما التفاتٌ
إلى خطاب اليهود، والاستفهام إنكاري.
وإعادة ندائهم بقوله: يا أهل الكتاب
ثانية لقصد التوبيخ و تسجیل باطلهم عليهم،
ولبس الحق بالباطل تلبيس دينهم بما أدخلوا
فيه من الأكاذيب والخرافات والتأويلات
الباطلة، حتى ارتفعت الثقة بجميعه. وكتمان
الحق يحتمل أن يراد به كتمانهم تصديق
(١) الكشاف ١/ ١٣٢، الزمخشري.
وانظر: تفسير القرآن، ابن المنذر ١٥٨٩/ ٢٤٩
عن محمد بن إسحاق.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٦/ ٥٠٤.
محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن
التي أماتوها وعوضوها بأعمال أحبارهم
وآثار تأويلاتهم، وهم يعلمونها ولا يعملون
بها»(٣).
رابعًا: اتهام المؤمنين بالباطل:
مما تعارف عليه الناس أن خير وسيلة
للدفاع الهجوم، وها هم أعداء الله والإسلام
يتهمون المؤمنين بأنهم مبطلون، ولا نراه
إلا من هذا الباب، کما ورد في قول ربنا
سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ
مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَلَيْنِ جِئْتَهُم بِئَايَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوَاْإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨].
إنه فرط العناد وشدة في الخصومة
وقسوة القلب؛ إذ إن قلوبهم متيقنة ببطلان ما
يزعمون، بل ویوقنون بأنهم هم المبطلون،
يقول ابن عطية: ((ثم أخبر تعالى عن قسوة
قلوبهم وعجرفة طباعهم في أنه ضرب لهم
كل مثل، وبين عليهم بيان الحق، ثم هم
مع ذلك الآية والمعجزة يكفرون ويلجون
ويعمهون في كفرهم، ويصفون أهل الحق
بالإبطال»(٤).
فمهما جاءهم الرسول صلى الله عليه
وسلم به من («معجزةٍ، كفلق البحر والعصا
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣ / ٢٧٩
بتصرف.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ٣٤٤.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الباء
وغيرهما ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ﴾ يا الفكري، وانعدام حجتهم القائمة على
معشر المؤمنين. ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي تتبعون البرهان، مع شدة حاجتهم لإظهارها لو
ملکوها !.
الباطل والسحر)) (١).
ومھما ذکر لهم من آية فيها صفات الناس
يوم القيامة وأحوالهم وشؤونهم («كصفة
المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون
وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا
يسمع من استعتابهم)) (٢)، إلا أنهم يصرون
على أنها أباطيل وأن القائلين بها مبطلون.
وتتناغم هذه الأساليب الشيطانية في
الاحتجاج، ورد كلام الخصم في كل
صولات الجدال بين المؤمنين وقائدهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والمشرکین بقيادة إِلیس -علیه من الله ما
يستحق-، فها هم قد طلبوا منه أن يشق لهم
القمر قسمين، فما كان منه صلى الله عليه
وسلم إلا أن طلب من الله تعالى ذلك،
فانشق القمر، فماذا كان بعد ذلك؟
لم يؤمنوا؛ بل ازدادوا إثمًا على إثمهم،
كما قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ
عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ( ١) وَلَوْجَآءَ تُهُمْ
كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرُوا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ))
[يونس: ٩٦ -٩٧].
إذن فهو أسلوب رخيص من أساليبهم
التي يعلنون فيها وبكل وضوح إفلاسهم
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٤٩،
وانظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٢٦٨.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٨٨.
٣٨٦
مَوَسُولَةُ النَّية
القرآن الكريم

الباطل
الباطل في المثل القرآني
كثيرًا ما يستخدم القرآن أسلوب التمثيل
لكي يقرب الصورة إلى الأفهام، من صورة
ذهنية مجردة إلى صورة حسية واقعية،
وهكذا تؤثر في النفس، بعد استحضار
الذهن لها.
ولقد بين القرآن العظيم أن ضرب المثل
في القرآن طال كل شيء، وأنه ليس ضربًا من
العبث المنزه تعالى عنه، بل له فائدة جليلة،
ولا يغفل عنها إلا المختوم على قلبه، قال
سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ
مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَلَيْنِ جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوْاْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم: ٥٨].
يقول شيخ المفسرين في محضر تفسيره
للآية: ((ولقد مثلنا للناس في هذا القرآن من
كل مثل احتجاجًا عليهم، وتنبيهًا لهم عن
بِكَايَةٍ.
لَيْن جِبْتهم
وحدانية الله. وقوله:
يقول: ولئن جئت يا محمد هؤلاء القوم بآية،
لَيَقُولَنّ
يقول: بدلالة على صدق ما تقول
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ يقول:
ليقولن الذين جحدوا رسالتك، وأنكروا
نبوتك، إن أنتم أيها المصدقون محمدًا
فيما أتاكم به إلا مبطلون فيما تجيئوننا به
من هذه الأمور)) (١)، هكذا ينظر السطحيون
والمتربصون بالإسلام وأهله، الذي يأتي
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٢٠.
بالحق مبطل؛ لأنه يخالف هواهم، وما هم
عليه من الملة الباطلة !.
ومن الأمثلة التي استحضرها القرآن
الكريم للباطل:
١ . الماء والزبد.
شبه الله تعالى الحق أو الإيمان أو القرآن
بالماء الذي ينزل من السماء، يثبت في
الأرض فينفع الزرع والضرع والخلق، وشبه
الباطل بالزبد والرغوة والقش، التي طالما
صعدت برهة على السطح، ثم سرعان ما
تقذف إلى الشاطئ، فلا تنفع شيئًا، بل تكون
عبئًا يتمنى الفرد الخلاص منه في أسرع
وقت، كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ
زَبَدًا رَِّيَاً وَمِمَا يُوقِّدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء ◌ِيَةٍ أَوْ
مَتَعِ زَيْدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُّ اَللَّهُ الْحَقَّ وَاَلْبَطِلُّ فَأَمَّا
الزَّدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءٍ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ
اٌلْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
قال الطبري: «هذا مثل ضربه الله للحق
والباطل، والإيمان به والكفر، يقول تعالى
ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في
اضمحلاله، مثل ماء أنزله الله من السماء
إلى الأرض، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾،
يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير
بكبره، والصغير بصغره، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ
زَبَدًا رَّبِيَاً﴾، يقول: فاحتمل السيل الذي
حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الباء
السماء، زبدًا عاليًا فوق السيل ... فالحق
هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء،
والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل))(١).
فعلينا التيقن بموعود الله لنا بالظفر
والنصر على المبطلين، فهم كالزبد الذي
سرعان ما يظهر أنه انتفاش خادع ليس إلا،
ثم لا يلبث ویزول ولا یمکث ويطرد.
٢. الحلية وشوائبها.
في نفس الآية الكريمة نستشف مثالًا
آخر ضربه الله تعالى للحق والباطل، ألا
وهو صناعة الحلي ليتزين الناس بها، حيث
شبه الله تعالى الذهب والفضة وغيرهما من
المعادن بالحق الذي يثبت ويزداد قوة كلما
عرض على النار، أما الشوائب فلا تمكث
أمام النار؛ فسرعان ما تزول، ولا يبقى أثرها،
كما هو الباطل.
قال تعالى في الآية السابقة: ﴿وَمِنًا
يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ آَبْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَحِ زَيْدٌ مِثْلُهُ
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقِّ وَاَلْبَطِلَ﴾ [الرعد: ١٧].
يقول ابن أبي زمنين تعليقًا على الآية:
((يعني: الذهب والفضة، إذا أذيبا فعلا
خبثهما، وهو الزبد، وخلص خالصهما
تحت ذلك الزبد ﴿أَوْ مَتَح﴾ أي: وابتغاء
متاع ما يستمتع به ﴿زَبٌَّ مِثْلُهُ﴾ أي: مثل
زبد الماء، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو
الحديد والنحاس والرصاص إذا صفي ذلك
(١) جامع البيان، الطبري ١٦ / ٤٠٧ بتصرف.
جَوُور
القرآن الكريم
أيضًا؛ فخلص خالصه، وعلا خبثه، وهو زبده
﴿فَمَا الزَّدُ ﴾ زيد الماء، وزبد الحلي، وزبد
الحديد والنحاس والرصاص ﴿فَذْهَبُ
جُنَاً﴾ يعني: لا ينتفع به، فهذا مثل عمل
الكافر، لا ينتفع به في الآخرة ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ
النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ فينتفع بالماء ينبت
عليه الزرع والمرعى، وينتفع بذلك الحلي
والمتاع، فهذا مثل عمل المؤمن يبقى ثوابه
في الآخرة»(٢).
ويحتاج المسلمون اليوم إلى غربلة،
وعرض على النار لتمحيصهم، فبالتمحيص
تظهر معادنهم، وتنجلي صفاتهم للعيان.
٣. إبطال الصدقات.
شبه الله تعالى إبطال الصدقات بالمن
والأذى على الناس، كمثل الصخرة الملساء
التي عليها تراب، فنزل عليها المطر، فلم يبق
من التراب شيءٌ على الصخرة، وهكذا يفعل
الرياء بأجر الصدقات، یبطلها فلا يبقى لها
أثر.
قال الحق سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ
مَالَهُ: رِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ
فَمَثَلُهُ، كَمَثَلٍ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ
فَتَرَكَةُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا
كَسَبُواْ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ﴾
(٢) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢/ ٣٥٢،
وانظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٤٠٨.
٣٨٨

الباطل
[البقرة: ٢٦٤].
بصدقاتهم، لكي لا يذهب أجرهم، ثم
ضرب لذلك، مثلًا فقال تعالى: کالذي ينفق
ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر،
يعني المشرك إذا تصدق، فأبطل الشرك
صدقته، كما أبطل المن والأذى صدقة
المؤمن، ثم ضرب لهما مثلًا جميعًا لصدقة
المؤمن الذي يمن وبصدقة المشرك)»(١).
وفي بیان كلمة صفوان، يقول أبو عبيدة:
((الصفوان: جمع، ويقال للواحدة: (صفوانة)
فى معنى الصفاة، والصفا: للجميع، وهى
الحجارة الملس. (صلدًا) والصلد: التي لا
تنبت شيئًا أبدًا من الأرضين، والرؤوس ...
وهو الأجلح))(٢).
هكذا نلاحظ أن القرآن الحكيم لا يترك
فرصة لترك كبير الأثر وتوضيح الموقف في
نفس الإنسان إلا واهتبلها، منها ما يتعلق
بالكفار ومنها ما يتعلق بالمؤمنين، مما
يدل على أن إبطال العمل يشمل الجميع،
فالواجب علينا الحذر من كل ما يبطل
أعمالنا.
٤. دعاء الآلهة المزعومة من دون
الله تعالی وعجزها.
قريب مما سبق ذكره التشبيه الذي أورده
(١) تفسير السمر قندي ١ / ١٧٦.
(٢) مجاز القرآن، أبو عبيدة ١ / ٨٢ بتصرف.
رب العزة سبحانه عن عجز الآلهة المزعومة
((فالله تعالى أمر عباده برأفته أن لا يمنوا في قضاء حوائج عابديها، فقد شبه الله تعالى
عجزها بعجز من ورد الماء ليستقي منه،
وليس معه شيء لیشرب به، فبسط يديه إلى
الماء من بعيد، فماذا عساه أن يستقي، و کیف
عساه أن یشرب؟ !.
قال سبحانه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ اَلْمِيٍّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَوْءٍ إِلَّا كَبَسِطِ كُنَّيْهِ إِلَى
الْمَآءِ لِيَُّغَ فَاءُ وَمَا هُوَ بِبَلِفِهِ، وَمَا دُعَلَةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
ذكر الفراء أن المقصود بـ ﴿دَعْوَةُ اَلْحَقَِّ
هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وأن
المقصود ب ﴿مِن دُونِهِ﴾ هم: الأصنام (٣).
وقد وضح ابن أبي زمنين وجه التشبيه
الذي ضربه الله تعالى بشكل جميل قائلًا:
(«هذا مثل الذي يعبد الأوثان رجاء الخير
في عبادتها هو کالذي یرفع بیدہ الإناء إلی
فيه ير جو به الحياة، فمات قبل أن يصل إلى
فیه؛ فکذلك المشركون، حیث رجوا منفعة
آلهتهم ضلت عنهم ﴿وَمَا دُعَّةُ الْكَفِرِينَ﴾
آلهتهم ﴿إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾)»(٤).
(٣) انظر: معاني القرآن، الفراء ٢/ ٦١.
(٤) تفسير القرآن العزيز ٢/ ٣٥٠.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف الباء
الصراع بين الحق والباطل
شاءت حكمة الله تعالى في الابتلاء أن
يطلق العنان لإبليس وحزبه في الدعوة إلى
الباطل، لكنه سبحانه ما فتئ يدفع باطلهم
بحقٍ أبلج، يحمله ثلة من خيرة الخلق، على
رأسهم أنبياء الله ورسله صلى الله عليهم
جميعًا، وقد بذلوا في هذه المعركة -التي
لن يخمد لهيبها إلا مع صيحة إسرافيل عليه
السلام الأولى -كل غالٍ ونفيس من دماء
زکیة، وأموال طائلة، ومهج عن ربها رضية.
ولولا هذا الدفع منه سبحانه بخيرة
خلقه؛ لمنع الباطل ومروجيه، لما صلحت
الحياة ولا الاستخلاف فيها، كما قال ربنا:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو
فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
بعد حديثه عن قتل طالوت وهزيمة
جنوده، على يد الثلة المؤمنة جالوت
وجنوده، الذين اصطفاهم الله لهذا الواجب،
فقد ((أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لولا
دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر
الدهر لفسدت الأرض؛ لأن الكفر كان
يطبقها ويتمادى في جميع أقطارها، ولكنه
تعالی لا یخلي الزمان من قائم بحق، وداع
إلى الله ومقاتل عليه، إلى أن جعل ذلك في
أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام
الساعة، له الحمد کثیرًا.
قال مكي: ((وأكثر المفسرين على أن
المعنى لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن
لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك
الناس بذنوبهم»(١).
وهكذا تتعدد حالات الإفساد بالباطل،
ويتعدد لأجلها الدفع لها، ومن ذلك مجيء
الإسلام -خاتم الرسلات- في دفع عبادة
الأصنام، فنال رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه صنوفًا من العذاب، لا
تستطيع الجبال حملها، حتى أذن الله لهم
بالدفع عن دینھم وأنفسهم.
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِن دِيَرِهِم
بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ
الَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّدِّمَتْ صَوَمِعُ رَبِيَعٌ
وَصَلَوَتُ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيَا أَسْمُ اللَّهِ
كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ
اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
و((دفع الله بعض الناس ببعض إظهاره
وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين
بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون
على أهل الملل المختلفة في أزمتهم،
وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا
للنصاری بیعًا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا
لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد.
أو لغلب المشركون من أمة محمد صلى
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٣٣٧.
٣٩٠
مُؤَسُولَةُ النَّة
جوبيـ
القرآن الكريم

الباطل
الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل القوس (٢)، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه
في عينه، ويقول: ﴿جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ
[الإسراء: ٨١])(٣).
الكتاب الذين في ذمتهم وهدموا متعبدات
الفريقين))(١).
وهنا يأتي رب العزة سبحانه لبيان
الحكمة من وراء هذا التدافع، وتلك
الدماء التي تراقٍ، والأنفس التي تزهق،
ليقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنَّ مَا
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْعَلِىُّالْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
نعم! إن البعض يقاتل الناس ليسود
الباطل بكل صوره وأشكاله، وأما أهل الحق
فلا يعبدون إلا الحق، ويرخصون أنفسهم
زكية في سبيله.
ولما تمكن حبيبنا المصطفى صلى الله
عليه وسلم من دفع الباطل وأهله، وفتح
مکة، ودخل إلى الكعبة، وجد الأصنام فيها
وحولها، فأخذ يكسرها قائلًا: جاء الحق
وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا.
قال سبحانه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ
اَلْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: ٨١].
جاء في صحيح مسلم من حديث أبي
هريرة قال: (وأقبل رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه ثم
طاف بالبيت، قال: فأتی علی صنم إلى جنب
البیت کانوا یعبدونه، قال: وفي ید رسول الله
صلى الله عليه وسلم قوسٌ وهو آخذٌّ بسية
(١) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٦٠.
((لو ما رأيت محمدًا وجنوده بالفتح يوم
تكسر الأصنام لرأيت دين الله أصبح بينًا
والشرك يغشي وجهه الإظلام)) (٤).
وقد أمر الله تعالى حبيبنا المصطفى
صلى الله عليه وسلم أن يصدع أمام كفار
قريش بالقول: ﴿قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ
الْبَطِلُ وَمَايُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩].
ورد عن قتادة القول: ((﴿قُلْ جَاءَ الَْقُّ﴾
أي: القرآن ﴿وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾
والباطل: إبليس، أي: ما يخلق إبليس أحدًا
ولا يبعثه))(٥)
.
وعمم الطبري القول في الباطل فقال:
((قل لهم يا محمد: جاء القرآن ووحي الله
﴿وَمَا يُبْدِىُّ الْبَطِلُ﴾ يقول: وما ينشىء
الباطل خلقًا))(٦).
وهكذا ستنتهي هذه المعركة بانتصار
(٢) هي ما انعطف من طرفي القوس، انظر:
مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٢٣، ونيل
الأوطار، الشوكاني ٨/ ٢٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب فتح مكة، رقم ١٧٨٠، ٣/
١٤٠٦.
(٤) ينسب إلى فضالة بن عمير بن الملوح الليثي،
انظر: أخبار مكة، للفاكهي ٥/ ٢٠٤.
(٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٠/ ٤٢٠، وابن
أبي حاتم في تفسيره ١٠ / ٣١٦٨.
(٦) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤١٩.
www. modoee.com
٣٩١

حرف الباء
الحق على الباطل، كما صرح بذلك
سبحانه: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ
وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ
مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:
١٢٨].
وسيؤول حال الباطل إلى الزهوق
والاندثار، كما نص على ذلك رب العزة
قائلًا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلِلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ.
فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾
[الأنبياء: ١٨].
أي: «بل من عادتنا وموجب حكمتنا
واستغنائنا عن القبيح أن نغلب اللعب بالجد،
وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك
القذف والدمغ تصويرًا لإبطاله وإهداره
ومحقه، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة
مثلًا، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه،
ثم قال: ولكم الويل مما تصفون به مما لا
يجوز عليه وعلى حكمته)) (١).
وعليه فإنه يجب على المؤمن أن يرتبط
بالله القوي، وأن يحذوه الأمل في قرب
انتصار الحق على الباطل ودحره، راضيًا
بسنة الله تعالى الاجتماعية القائمة على
الصراع الدائم بين الحق والباطل، وتشتمل
في ثناياها بحرًا من الحكمة لا ينضب،
ودليلًا على استحقاقه سبحانه بالألوهية لا
ينتهي؛ فعلينا بالصبر والتصبر.
(١) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٠٧.
مصير الباطل والمبطلين
لكل بداية نهاية في هذه الحياة الدنيا؛
فكما أعطى الله تعالى الشيطان وحزبه
القدرة على سلوك طريق الباطل، فهو كذلك
بشرهم بمصير محتوم في الدنيا والآخرة،
كنهاية حتمية لباطلهم، ولهم أنفسهم.
أولًا: مصير الباطل:
من خلال النظر في الآيات الكريمة
السابقة وغيرها، يتبين لنا أن الله تعالى وعد
الباطل بمصير محتم، ملؤه الخسران والمحو
والزهوق والمحق، ولكل منها معنى يختص
به، وهي كالآتي:
١. محو الباطل.
تكفل الحق تبارك وتعالى بمحو الباطل،
كما في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَ عَلَى اللّهِ كَذِبًا فَإِن
يَشَلِ اللّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكٌ وَيَمْحُ اَللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ الْحَنِّ
بِكَلِمَتِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى:
٢٤].
والمحو عند أهل اللغة يعني ذهاب
الشيء وأثره (٢)، ويقال: محت الريح
(٣)، ومحى
به (٣)
السحاب بمعنى: ذهبت
(٢) العين، الفراهيدي ٣/ ٣١٤، مقاييس اللغة،
ابن فارس ٥/ ٣٠٢، تاج العروس، الزبيدي
٣٩/ ٥١٢.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٠٢،
والمحكم، ابن سيده ٣/ ٤٥٤، ومعجم اللغة
العربية المعاصرة، أحمد مختار ٣/ ٢٠٧٤.
٣٩٢
مَوَسُو بَرُ النفسية العضوي
القرآن الكريم

الباطل
الطالب السبورة، أي: لم يترك عليها أثرًا رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه حيث
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
للكتابة.
(لي خمسة أسماءٍ: أنا محمدٌ، وأحمد وأنا
الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا
الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا
العاقب)(٤).
وأما أهل العلم الشرعي، فلم يذهبوا في
معناه أبعد مما ذهب إليه أهل اللغة، فهذا
الإمام أبو جعفر الطبري يقول: ((﴿وَيَمْحُ
اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ يقول: ويذهب الله بالباطل
فیمحقه))(١).
وكذا النحاس حيث قال: ((معناه أن الله
جل وعز يزيل الباطل ولا يثبته))(٢).
أما السمرقندي فیری أنه «يعني: يهلك
الله تعالى الشرك)»(٣).
ومن مجموع ما ذکروه یتبين لنا أن المحو
هو إزالة الباطل وإهلاكه حتی لا یبقی له أثر.
وبالاستدلال من كلام الله تعالى نجد
أنه سبحانه استخدم المحو في إزالة الشيء
وعدم بقاء شيء منه، كما في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا أَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَا ءَايَةَ الَِّلِ
وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِنِ
زَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلِسِنِينَ وَاَلْحِسَابَّ وَكُلَّ
شَىْءٍ فَصَّلْنَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
وكذا في قوله سبحانه: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا
يَشَآءُ وَيُشْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد:
٣٩].
وكذلك ورد في كلام أفصح العرب
صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي
(١) جامع البيان، الطبري ٢١ / ٥٣٢.
(٢) إعراب القرآن، النحاس ٤ / ٥٦.
(٣) تفسير السمر قندي ٣/ ٢٤٣.
وهکذا کان حقًا صلى الله عليه وسلم.
وأما السياق الذي ورد فيه المحو للباطل
في الآية السابقة، فهو في معرض الإقناع
للمشرکین بأن محمدًا صلی الله عليه وسلم
لن يفتري على الله تعالى شيئًا، وإلا لعذبه
الله على مرأى من الجمیع.
قال الطبري: ((يقول لنبيه صلى الله عليه
وسلم: لو حدثت نفسك أن تفتري على الله
كذبًا، لطبعت على قلبك، وأذهبت الذي
أتيتك من وحيي، لأني أمحو الباطل فأذهبه،
وأحق الحق، وإنما هذا إخبار من الله
الکافرین به، الزاعمین أن محمدًا افترى هذا
القرآن من قبل نفسه، فأخبرهم أنه إن فعل
الفعل به ما أخبر به في هذه الآية))(٥).
وفي إثبات ما سبق ذكره يقول النحاس:
((ففيه احتجاج عليهم لنبوة محمد صلى الله
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله،
رقم ٣٥٣٢، ٤ / ١٨٥، واللفظ له،، ومسلم
في صحيحه، كتاب الفضائل، باب ما في
أسمائه صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٥٤،
٤ / ١٨٢٨.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥٣٢.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف الباء
علیه وسلم؛ لأن معناه أن الله جل وعز یزیل
الباطل ولا يثبته، فلو کان ما جاء به محمد
صلی الله عليه وسلم باطلا لمحاه الله جل
وعز وأنزل كتابًا على غيره.
وهكذا جرت العادة في جميع المفترين
أن الله سبحانه يمحو باطلهم بالحق
والبراهين والحجج ويحق الحق بكلماته أي
یبین الحق))(١).
صدق الرسول والرسالة بمحو باطلهم، ولا
أدل على ذلك من الواقع الذي خبروه من
أسلافهم، في عاد وثمود وقری لوط وغيرها
الكثير.
٢. زهوق الباطل.
وأما النتيجة الثانية التي يتعرض لها
الباطل کما وعد الله تعالى، فهو الزهوق،
حيث قال عز من قائل: ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:
٨١].
والزهوق له عند أهل اللغة أكثر من معنى،
أهمها: الذهاب والهلاك والاضمحلال،
يقال: ((زهقت نفسه، وهي تزهق زهوقًا، أي:
ذهبت، وكل شيء هلك وبطل فقد زهق)) (٢).
(١) إعراب القرآن، النحاس ٤ / ٥٦.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/
٢٥.
(٢) العين، الفراهيدي ٣/ ٣٦٣.
وانظر: لسان العرب، ابن منظور ١٠/ ١٤٧،
القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٨٩٢.
وذهب ابن فارس إلی أن له أصلًا واحدًا
يدل على: ((تقدم ومضي وتجاوزٍ، من ذلك
زهقت نفسه، ومن ذلكَ زهق الباطل، أي:
مضى. ويقال: زهق الفرس أمام الخيل،
وذلك إذا سبقها وتقدمها. ويقال: زهق
السهم، إذا جاوز الهدف، ويقال: فرسُ ذات
أزاهيق، أي: ذات جريٍ وسبقٍ وتقدمٍ))(٣).
والذي يظهر أنها ترجع إلى معنى
إذن فهو تعالى يبرهن للكفار على الذهاب، فإذا تقدم الشيء فقد ذهب،
وكذلك إذا مضى وتجاوز غيره، ثم إن
الرابط مع أقوال غيره من أهل العلم، أن
الهالك والمضمحل نهايتهما الذهاب.
ومن ثم فإننا نتحدث عن مصير آخر
للباطل، ألا وهو اضمحلاله وإهلاكه حتى
يذهب بلا عودة.
ولقد عاين المسلمون الأوائل زهوق
الباطل -من عبادة الأوثان والهوى وتقليد
للآباء وغيرها-، حين بزغ فجر الإسلام،
وأخذ هذا النور بالاتساع أكثر فأكثر،
والباطل يضمحل شيئًا فشيئًا، كما وعد الله
تعالی.
وسيبلغ النور الذي يذهب الباطل
مشارق الأرض ومغاربها، كما أخبر الصادق
المصدوق صلی الله عليه وسلم حيث قال
في الحديث الذي رواه ثوبان رضي الله عنه
مولى رسول الله: (إن الله زوى لي الأرض،
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٣٢.
٣٩٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الباطل
فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ أي: جماعتهم وأصلهم)) (٢).
وَزْهَقَ
وقد ورد عن قتادة فى بيان معنى
الْبَطِلُ﴾: «هلك الباطل وهو الشيطان))(٣).
ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين
الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي
أن لا يهلكها بسنةٍ عامٍ، وأن لا يسلط عليهم
عدوًا من سوی أنفسهم، فیستبيح بيضتهم،
وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت
قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن
لا أهلكهم بسنةٍ عامٍ، وأن لا أسلط عليهم
عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم،
ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال
من بین أقطارها - حتی یکون بعضهم يهلك
بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا)(١).
وقد وقعت کلها بحمد الله کما أخبر به صلى
الله عليه وسلم، قال العلماء: المراد بالكنزين
الذهب والفضة، والمراد كنزي كسرى
وقيصر ملكى العراق الشام، فيه إشارةٌ إلى
أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده في
جهتي المشرق والمغرب، وهكذا وقع، وأما
في جهتي الجنوب والشمال فقليلٌ بالنسبة
إلى المشرق والمغرب، وصلوات الله
وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق
عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى. قوله
صلى الله عليه وسلم: (فيستبيح بيضتهم)
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن
وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم
ببعضٍ، رقم ٤،٢٨٨٩ / ٢٢١٥.
قال ابن كثير: ((تهديدٌ ووعيد لكفار
قريش؛ فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي
لا مرية فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله
به من القرآن والإيمان والعلم النافع. وزهق
باطلهم، أي اضمحل وهلك، فإن الباطل لا
ثبات له مع الحق ولا بقاء ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلَلْنَّ
عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:
١٨]»(٤).
((ودل فعل كان على أن الزهوق شنشئة (٥)
يقول الإمام النووي: ((أما زوي فمعناه الباطل، وشأنه في كل زمانٍ أنه يظهر ثم
جمع، وهذا الحديث فيه معجزاتٌ ظاهرةٌ يضمحل))(٦).
ثم نحن بعد هذا الظلم الذي تحياه الأمة،
من تسلط أعدائها عليها، ترتفع أعناقنا أملًا
في رؤية بزوغ فجر ذاك اليوم، الذي يزول فيه
الباطل ويندحر بكل ملله.
٣. محق الباطل وقذفه.
توعد الله العزيز الكفر والباطل
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،
النووي ١٨/ ١٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٣٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ١١٢.
وانظر: إعراب القرآن، النحاس ٢/ ٢٨١،
تفسير السمر قندي ٢/ ٣٢٦.
(٥) أي: غريزته، انظر: العين، الفراهيدي ٦/
٢٢٠.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ١٨٨.
www. modoee.com
٣٩٥

حرف الباء
بالمحق، وهو جزء من الحرب التي تكفل فَيَدْمَغُّهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا
نَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
الله تعالى فيها بنصرة الحق وأهله، قال
سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١].
والمحق عند أهل اللغة ذهاب البركة
ونقص الشيء بما يؤدي إلى تلفه، قال
الخليل بن أحمد: « محق: محقهالله فانمحق
وامتحق: أي ذهب خيره وبركته ونقص))(١).
((وكل شيءٍ نقص وصف بهذا،
والمحاق: آخر الشهر إذا تمحق الهلال،
ومحقه الله: ذهب ببركته. وقال قومٌ: أمحقه،
وهو ردي﴾(٢).
إذن هو وعد منه سبحانه بأن يمحق
الباطل، فيذهب بركته، وينقص منه ومن
أهله.
وفي التفريق بين المحق والإذهاب،
يلفت العسكري الانتباه إلى أن المحق يكون
لمجموع الأشياء وليس للفرد، ومن ذلك
أنه لا یقال: محق الدینار إذا أذهبه، بل محق
الدنانير. (٣)
ومحق الباطل -بإذهاب بركته وإنقاصه-
له صور كثيرة منها:
تسليط أهل الحق على الباطل وأهله.
قال تعالى: ﴿بَلِّ نَقْذِفُ بِلَلِنَّ عَلَى الْبَطِلِ
(١) العين، الفراهيدي ٣/ ٥٦.
وانظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ٥٦٠.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠١/٥.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٠٥.
فلله أجناد لا يعلم عددها إلا هو سبحانه،
ومنهم خلص المؤمنين، الذين اشترى
الله منهم أنفسهم، فأرخصوها في سبيل
رضوانه، يذبون عن الحق، لا يهدأ لهم بال
حتی یروا الكفر والباطل یتقلص شيئًا فشيئًا،
حتى تعلو راية الحق.
# ما يقذفه الله تعالى في نفوس أهل
الباطل من الشعور الدائم بالضيق
والهم، بالرغم من كونهم يرتكبون
المعاصي، وينتهكون الأعراض،
ويسلبون الأموال، غير أنهم لا يجدون
لذتها الحقيقية، فهم يخالفون فطرة
الرحمن، ويعادون أولياءه.
٤. بطلان الباطل.
ومما توعد الله الباطل به (إبطاله)، كما
صرح ربنا سبحانه وتعالى في قوله: ﴿لِيُحِقَّ
اَلَْقَّ وَبُبْطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
[الأنفال: ٨].
وقد ذكرنا في أن الباطل في اللغة هو
خلاف الحق وضده، وأنه يعني: ذهاب
الشيء وزواله، وقلة مكثه في الوجود
والواقع.
وذكرنا أن الذي يربط تلك المعاني
جميعها هو الزوال واللاقيمة؛ فالشيطان
سرعان ما يزول شره، ويظهر وهنه.
موسوعة البقية
القرآن الكريم
٣٩٦

الباطل
يقول القرطبي: ((أي: يستأصلهم وإن الكذب ريبةٌ)(٢).
بالهلاك. ﴿لِيُحِقَّ لَلْحَقَّ﴾ أي يظهر دين
الإسلام ويعزه. ﴿وَيُطِلَ الْبَطِلَ﴾ أي
الكفر. وإبطاله إعدامه، كما أن إحقاق الحق
إظهاره» (١).
وبعد: فقد ظهر لنا من خلال ما سبق،
أن الله تعالى تكفل بإعدام الباطل ومحقه
وإذهابه وإبطاله ومحوه وعدم الإبقاء عليه،
وهذا يجعل طمأنينة في صدر المؤمن لا
نهاية لها، فمن الذي يقف في وجه الجبار
سبحانه؟ !.
ثانيًا: مصير المبطلين:
لا شك في أن مصير المبطلين تابع
لمصير الباطل؛ فهم جنوده الأوفياء، ومن
ذلك:
١. ارتياب المبطلين.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ،
مِن كِتَبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِنِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ
الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
الريبة خلق ذميم، يتصف به الشاك
وضعيف اليقين والثقة، ولهذا نهى النبي
صلى الله عليه وسلم المؤمن من أن
يستحوذ عليه الريب، كما في الحديث الذي
رواه الحسن بن علي رضي الله عنه: (دع ما
يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينةٌ،
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٣٧٠.
وأما الريب فهو الشك والخوف، و((ما
رابك من أمرٍ تخوفت عاقبته))(٣)، والاسم
منه: (الريبة)، وتعني التهمة والشك (٤).
ويفرق العسكري بكلام لطيف بين
الريب والشك، حيث يقول: ((الشك: هو
تردد الذهن بین أمرین علی حد سواء، وأما
الريب فهو شك مع تهمة.
﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا
ودل عليه قوله تعالى:
رَيْبْ فِهِ﴾ [البقرة: ٢].
وقوله تعالى:
﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
[البقرة: ٢٣].
فإن المشركين - مع شكهم في القرآن -
كانوا يتهمون النبي بأنه هو الذي افتراه
وأعانه عليه قوم آخرون! ويقرب منه
(المرية) وهو بمعناه)(٥).
فأهل الباطل في ريبة دائمة، وخوف ینكد
عليهم عيشهم، فكيف يستلذون بالعيش،
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند أهل البيت
رضوان الله عليهم أجمعين، حديث الحسن
بن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنهما،
رقم ١٧٢٣، ٢/ ٣٤٥، والترمذي في سننه،
أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب
منه، رقم ٤،٢٥١٨/ ٦٦٨، واللفظ له.
وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم
٢،٢٧٧٣/ ٠٨٤٥
(٣) العين، الفراهيدي ٨/ ٢٨٧.
(٤) انظر: الصحاح، الجوهري ١/ ١٤١، مقاييس
اللغة، ابن فارس ٢ / ٤٦٣.
(٥) معجم الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٦٤.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الباء
والخوف من قرب مصيرهم المحتوم
يؤرقھم ليلا ونهارًا؟.
٢. إهلاك المبطلين.
من الأمور التي توعد الله تعالى فيها أهل
الباطل الهلاك في الدنيا، قال تعالى: ﴿أَوْ
نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِيَّةً مِّنْ
بَعْدِهِمْ أَفَتَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:
١٧٣].
ووجه الاستدلال في الآية الكريمة: أنه
إذا كان اتباع المبطلين في أفعالهم يهلك
غيرهم من الصالحين، فما بالنا بإهلاك
المبطلين أنفسهم.
فإهلاك الله تعالى الكافرين المبطلين
ومعهم الصالحين أمر طبيعي، إذا لم يقوموا
بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وكثر الخبث، وانتشرت الفواحش.
فعن زينب بنت جحش، رضي الله عنها:
أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها
فزعًا يقول: (لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من
شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج
ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعه الإبهام
والتي تليها، قالت زينب بنت جحشٍ: فقلت
یا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:
(نعم إذا كثر الخبث)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، رقم
٣٣٤٦، ٤ / ١٣٨، واللفظ له، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب
ومن السنن الاجتماعية التي بينها الله في
كتابه: إهلاك المبطلين، ولا أدل على ذلك
من إهلاكه سبحانه للقرى الظالمة، كقوم
عاد وثمود وغيرهم.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىّ
أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم
مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف: ٥٩].
فتلك («القری من عاد وثمود وأصحاب
الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا، فكفروا
بالله وآياته، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَّوْعِدًا
يعني ميقاتًا وأجلّاً حين بلغوه جاءهم عذاب
فأهلكناهم به، يقول: فكذلك جعلنا لهؤلاء
المشركين من قومك يا محمد الذين لا
يؤمنون بك أبدًا موعدًا))(٢).
ولهذا كان من بين ما حذر به الله تعالى
المشركين من عاقبة الكفر، هو تذكيرهم
بعاقبة تلك القرون التي لا زالت مساكنهم
شاهدة على حجم العذاب الذي تعرضوا له
وهوله.
قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا
قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَكِنِهِمْ إِنَّفِ ذَلِكَ
لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّعَى﴾ [طه: ١٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ
بَطِرَتْ مَعِشَتَهَا فَئِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ
مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ﴾
اقتراب الفتن وفتح ردم یأجوج ومأجوج، رقم
٤،٢٨٨٠ / ٢٢٠٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٣
مَوَبُوبَةُ الَشية
القرآن الكريم
٣٩٨

الباطل
[القصص ٥٨].
موضحًا لهم أن أرضهم ومساكنهم لم
تسکن من بعدهم، وأن البقاء لله تعالى فهو
الوارث.
٣. خسران المبطلين.
ذكرنا سابقًا أن الله تعالى توعد المبطلين
بالهلاك في الدنیا، فصدقهم وأهلکهم أيما
إهلاك، غير أن ذلك كان جزءًا من مصير
مخيف ينتظرهم في الآخرة؛ فعذاب الآخرة
أشد وأعظم من عذاب الدنيا، و کذلك فهو
دائم لا ينقطع.
وهذا أمر تضطرب له القلوب التي فيها
ولو ذرة من الحياة، ويشيب له الولدان،
وبنظرة سريعة في وصف العذاب الذي أعده
الله تعالی للمبطلین، سیتبین أنهم مغمورون
عن هذه الحقائق والأهوال.
قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقٌ وَمَا لَهُم
مِنَ اَللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤].
وقال أيضا: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾
[طه: ١٢٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌّلَوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى
[فصلت: ١٦]؛ فهو أشق
وَهَمْ لَا يَنَصَرُونَ
وأشد وأبقى وأكبر وأخزى، وكلها بالمقارنة
بعذاب الدنیا، آیا کان نوعه و حجمه وشدته.
فخسارة المبطلين يوم القيامة وفي
الآخرة عمومًا شيء مجزوم به، لا راد له.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن
قَبْلِكَ مِنْهُمِ مَّنِ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ
نَقْصُصْ عَلَيْكَّ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِشَايَةٍ
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ
وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨].
وقال في أخرى تأكيدًا لما سلف: ﴿وَلَّهِ
مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِدٍ
يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٧].
«فإذا جاء أمر الله بالعذاب في الدنيا أو
الآخرة قضي بالحق بإنجاء المحق وتعذيب
المبطل، وخسر هنالك المبطلون المعاندون
باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها)»(١).
وهكذا تنتهي فصول حياة طويلة نجح
فيها أناس لم تغرهم الحياة الدنيا، وسقط فيها
المبطلون، بما كانوا عن آيات الله يصدون
ويستكبرون، فكانت نهايتهم خسرانًا مبينًا،
لا رجعة فيها ولا ينفع معها الندم.
موضوعات ذات صلة:
الافتراء، الحق، الزور، الكذب
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٦٤/٥.
www. modoee.com
٣٩٩