النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ البَاطِل عناصر الموضوع مفهوم الباطل ٣٦٤ الباطل في الاستعمال القرآني ٣٦٥ الألفاظ ذات الصلة ٣٦٦ الباطل بين النفي والإثبات ٣٦٩ أنواع الإبطال ٣٧٧ ٣٧٩ سلوكيات باطلة ٣٨٧ الباطل في المثل القرآني ٣٩٠ الصراع بين الحق والباطل ٣٩٢ مصير الباطل والمبطلين المُجَلَدَ السَّادِسْ حرف الباء مفهوم الباطل أولًا: المعنى اللغوي: من المعلوم أن الباطل خلاف الحق وضده(١)، ويعني: ذهاب الشيء وزواله، وقلة مكثه في الوجود والواقع، قال ابن فارس: (((بطل) الباء والطاء واللام أصل واحد، وهو ذهاب الشيء وقلة مكثه ولبثه. يقال: بطل الشيء يبطل بطلًا وبطولًا. وسمي الشيطان: الباطل؛ لأنه لا حقيقة لأفعاله، وكل شيء منه فلا مرجوع له ولا معول عليه، والبطل الشجاع ... لأنه يعرض نفسه للمتالف»(٢). ((وبطل الأجير بالفتح بطالةً، أي تعطل فهو بطال))(٣). فالذي يربط تلك المعاني جميعها هو الزوال واللاقيمة؛ فالشيطان سرعان ما يزول شره، ويظهر وهنه، والبطل يزول بتعريض نفسه للخطر، والبطالة كذلك لا قيمة لصاحبها ولا أثر. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الباطل هو: ما لا ثبات له، ولا خير فيه، سواء أكان اعتقادًا، أم فعلًا، أم كلامًا، أم غيره (٤). وما يجمع هذه المصطلحات مع المعنى اللغوي هو الزوال والذهاب، فما كان غير صحيح فهو إلى ذهاب، وفي عرف الفقهاء: الباطل كأنه لم يكن، فهو زائل، حتى كلمة بطل التي تقال للشجاع فلأنه يعرض نفسه للموت، ودمه للهدر، أو لأنه يبطل دم من تعرض له أي یذهبه ویزیله.(٥) ومن ثم فإن الارتباط بين المعنيين - اللغوي والاصطلاحي - يعد ارتباطًا وثيقًا؛ يقوم على أن الباطل لا قيمة له، ولا دوام؛ فسرعان ما يتلاشى بلا أثر يذكر. (١) انظر: الصحاح الصحاح، للجوهري ٤ / ١٦٣٥، مختار الصحاح، الرازي ص ٣٦. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ١ / ٢٥٨، بتصرف يسير. (٣) الصحاح، الجوهري ٤ / ١٦٣٥. (٤) انظر: التعريفات، علي الجرجاني ص ٤٢، المفردات، الراغب ص ١٢٩، الكليات، الكفوي ص ٢٤٤، القاموس الفقهي، سعيد أبو حبيب ص ٣٩، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/ ٢١٩. (٥) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي ص ٦٩. ٣٦٤ موسوعة المسلم القرآن الكريم الباطل الباطل في الاستعمال القرآني وردت مادة (بطل) في القرآن الكريم (٣٤)، مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ١١٨)﴾ [الأعراف: ١١٨] الفعل المضارع ٤ [الأنفال: ٨] اسم فاعل ٢٩ ( وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: ٨١] ٨١ وجاء الباطل في الاستعمال القرآني على وجهين (٢): الأول: بمعناه اللغوي، وهو ضد الحق، وما لا ثبات ولا صحة له، مثل: الشرك والكذب والظلم. الثاني: الإحباط: ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْصَدَ قَتِّكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. يعني: لا تحبطوا. (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٢٣ - ١٢٤. (٢) انظر: المفردات، الراغب ص١٢٩، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١٣١ - ١٣٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ١٩٦ - ١٩٧. www. modoee.com ٣٦٥ لِيُحِقَّ لُلْحَقَّ وَبُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ ٨ حرف الباء الألفاظ ذات الصلة الضلال: ١ الضلال لغة: مصدر (ضل)، والذي يعني الضياع والذهاب والغياب، وكل من زاغ عن المطلوب والقصد يسمى (ضالًا)، و(يَضَل ويَضِل) لغتان عند العرب(١). الضلال اصطلاحًا: ((كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا))(٢). وهذا التعريف يشمل جميع المعاني، وهو أن الضلال خلاف الهدى، سواء كان في الاعتقاد أو في الأفعال، عامدًا الضلال أم جاهلًا؛ فالنتيجة واحدة وهو أنه ضال، ولذا فقد عرفه الراغب بقوله: ((العدول عن الطريق المستقيم))(٣). الصلة بين الباطل والضلال: سبق القول: إن الضلال كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا، قليلًا كان أو كثيرًا، وعلى هذا فهو صورة من صور الباطل، ونموذج من نماذجه؛ إذ إن ضلال المرء عن الطريق يبعده عن الوصول لمقصده أكثر فأكثر، وبالتالي لا يحقق المرء غايته أبدًا، وهكذا الباطل لا يرجى منه نفع ولا مقصود. الحبوط: ٢ الحبوط لغة: يقول ابن فارس: ((الحاء والباء والطاء أصل واحد يدل على بطلانٍ أو ألم. يقال: أحبط الله عمل الكافر، أي أبطله ... ومما يقرب من هذا الباب حبط الجلد، إذا كانت به جراح فبرأت وبقيت بها آثار)) (٤). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٣٥٦، لسان العرب، ابن منظور ١١/ ٣٩٠، المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٣٦٣. (٢) الكليات، الكفوي ص ٥٦٧. (٣) المفردات، الراغب ص ٥٠١. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٢٩، ١٣٠ بتصرف. جَوَسُوبَةُ التَّفِيد القرآن الكريم ٣٦٦ الباطل الحبوط اصطلاحًا: فهو ((إبطال عمل البر من الحسنات بالسيئات))(١). قال ابن الأثير: (((أحبط الله عمله) أي: أبطله. يقال: حبط عمله يحبط، وأحبطه غيره))(٢). والملاحظ في الرابط بين المعنيين، أن الحبوط لغة انتفاخ في بطن الدابة، نتيجة لأكلها نباتًا يترك هذا الأثر، فيظن الناظر إلى الدابة أنها سمنة نافعة، غير أنه انتفاخ قاتل يسبب الألم والموت، وهكذا اصطلاحًا؛ حيث يظن الكافر أن عمله له قيمة وأجر، غير أنه لاقيمة له بسبب فساده وحبوطه. الصلة بين الباطل والحبوط: تظهر العلاقة بين الباطل والحبوط بشكل جلي؛ فالحبط : إبطال عمل البر من الحسنات بالسيئات، فالعمل أو القول الذي يكون باطلًا لا خير فيه، وكذلك العمل المحبط، لا نفع ولا أجر له، ويتحول هذا العمل بعد الحق إلى الباطل. اللغو: ٣ اللغو لغة: اللغوهو: ما لا نفع ولا خير فيه، وقد يكون مضرًا، ثم اختلف أهل اللغة بين معممٍ له في الأقوال والأفعال(٣)، وبين مخصص له في الأقوال دون غيرها (٤). اللغو اصطلاحًا: فقد عرفه الكفوي بأنه: ((كل مطروح من الكلام لا يعتد به))(٥)، وبما أنه مطروح ولا يعتد به، إذن فلا خیر فیه ولا نفع. الصلة بين الباطل واللغو: لما أن كان اللغو يشمل كل مطروح من الكلام الذي لا يعتد به، فهو يشترك مع الباطل في عدم نفعه، وتضيع الوقت في الاشتغال فيه؛ إذن هو صورة من صور الباطل. (١) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٣٦. (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١/ ٣٣١. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٢٥٥، أحكام القرآن، الجصاص ٥/ ٩٢، أحكام القرآن، ابن العربي ٣ / ٤٥٤. (٤) انظر: العين، الفراهيدي ٤ / ٤٤٩، مختار الصحاح، الفيومي ص ٢٨٣. (٥) الکلیات، الكفوي ص ٧٧٨. وانظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة ٢/ ٨٢. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الباء الحق: ٤ الحق لغة: هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجبًا(١)، ولا يصح إنكاره، يقول ابن فارس: ((يدل على إحكام الشيء وصحته))(٢). الحق اصطلاحًا: هو الحكم المطابق للواقع، في الأقوال والعقائد والأديان، ويقابله الباطل(٣). الصلة بين الباطل والحق: سبق القول إن الباطل هو: ما لا ثبات له، ولا خير فيه، سواء كان اعتقادًا أو فعلًا أو كلامًا أو غيره، وبالتالي فخلافه الحق الذي هو: الحكم المطابق للواقع، في الأقوال والعقائد والأديان؛ فالباطل زائل، وأما الحق فثابت راسخ. (١) انظر: العين، الفراهيدي ٣/ ٦، المصباح المنير، الفيومي ١/ ١٤٣. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٥، ١٧ بتصرف. (٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٨٩، وأما أبو البقاء الكفوي فقد رأى أن اللفظ انتقل من القول المطابق للواقع إلى ((اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب))، الكليات ص ٣٦٣. ٣٦٨ مُؤَسُولَةُ النَِّيّة جوبيبو القرآن الكريم الباطل الباطل بين النفي والإثبات ذكر القرآن الكريم كثيرًا من الأمور والشخصيات، وأثبت بطلان بعضها، ونفى البطلان عن البعض الآخر، وذلك بناء على ماهية و حقيقة تلك الأمور، وما يترتب عليها من آثار إيجابية أو سلبية على الواقع الديني والاجتماعي ونحوهما. أولًا: الباطل المثبت: هناك عدة أشياء وصفها القرآن الكريم بكونها باطلًا، منها: ١. عبادة غير الله تعالى. تعددت المعبودات من دون الله بتعدد الأهواء والمصالح والأزمان؛ فمنهم من عبد الأوثان (الأصنام)، ومنهم من وله في عبادة الشمس والنار، ومنهم من نزل عن كرامته ليعبد الدواب -ومنها الأبقار التي يعبدها الهندوس-، وغيرها من المعبودات؛ كالهوى والمال والحب في غير ذات الله، عدا عن العبادات المعنوية. ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُبْطِلَ اَلْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾[الأنفال: ٨]. نعم، جاء ليثبت بطلان المعبودات الأخرى من دونه سبحانه، فهي لا تستحق العبادة، ولا تستحق أن يصرف جزء من العبادة لها، يقول الطبري: ((يريد الله أن يقطع دابر الكافرين، كيما يحق الحق، کیما یعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام، ويعز الإسلام، وذلك هو ((تحقيق الحق))، ﴿وَبُطِلَ اَلْبَطِلَ﴾، يقول: ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر))(١). وقد يتساءل عن سبب التأكيد في الآية الكريمة بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وكان يكفي أن يكون حقّا ليتبع، لكنها حكمة الله في إحقاق الحق -وهو إظهاره وليس جعله حقًا - وإبطال الباطل -وهو محقه وطمسه-؛ إذ قد يظن الناس الحق باطلًا بتشابههما في عدم الظهور(٢). ولقد أكثر القرآن العظيم من ذكر آيات كريمات تدل على وحدانية الله تعالى، واستحقاقه للألوهية وحده، وذلك بطرق عقلية مختلفة، منها: # أنه لا يمكن أن يكون في الكون إلا خالق واحد هو الله. حيث قال سبحانه: ﴿لَوْكَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَّ إِلَّا اللَّهُ لَغَسَدَنَاْ فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وفي آية أخرى يبين سبب الفساد؛ إذ يقول تعالى: ﴿مَا أَتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَدُ مِنْ إِلَةٍّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا (١) جامع البيان، الطبري ١٣/ ٤٠٨. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٧. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الباء بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِ سُبْحَنَ اُلَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون: ٩١]. ولو ذهب كل إله بما خلق لحدث التزلزل في نظام الكون، غير أن الاستقرار الحاصل في الكون دليل واضح على وجود مدبر واحد لا ثاني له. أنه تعالى المنعم بكل شيء؛ فهو الخالق وغيره لا، ولن يخلقوا -ولو اجتمع بعضهم إلى بعض- أصغر مخلوقات الله تعالى، فكيف إذن يعبد غيره. قال سبحانه عن عجز الآلهة المزعومة المعبودة من دون الله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ. وَإِنِ يَسْتُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: ٧٣]. وقال عز من قائل مستنكرًا عليهم عبادة غيره؛ لأن بطلانها مدرك بالعقل: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَرُونَ﴾ [النحل: ١٧]. أفمن العدالة أن ينسب الفضل لغير أهله، ويشكر على الفعل غير فاعله؟ !. جاء القرآن الكريم بقصص الأنبياء كثيرة، تبين إثبات بطلان عبادة غير الله تعالی. كما في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه من الوثنيين، حيث يقول الله تعالى عنهم بعد أن حطم إبراهيم عليه السلام أوثانهم: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ؟ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُه إِبْرَهِيمُ ﴾ قَالُواْ فَأَتُواْبِهِ، عَ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَاِتِّنَا يشهدُونَ وَإِبْرَهِيمُ (٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُ هُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ ) فَرَجَعُوْا إِلَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ٦٤ ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَنُلَاءِ يَنطِقُونَ ﴿ قَالَ أَفْتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ ٦ أُفِ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦٧]. نعم والله إنه خلاف العقل، وانتكاس للفطرة التي خلقوا عليها. ٢. كل ما يصدر عن الشيطان. لقد أثبت القرآن العظيم البطلان للشيطان؛ حيث وصفه الحق سبحانه بالباطل في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَتَبَعُوا الْبَطِلَ﴾ [محمد: ٣]. ومن كان في ذاته باطلًا فكل ما يصدر عنه فهو باطل، واتباعهم لباطله يعني أنهم «اتبعوا وسوسته بالذي دعاهم إليه من عبادة الأوثان)»(١). (١) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤/ ٢٣٤، واعتبر الماوردي أنه يحتمل معنى الهوى حيث قال: «فيه قولان: أحدهما: أن الباطل الشيطان، قاله مجاهد. الثاني: إبليس، قاله ٣٧٠ مُوسُو ◌َبُ النَّهِ بوي القرآن الكريم الباطل وإثبات بطلانه يكون بإثبات خطأ اعتقاده، الأول من أن خلقه من نار خیر من خلق آدم عليه السلام من طین، ثم ما تبعه من بطلان رفضه السجود لآدم عليه السلام، ثم بطلان ما هو علیہ إلی قیام الساعة من ضلال وإضلال للناس عن طريق الجادة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اَلَّغُوتِ فَقَدِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطِنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]. وإثبات البطلان لما يعد أتباعه من نصرٍ وتأييد وعزة، حيث قال سبحانه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِِّمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّّ غُرًا﴾ [النساء: ١٢٠]. يقول الطبري: ((يعد الشيطان المريد أولياءه الذين هم نصيبه المفروض: أن يكون لهم نصیرًا ممن أرادهم بسوء، وظھیرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفلج (١) عليهم)). قتادة، وسمي بالباطل لأنه يدعو إلى الباطل. ويحتمل ثالثًا: أنه الهوى))، النكت والعيون، الماوردي ٥/ ٢٩٢، والجامع بينها: أن إبليس الشيطان يستغل هوى الإنسان ورغباته لإغوائه؛ ولهذا يقال للهوی هوی؛ «لأنه یھوي بصاحبه في الباطل)) إعراب القرآن، النحاس ١/ ٢٧٨، فلا تعارض إذن. (١) أي: الفوز والغلبة. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٤٨. ثم قال: ﴿وَمَا يَعِدُ هُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّاغُودًا. يقول: ((وما يعد الشيطان أولياءه الذين اتخذوه وليًا من دون الله ﴿إِلََّغُرُورًا﴾ يعني: إلا باطلًا. وإنما جعل عدته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم﴿ُژًا﴾، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليًا على حقيقةٍ من عداته الكذب وأمانيه الباطلة))(٢). ولا أدل على بطلانه من آيتي لقمان والحج اللتان أثبت فيهما الحق سبحانه أن الشيطان باطل في كل ما يدعو إليه الناس، وأيضًا باطل فيما يوجهونه إليه من العبادة والخشية وغيرها من المصروفات، كما قال ربنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلىِّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠]. وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىِّالْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. ونلحظ التأکید في الآية بھو، وهذا يرجح أن يكون المقصود بالباطل هو الشيطان في جمیع الأحوال. ومن الأدلة أيضًا على ضعفه وبطلان سعيه وعدم قدرته على المواجهة: الوسائل التي استخدمها في إغواء الناس وإضلالهم، ومن ذلك -على سبيل الإيجاز -: (٢) جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥. www. modoee.com ٣٧١ حرف الباء الأولى: الوسوسة. فقد بدأ إبليس بالكيد لآدم وزوجه لإخراجهما من الجنة، ومن ذلك أكذوبته الأولى، قال سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَمُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. والوسوسة هي: ((الكلام الخفي الذي لا يسمعه إلا المداني للمتكلم)»(١)، غير أن الثعالبي يرى أن وسوسة إبليس لأبينا آدم عليه السلام يمكن أن تكون بمحاورة خفية أو بالإلقاء في النفس(٢)، ولا شك في أن الله تعالی أمده بقدرات کبیرة لا نعلم کثیرًا منها. ويلاحظ في اللفظ القرآني أنه استخدم ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا﴾ بدل (وسوس إليهما)، فالأولى تعني: وسوس لأجلهما، أي لأجل أن يغويهما، أما الثانية فتفيد بأنه: ألقاها إليهما(٣). هذه الشجرة أن تأكلا ثمرها، إلا لئلا تكونا ملكين، وأسقطت((لا)) من الكلام، لدلالة ما ظهر عليها، كما أسقطت من قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا)» (٤). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨ / ٥٦. (٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٢/ ٢٤. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢١٥. (٤) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٣٤٨. وهكذا حصل لإبليس ما أراد، فما أن أكل آدم وزوجه من الشجرة التي نهيا عنها إلا وظهرت سوءاتهما؛ فبدأت نتيجة وسوسته بالارتباك والبحث عما يستر السوءة، فعصى آدم وزوجه ربهما، وكانت المعصية سببًا في إخراجهما من الجنة. الثانية: الإلقاء في النفوس عند الأماني. الإلقاء في النفوس عند الأماني وسيلة من وسائل إبليس التي تدل على ضعفه وبطلان فعله؛ ليبعد عن الطاعة، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيَّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَلِهِ" وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]. نلحظ في الآية الكريمة كيف أن الله تعالى أبطل ما يلقي الشيطان، فکیده كما أسلفنا ضعيف. ولقد ورد في الآية الكريمة لفظا التمني يقول الطبري: ((ما نهاكما ربكما عن والإلقاء؛ فأما التمني فأسند إلى الرسول خاصة والرسل عامة صلى الله وسلم عليهم جميعًا، وأما الإلقاء فإلى الشيطان. والتمني ينصرف على أحد معنيين: الأول: التلاوة أو القراءة، وهو رأي جمهور العلماء(٥)، وهو الراجح، والله (٥) انظر: معاني القرآن، الفراء ٢/ ٢٢٩، إعراب القرآن، النحاس ٣/ ٧٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١١ / ١٣٤، ١٣٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٤١، فتح القدير، مَوَسُولَةُ التَّفِيـ القرآن الكريم ٣٧٢ الباطل أعلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير التمني: ((إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته))(١). قال البخاري تعقيبًا عليه: ((ويقال أمنيته قراءته))(٢). ویکون المعنى: «أن الله ما أرسل قبل محمد ﴿مِنْ رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنّ﴾ أي: قرأ قراءته، التي یذکر بها الناس، ویأمرهم وينهاهم، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيَّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في قراءته، من طرقه ومکایده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض یعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: ﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ أي: يزيله ویذهبه ويبطله، ویبین أنه ليس من آياته، و﴿يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ﴾ أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من الشوكاني ٣/ ٤٦٢، وغيرهم. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب كما بدأنا أول خلق نعيده، سورة الحج ٦ / ٩٧. (٢) المصدر السابق. مخالطة إلقاء الشيطان))(٣). الثاني: تمني القلب والخاطر (٤) الذي يرد عليه. والمعنى حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتمنى شيئًا من الأمور، يوسوس الشيطان إليه بالباطل، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته(٥). وهذا المعنى باطل، كما رد الرازي عليه سابقًا. وأما الإلقاء فالأرجح فيه أنه وسوسة من الشيطان، إذ إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الإدخال في كلام الله ما ليس منه، فالقرآن محفوظ بحفظ الله تعالی. يقول الرازي: ((الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان؛ بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر)»(٦). وذهب الشعراوي مذهبًا قريبًا حيث رأى أنه «لا يمكن للشيطان أن يدخل في القرآن ما ليس منه، لكن يحتمل تدخل الشيطان على وجهآخر، فحین يقرأ رسول الله القرآن، وفيه هداية للناس ... أتنتظر من عدو الله أن يخلي (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ٥٤٢. (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٣٣/٤. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١ / ١٣٨. (٦) المصدر السابق ١١ / ١٣٨. www. modoee.com ٣٧٣ حرف الباء الجو للناس حتى يسمعوا هذا الكلام دون أن یشوش علیھم، ویبلبل أفكارهم، ويحول بينهم وبين سماعه؟ فإذا تمنى الرسول يعني: قرأ، ألقى الشيطان في أمنيته، وسلط أتباعه من البشر يقولون في القرآن: سحر وشعر وإفك وأساطير الأولين، فدور الشيطان ... أن يلقي في طريق القرآن وفهمه والتأثر به العقبات والعراقيل التي تصد الناس عن فهمه والتأثر به، وتفسد القرآن في نظر من یرید أن یؤمن به»(١). فحقيقة الإلقاء أنه: ((رمي الشيء من اليد، واستعير هنا للوسوسة وتسويل الفساد، تشبيهًا للتسويل بإلقاء شيء من اليد بين الناس. ومنه قوله تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرُّ﴾ [طه: ٨٧]))(٢). وهكذا يظهر بطلان سعيه وضعفه واقتصاره على الوسوسة والإلقاء في النفس وغيرها من الوسائل، وهي بلا ريب تدل على بطلانه وبطلان نصرته لأوليائه. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَّكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِشَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ مِنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنْ أَخَافُ اَللَّهَ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨.] (١) تفسير الشعراوي ١ / ٦٠٦٦، بتصرف، وانظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٤٣٣. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧ / ٢٩٨. ٣. أعمال الكفار. من خلال استقراء للآيات الكريمة التي تتحدث عن بطلان أعمال الكافرين، يتبين أن البطلان له صورة رئيسة هي: حبوط أجر الأعمال وثوابها بسبب الكفر والرياء. كثيرًا ما يتساءل عن أجر الكافر وثواب عمله، وهل له ثواب بعد الكفر؟ وهكذا يجيب الله تعالى على أسئلتهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]. والحبوط هو: ((أن تكثر الأنعام من بعض المراعي التي تستطيبها حتى تنتفخ وتفسد أحشاؤها، فظاهر كثرة الأكل أنه سبب للقوة فكان في هذه الحالة سببًا للضعف))(٣). وهكذا الذي يحبط عمله ويبطله. يقول أبو السعود: ((أي: ظهر في الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدي إلى الثواب لو كانت معمولةً للآخرة، أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البر إذ شرط الاعتداد بها الإخلاص ﴿وَبَطِلٌ﴾ أي: في نفسه ... وقرىء: وبطل على الفعل ، أي: ظهر بطلانه؛ حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل (٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٢/ ٤٢. ٣٧٤ القرآن الكريم الباطل مطلقًا))(١). ثانيًا: الباطل المنفي: لقد صرح القرآن العظيم بنفي البطلان عن بعض الأشياء، ومن ذلك: ١. نفي الباطل عن أفعال الله تعالى. لا ريب في أن الله هو الحق، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِ هُوَ الْبَطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. ولأنه صاحب الجلال والجمال والكمال؛ فإن كل ما يصدر عنه من أفعال هي حق مطلق، لا يأتيها الباطل ولا يعتريها في أي جانب منها، ومما كان يثيره الكفار من مزاعم واعتقادات باطلة: عبثية خلق السماوات والأرض؛ فلا يوجد بعد هذه الحياة من حياة بدليل الواقع، وبالتالي في تصورهم القاصر فإن خلق الكون بما فيه هو ضرب من العبث. وقد جاء القرآن الكريم يفند هذه الترهات، حيث قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]. يقول النحاس: ((كانوا يقولون: ليست ثم عقوبة ولا نار، فالكافر والعاصي يسعدان باللذات وغصب الأموال، والمظلوم يشقى؛ لأنهما يصيران إلى شيء واحد، فرد الله جل وعز هذا عليهم بأنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلًا لأن الذي ادعوه باطل وذلك منهم ظن))(٢). ومن ثم فقد ذكر الله تعالى في كتابه الحكيم صفاتًا ممدوحة لعباده المؤمنين منها: أنهم يقولون: أن خلق الله تعالى السماوات والأرض كله حكمة، وأنه لا يصدر عنه سبحانه أي نقص ولا عیب کاللھو والعبث، كما في قوله: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. قال الزمخشري: ((المعنى: ما خلقته خلقًا باطلًا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك»(٣). وقد أكد البيضاوي تلك الحكم وفصل بعضها قائلًا: ((بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها: أن يكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببًا لمعاشه، ودليلًا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك))(٤). (٢) إعراب القرآن، النحاس ٣/ ٣١٠. (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ١٩٤، (٣) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٥٤. بتصرف. (٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٥٤. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الباء فمنشأ هذا الفساد في الاعتقاد عند محمودة عواقبه وغاياته)) (١). الكفار: هو سوء ظنهم بالله تعالى؛ ولهذا جاء الله تعالى على لسانهم بالقول ﴿سُبْحَنَكَ﴾ بعد النفي السابق؛ لينزهوه وأفعاله عن سوء ظن الكافرين. وبين الفينة والأخرى تطل هذه الأفكار المبطلة للدین علینا برأسها، فینجر خلفها من حدث سنه، ولم تجثو ركبتاه طويلاً في طلب العلم النافع، فيستزلهم الشيطان، بالرغم من أن دواءهم في بضع آیات ونصوص كريمة عظيمة. ٢. نفي الباطل عن القرآن العظيم. قلنا فيما سبق إن القرآن الكريم نفى البطلان عن أفعال الله تعالى، ونفى كذلك الباطل عن القرآن نفسه، وسبب النفي لبطلانه قائم على نفس الأصل السابق، من كون القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفاته الكاملة؛ إذن كلماته التي هي جزء من صفة الكلام له كاملة. قال تعالى: ﴿لَّا يَأْتِهِ اَلْتَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. يقول ابن كثير: ((أي: ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزلٌ من رب العالمين؛ ولهذا قال: ﴿تنزيلٌ مِنْ حَكِيمِ حِيدٍ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما یأمر به وینھی عنه الجميع، وقد ورد عن قتادة قوله في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ﴾ في الآية التي قبلها تماما: ((أعزه الله لأنه كلامه، وحفظه من الباطل)»(٢). ولقد ذكر الماوردي أنهم اختلفوا في الباطل على خمسة معاني هي: إبليس أو الشيطان أو التبديل أو التعذيب أو التناقض والاختلاف (٣). ورجح الطبري أن معناها: ((لا يستطيع ذو باطل بکیده تغييره بکیده، وتبديل شيء من معانيه عما هو به، وذلك هو الإتيان من بین یدیه، ولا إلحاق ما ليس منه فيه، وذلك إتيانه من خلفه»(٤). ولقد تکفل ربنا سبحانه بحفظ کتابه كما ذكر في مواضع كثيرة، منها قوله: ﴿ إِنَّانَحْنُ فَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. إنا للقرآن حافظون من كل ما قد يزاد فيه أو ينقص منه من باطل سواء كان الشيطان أو غيره؛ فأحكامه وفرائضه محفوظة بحفظ الله الذي خص هذا الکتاب المجید بها من دون الكتب الأخرى، التي أوكل حفظها للرهبان والقساوسة لحكمة بالغة(٥). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٨٣. (٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٨٠. (٣) النكت والعيون، الماوردي ٥/ ١٨٥. (٤) جامع البيان، الطبري ٢١ / ٤٨٠. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٦٨، ٣٧٦ القرآن الكريم الباطل أنواع الإبطال يتنوع الإبطال بين المدح والذم، فتارة يكون ممدوحًا، وتارة يكون مذمومًا، ومن ذلك: أولًا: الإبطال المحمود: ١. إبطال الباطل. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُبْطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨]. وقد سبق أن إبطال الباطل يكون بإعدامه ومحقه بكل أشكاله وصوره، كما قلنا إن إحقاق الحق يعني إظهاره(١)، بإظهار دلائله وتقويته، وقمع رؤساء الباطل وقهرهم(٢). وهذا جواب لسؤال قد يعرض مفاده: إن الحق حقٌّ لذاته، والباطل باطل لذاته، إذن ما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل؟ فالكثير من الرعاع يغره انتفاخ الباطل، إذ إنه لا ينظر بعين الحق والعلم، بل بميزان المادة، وبالتالي فإنه من الضروري لمثل هؤلاء أن يبطل الباطل، وتطمس رايته وتنكس، وكثير من هؤلاء ينبغي الأخذ بأيديهم ببيان بطلان الباطل وأهله لهم، وإلا ضلوا وتاهوا في زخارف الباطل. والكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٧٢. (١) انظر: جامع الأحكام، القرطبي ٧/ ٣٧٠. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢ / ٢٩٦. ٢. إبطال السحر. فهذا موسی صلى الله عليه وسلم يثق بموعود الله تعالى له بمنع آثار ما صنع الكفرة من السحرة، حيث قال الله تعالى ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِ عنه: السّحْرٌ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُّهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. ((أي سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من المعجزة فلا یبقی له أثرٌ أصلًا أو سيظهر بطلانه للناس، والسين للتأكيد)) (٣). والجملة ((استئنافية لبيان ما يوقن به موسى من مآل هذا السحر، ويجوز أن تكون خبرًا لما قبلها، ويكون التقدير: ما جئتم به الذي هو السحر، إن الله سيبطله بما جئت به من الحق، وعلل حكمه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهو قاعدة عامة مبينةٌ لسنة الله في تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد، ويدخل فيها سحرهم فإنه باطل وفساد، أي لا يجعل عمل المفسدين صالحًا، والسحر من عمل فرعون وقومه المفسدين))(٤) ٠ وبمتابعة ما حدث مع موسى عليه السلام، وبمتابعة الآيات الأخرى لمعرفة صحة الیقین الذي اعتمد عليه سيدنا موسى عليه السلام، سنجد النصر والمعية الربانية (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ١٧٠. (٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١١/ ٣٨٢. www. modoee.com ٣٧٧ حرف الباء الكاملة لموسى عليه السلام؛ فقد أخبرنا الله طاعة الله ورسوله، وفعل ما يشبه فعل ﴿يَأَيُّهَا تعالى بخبر مفاده: ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨]. نعم إنه جندي الله المبعوث منه سبحانه، فكيف لا يؤيده بنصره، وهل يصح الإيمان ويبقى منه شيء إن لم يكن جازمًا بتلك المعية وذلك التأييد؟ !. فصفة الشك وعدم اليقين بنصر الله تعالى هي من صفات المنافقين، كما بينه تعالى في غزوة الخندق، عندما حوصر المؤمنون والمنافقون في المدينة، وازداد الخوف وبلغت القلوب الحناجر من شدة الخوف، حتى ظهرت صفات المنافقين فقال الله عنهم: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. وهكذا يجب على المسلمين اليوم إزالة ما تلبد على مشاعرهم الإيمانية، فموعود الله تعالى بهزيمة الباطل وأهله مرتبطة بقوة إيمانهم، و تغییرهم ما فيهم من الباطل، وحينها سيكون النصر لا محالة حليفنا، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَقَّ يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. ثانيًا: الإبطال المذموم: الأعمال الصالحة: جاء التوجيه الإلهي لعباده المؤمنين باجتناب ما يحبط ثواب عملهم من ترك الكفار، ومن ذلك قوله سبحانه: الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. ولقد ذكر العلماء بعض ما يبطل الثواب على اختلاف بينهم، من الكفر والرياء والسمعة والكبائر (١). فالله تعالى یخبر ((عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإیمان من بعد ما تبین له الهدى: أنه لن يضر الله شيئا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثييه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضةٍ من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات))(٢). ثم صرح سبحانه بمبطل لثواب الأعمال وخاصة الصدقات، وهو الرياء والمن والأذى عند التصدق، حيث قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِّكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُّ مَالَهُرِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ. وَابِلٌ فَتَرَكَةُ، صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢ / ١٨٧، والنكت والعيون، الماوردي، ٥/ ٣٠٦. واختار الطبري عدم دخول الكبائر والمعاصي في محبطات الأعمال، وتبعه أبو السعود في إرشاد العقل السليم ٨ / ١٠١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٢٢. ٣٧٨ مُوسُو ◌َبُ النَِّّ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الباطل ◌ِّمَا كَسَبُواْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَّفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وفائدة هذا التمثيل البليغ في الآية لتقريب الصورة الذهنية لتصبح واقعًا محسوسًا، وبالتالي يقوم المؤمن بتجرع مرارته نفسيًا قبل حصوله، حتى لا يتذوقه واقعًا في آخرته. يقول الخازن: «الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين، لكن من فعل المنافقين؛ لأن الكافر معلن بكفره غير مراء به ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ هو الحجر الأملس الصلب، وهو واحد وجمع، فمن جعله جمعًا قال واحده صفوانة، ومن جعله واحدًا قال: جمعه صفي. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ أي: على ذلك الصفوان تراب ﴿فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ ﴾ يعني المطر الشديد العظيم القطر ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ يعني ترك المطر ذلك الصفوان صلدًا أملسًا لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان بصدقته يؤذي الناس، يرى الناس أن لهؤلاء أعمالًا في الظاهر، كما يرى التراب على الصفوان، فإذا جاء المطر أذهبه وأزاله، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم وتضمحل ؛ لأنها لم تكن لله تعالی کما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب)) (١). (١) لباب التأويل، الخازن ١/ ٢٠٠. سلوكيات باطلة لقد وصف القرآن الكريم مجموعة من السلوكيات الناتجة عن الأفراد أو الجماعات بالبطلان، سواء كانت صادرة من كافر أم من مسلم، فلا فرق بين الفاعلين في وصف بعض أفعالهم بالبطلان، ومن تلك السلوكيات: أولًا: أكل أموال الناس بالباطل: لقد نهى الله تعالى الناس عن الظلم فحرمه أشد تحریم، ورتب عليه العقوبات الجسيمة، والعذاب الشديد، وجعل ظلم العباد فیما بینهم لا يسقط فيه الحق بالتقادم، حتى يمتنع الإنسان عن ظلم أخيه؛ فقد فطر الإنسان على الأنفة من طلب المسامحة من الغير، والذي هو من شروط التوبة في الاعتداء على حقوق العبيد، ولقد بين القرآن العظيم إحدى صور الظلم بين الناس، ألا وهي: أكل أموالهم بينهم بالباطل والظلم. وتتعدد طرق أكل الباطل من: ((الإغارة ومن الميسر، ومن غصب القوي مال الضعيف، ومن أكل الأولياء أموال الأيتام واليتامى، ومن الغرر والمقامرة، ومن المراباة)) (٢)، والرشوة المحرمة والخيانة بأشكالها المختلفة، ومنها الغش والنصب، (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ١٨٧. www. modoee.com ٣٧٩ حرف الباء وغير ذلك(١). ومن خلال تتبع الآيات التي نهت عن الصور السابقة يتبين أنها ترتسم في ثلاث مراحل، هي: المرحلة الأولى: بيان أن أكل الأموال بالباطل من صفات كفرة أهل الكتاب. ((كان من أكلهم أموال الناس بالباطل، تعددت حالات أكل أهل الكتاب لأموال ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي الناس بالباطل كما ذكر القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى عنهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦١]. ومن تلك الحالات الكثيرة الرشاوى التي كانوا يأخذونها على الحكم، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِي اٌلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]. يقول البغوي: ((وأكلهم أموال الناس بالباطل، من الرشا في الحكم، والمآكل التي یصیبونها من عوامهم، عاقبناهم بأن حرمنا حلالًا لهم))(٢). ومن تلك الحالات أيضًا التي أكلوا فيها أموال الناس بغير حق: أنهم كانوا يكتبون الكتب ويقولون بأنها موحاة من الله تعالى؛ (١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١ / ٤١١. (٢) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧٢٠، وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٠٩. لتأخذ قدسية دينية، كما قال سبحانه عنهم: ﴿فَوَيّلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. کانوا یکتبونها بأیدیھم، ثم يقولون: ﴿هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ﴾، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيئة، فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالًا قبل ذلك))(٣). المرحلة الثانية: التحذير من مشابهة أهل الكتاب في أكل الأموال بالباطل. يقول الله تعالى مخاطبًا المؤمنين بخبر مفاده النهي عن المشابهة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْفِزُونَ الذَّهَبَ عليهم طيباتٍ، فكانوا كلما ارتكبوا كبيرةٌ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم حرم عليهم شيءٌ من الطيبات التي كانت بِعَذَابٍ أَلِمِ﴾ [التوبة: ٣٤]. ويلفت انتباهنا الشعراوي إلى مجموعة من اللطائف، منها: أن الأكل للمال يكون بشراء الطعام والشراب به، ولیس أكل المال نفسه، وهذا من الاستعارة - والذي يظهر أنه لا یمنع من أنهم كانوا يأخذون أنواعًا (٣) جامع البيان، الطبري ٩/ ٣٩٢. ٣٨٠ مَنُوابَرُ التَفيِ العضو القرآن الكريم الباطل من الأطعمة والأشربة جزاء الرشاوى، فهي الأحاديث الشريفة، كحديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فإن دماءكم وأموالكم - قال محمدٌ وأحسبه قال - وأعراضكم، علیکم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) (٢). أيضا تسمى مالًا -؛ كذلك يبين أن أكل المال قسمان: اكلٌ بالحق وآكلٌ بالباطل - كما هو حال بعض الأحبار والرهبان هنا-، ويبين ذلك قائلًا: ((هناك أكلا من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة، ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون علی تعالیم الدین، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ولم يقل جل جلاله: كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾؛ لأنه قد یوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحدًا؛ لذلك جاء بالاحتمال)) (١). المرحلة الثالثة: النهي بخطاب مباشر للمؤمنين من أكل أموالهم بالباطل. يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم بِلْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. كذلك ورد التحريم في الكثير من (١) تفسير الشعراوي ٨/ ٥٠٥٨. ويجب علينا ابتداء أن ننتبه للفارق في اللفظ بين الآيتين الأوليين، وهذه الآية من حيث إضافة المال في الأوليين إلى الناس دون الآكلين من الأحبار والرهبان، بينما في الثانية إلى نفس المؤمنين، وذلك -والله أعلم- «لما كان كل واحد منهما منهيًا ومنهيًا عنه، كما قال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾)»(٣)، صح أن يجمع حينئذ الآکل والمأکول، ولمحمد رشيد رضا كلام نفیس یعلل فيه ما سبق بوجه آخر يقول فيه: (واختار لفظ ﴿أَمْوَلَكُم﴾ وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، رقم ١٠٥ ١/ ٣٣، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال رقم ٣،١٦٧٩/ ١٣٠٦. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٣٣٨. www. modoee.com ٣٨١ حرف الباء الإضافة البليغة تعليلٌ للنهي، وبيانٌ لحكمة متناسبتان، تدلوا من أرسل الدلو والرشوة الحكم، كأنه قال: لا يأكل بعضكم مال من الرشا، كأنها يمد بها لتقضى الحاجة)»(٣). والثاني: أنهم يذهبون للتحاكم إلى الحكام إذا علموا أن الحجة تقوم لهم، كأن لا تکون علی الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة کالیتیم وغيره، والباء في كلمة (بها) باء السببية (٤). بعضٍٍ بالباطل؛ لأن ذلك جناية على نفس الآكل، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله ثانيًا: الجدال بالباطل: عند الاستطاعة ... وفي الإضافة معنى آخر قاله بعضهم، وهو للتنبيه على أنه يجب على الإنسان أن ينفق مال نفسه في سبيل الحق، وألا يضيعه في سبيل الباطل المحرمة)) (١). وهكذا يحذر الله المؤمنين من التعرض لأموال بعضهم البعض بالباطل؛ حتى لا يعم الفساد، ويضيع مقصود الشريعة في حفظ المال، ثم ختم ربنا التحذير ببيان تحريم الإدلاء بتلك الأموال المأكولة بالباطل إلى الحكام، والإدلاء بها إلى الحكام له معنيان: الأول: ليبرروا لهم أن هذا الباطل هو حق لهم، وذلك من خلال الرشوة، وهو باطل؛ لأن كل إنسان مسؤول عن فعله(٢). وهذا القول رجحه ابن عطية وأشار لمعنى لطيف فيها مفاده: «ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد، وهذا القول يترجح؛ لأن الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضًا فإن اللفظتين (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢/ ١٥٧، بتصرف. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ٢/ ٧٩٩. يستخدم الكثير من الناس الجدال بالباطل وسيلةً لإثبات باطلهم، وهذا يدل على ضعف الحجة أو انعدامها؛ إذ لو كان الدليل الواضح حاضرًا لكان استحضاره من قبل المجادل غاية من الغايات، مصداق ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ وَأَتَّخَذُوْاْ ءَايَتِى وَمَّاً أُنْذِرُ وأُهُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦]. وحتى تتضح صورة الموقف علينا أن نبين من المقصودين في الآية، ومن خلال النظر في كلام أهل التفسير نجد أنهم بين معمم ومخصص؛ فمنهم من يرى أنها عامة في الرسل الكرام في جدال أقوامهم لهم بالباطل، وأن الباطل الذي يجادلون به هو أنهم بعثوا من البشر، مع أن الأصل أن (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٢٦٠. (٤) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٦٠. ٣٨٢ القرآن الكريمِ