النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
أَهْل الكـ
عناصر الموضوع
مفهوم أهل الكتاب
١٤٠
أهل الكتاب في الاستعمال القرآني
١٤١
الألفاظ ذات الصلة
١٤٢
كثرة حديث القرآن عن أهل الكتاب
١٤٥
١٤٩
حكمة النداء بأهل الكتاب
١٥١
موقف أهل الكتاب من الرسول
١٦٠
موقف أهل الكتاب من المسلمين
١٦٩
انحرافات أهل الكتاب
١٨١
دعاوى أهل الكتاب الباطلة
١٩٠
معاملة أهل الكتاب
المُجَلَد السّادِسْ
حرف الألف
مفهوم أهل الكتاب
أولًا: المعنى اللغوي : .
الأهل لغة: أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام:
من يدين به، وأهل الأمر: ولاته، وأهل البيت: سكانه، وأهل الرجل: زوجه وأخص الناس
به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره (١).
الكتاب لغة: كتبه كتبًا وكتابًا، أي: خطه، وهو ما يكتب فيه، والدواة والتوراة والصحيفة
والفرض والحكم والقدر (٢).
ويراد به أيضًا: الكتب السماوية، وحيثما ذكر في القرآن الكريم التركيب الإضافي ﴿أَهْلِ
الْكِتَبِ ﴾ فإنما أريد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وكذلك إذا ذكر التركيب الإسنادي﴿أُوتُوا
اَلْكِتَبَ﴾ أو ﴿ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾ (٣).
وأهل الكتاب: ((من يجتمعون حوله، والمراد: اليهود والنصارى)) (٤).
ومن هذه المعاني اللغوية يفهم منه معانٍ أخرى حسب ما يراد به المضاف إليه كما تقدم.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
أهل الكتاب اصطلاحًا: هم اليهود والنصارى، ومن دان دينهم بفرقهم المختلفة، ومن
عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ
الْكِتَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴾ [الأنعام: ١٥٦](٥).
قال الشهر ستاني: ((الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية، ممن يقول بشريعة
وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق، مثل التوراة والإنجيل،
وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب، وإلى من له شبهة كتاب، مثل: المجوس»(٦).
(١) انظر: لسان العرب، ٢٨/١١، القاموس المحيط، للفيروزآبادي ١/ ٩٦٣، مقاييس اللغة، لابن فارس،
١٥٠/١.
(٢) القاموس المحيط، ١٢٨/١.
(٣) انظر: المفردات ٧٠١/١، والمعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، ص٩٤٩-
٩٥٠.
(٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص ٩٧.
(٥) انظر: المغني، ابن قدامة ٣٢٩/٩.
(٦) الملل والنحل، ص٢٤٧.
١٤٠
مُوسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
أهل الكتاب
أهل الكتاب في الاستعمال القرآني
ورد لفظ (أهل الكتاب) كمركب إضافي تكرر في الاستعمال القرآني (٣١) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
أهل الكتاب
٣١
﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَمُ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ ﴾ [آل عمران: ٦٤]
وجاء مركب (أهل الكتاب) في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه (٢):
الأول: اليهود، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَنَزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾
[الأحزاب: ٢٦].
الثاني: النصارى، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا
تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوٌِّ مِنَّةٌ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَنَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا ◌َللّهُإِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ:
أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا (٥)﴾ [النساء: ١٧١].
الثالث: اليهود والنصارى، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ
فِيَهَا أُوْلَكَ هُمْ شَرُّ الْبِيَّةِ ﴾ [البينة: ٦].
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٠١/٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٧٠١.
www. modoee.com
١٤١
حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
اليهود:
١
اليهود لغة:
هو مشتقٌ من هاد يهود بمعنى تاب، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿﴿ وَأَكْتُبْ لَنَافِي هَذِهِ
الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وهي على لسان موسى عليه السلام والسبعين الذين اختارهم من خيار قومه للقاء ربه،
والاعتذار عما فعله سفهاء قومهم من عبادة العجل، ومعنى قوله: ﴿هُدْنآ إلیكَ ﴾ «أي: تبنا
ورجعنا وأنبنا إليك (١)».
قال ابن فارس: ((سموا به (أي: باليهود) لأنهم تابوا عن عبادة العجل ... وفي التوبة هوادة
حال وسلامة))(٢)، وقال الراغب: ((قال بعضهم: يهود في الأصل من قولهم: ﴿هُدْنَآَ إِلَيْكَ﴾،
وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أن
النصارى في الأصل من قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى الَهِ﴾ [الصف: ١٤].
ثم صار لازما لهم بعد نسخ شريعتهم. ويقال: هاد فلان: إذا تحرى طريقة اليهود في
الدين)(٣).
الیھود اصطلاحًا:
اليهود لقب عرف به بني إسرائيل (٤).
ولفظة اليهود لم تستعمل في التوراة إلا بعد عهد موسى عليه السلام، في سفر الملوك
الثاني، ويوافق ذلك القرآن الكريم في تسميته لمن عاصر موسى من قومه ببني إسرائيل أو
قوم موسى، ولم ترد التسمية باليهود - والتي جاءت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم - إلا
في مراحل متأخرة عن عهد موسى عليه السلام(٥).
وقد جاءت في جميع ورودها في معرض الذم وبيان انحرافات القوم والرد عليهم (٦)،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٨١.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨/٦.
(٣) المفردات، الأصفهاني ص ٨٤٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٥٣٢، موجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة،
قدح ص٢٥٦، ٢٥٧.
(٥) انظر: دراسات في الأديان، الشنطي ص٢٩.
(٦) انظر: الشخصية اليهودية من خلال القرآن، الخالدي ص ٤٢.
١٤٢
جَوَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريم
أهل الكتاب
كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الُْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيَدِ يِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ
[المائدة: ٦٤].
وكقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ [المائدة:
٨٢].
وكأن في تلك التسمية إشارة إلى بدء انحرافهم، وما حدث لهم بعد وفاة سليمان عليه
السلام، من الفساد وانتشار السحر وغير ذلك.
الصلة بين أهل الكتاب واليهود:
أهل الكتاب أعم من اليهود؛ فاليهود إحدى الطائفتين التي أنزل عليها كتاب، وهم: اليهود
والنصارى.
بنو إسرائيل:
٢
بنو إسرائيل لغة:
إسرائيل: لقب نبي الله يعقوب عليه السلام، («لإشعاره بالمدح بالمعنى المنقول منه، إذ
معناه صفوة الله أو عبد الله بالعبرانية))(١).
بنو إسرائيل اصطلاحًا:
إسرائيل اصطلاحًا: لقب أطلق على يعقوب بن إسحاق عليهما السلام.
قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَِّ يلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل
عمران: ٩٣].
وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب عليه السلام وكانوا اثني عشر سبطًا، قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِيّ
إِسْرَِّيلَ كُمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةٍ بَيْنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١](٢).
قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلمة إسرائيل: معناه: (عبدالله)، لأن إسرا بمعنى:
عبد، وإيل: اسم الله، أي: أنه مركب من كلمتين: إسرا، وإيل، كما يقولون: بيت إيل (٣).
قال الكفوي: «قال بعضهم: لم یخاطب اليهود في القرآن إلا بـ (یا بني إسرائيل) دون (یا
بني يعقوب) لنكتة هي لأنهم خوطبوا بعبادة الله، وذكروا بدين أسلافهم موعظة لهم وتنبيهًا
من غفلتهم فسموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله))(٤).
(١) تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي ٣٨/ ٢٧٥.
(٢) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد ص ٥١، ومعجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١/ ٩١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥٠/١.
(٤) الكليات، الكفوي ص ١١٥.
www. modoee.com
١٤٣
حرف الألف
الصلة بين أهل الكتاب وبني إسرائيل:
أهل الكتاب أعم من بني إسرائيل، فبنو إسرائيل يخاطب به اليهود غالبًا، وأهل الكتاب
یشمل اليهود والنصارى.
٣ النصارى:
النصارى لغة:
مفردها نصراني، يقال: نصرته على عدوه ونصرته منه نصرًا: أعنته وقويته، والفاعل
ناصر ونصير وجمعه أنصار، والنصرة بالضم اسم منه، وتناصر القوم مناصرة: نصر بعضهم
بعضًا، وانتصرت من زيد انتقمت منه، واستنصرته طلبت نصرته، ونصارى: هم من يتبع
دين المسيح، فيقال: رجلٌ نصراني، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين، وربما
قيل: نصران ونصرانة، ونصرى وناصرة، ونصورية: قرية بالشام، والنصارى منسوبون إليها،
والتنصر: الدخول في النصرانية، ونصره: جعله نصرانيًا (١).
قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((والنصارى قيل: سموا بذلك لقوله تعالى: ﴿كَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُنْأَنْصَارَ اللّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ لِلْحَوَاِنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى الَّهِ قَالَ الْمَوَارِبُّونَ فَقْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ
[الصف: ١٤].
وقيل: سموا بذلك انتسابًا إلى قرية يقال لها: نصرانة، فيقال: نصراني، وجمعه نصارى،
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى﴾ [البقرة: ١١٣]))(٢).
النصارى اصطلاحًا:
لا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي، فالمقصود بالنصارى اصطلاحًا: هم أمة
المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته عليه الصلاة والسلام(٣).
الصلة بين أهل الكتاب والنصارى:
أهل الكتاب أعم من النصارى؛ فالنصارى إحدى الطائفتين التي أنزل عليها كتاب، وهم:
اليهود والنصارى.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢١١٥، المصباح المنير، الفيومي ٦٠٧/٢، معجم اللغة العربية
المعاصرة، أحمد مختار ٢٢٢١/٣، المعجم الوسيط، مجمع اللغة ٩٢٥/٢.
(٢) المفردات، الرغب الأصفهاني ١/ ٨٠٩.
(٣) انظر: الملل والنحل، الشهر ستاني ٢٦٦/١.
١٤٤
مَوَسُوبَةُ الْبَشِد
القرآن الكريم
أهل الكتاب
كثرة حديث القرآن عن أهل الكتاب
من أهم الموضوعات التي ركز القرآن
الكريم على بيانها وكشفها كشفًا تفصيليًا
موضوع أهل الكتاب وما يتصل به، لما في
ذلك من حكم عظيمة ومصالح كبيرة، ولما
لهذا الموضوع من أثر بالغ على الواقع.
لقد أولى القرآن الكريم هذا الموضوع
عنايته، وأكثر من الحديث عن أهل الكتاب
وذكر أنبيائهم، وكتبهم وما أدخلوه عليها من
التحريف والتبديل، وما نسوه أو کتموه منها
- وخصوصًا ما يتعلق بالبشارة بالنبي محمد
صلى الله عليه وسلم -، كما ذكر ما انتهى
إليه حالهم بعد تطاول الزمان عليهم من
قسوة القلوب، والضلال، والكفر، والبعد
عما أنزله الله من الشرع، حتى نسبوا لله
تعالى الولد، والفقر، وغير ذلك مما حكاه
القرآن الكريم عنهم من أقوالهم القبيحة.
لقد ذكر القرآن الكريم قصة موسى عليه
السلام - نبي بني إسرائيل-، وهو الذي
أنزلت عليه التوراة، في مواضع كثيرة،
حتى إنها أکثر القصص ورودا فیه، وذکر
قصة مولده، ورضاعته، وشبابه، وقصته مع
فرعون والسامري عليهما لعنة الله، ومع
الخضر عليه السلام، وذكر قصة قارون ذلك
الکافر المغرور بماله، وهو من قوم موسى
عليه السلام، وذكر مناجاة موسى عليه
السلام لربه، وطلبه الرؤيا منه، وغير ذلك
من تفاصيل حياته.
كما ذكر القرآن الكريم قصة عيسى عليه
السلام - نبي بني إسرائيل -، وهو الذي
أنزل عليه الإنجيل، وتحدث عن ميلاده
ومعجزاته، ودعوته لقومه، في عدة مواضع
من آياته.
كما سمى القرآن الكريم بعض سوره
بأسماء لها صلة واضحة بأهل الكتاب،
كسورة البقرة، إشارة إلى بقرة بني إسرائيل
التي أمروا بذبحها، وسورة آل عمران وهو
اسم تلك العائلة الكريمة التي خرجت منها
مريم ابنت عمران أم عيسى عليهم السلام،
وسورة المائدة نسبة إلى المائدة التي طلب
بنو إسرائيل، إنزالها من السماء، وسألوا عن
قدرة الله على ذلك، وسورة يوسف عليه
السلام وهو من أنبياء بني إسرائيل، وسورة
بني إسرائيل وهي سورة الإسراء، وسورة
مریم أم المسيح عيسى عليه السلام، وغير
ذلك.
كما ذكر القرآن الكريم كثيرًا من أحوال
أهل الكتاب، وتحدث عن انحرافاتهم
ودعاویهم الباطلة ورد عليها وفندها، وحذر
من عداوتهم للمسلمين ونقمتهم عليهم،
كما تكلم عن اليهود المعاصرين للنبي
صلى الله عليه وسلم وغزوات النبي معهم،
كغزوة بني النضير والتي ذكرت في سورة
www. modoee.com
١٤٥
حرف الألف
الحشر، وبالجملة فقد قال تعالى: ﴿إِنَّهَذَا
اُلْقُرََّانَ يَقُصُّ عَلَى بَعِيّ إِسْرِهِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِهِ
﴾ [النمل: ٧٦].
٧٦
يَخْتَلِفُونَ
ولقد ذكر القرآن الکریم کل ذلك وغيره
مما له صلة بموضوع أهل الكتاب لحكم
عظيمة، منها: استمالة أهل الكتاب إلى
الدخول في الإسلام، والإيمان بالقرآن
الكريم، وأنه مصدق لما معهم من الكتاب،
وأنها جمیعًا جاءت من رب واحد، هو رب
السموات والأرض، المحيط علمه بكل
شيء، ونلحظ هذه الحكمة واضحة في
تسمية بعض السور القرآنية بتلك الأسماء
التي لها رمزية عند أهل الكتاب، كما ذكرنا.
واهتمام القرآن الكريم بدعوة أهل
الكتاب يعود إلى كونه كتاب هداية لجميع
الثقلين بالمقام الأول، ولأن في هداية أهل
الكتاب للإسلام هداية لغيرهم من أهل
الشرك الذين سيقتدون بهم، ويقولون: ما دام
أهل الكتاب وما عندهم من العلم والبينات
اتبعوا هذا النبي صلی الله عليه وسلم، إذا
فإنه على الحق، والعكس بالعكس، ولذلك
قال الراغب الأصفهاني في قوله تعالی لأهل
الكتاب: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا
مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١].
«أي: لا تکونوا ممن یقتدی بکم في
الكفر.))(١)
وقد استشهد القرآن الكريم على صحة
النبوة المحمدية والوحي القرآني بمن آمن
من أهل الكتاب، وأخبروا بصدق النبي
صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، وكونه
موافقًا للوصف الوارد له في كتبهم، وما له
من علامات ودلائل، وأسلوب الاستشهاد
بھم یلهم أن شهادتهم في جانب النبي صلى
الله عليه وسلم هي المنتظرة، قال تعالى:
﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن
قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
١٠٧
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا
١٠٨
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا
[الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
١٠٩
(٢)، قال ابن كثير: ((أي: سواء آمنتم به
أم لا، فهو حق في نفسه، أنزله الله ونوه
بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة
على رسله؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
مِن قَبْلِهِ»﴾ أي: من صالح أهل الكتاب الذين
يمسكون بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه
ولا حرفوه، ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ هذا القرآن،
﴿َخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ ﴾ جمع ذقن، وهو أسفل
الوجه، ﴿سُجدًا﴾ أي: لله عز وجل، شكرًا
على ما أنعم به عليهم، من جعله إياهم أهلًا
إن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا
سَبَحْنَ رَبَّنَا
الكتاب؛ ولهذا يقولون:
(١) المفردات، الأصفهاني ص ١٠٠.
(٢) انظر: التفسير الحديث، دروزة محمد عزت
١/ ٤٧٠.
موسوبر النفسية الوضوي
القرآن الكَرِيْمِ
١٤٦
أهل الكتاب
أي: تعظيمًا وتوقیرًا على قدرته التامة، وأنه
لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة
الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى
الله عليه وسلم؛ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَنَ رَيِّناً
إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، وقوله: ﴿وَيَخِرُونَ
لِلأَذْقَانِ يتكُونَ ﴾، أي: خضوعًا لله عز وجل
وإيمانًا وتصدیقًا بكتابه ورسوله، ﴿وَيَزِيدُهُمْ
خُشُوعًا﴾، أي: إيمانًا وتسليمًا كما قال:
﴿وَأَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَّى وَءَانَتُهُمْ تَقْوَنُهُمْ
﴾ [محمد: ١٧].
وقوله: ﴿وَيَخِرُونَ﴾ عطف صفة على
صفة لا عطف سجود على سجود))(١)
إن حديث القرآن الكريم عن أهل الكتاب
وبيان انحرافاتهم فيه تحصين للمسلمين،
من الانخداع بما هم عليه من الباطل، وما
یثیرونه من شبهات على المسلمين بغرض
تشکیکهم في دينهم، فبين القرآن الكريم
أنه کتاب من عند الله مصدق لما قبله من
الكتب، ومهيمن عليها، وأنه لا تفريق بين
رسل الله وكتبه في الإيمان بهما، وبهذا
الإيمان الكامل تتضح الصورة في ذهن
المسلم، دون تشويش أو اشتباه.
كما أن في بيان القرآن الكريم لأخطاء
الأمم السابقة - خاصة أهل الكتاب منهم
- تحذيرًا لهذه الأمة المحمدية من الوقوع
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٧/٥،
١٢٨.
فيها، وسلوك مسلكها، فالله تعالى ذكر
قصص بني إسرائيل وتجاربهم وما فيها من
خير أو انحراف - وهو الغالب - كنموذج
للأمة الكتابية، حتى تتعلم هذه الأمة من
ذلك ولا تقع في أخطائهم، ولا تصل إلى
ما وصلت إليه حالهم من الضلال، ويقرأ
المسلمون كل يوم قوله تعالى: ﴿آقْدِنَا
اَلْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ٥ صِرْطَ الَّذِينَ أَنْمَسْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا السَّالِّينَ ﴾﴾ [الفاتحة:
٦-٧].
سبع عشرة مرة في صلواتهم المفروضة،
يسألون الله تعالى أن يهديهم الصراط
المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى
الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل
به، وهو طريق الإسلام، وطريق المنعم
عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين، غير طريق المغضوب عليهم،
وهم اليهود ونحوهم ممن عرف الحق
وترك العمل به، وغير طريق الضالين الذين
يعملون بلا علم، فقدوا العلم فهم هائمون
في الضلالة، يجتهدون في أصناف العبادات
بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا
يعلمون(٢).
فأراد الله تعالى أن يكون هذا الدعاء من
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية
٧٩/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٤٠/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٣٩.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الألف
سورة الفاتحة يردده المسلمون في يومهم له من أثر بالغ على الواقع، فقد استحوذ
الحسد والبغي على قلوبهم، وناصبوا أمة
كل هذه المرات، ليستعيذوا به تعالى من
سلوك سبل الأمم السالفة في الانحراف عن
دينه تعالى، وتضييع كتبه والتفريط فيها.
محمد العداء، فهم ألد أعداء هذه الأمة،
وما أكثر تخطيطهم وكيدهم لهذا الدين
وأتباعه؟!، وذلك منذ بزغ فجر الإسلام إلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُرَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ
وَيَأْبِىَ اللهُ إِلَّ أَن يُتِمَّ نُرَهُ، وَلَوْ كَرِهَ
اَلْكَفِرُونَ ﴾ [التوبة: ٣٢].
ومع أن الله تعالى قد حذرنا سبیلھم،
فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله، مما سبق
في علمه، روى أبو سعيد الخدري رضي
الله عنه، أن النبي صلی الله عليه وسلم،
قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر،
وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍ
لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود،
والنصارى؟ قال: فمن)(١).
قال النووي: ((السنن بفتح السين والنون
وهو الطريق، والمراد بالشبر والذراع وجحر
الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد
الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في
الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم فقد وقع ما أخبربه)(٢).
وفي هذا الحديث دلالة على ما لأهل
الكتاب من الدور الكبير والبارز في صد
المسلمین عن دینھم، وفتنتهم، ولذلك کثر
حديث القرآن الكريم عن أهل الكتاب، لما
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني
إسرائيل، ح٣٤٥٦، ١٦٩/٤، ومسلم في
صحیحه. کتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود
والنصارى، ح٢٦٦٩، ٢٠٥٤/٤.
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،
٢١٩/١٦ - ٢٢٠.
وهي في أهل الكتاب، قال أبو
السعود:((أي: يريد أهل الكتابين أن يردوا
القرآن ويكذبوه فيما نطق به من التوحيد
والتنزه عن الشركاء والأولاد والشرائع
التي من جملتها ما خالفوه من أمر الحل
والحرمة)» (٣).
وقال تعالى: ﴿يُرِدُونَ لِكْفِتُوْنُورَ اَللَّهِأَنْوَهِهِمْ
وَاللَّهُ مُنُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ ) هُوَ الَّذِىّ
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الْمِّ ◌ِيَظْهِرَهُ, عَلَى الدِّينِ كُلِّ
وَلَوْ كَرِهَالْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: ٨-٩].
وهي أيضًا في أهل الكتاب كما يشهد
لذلك سياق الآيات.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٦١.
مُؤَ الَر التفسير
القرآن الكريم
١٤٨
أهل الكتاب
حكمة النداء بأهل الكتاب
إن القرآن الکریم له أسلوبه الحكيم في
مخاطبة الناس ودعوتهم، وقد قال تعالى فيه
لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ
رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم
◌ِأَلَِّى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن
[النحل:
سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
١٢٥].
ومن ذلك أنه خاطب المؤمنين بنداء
الإيمان (يا أيها الذين آمنوا)، ليستحث فيهم
عنصر الإيمان وقوته، ولیذکرهم بالعهد
الذي أخذوه على أنفسهم، حين دخلوا في
هذا الدين، أي: يا من صدقتم بي وبكلامي،
كما ضرب القرآن الكريم من خلال عرضه
للقصص المختلفة أمثلة عدة في استخدام
هذا الأسلوب الحكيم.
وقد استخدم القرآن الكريم في مخاطبة
اليهود والنصارى عدة أسالیب، مثل: (يا
أهل الكتاب)، و (یا بني إسرائيل)، و (الذین
أوتوا الكتاب) وكل هذه الأساليب لها
هدفها في التأثير على المخاطب واستنهاض
الهمم، وهز المشاعر.
وقد جاء الخطاب بـ (يا أهل الكتاب)
اليهود والنصارى، تذكيرًا لهم بتلك النعمة
العظيمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم، من
إنزاله تلك الكتب ذات المكانة السامية،
- وما فيها من الأحكام والتشريع- عليهم،
فيا أهل الكتاب، أي: يا من نلتم ذلك
الشرف في نزول تلك الکتب علیکم، فھي
على أنبيائكم نزلت، ولكم شرعت.
وهذا التذكير لهم بذلك يتضمن أيضًا
التوبيخ اللاذع لهم على تقصيرهم وأفعالهم
القبيحة، فخطابهم بصفة المدح (يا أهل
الكتاب) مع إقامتهم على الباطل وما لا
يليق، فيه أعظم تبكيت، وأعظم تأنيب،
وأعظم تقريع لهم.
ونلحظ هذا المعنى في مثل قوله تعالى:
﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَاتِ اللَّهِ
وَأَنْتُمُ تَشْهَدُونَ ﴾ [آل عمران: ٧٠].
فصدر تعالى الآية بالنداء على أهل
الكتاب ثم بالاستفهام توبيخًا لهم على
كفرهم بما جاء به محمد صلى الله عليه
وسلم من آيات الله، وتعجيبًا من شأنهم،
وإنکارًا علیھم، فقد كان حريًا بهم، وهم أهل
كتاب، وأهل علم، أن يسارعوا إلى الإيمان
قبل غيرهم(١)، وذلك لما عندهم من الأمور
الشاهدات علی صدق النبي صلی الله عليه
وسلم ومعرفة خبره، وما عندهم من المعرفة
بأمور الدين عمومًا، من الإيمان بالله وكتبه
ورسله، والإيمان بالبعث في الآخرة، لا
أن يكفروا بآيات الله، قال الطبري: ((وإنما
هذا من الله عز وجل، توبيخٌ لأهل الكتابين
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣٩/٢.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الألف
على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم من النصيب من الكتاب الذي أوتوه على
نسيانهم لحظ منه، وتحريفهم لما حرفوا.
وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في کتبهم،
مع شهادتهم أن ما في کتبهم حقٌّ، وأنه من
عند الله))(١)
وكانوا أولى القسمين باتباع محمد صلى
الله عليه وسلم بما عرفوا قبله من الكتب
والأنبياء. فلهذا وذاك كانت توجه إليهم
الدعوة الخاصة بمثل قوله تعالى: ﴿يَتَأَهْلَ
الْكِتَبِ قَدْ جَآءُكُمْ رَسُولُنَا﴾ إلى
آخر الآيتين.
وفي الآية أيضًا وتصديرها بالنداء لأهل
الکتاب تذکیر لهم، أي: أنتم أهل کتاب،
وأهل إيمان لا كفر، فلم تكفرون، فالقرآن
الکریم في خطابه للآخرین یستحضر فيهم
الطاقات الكامنة، ويوظفها للاستجابة
وتنفيذ الأمر المطلوب تنفيذه.
وقال تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ
جَآءُكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا
مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُم
مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ ﴾﴾
[المائدة: ١٥].
صلى الله عليه وسلم، لجميع الأمم؛
فکانت رسالته عامة، وکانت دعوته عامة
مثلها، وجاءت آيات القرآن بالدعوة العامة
في مقامات، وبالدعوة الخاصة لبعض من
شملتهم الدعوة العامة في مقامات أخرى.
ولما أرسل الله محمدًا- صلى الله عليه وآله
وسلم- كان الخلق قسمين: أهل كتاب-
وهم اليهود والنصارى، وغيرهم. وكان
أشرف القسمين أهل الكتاب؛ بما عندهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٥٠٢.
(٢) تفسير ابن باديس ص ٣٢٨،٣٢٧.
(٣) المصدر السابق ص ٣٢٨.
١٥٠
مُوسُوبَة النفسيةِ العضو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
وفي ندائهم بـ ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾
تشريف وتعظيم لهم بإضافتهم للكتاب،
وبعث لهم على قبول ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جاء بكتاب وهم
أهل الكتاب، واحتجاج عليهم بأن الإيمان
بالكتاب الذي عندهم يقتضي الإيمان
بالكتاب الذي جاء به لأنه من جنسه)»(٢).
((هذا هو أدب الإسلام في دعوة غير
قال ابن باديس: ((أرسل الله محمدًا أهله، ليعلمنا كيف ينبغي أن نختار عند
الدعوة لأحد أحسن ما يدعى به، وكيف
ننتقي ما يناسب ما نريد دعوته إليه، فدعاء
الشخص بما يحب مما يلفته إليك، ويفتح
لك سمعه و قلبه، ودعاؤه بما یکره یکون
أول حائل یبعد بينك وبينه»(٣).
أهلالكتاب
موقف أهل الكتاب من الرسول
الإيمان بالرسول محمد صلى الله
عليه وسلم خاتم الأنبياء هو قضية محورية
في دعوة أهل الكتاب إلى الحق، ورد
انحرافاتهم، لأنهم إذا آمنوا به وبرسالته
فإنهم سیکفرون بكل ما هو باطل مما وضعه
لهم أحبارهم ورهبانهم، أو سطروه لهم في
كتبهم من الضلال والكذب.
قال تعالى: ﴿أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا
لِيَعْبُدُوَاْ إِلَهَا وَحِدَّالَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ))
[التوبة: ٣١].
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ
اُلْكِتَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ
لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا مِّمَّا يَكْسِبُونَ
[البقرة: ٧٩].
٧٩
وبذلك تنحل جميع عقد الباطل عند
أهل الكتاب من أصولها، إذا آمنوا بنبوة
محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ناسخ بما
جاء به من الوحي لكل شريعة قبله، وأنه یبین
لأهل الكتاب کثیرًا مما كانوا يختلفون فیه.
قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ
جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا
مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اَلْكِتَبِ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍّ قَدْ جَاءَ كُم
مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ ﴾﴾
[المائدة: ١٥].
ولذلك ركز القرآن الكريم في دعوته
لأهل الكتاب على هذه القضية، وبين موقف
أهل الكتاب منها، ورد على المكذبين لها.
وسنبين في المطالب الآتية دعوة القرآن
الكريم للإيمان بالرسل عامة، وبمحمد
صلی الله عليه وسلم على وجه الخصوص،
وموقف أهل الكتاب من هذه الدعوة،
والذي يتمثل في ثلاث طوائف:
لقد أوضح القرآن الكريم قضية الإيمان
بالرسل عليهم السلام عمومًا، وأنها ركن من
أركان الإيمان، لا یصح إلا بها.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ، وَاُلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَكَبِكَتِهِ.
وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِ؛
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
اَلْمَصِيرُ
﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٢٨٥)
فبين تعالى بقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدِيِّن
رُسُلِهِ﴾ حقيقة إيمانية واضحة في أنه لا
فرق بين أحد من الأنبياء في الإيمان بهم،
فالإيمان بموسى لا يناقض الإيمان بعيسى
ومحمد عليهم الصلاة والسلام والعكس،
فجميعهم رسل من عند الله تعالى، أوحى
إليهم شرعه وأمره، وهم صادقون معصومون
www. modoee.com
١٥١
حرف الألف
ومبرؤون من كل عيب ونقص، قال تعالى: عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَ هُم مَّا
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:
١٢٤].
عَرَقُواْ كَفَرُوا بِدٍّ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ
كما بين القرآن الكريم أن الأنبياء عليهم
السلام دعوا أقوامهم لذلك، وغرسوا هذه
المبادئ فيهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى
أَبْنُ مَنْيَمَ يَبَِّيّ إِسْرَّهِ يلَ إِنِّ رَسُولُ اَلَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقَالِّمَا
بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَيَّةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ ◌َأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُر
أَعْمَدٌّ فَلَّا جَآءَ هُمْ بِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌّ
[الصف: ٦].
فعيسى عليه السلام، كالأنبياء يصدق
بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، وقد
بشر بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
من بعده، وأعلم أهل الكتاب بذلك، ولكنهم
لمَا ﴿جَآهُم﴾ محمد صلى الله عليه وسلم
كما بشر به عيسى، ﴿يِلْبَيِّنَتِ﴾ أي: الأدلة
الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول
الله حقًّا، ﴿قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾، أي: عاندوا
الحق و کذبوا به، وهذا أمر عجيب منهم.(١)
وقد احتج القرآن الكريم على أهل
الکتاب في تر کهم الإیمان بمحمد صلی الله
عليه وسلم بهذه الحقيقة الواضحة من كونه
صلى الله عليه وسلم معلومًا عندهم، اسمه
ووصفه وعلامته.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُّ مِنْ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٥٩.
٥)﴾ [البقرة: ٨٩].
فقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَامَعَهُمْ﴾ حجة
على أهل الكتاب، أي: أن هذا النبي جاء
مصدقا لما في کتیکم وما أخبر كم به رسلکم
من وصفه وعلاماته(٢).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ
الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ، مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِى
التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فَلِمَ تكفرون به؟
والعجيب أنهم كانوا قبل مبعث النبي
صلى الله عليه وسلم ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَ
اُلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: يستنصرون بمجىء
النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائهم
من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه
سیبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل
عاد وإرم، فلما بعثه الله من العرب کفروا به،
وجحدوا ما كانوا يقولون فيه: حسدًا منهم
وظلمًا.(٣)
كما دعا القرآن الكريم أهل الكتاب إلى
الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
دعوة صريحة واضحة في قوله تعالى:
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٩٨/٣.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٥/١،
٣٢٦.
١٥٢
القرآن الكريمِ
أهل الكتاب
﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ
وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَآءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: ١٩].
أي: ((يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب
- بسبب ما من عليهم من كتابه - أن يؤمنوا
برسوله محمد صلى الله عليه وسلم،
ویشکروا الله تعالی الذي أرسله إليهم على
حين ﴿فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾))(١)، أي: ((على
انقطاع من الأنبياء، يقال: فتر الشيء يفتر
فتورًا إِذا سکنت حدته وصار أقل مما كان
عليه))(٢).
وذلك بعد مدة متطاولة بينه وبين عيسى
عليه السلام، قيل: بلغت ستمائة سنة، تغيرت
فيها الأديان، وكثرت عبادة الأوثان والنيران
والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم،
والحاجة إليه شديدة، فإن الفساد كان قد عم
جميع البلاد، وإن الطغيان والجهل قد ظهر
في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين
ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض
أحبار اليهود وعباد النصارى، حتى بعث
الله محمدًا صلی الله عليه وسلم، فهدی
الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات
إلى النور.
ولهذا قال تعالى: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنُ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٢٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي ١١/ ٣٣٠.
بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، أي: لئلا تحتجوا وتقولوا:
ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من
الشر، فقد جاءکم بشیر ونذير، يعني محمدًا
صلى الله عليه وسلم، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾(٣).
فالآية حض لأهل الكتاب على الإيمان
بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي جاءهم
بعد هذا الانقطاع وما فيه من الاشتياق
والحنو لوحي السماء، وبعثة الأنبياء.
وقد اختلف موقف أهل الكتاب من هذه
الدعوة للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم،
كما بينه القرآن الكريم إلى ثلاث طوائف:
أولًا: طائفة آمنت بمحمد صلى الله
عليه وسلم ورسالته:
وهي الطائفة الأولى، قال تعالى:
لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ
ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
١١٣
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَبَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنَكَّرِ وَيُسَرِعُونَ فِى
(١٤ ) وَمَا
الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ
بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: ١١٣ -١١٥].
فبين تعالى أن أهل الكتاب ليسوا
متساوين في القبح والضلال، بل منهم
المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، كما قال في
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٧٠،
٧٢.
www. modoee.com
١٥٣
حرف الألف
الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ
لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ مِّنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ثم ذكر تعالى بعض صفات هذه الطائفة،
ومدحها وأثنى عليها، فذكر لهم ثماني
صفات كل منها منقبة ومفخرة يستحق
فاعلها الثواب عليها، وهي أنهم ﴿أَمَّةٌ
قَائِمَةٌ﴾، أي: مستقيمة على الحق متبعة
له(١)، وهم الذين أسلموا منهم، كعبد الله
بن سلام وغيره، وفيهم نزلت الآيات(٢).
ثم وصف تعالی صلاتهم وتهجدهم،
وعبر عنه بالتلاوة في ساعات الليل مع
السجود لیکون أبین وأبلغ في المدح(٣).
ثم أتبع ذلك بأربع صفات، ﴿يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكِّرِّ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ﴾،
فهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانًا
صحیحًا یوجب لهم إيمانهم بكل كتاب
أنزله الله تعالى، وبكل رسول أرسله،
ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر،
ويسارعون في الخيرات (٤).
قال البيضاوي: ((وصفهم بخصائص ما
(١) انظر: تفسير المراغي ٤ / ٣٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ١٢٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٥/٢.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٤/٢.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٤٣.
کانت في اليهود، فإنهم منحرفون عن الحق،
غير متعبدين في الليل، مشركون بالله،
ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر
بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب،
متباطئون عن الخيرات(٥).
ثم عقب تعالى على ما ذكره من
صفاتهم، بالإخبار عنهم بالصلاح، وأنهم
يثابون بأعمالهم خير الثواب، ولن يكفروا
أي: ينقصوا أو يضيع من أعمالهم شيئًا،
و﴿هَلْ جَزَّآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ
[الرحمن: ٦٠].
هكذا يصف تعالى هذه الطائفة المؤمنة
من أهل الكتاب، وفي ذلك استمالة لأهل
الكتاب للدخول في الإسلام وتحفيز لهم
على ذلك.
وقال تعالى في وصف حال هذه
الطائفة:، ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىّ
أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ
يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ
٨٣
وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ وَنَطْمَعُ
أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (
فَائِبُهُمُ
٨٤
اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
٨
[المائدة: ٨٣-٨٥].
فبين تعالى انقيادهم للحق وشدة
انفعالهم له، حتی إنهم إذا سمعوا آیات الله
(٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٣٤.
جوسى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٥٤
أهل الكتاب
تتلى عليهم، فاضت أعينهم بالبكاء.
قال الطبري: ((وفيض العين من الدمع:
امتلاؤها منه، ثم سیلانه منها، کفیض النهر
من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن
شدة امتلائه))(١).
وذلك ﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ((أي: مما
عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله
عليه وسلم، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا
ويؤمن به)» (٢)
قال ابن كثير: ((وهذا الصنف من
النصارى هم المذكورون في قوله عز وجل:
﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ
لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًاً أُوْلَئِكَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ
ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴾ وَإِذَا
يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقّ مِن رَّبِئاً إِنَّاكُنَا مِن
قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿ أُوْلَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا
صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ
يُنْفِقُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اَللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ
وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا
نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص ٥٢ -٥٥].
(١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٠٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٨/٣.
ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَأَتَهُمُ اللَّهُ بِمَا
قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾، أي:
فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم
بالحق))(٣)، جنات عظيمة خالدين فيها أبدًا،
((فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا
لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه
وسلم» (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ
وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:
١٩٩] دلالة واضحة على أن هذه الطائفة
المؤمنة من أهل الكتاب تؤمن بـ ﴿وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا هو الإيمان
النافع لا کمن يؤمن ببعض الرسل والكتب،
ويكفر ببعض، وهو الإيمان الحقيقي الذي
یورث الخشوع لله تعالى، والخضوع له،
ولذلك فإن أهله لا يشترون بآيات الله ثمناً
بخسًا أبدًا (٥).
٠
ثانيًا: طائفة كفرت برسالة النبي محمد
صلی الله عليه وسلم ومبعثه:
وهي الطائفة الثانية من أهل الكتاب، فهم
من كفروا برسالة النبي محمد صلی الله علیه
وسلم، ومبعثه، مع علمهم بنعوته الشريفة
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٨/٣.
(٤) الجواب الصحيح، ابن تيمية ١٠٨/٣.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٦٢.
www. modoee.com
١٥٥
حرف الألف
وصحة رسالته من کتابهم.
قال تعالى في الوعيد لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ
خَلِينَ فِيهَاً أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ [البينة:
٦].
فأخبر تعالى عن مآل كفرة أهل الكتاب،-
الذين كفروا بالله ورسوله محمد صلی الله
عليه وسلم، وجحدوا نبوته-، والمشركين
جميعهم في نار جهنم خالدين فيها أبدًا،
لا یحولون عنها ولا یزولون، وأنهم شر
الخليقة التي برأها الله تعالى وذرأها (١)،
و(من) في الآية بيانية(٢)، أي: أن الكفار
بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، نوعان:
الأول: أهل كتاب وهم اليهود والنصارى،
والثاني: المشركون، وكلاهما يتناوله
العقاب المذكور، وإنما قدم أهل الكتاب
على المشركين وإن كان المشركون أعظم
الفريقين كفرًا، لأن أهل الكتاب كفرهم
واقع منهم مع علمهم بنبوة محمد صلی الله
عليه وسلم، ووجود البشارة بها في كتبهم،
قال ابن عاشور: ((وإنما قدم أهل الكتاب
على المشركين هنا مع أن كفر المشركين
أشدمن کفر أهل الکتاب؛ لأن لأهل الکتاب
السبق في هذا المقام فهم الذين بثوا بين
المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٥٤٢، تفسير
القرآن العظیم، ابن کثیر ٨ / ٤٥٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٣/٣٠.
بينهم، فأيدوا المشركين في إنكار نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أتقن من
ترهات المشركين، إذا كان المشركون أميين
لا يعلمون شيئًا من أحوال الرسل والشرائع،
فلما صدمتهم الدعوة المحمدية فزعوا إلى
اليهود ليتلقوا منهم ما يردون به تلك الدعوة
وخاصة بعد ما هاجر النبي صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة))(٣).
فهم من هذه الحيثية أعظم جرمًا، وهذه
الحيثية هي التي يدور الحديث عنها في
السورة، ويتوافق ذلك مع اسم السورة
(البينة)، وجيء باسم الإشارة (أولئك)
«إشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما هم فيه من
القبائح المذكورة، وما فيه من معنى البعد
لبعد منزلتهم في الشر، أي: أولئك البعداء
المذكورون ﴿هُمْ شَرُّ اَلْبِيَّةِ﴾))(٤).
فهذه الطائفة التي كفرت بمحمد صلى
الله عليه وسلم، هذا هو حكمها من العذاب
والخسار -كما بينه تعالى-، وهو ((حكم
قاطع لا جدال فيه ولا محال، مهما يكن
من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم
ما دامت تقوم على غير إيمان، بهذه الرسالة
الأخيرة، وبهذا الرسول الأخير، لا نستريب
في هذا الحكم لأي مظهر من مظاهر
الصلاح، المقطوعة الاتصال بمنهج الله
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٤٧٥.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٦/٩.
١٥٦
القرآن الكريم
أهل الكتاب
الثابت القويم))(١)، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفِىُّ عَنِ وسلم في مكة، وإنما قال تعالى: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وقد بين الله تعالى وضوح كفر هذه
الطائفة من أهل الكتاب وأكده في قوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ
أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ
بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (٥ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [النساء:
١٥٠- ١٥١].
قال البيضاوي: «﴿أُوْلَِّكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم
هذا،أي: ببعض أنبياء الله ورسله و کتبه دون
البعض الآخر، ﴿حقًّا﴾ مصدر مؤكد لغيره
أو صفة لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين
كفروا كفرًا حقًا أي يقينًا محققًا»(٢).
وقال تعالى في نهي هذه الطائفة عن
وَءَامِنُواْ بِمَآ
كفرها وأفعالها القبيحة:
أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ
كَاِ بِّ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَبِ ثَمَنَا قَلِيلًاً وَإِقَنَىَ فَاتَّقُونِ
﴾ [البقرة: ٤١].
ومعلوم أن اليهود والنصارى ليسوا
هم أول کافر برسالة محمد صلى الله عليه
وسلم، وإنما كفرت قريش والعرب أول ما
كفروا في بداية دعوة النبي صلى الله عليه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٩٥٢.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٠٦.
بِ﴾ تعريضًا بأهل الكتاب، أي: إن اللائق
بهم وبمنزلتهم لکونهم أهل کتاب أن یکونوا
أول المؤمنین بمحمد صلى الله عليه وسلم،
لما عندهم من العلم بصدقه والبشارة به.
قال ابن عاشور: ((والمقصود من النهي
في قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ گاٍِ بِ﴾
توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة
الإسلام»(٣).
وقال الراغب: ((أي: لا تكونوا ممن
یقتدی بکم في الكفر.»(٤)
ثالثًا: طائفة كتمت صفة النبي محمد
صلی الله عليه وسلم:
وهي الطائفة الثالثة من أهل الكتاب، قال
تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمٍّ وَإِنَّ ◌َرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٤٦].
فأخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب
يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى
الله عليه وسلم (٥)، ويعلمون نعوته
وصفاته، والتي من جملتها أنه عليه السلام
يصلي إلى القبلتين (٦)، كما يعرف أحدهم
ولده، والعرب كانت تضرب المثل في
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٤٦٠.
(٤) المفردات، الأصفهاني ص ١٠٠.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٦٢،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٢.
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ١٧٦.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الألف
صحة الشيء بذلك، أو يعرفونه كما يعرفون نبذهم، أي: طرحهم - غير مبالين - الميثاق
الذي أخذه الله تعالى عليهم، ((وهو العهد
الثقيل المؤكد)) (٣) لبيان ما في كتبهم من
الحق، ومنه البشارة بمحمد صلى الله عليه
وسلم وبيان أمره وصفته (٤).
أبناءهم من بين أبناء الناس لا يشك أحد
ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين
أبناء الناس كلهم، ثم أخبر تعالى أنهم مع
هذا التحقق والإتقان العلمي ﴿لَكْثُمُونَ
اَلْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم
من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾(١).
وقال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ
اَلْحَقِّ ◌ِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ {
[آل عمران: ٧١].
قال الألوسي في قوله تعالى: ﴿وَتَكْثُمُونَ
الْحَقَّ﴾: ((أي: نبوة محمد صلى الله تعالى
عليه وسلم وما وجدتموه في كتبكم من نعته
والبشارة به ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه حق»(٢).
وقد بین الله تعالی أنه أخذ العهد على
علماء أهل الكتاب أن يبينوا للناس ما في
كتبهم التي أنزلها تعالى عليهم من البينات
والمعاني والأحكام والأخبار وكل ما
يحتاجون إليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ
مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ
◌ِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَفْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾﴾
[آل
عمران: ١٨٧].
فالآية توبيخ من الله تعالى لهم في
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٦٢.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٢/ ١٩٢.
فهم قد كتموا ذلك، واشتروا بذلك
الكتمان ﴿ثمَنَّاقَلِيلًا﴾، وهو ما يحصل لهم
من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من
سفلتهم المتبعين أهواءهم(٥).
﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَّرُونَ﴾ لأنهم اشتروا
عقاب الله تعالى وغضبه، وكان اللائق بهم
أن يكونوا في أول من يؤمن بهذا النبي،
وينصره ويزود عنه، لما في كتبهم من
البشارة به وتو کید دعوته، فالعقل قاض بأن
یظاهروه، و دینهم حاكم بأن يؤيدوه، ومن
العجب أن يطرحوا حكم العقل والنقل
وراءهم ظهريًا (٦).
وهذا الفريق من أهل الكتاب ممن كتم
الحق مع علمه اليقيني به، ومع أن الله تعالی
أخذ الميثاق منهم على تبیینه، توعدهم الله
تعالى بشر عقاب جزاء وفاقا على كفرهم
واتباعهم أهواءهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٤٥٨، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٤/٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٨٠.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
١٦٠.
(٦) انظر: تفسير المراغي ٤ / ١٥٦.
١٥٨
القرآن الكريم