النص المفهرس
صفحات 21-40
الإيمان
عليه في صورة شُبان حسان، عليهم مهابة
عظيمة (١).
٢. لهم أجنحة.
أخبر سبحانه وتعالى أنَ من عظیم قدرته
أنَ جعل الملائكة أصحاب أجنحة مثنى
وثلاث ورباع تطير بها؛ لتبلغ ما أمرت به
سريعًا.
قال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا أُولٍ أَجْنِحَةٍ مَشْفَ
وَثُلَثَ وَرُبَعْ يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فاطر: ١].
قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم
ثلاثة، وبعضهم أربعة (٢).
روى مسلم بسنده عن عبد الله، قال:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَىِ ﴾ [النجم: ١١].
قال: (رأى جبريل عليه السلام له ستمائة
جناحٍ)(٣).
٤. علاقة الملائكة بالله تعالى.
علاقة الملائكة بالله هي علاقة العبودية
الخالصة له، وفعل ما يأمرهم به، قال تعالى
في الثناء عليهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن ◌َوْقِهِمْ
[النحل: ٥٠].
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ
وقال: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
﴾ [التحريم: ٦].
مرونَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٩٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٢٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب ولقد رآه نزلة أخرى، رقم ١٧٤ .
أي: ما يؤمرون به من الطاعات
والتدبيرات (٤).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَّهُ يَسْجُدُونَ ﴾
﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وصف تعالى حالهم من تواضعهم
وإدمانهم للعبادة والتسبيح والسجود(٥).
ويستفاد من الآية: الاقتداء بالملائكة
في كثرة طاعتهم وعبادتهم، وقوله: ﴿عِندَ
رَبِّكَ﴾ إنما يريد في المنزلة والتشريف
والقرب في المكانة لا في المكان.
٥. علاقة الملائكة بالكون.
أخبر سبحانه أن الملائكة تنفذ أمره فيما
أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون، قال
تعالى: ﴿فَالْمُدَِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ [النازعات: ٥].
قال قتادة: هي الملائكة (٦)، و زاد
الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض
يعني بأمر ربها عز وجل(٧).
٦. علاقة الملائكة بالإنسان.
١. حفظ الإنسان.
قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾
[الأنعام: ٦١].
ومما يحفظونه: بدن الإنسان، بقوله:
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ١١٩.
(٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٤٩٥.
(٦) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٦٥.
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٥/٨.
www. modoee.com
٣٢٣
حرف الألف
﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ.
مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
و مما يحفظونه جمیع أعماله من خير
وشر.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ
[الانفطار: ١٠- ١١ ].
كِرَامًا كُتِبِينَ
٢. الدعاء للمؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ
وَمَنْ حَوْلَهُ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ
سَبِيَلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجِيْمِ ن رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَثَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى وَعَدتُّهُمْ وَمَنِ صَلَحَ مِنْ
ءَبَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَقِهِمُ السَّمِئَاتِ وَمَن
تَقِ السَّيْئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحْتَهُ، وَذَلِكَ هُوَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [غافر: ٧-٩].
يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده
المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من
الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار
الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما
فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن
ذلك: الإخبار عن شرف حملة العرش ومن
حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم
ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب
ذلك منهم(١).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٢.
٣. تثبيت المؤمنین في مواقع الجهاد.
أخبر سبحانه وتعالى أنه أوحى إلى
الملائكة أن يقووا عزائم المؤمنين .
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتِكَةِ
أَنِّ مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
قال ابن إسحاق: وازروهم.
وقال غيره: قاتلوا معهم، وقيل: كثروا
سوادهم، وقيل: کان ذلك بأن الملك كان
يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم فيقول سمعت هؤلاء القوم،
يعني: المشركين يقولون: والله لئن حملوا
علينا لتنكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم
بعضًا بذلك، فتقوى أنفسهم (٢).
قال ابن القيم رحمه الله عن علاقة
الملائكة بالإنسان في معنى جامع:
«والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه
نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر؛ فإنهم
موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور،
وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات
الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله،
وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع
أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في
حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها
على خالقه وفاطره.
وهم الموكلون بعذابه ونعیمه في البرزخ،
وبعد البعث.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٢٢.
مُوسُو بر النفسية المضوي
القرآن الكريم
٣٢٤
الإيمان
وهم الموكلون بعمل آلات النعيم فِي قُلُوبِهِم مََُّّ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَدَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ
يُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَكَهُ وَيُّهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا
هُوَّ وَمَا هِىَ إِلَّ ذِكْرَى ◌ِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١].
والعذاب، وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن
الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون
الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة.
وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه
لیحذره، وما یحبه لیقوی قلبه، ويزداد شكرًا.
وهم الذین یعدونه بالخير ويدعونه إليه،
وینهونه عن الشر، ويحذرونه منه.
ومعلموه، وناصحوه، والداعون له،
والمستغفرون له.
وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة
ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير،
ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند
موته، ويوم بعثه.
وهم الذین یزهدونه في الدنيا، ويرغبونه
في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسى،
وینشطونه إذا کسل، ويثبتونه إذا جزع.
وهم الذين يسعون في مصالح دنياه
وآخرته))(١).
٧. عدد الملائكة.
عدد الملائكة لا يحصيه إلا الله، ومنهم
خزنة النار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَاً
أَعْضَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَئِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِيَأْ وَلَ يَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونُّ وَلَقُولَ الَّذِينَ
(١) إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢ / ١٣٠.
والمعنى: ما جعلنا عددهم هذا العدد
المذكور في القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم،
حتی قالوا ما قالوا لیتضاعف عذابهم، ویکثر
(٢)
غضب الله عليهم
.
فيجب الإيمان بالملائكة الذين ذكروا في
فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، القرآن الكريم وفي السنة النبوية وبالأعمال
التي أو کلوا بها.
ثالثًا: الإيمان بالكتب:
الإيمان بالكتب: هو التصديق بكل ما
أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم
كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه
وسلم، أو ما أخبر هو به(٣).
فالواجب على المؤمن: الإيمان بالكتب
التي أنزلها الله سبحانه وتعالی علی رسله،
ما سمى الله منها وما لم يسم.
أما الذي يؤمن بكتابٍ ويكفر بالكتب
الأخرى فهذا كافرٌ بالجميع.
ومن هذه الكتب: القرآن، والتوراة،
والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم
وموسى، وأعظمها التوراة والإنجيل
والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها
هو القرآن.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٥/ ٣٩٦.
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٣٩١.
www. modoee.com
٣٢٥
حرف الألف
قال تعالى: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ.
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ
وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ
ضَلَّ صَلَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء: ١٣٦]. يعني
بذلك جل ثناؤه: «صدقوا بالله، ويمحمد
رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى
سائر الأمم قبلكم، وصدقوا بما جاءكم
به محمد من الكتاب الذي نزله الله علیه،
وذلك القرآن، وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله
من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى
الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل»(١).
وقيل: المراد بالكتاب الثاني الجنس المنتظم
لجميع الكتب السماوية»(٢).
فالإيمان بالقرآن والكتب السابقة له
رکن، « لا یکون العبد مؤمنًا إلا به، إجمالًا
فيما لم يصل إليه تفصيله وتفصيلاً فيما علم
من ذلك بالتفصيل))(٣).
الكتب المذكورة في القرآن:
التوراة التي نزلت على موسى عليه
السلام، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَةَ
فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ
أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ
بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٩٤.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٢٤٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢٠٩.
شُهَدَآءَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه
السلام، قال تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى ءَاثَِّهِم بِعِيسَى
أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَةِ وَءَاتَّيْنَهُ
اَلْإِنِيلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ
مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً لِلْمُنَّقِينَ
٤٦
[المائدة: ٤٦].
الزبور الذي نزل على داود عليه السلام،
قال تعالى: ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:
١٦٣].
الصحف التي أنزلها الله تعالى على
إبراهيم وموسى-عليهما السلام -، قال
تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى السُّحُفِ الْأُولَ
صُفٍ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾[الأعلى: ١٨ -١٩].
أما الكتب الأخرى التي أنزلها الله على
سائر الرسل والتي لم يخبرنا بها فيجب
الإيمان بها؛ لأنه سبحانه أخبرنا أنه ما من
رسول إلا وجاء برسالة إلى قومه.
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
اَلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيَةٍ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَقُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ
يَهْدِى مَن يَشَكَةُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧)﴾ [البقرة:
٢١٣].
كما يجب أن يؤمن العبد بأن جميع
مَوَالَرُ النَفسِيد
القرآن الكريم
٣٢٦
الإيمان
الكتب جاءت بالدعوة إلى وحدانية الله هذا المرجع الأخير (٢).
وقد تكفل سبحانه وتعالى بحفظه، قال
حدث في الكتب من تحريف فهو من صنع تعالى: ﴿إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
﴾ [الحجر: ٩].
سبحانه وتعالى، وإفراده بالعبادة، وأن ما
العباد.
أما القرآن فهو الكتاب المهيمن على
الكتب السابقة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
ومن الهيمنة التي للقرآن على الكتب
السماوية التي بین یدیه: أنه هو المصدق لها،
الشاهد الذي تری فی أضوائه وفی أحكامه،
وأخباره وآدابه- آيات صدقها، وأنها من
مورد هذا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، إذ ليس بعد شهادة القرآن
شهادة، ولا وراء الحق الذي يقوله حق، وإنه
سيظل قائمًا هكذا إلى يوم القيامة (١).
ومن ثم فکل اختلاف يجب أن يرد
إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان
هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين
أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة
التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو
كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم،
فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن
الحیاہ کله هو هذا الكتاب، ولا قيمه لآراء
الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من
(١) التفسير القرآني للقرآن ٢/ ٣٩٦.
((وقد شمل حفظه: الحفظ من التلاشي،
والحفظ من الزيادة والنقصان فيه، بأن يسر
تواتره وأسباب ذلك، وسلمه من التبديل
والتغییر حتی حفظته الأمة عن ظهور قلوبها
من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقر
بین الأمة بمسمع من النبي صلى الله عليه
وسلم، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في
کل مصر»(٣).
ولذلك يجب علينا الإيمان بالقرآن وأن
ما جاء به هو الحق، وأن كل لفظ فيه محفوظ
من التبديل والتحريف، كما يجب اتباع أمره
واجتناب نهيه، وتصدیق ما أخبر به، ورفض
ما يخالفه.
رابعًا: الإيمان بالرسل والأنبياء:
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه
وتعالى بعث في كل أمة رسولا منهم،
يدلهم على الخير ويحذرهم من الشر رحمة
بهم (٤).
أخبر سبحانه وتعالى ما من أمة إلا
(٢) في ظلال القرآن ٢ / ٩٠٢.
(٣) التحرير والتنوير ١٤/ ٢١.
(٤) منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، علي بن
ناصر فقيهي ص ٣٠.
www. modoee.com
٣٢٧
حرف الألف
وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ
وأرسل فيها رسول، ﴿وَلِكُلِ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ كُلٌّ مِنَ الصَّلِحِينَ
[يونس: ٤٧].
وَيُونُسَ وَلُوطًاً وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ
٨٦
وقال: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلََّّ خَلَا فِيَهَا نَذِيرٌ﴾
[فاطر: ٢٤]. أي: وما من أمة من الأمم الدائنة
بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم
بأسنا على كفرهم بالله(١).
ولا يعلم عدد الرسل إلا الله، قال
تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ
وَرُسُلَّا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى
(١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
تَكْلِيمًا
وإنما لم یذکر الله تعالی قصص كثير من
الرسل؛ اكتفاءً بالمذكورين، فالمقصود أخذ
العبرة، لا ذكر الأسماء والقصص (٢).
وسوف نتناول الإيمان بالرسل في النقاط
الآتية:
١. الرسل المذكورون في القرآن.
المذكورون في القرآن من الرسل
والأنبياء: خمسة وعشرون، منهم: ثمانية
عشر في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَّا
ءَاتَّيْنَهَا إِزَهِيمٌ عَلَى قَوْمِهْ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن
كَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا
هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ
وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونٌّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ
وَزَّكَرِيَّا وَيَخْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسِّ
٨٤
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٦١.
(٢) التحرير والتنوير ٦/ ٣٥.
[الأنعام: ٨٣-٨٦].
وورد ذكر بقية الأنبياء في مواضع من
كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَ إِلَى عَادٍأَخَاهُمْ
هُودًا﴾ [هود: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ
صَلِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا﴾ [العنكبوت: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ مَادَمَ وَنُوحًا﴾
[آل عمران: ٣٣].
فهؤلاء الأنبياء والرسل يجب الإيمان
برسالتهم ونبوتهم تفصيلاً، فمن أنكر نبوة
واحد منهم أو أنكر رسالة من بعث منهم
برسالة كفر، غير أن العامي لا يحكم عليه
بالكفر، وأما الأنبياء والرسل الذين لم
يقصهم القرآن علينا فقد أمرنا أن نؤمن بهم
إجمالًا.
٢. أولو العزم من الرسل.
ذكر الله تعالى أولي العزم من الرسل في
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَهُمْ
وَمِنْكَ وَمِن نُّوحِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَحِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ
وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَقًّا غَلِيظًا ﴾ [الأحزاب:
٧].
وهؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم
أصحاب الكتب والشرائع والحروب
٣٢٨
مَوَسُوبَةُ التَّفِي
القرآن الكريم
الامان
الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، وقدم أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب،
وذلك أيضًا من فضله وإحسانه؛ حیث کان
ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفًا
خاصًا له(١).
الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة،
ويستفاد من ذكرهم عليهم السلام تقدر فأزال هذا الاضطرار))(٤).
الاقتداء بهم في أعمالهم.
٣. حقيقة رسالة الرسل والأنبياء.
ما من رسول إلا جاء بكلمة واحدة، هي
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهِ
غَيْرُهُ﴾، هذه الكلمة قالها نوح عليه السلام،
وهي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده
من المرسلين(٢).
وقد بین الله الحكمة من إرسال الرسل،
فقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ
اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]». أي:
معذرة يعتذرون بها، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْرَبَّنَا
لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَلِكَ مِن قَبْلِ
أَن تَّذِلَّ وَغَخْزَى ﴾ [طه: ١٣٤].
وسمیت المعذرة حجة مع أنه لم یکن
لأحد من العباد على الله حجة؛ تنبيهًا على
أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلاً منه
ورحمة))(٣).
وهذا من كمال عزته تعالى وحكمته أن
(١) المحرر الوجيز ٤ / ٣٧١.
(٢) في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٦٤.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٦٢١.
٤. واجبنا نحو الرسل والأنبياء.
يجب علينا الإيمان بأن الرسل والأنبياء
عليهم السلام قاموا بتبليغ الرسالة حق
القيام.
يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل، و
لا نفرق بين أحد منهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ
عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:
٨٤].
ومن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض كان
من الكافرين بنص الكتاب الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِبَعْضِ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيِّنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
(١٠)﴾ [النساء: ١٥٠].
يجب علينا أن نؤمن بأن رسل الله کانوا
بشرًا من الرجال.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢١٤.
www. modoee.com
٣٢٩
حرف الألف
رِجَالًا نُّوحِىَّ إِلَيْهِم﴾ [يوسف: ١٠٩].
ولم يخصهم الله بطبائع غير الطبائع
البشرية، فهم یأکلون و یشربون ويمشون في
الأسواق.
قال تعالى: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ
وَيَسْشُونَ فِ اَلْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].
ولهم عليهم السلام أزواجًا وذرية.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًّاً مِّن قَبْلِكَ
وَحَعَلْنَا لَمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ
◌ِكَايَةٍ إِلَّا بِذْنِ اَللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
[الرعد: ٣٨].
ويتعرضون للأذى من الظلمة
والمجرمين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن
قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَنَتُهُمْ نَصْرُنَّ
وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِّ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِىْ
الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام: ٣٤].
کما أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا
ضرًا إلا ما شاء الله.
قال تعالى: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا
وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْكُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّفِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا
إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ ()﴾ [الأعراف:
١٨٨].
يجب علينا أن نؤمن أن الله فضل
بعضهم على بعض بحسب ما من الله
به علیھم.
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا
قال تعالى:
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
((يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على
بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه
وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى
الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع
فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال
السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله
كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم
من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى
الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل
ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب
ما فاق به الأولين والآخرين)»(١).
● ونؤمن بأن الرسول الكريم أرسل
للناس جميعًا.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِ
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:
١٥٨].
● ونؤمن أنه أرسل إلى الجن.
قال الله على لسان الجن: ﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ
دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِ يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ
وَيُجِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلٍِ ﴾ [الأحقاف: ٣١].
ومما سبق ذكره يتضح أن الإيمان بالرسل
يتضمن أربعة أمور:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٩.
موسوعة البقية
القرآن الكْرِيْمِ
٣٣٠
الإيمان
١. الإيمان بأن رسالتهم حق من الله
تعالی، فمن کفر برسالة واحد منهم فقد
كفر بالجميع.
٢. الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل:
محمد وإبراهيم وموسى ونوح عليهم
السلام، وغيرهم بمن ذكر اسمه في
الكتاب أو السنة على وجه التعيين،
أما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به
إجمالًا؛ حیث نعتقد أن الله بعث في
کل أمة نذیرًا.
٣. تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
٤. العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو
خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:
تعريف الإيمان باليوم الآخر:
قال الشيخ السعدي رحمه الله: ((وهو
الإیمان بكل ما أخبر الله ورسوله به بعد
الموت من فتنة القبر ونعيمه، وعذابه وأحوال
يوم القيامة وما يكون فيه، ومن صفات الجنة
والنار وصفات أهليهما، فالإيمان باليوم
الآخر هو الإيمان بذلك جملة وتفصيلاً))(١).
مظاهر اهتمام القرآن باليوم الآخر:
ذكر الله الإيمان باليوم الآخر مقترنًا
بالإيمان بالله في تسعة عشرة موضعًا
في کتاب الله.
(١) انظر: الفتاوى السعدية ص ١٦.
منها: قوله تعالى: ﴿﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُولُواْ
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ
وَالنَّيْنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ
وَفِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ
وَالْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ
فِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسُِ أُوْلَكَ الَّذِينَ
[البقرة:
صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (﴾
١٧٧].
وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَهُم
بِْآَخِرَوَ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣].
((أي: واستيقنوا أن هناك حياة آخرة، وأن
فيها حسابًا وجزاء، وجنة ونارًا .. فعملوا
لهذا اليوم العظيم بما ينجيهم من هوله،
ويدنيهم من رحمة الله ورضوانه)) (٢)، ((وإذا
حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن
جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى
الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه
موقف العصاة))(٣).
ولما كان هذا الأصل شديد الإيغال
في طيات الغيب، كان أكثر الأصول إنكارًا
واستبعادًا من الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ
﴾ [النمل: ٤].
(٢) التفسير القرآنى للقرآن ١٠/ ٢٠٨.
(٣) في ظلال القرآن ٥/ ٢٦٢٧.
www. modoee.com
٣٣١
حرف الألف
وبالتالي كان أكثر الأصول جميعًا تناولًا
في القرآن.
١ کثرة أسماء الیوم الآخر، و کل اسم يدل
على ما سيقع فيه من الأهوال.
فمن أسمائه في القرآن: ((القيامة والساعة
والآخرة ويوم الدين ويوم الحساب ويوم
الفتح ویوم التلاق ويوم الجمع ويوم التغابن
ويوم الخلود ويوم الخروج ويوم الحسرة
ويوم التناد والآزفة والطامة والصاخة
والحاقة والغاشية والواقعة وغيرها))(١).
تسمية سور القرآن بأسماء وصفات
اليوم الآخر.
فتارة تسمى السور باسم من أسمائها:
القيامة، الواقعة، الحاقة، الغاشية، القارعة،
النبأ.
وتارة تسمى السور باسم من الأحداث
الكونية التي تمهد لهذا اليوم: الدخان،
التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة.
وتارة باسم ما يقع فيها، مثل سور:
الأعراف، الزمر، الجاثية، الحشر، التغابن،
المعارج.
فهذه أسماء (سبع عشرة) سورة تتعلق
بالآخرة، ولم يقع مثل هذا قط لأي أصل من
أصول الإيمان في القرآن الكريم.
التأكيد على وقوع الساعة.
(١) العقائد الإسلامية، سيد سابق ص٢٦١-
٢٦٤.
وكثيرًا ما عبر القرآن عن أن وقوع الساعة
لا ريب فيه، من ذلك مثلًا: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ
ءَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ آلْقُبُورِ
﴾ [الحج: ٧].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآَنِيَةٌ لَّا
رَيّبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
٢٥٩﴾ [غافر: ٥٩].
(ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن
الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي
هو ((إن))، وبلام الابتداء التي تزحلقها إن
المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر؛ وذلك
يدل على أمرين:
أحدهما: إتيان الساعة لا محالة.
والثاني: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن
تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما
تقرر في فن المعاني)»(٢).
ومن مظاهر اهتمام القرآن باليوم الآخر:
الترابط بين الخلق والحق والساعة، فقد بين
القرآن أن الآخرة هي الأصل الذي يحقق
حكمة الخلق ومعنى الوجود؛ لأنها غاية
جزاء ومصير الخلائق، تصون وجودهم
عن العبث واللعب، وتحفظ مصيرهم عن
البطلان والضياع، وتجعله خالصًا، وحكمة
تامة.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ (٥) مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٣١٣.
٣٣٢
القرآن الكريم
الإيمان
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ
مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الدخان: ٣٨-٤٠].
وقال تعالى: ﴿إِلَّهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدُّ فَالَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُم ◌ُسْتَكْرُونَ
﴾ [النحل: ٢٢].
(٢٢
يجمع السياق بين الإيمان بوحدة الله
والإيمان بالآخرة، بل يجعل إحداهما دالة
على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد
بعقيدة البعث والجزاء، فبالآخرة تتم حكمة
الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء.
«فالذین لا یسلمون بهذه الحقيقة، ولا
يؤمنون بالآخرة- وهي فرع عن الاعتقاد
بوحدانية الخالق وحكمته وعدله- هؤلاء
لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهین،
إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم.
إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من
الآيات، وهم مستکبرون لا يريدون التسليم
بالبراهين والاستسلام لله والرسول، فالعلة
أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب!))(١).
((فعدم الإيمان بالآخرة جعل قلوبهم
مفعمة بالإنكار والاستكبار، وقد حذف
المفعولان للتعميم، فهم ينكرون الحق
ویستکبرون علیه، وهم ینکرون حق الأمم
والشعوب في عقيدتها وحريتها، ويستكبرون
عن الاعتراف به، وهکذا یکون دائمًا الكفار
(١) في ظلال القرآن ٤ / ٢١٦٧.
والطواغيت ولايزالون)»(٢)
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىِ وَءَاتَرَ الْحَيَوَةَ
الدُّنْيَا فَإِنَّالْجَحِيمَ فِىَ الْمَأْوَى ) وَأَمَّا مَنْ خَافَ
مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىِ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ
هِىَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: ٣٧-٤١].
أي: («تمرد وعتا، وآثر الحياة الدنيا، أي:
قدمها على أمر دينه وأخراه، فإن الجحيم
هي المأوى، أي: فإن مصيره إلى الجحيم
وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم،
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن
الهوى أي خاف القيام بين يدي الله عز
وجل، وخاف حكم الله، فيه ونهى نفسه عن
هواها وردها إلى طاعة مولاها، فإن الجنة
هي المأوى، أي: منقلبه ومصيره ومرجعه
إلى الجنة الفيحاء)»(٣).
((والطغيان هنا أشمل من معناه القريب،
فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى.
ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان
والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز
للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها
على الآخرة، فعمل لها وحدها، غير حاسب
للآخرة حسابًا. واعتبار الآخرة هو الذي
يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره.
فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا
اختلت كل الموازين في يده، واختلت كل
(٢) المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبد الستار
فتح الله سعید ص ٢٣٩.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٣١٩.
www. modoee.com
٣٣٣
حرف الألف
القيم في تقديره، واختلت كل قواعد الشعور كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم، وهذه النفخة
الأولى: نفخة الصعق، ونفخة الفزع)»(٣).
والسلوك في حياته، وعد طاغيًا وباغيًا
ومتجاوزًا للمدى))(١). و من هداية الآية:
((قدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا؛
لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة
الدنيا))(٢).
من مشاهد الآخرة في القرآن:
تبدأ المشاهد بمقدمات الیوم الآخر، ثم
الفصل بين الخلائق، ثم النعيم الأبدي أو
العذاب الأبدي، من هذه المشاهد:
١. نفخة الصعق.
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اَللَّهُ مـ
نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾
[الزمر: ٦٨].
((وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا
خالقه، ومن أطلعه الله على علمه من
خلقه، فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام،
أحد الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش
الرحمن. ﴿فَصَحِقَ﴾ أي: غشي أو مات،
على اختلاف القولين: ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَمَن فِ الْأَرْضِ﴾ أي: كلهم، لما سمعوا نفخة
الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما
يعلمون أنها مقدمة له. ﴿إِلَّا مَن شَآءَ اللّهُ﴾
ممن ثبته الله عند النفخة، فلم يصعق،
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٨١٨.
(٢) التحرير والتنوير ٣٠/ ٨١.
٢. نفخة البعث.
وهي النفخة الثانية؛ لقوله تعالى:
نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:
٦٨].
أي: ((قد قاموا من قبورهم لبعثهم
وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية
والأرواح، وشخصت أبصارهم ينظرون
ماذا يفعل الله بهم» (٤).
٣. تصدع الكون وتبديله.
يرى الخلائق بعد بعثهم مشاهد أهوال
القيامة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ
اَلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً
وَهِىَ تَمُُّمَنَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨].
وهذا يقع بعد النفخة الثانية عند حشر
الخلق، يبدل الله عز وجل الأرض من
غير الأرض ويغير هيئاتها، ويسير الجبال
عن مقارها على ما ذكر من الهيئات الهائلة
ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت
وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها
وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة
الثانية، كما ينطق به قوله تعالى: ﴿وَيَسْشَلُونَكَ
عَنِ اَلْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا ، فَيَذَرُهَا
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٧٢٩.
(٤) المصدر السابق.
٣٣٤
صَوَسُ رُ النفسية العضوي
القرآن الكريم
الإيمان
قَاعًا صَفْصَفًا ﴿ لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْنًا بِمِينِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُ وَأْكِتَفِيَهُ ﴾ [الحاقة:
يَوْمَّيِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ﴾ [طه: ١٠٥- ١٩]. يعني: خذوا اقرءوا كتابيه ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوْقِىَ
١٠٨].
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
وقوله تعالى:
اَلْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾
[إبراهيم: ٤٨].
((فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه
السلام وبروز الخلق لله سبحانه لا يكون إلا
بعد البعث قطعًا))(١).
٤. حساب الله للخلائق.
يحدثنا الوحي الإلهي طويلًا عن حساب
الله تعالى للخلائق في هذا اليوم الشديد،
والذي يتسم بالعدل.
٥. تطاير صحف الأعمال.
صحائف الأعمال التي سجل فيها عمل
کل فرد على حدة.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَنِ اَلْزَمْنَهُ طَيِرَهُ.
فِي عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبَّا يَلْقَنُ مَنشُورًا
أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
١٣
[الإسراء: ١٣ - ١٤].
١٤
قال الحسن رحمه الله: ((قد عدل والله
عليك من جعلك حسيب نفسك))(٢).
ويبلغ الوحي الإلهي غاية من التفصيل
حیث یبین کیفیات تسليم الكتب، وأحوال
الناس عندها، يقول ربنا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِ كِتَبَهُ.
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩/ ١٩٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٥٢٣.
كِتَبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَيْنَنِ لَوْ أُوْتَ كِنَبِيَّة (٥) وَلَوْ أَدْرِ
مَا حِسَلِيَهْ يَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَى
عَنِى مَالِيَةٌ { هَلَكَ عَنِى سُلْطَيِيَهْ ﴾ [الحاقة:
٢٥ - ٢٩].
فَسَوْفَ
﴿فَمَّا مَنْ أُوِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ. ◌ّ
يُحَاسَبُّ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا
وَأَمَّا مَنْ أُوِفِيَ كِتَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا
◌ُرً ا وَيَصْلَى سَعِيرًا ) إِنَّهُ، كَانَ فِى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا
﴾ [الانشقاق: ٧-١٣]. يعني: في الدنيا.
٦. الشهود.
وهذا من تمام إظهار العدل الإلهي في
هذا الموقف العظيم، فإن الله عز وجل
يستشهد على المذنبين قبل إدانتهم مع علمه
عز وجل القاطع بما عملوا، لكنه لا يريد أن
يعاملهم بعلمه، لكن يعاملهم بالشهود حتى
یتأکد کل إنسان من ذنبه وعمله.
والأنبياء هم أول الشهود عليهم
السلام، يشهدون على أممهم بالبلاغ،
وإقامة الحجة.
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ
أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا
(٤١)﴾ [النساء: ٤١].
والملائكة، وهم أيضًا يشهدون؛ لأنهم
سجلوا الأعمال، وشهدوا الطاعات
والمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَحَآَمَتْ
www. modoee.com
٣٣٥
حرف الألف
كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآَبِقٌ وَشَهِيدٌ (١)﴾ [ق: ٢١].
والأرض أيضًا تشهد، كما قال تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ [الزلزلة:
٤].
وقد فسر النبي أخبارها في الحديث
الذي رواه أحمد عن أبي هريرة، قال: قرأ
رسول الله صلی الله عليه وسلم هذه الآية:
﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ [الزلزلة: ٤].
قال: (أتدرون ما أخبارها؟) قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: (فإن أخبارها أن تشهد
علی کل عبد وأمةٍ بما عمل على ظهرها، أن
تقول: عملت علي كذا وكذا یوم كذا وكذا)،
قال: (فهو أخبارها)(١).
أيضًا من الشهود: جوارح الإنسان، أي:
خاصة عندما يماري، ولا يرضى إلا
شاهدًا من نفسه.
يقول تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ غَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ﴾
[يس: ٦٥] يعني: فلا تنطق ﴿وَتُكَلِّمُنَآ ◌َيَدِيهِمْ
وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يس:
٦٥].
ويقول جل شأنه: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ
أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير،
تفسير سورة (إذا زلزلت الأرض)، رقم
٢٤٢٩.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال الشيخ الألباني: ضعيف الإسناد.
انظر: ضعيف الترمذي ١/ ٢٧٥.
[النور: ٢٤].
﴿حََّ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ
ويقول:
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَاً قَالُوا
أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [فصلت: ٢٠-٢١].
٧. السؤال الشخصي.
ليدافع كل إنسان عن نفسه، وليبين أعذاره
إن كانت له أعذار، والله تعالى مع ذلك أعلم
بالمرء من نفسه، قال تعالى: ﴿ أَحْشُرُواْ الَّذِينَ
مِن دُونِ
ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ
وَقِفُوهٌ إِنَّهُم
اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ )
(٢٤)﴾ [الصافات: ٢٢-٢٤].
مَسْئُولُونَ
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَخْشُرُهُمْ
جَيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُّمْ
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ
تَزْعُمُونَ (٢٢)
وَاللَّهِ رَيْنَا مَاكُنَا مُشْرِكِينَ { أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُواْ عَ
أَنْفُسِهِمَّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام:
٢٢ -٢٤].
٨. وضع الميزان.
ليوفي كل إنسان جزاءه في دقة كاملة
بالغة حتى مقادير ومثاقيل الذر والخردل،
كما قال ربنا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِيِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
اَلْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَغَى بِنَا
حَسِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧] جل شأن الله.
ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّقٍ﴾
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٣٣٦
الإيمان
[النساء: ٤٠].
وعلى نتيجة هذا الميزان العدل يقضي
الله تعالى بالحق بين عباده: ﴿فَأَمَّا مَنْ
فَهُوَ فِ عِيشَةٍ
ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ,
رََّضِيَةٍ ﴾ [القارعة: ٦-٧].
يعني: ثقلت بالحسنات، والطيبات
﴿وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ ﴾﴾ [القارعة:
٨].
من الحسنات والطيبات، وامتلأت
بالسيئات، يقول ربنا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ
مَوَزِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) وَمَا
نَارٌ حَامِيَةٌ ﴿
أَدْرَتِكَ مَا هِيَة ))
2
[القارعة: ٨-١١]. نعوذ بالله منها.
وصف الجنة والنار:
فأما المؤمنون الصالحون فيبلغون سعادة
الأبد، ويظفرون بنعيم الخلد، قال تبارك
وتعالى: ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَهُمْ إِلَى
الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] يعني: جماعات
جماعات ﴿حَقََّ إِذَا جَاءُ وهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ
فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ
الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَّبَوَّأُ مِنَ
الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
[الزمر: ٧٣-٧٤].
الأرض هي: أرض الجنة، ويصف
الوحي الإلهي أحوال أهل الجنة، وما فيها
من نعيم وصفًا تفصيليًا، في دار لم يبلغها
علمنا المحدود، ولم تشاهدها حواسنا،
ولكنها أعدت للمتقين، وأخبرنا بها رب
العالمين، وينبغي أن نوقن بوجودها أكثر
مما نوقن بحاضرنا المشاهد؛ لأنها وعد
الله الحق، وجزاؤه الصدق، کما قال ربنا:
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ
وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اَللّهِ﴾
[التوبة: ١١١].
فهذا وعد سجله فى كتبه الثلاثة الأساسية
التي أنزلها من السماء إلى أهل الأرض،
على موسى، وعلى عيسى، وعلى محمد
صلى الله عليهم جميعًا يقول: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ
حَقًّا فِى الثَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ
أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللّهِ﴾.
وأما الكافرون فيساقون إلى جهنم
زمرًا، حيث يذوقون العذاب الأبدي،
وحیث یذوقون شقاء الخلد بشؤم ذنوبهم،
واستكبارهم على ربهم، وقد بلغ الوصف
القرآني للنار وأحوالها ودركاتها ويلاء أهلها
حدًا يخلع القلوب خلعًا، وفي القرآن الكريم
آیات تفرد وصف الجنة، وآیات تفرد وصف
النار، وفیه آیات تجمع ذکرهما معًا؛ لیوازن
العاقل، ويقارن بين الصورتين، كما قال
تعالى عقب الكلام عن النار والجنة، وهلاك
المكذبين: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ.
(٢)﴾ [ق:
قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَّهِيدٌ
٣٧].
www. modoee.com
٣٣٧
حرف الألف
ومنها على سبيل المثال:
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ
فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مَّآٍ غَيْرِ ءَامِنٍ وَأَتْهٌ مِّنْ لَّبٍَ لَّمْ يَنْغَيَّرْ
طَعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلِ
◌ُصَفَّى وَلَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِهِمْ﴾
[محمد: ١٥].
ثم تأتي الصورة الأخرى المزعجة:
﴿كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ
أَمْعَلَمَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥].
لا يستويان أبدًا، يقول ربنا أيضًا:
هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمٌّ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ
قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ◌َّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ
اْحَمِيمُ ن يُصْهَرُ بوء مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
[الحج: ١٩-٢٠].
الْمِعَ
يصهر: يصير صهارًا مذابًا
كُلَّمَآ أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا
مِنْ حَدِيدٍ @)
مِنْ غَيرٍ أُعِيدُواْ فِهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُوْلُؤَّا
وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴿ وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ
مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَّطِ لَلَِْيدِ
[الحج: ٢١-٢٤].
والمقصود من هذه الأخبار والأوصاف:
تشويق الناس إلى الجنة؛ ليعملوا بعمل
أهلها هنا في الدنيا، ولتحذير الناس من
النار؛ ليجتنبوا عملها وسوء حالها.
الخلود الأبدي:
أكد القرآن الكريم تأكيدًا قاطعًا أن الجنة
والنار خالدتين أبدًا، لا فناء لهما، ولا انقطاع
فيهما، ولا موت لأهلهما، وإنما هي حياة
الأبد والخلود السرمدي، وقد ورد هذا في
القرآن الكريم بأساليب كثيرة، أشهرها:
أسلوب (الخلود الأبدي)؛ ذلك لأن معنى
الخلود هو المكث الطويل، وكل ما يتباطأ
عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود
كقولهم للأثافي (١): خوالد؛ وذلك لطول
مكثها لا لدوام بقائها؛ ولذلك أكد الله
تعالى خلود الجنة والنار بالأبدية، ليخرجه
من المكث الطويل إلى البقاء الدائم؛ لأن
معنى الأبد كما قال الراغب الأصفهاني: هو
مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ
الزمان (٢).
وقد ورد تأكيد الجنة بالخلود الأبدي
في ثماني آيات، والتاسعة بالمعنى في أول
سورة الكهف: ﴿مََّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾
[الكهف: ٣]. والمكث هو الخلود؛ فلذلك
تکون تسع آیات، قید الخلود فيها بالأبدية،
مثلًا يقول: أصحاب الجنة خالدين فيها أبدًا،
وورد تأكيد خلود النار بالأبدية ثلاث مرات
(١) الأثافي: هي جمع أثفية، وقد تخفف الياء في
الجمع، وهي الحجارة التي تنصب وتجعل
القدر عليها: انظر النهاية في غريب الأثر:
ص٢٣.
(٢) المفردات، الراغب ص ٥٩.
٣٣٨
مَوَسُولَةُ الْتَّخِـ
القرآن الكريم
الإيمان
وفي آخر سورة الأحزاب الآية ١٦٥، وفي
آخر سورة الجن الآية ٢٣، فهذه الآيات تقید
أيضًا أصحاب النار بكونهم خالدين فيها
أبدًا، والمراد بأصحاب النار: أهلها الذين
هم أهلها، يعني: الكفار والمشركين، الذين
ماتوا ولم يتوبوا توبة نصوحًا، أما المسلمون
العصاة من المؤمنین فهؤلاء إن دخلوا النار
وعذبوا فالله يغفر لهم بعد ذلك، ويخرجون
مآلًا إلى الجنة إن شاء الله.
فالمراد بالخلود الأبدي لأهل الجنة
جمیعًا من يدخل الجنة، فلا يموت أبدًا، ولا
تفنى الجنة والنار، الخلود الأبدي لأهلها
الذين هم أهلها كما جاء في الصحیح، هذا
عدا الآيات الأخرى بغير هذا الأسلوب
التي تؤكد أن أهل الجنة لا يخرجون منها
أبدًا، وأن أهل النار لا يخرجون منها أبدًا
مثل، قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ
النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. ففي الآية الكريمة
نفي للخروج منها، وإثبات للعذاب الدائم،
ويقول تعالى عن أهل الجنة: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ
فِيهَا نَصَبُ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَچِينَ
٤٨
[الحجر: ٤٨].
وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (يؤتى
في القرآن: في آخر سورة النساء الآية ١٦٩، بالموت کهيئة کبش أملح، فينادي منادٍ: یا
أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل
تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت،
وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار،
فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون
هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد
رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا
موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت)(١).
ولعل أجمع ما يبين نعيم الجنة: هو
الحديث القدسي الشريف الذي رواه
البخاري بسنده، عن أبي هريرة رضي الله
عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (قال الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي
الصالحين ما لا عينٌّ رأت ولا أذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر)، قال أبو هريرة:
اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم
مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧](٢).
سادسًا: الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر: ((هو الاعتقاد الجازم بأن
الله سبق في علمه مقادير الخلائق -ويشمل
ذلك ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة
ومعصية، ومن هو من أهل الجنة، ومن من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: ((وأنذرهم يوم الحسرة)،
٤٧٣٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (فلا تعلم نفسٌُ ما أخفي
لهم من قرة أعينٍ)، رقم ٤٤٠٦.
www. modoee.com
٣٣٩
حرف الألف
أهل النار- وقد كتب الله ذلك في اللوح قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه (٣).
المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض
بخمسين ألف سنة.
کما کتب لهم وعليهم ما تقتضيه حكمته
من المقادير والأحوال التي يستحقونها على
أعمالهم التي علم أنهم سيعملونها، وأراد
إرادة كونية أن يقع ما علمه وكتبه لأجله
الذي قدر له، وهو الذي يخلقه إذا حان
الأجل، فهو الخالق لكل شيء بما في ذلك
أفعال العباد، من الكفر والإيمان والطاعة
والعصيان وغيرها»(١).
وسوف أتناول الإيمان بالقدر في النقاط
الآتية:
١. أدلة القرآن على القدر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ
﴾ [القمر: ٤٩]. ((أي: كل الأشياء عند
الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق
وفرغ منه»(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرَّا مَّقْدُورًا﴾
[الأحزاب: ٣٨].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ ثَوْءٍ فَقَدَّرَهُ.
نَقْدِيرً﴾ [الفرقان: ٢]. أي: خلقنا كل شيء
مقدرًا محكمًا مرتبًا على حسب ما اقتضته
الحكمة، أو مقدرًا مكتوبًا في اللوح معلومًا
(١) رسائل العقيدة، ابن عثيمين ص٣٧، ٤٠
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٨٢.
٢. مراتب القدر.
للقدر أربع مراتب دلت عليها
النصوص(٤)، وهي:
المرتبة الأولى: علم الله بكل شيء من
الموجودات والمعدومات والممكنات
والمستحيلات، وإحاطته بذلك علمًا،
فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان
کیف یکون. وقد دل على ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّعْلَمُوْ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: ١٢].
المرتبة الثانية: كتابة الله تعالى لكل شيء
مما هو كائن إلى قيام الساعة.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: ٧٠].
وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِيَّ إِمَامٍ
قُبِينٍ ﴾ [يس: ١٢].
المرتبة الثالثة: المشيئة فإن ما شاء الله
کان وما لم يشأ لم یکن.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ
يَقُولَ لَّهُ,كُنْ فَيَكُونُ (١)﴾ [يس: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ
رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ [التكوير: ٢٩].
(٣) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٤٤١.
(٤) الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، وزارة
الأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية ص
٢٤٧.
٣٤٠
القرآن الكريم
الإيمان
المرتبة الرابعة: خلق الله تعالى للأشياء
وإيجادها وقدرته الكاملة على ذلك، فهو
سبحانه خالق لكل عامل وعمله، وكل
متحرك وحر كته، و کل ساکن وسکونه.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
[الصافات: ٩٦].
وروى البخاري في صحيحه من حديث
عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (کان الله ولم يكن شيءٌ غيره، وكان
عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل
شيءٍ، وخلق السموات والأرض)(١).
فيجب الإيمان بهذه المراتب الأربع
لتحقیق الإيمان بالقدر، ومن أنکر شيئًا منها
لم يحقق الإيمان بالقدر.
٣. أنواع القدر.
القدر بمعناه العام نوعان: قدر تصريفي
وقدر تکلیفي، أو تکوین وتشريع، والقدر
التكويني التصريفي لا خيار لأحد فيه،
والخلائق جميعًا لا تملك معه إلا أن تصدع
بأمر ربها وخالقها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
قَوْلَنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ
هُوَ
[النحل: ٤٠]، ويقول ربنا:
٤٠
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو
الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)،
رقم ٣١٩١.
الَّذِى يُحِ، وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ.
كُنْ فَيَكُونُ (٨)﴾ [غافر: ٦٨].
أما القدر التشريعي التكليفي ففيه الخيار،
وقد عرض على السماوات والأرض
والجبال فأبین استصغارًا لا استكبارًا.
وحمله الإنسان اختيارًا حين خير؛ ليتم
بذلك ما اقتضت حكمة الله تعالى من
إيجاد جنسٍ من الخلائق يكلف اختيارًا،
ويترتب على سلوكه نوعية الجزاء، ولو
شاء الله عز وجل لكان الأمران جميعًا
على سواء، فينقاد الإنسان له في التوحيد
والشعائر، وسائر الشرائع كما ينقاد له في
قوانين الوجود الأخرى التكوينية، كالحياة
والموت، والأكل والشرب والتنفس وغير
ذلك، ولكن الله تبارك وتعالى ترك للإرادة
الإنسانية جزءًا من الاختيار، ليصح تعلق
الثواب والعقاب بالفعل الإنساني.
ومن بديهيات العقيدة القرآنية: الإيمان
بأن قدر الله كله مبني على غاية الحكمة
والعلم المحيط، فكله حق ونعمة ورحمة،
كما قال تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ()﴾
[المرسلات: ٢٣]، وذلك في القدر التكويني،
وكما قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣].
وذلك في القدر التكليفي التشريعي،
والإنسان حين يخضع الأمور لمقياسه
المحدود، یقول: هذا خير وهذا شر، وما
www. modoee.com
٣٤١
حرف الألف
هذا إلا قياس بالمصلحة الشخصية، أو كما قال تعالى: ﴿فَلَّ وَرَيْكَ لَا يُؤْمِنُونَ
العلم المحدود الذي لا ينفذ وراء الأشياء حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
ولا يستطيع، ومن هنا كان التسليم بالقدر لَا يَجِدُواْ فِيِّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوْاْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].
الإلهي تسليمًا مطلقًا، هو من لب الاعتقاد
فقد أقسم الله تعالی أن إيمان الناس لا
يتحقق أو لا يكتمل إلا بالتحاكم إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وبالرضا والتسليم
بقضائه المبني على شرع الله تعالى، كما جاء
ذلك صريحًا في نفس السورة، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَنِكَ اَللّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
وصريح الإيمان، يقينًا بالله تعالى، وثقة
فيه، واتهامًا للنفس والرأي، ومعرفة بحدود
الإنسان وضآلة علمه، وهذا ما ربى عليه
القرآن المسلمين، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ
شَرٌّلَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )﴾
[البقرة: ٢١٦].
وقال تعالى في عشرة الأزواج:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ
فَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
والآيتان الكريمتان تشملان القدر
بنوعیه، بل هما واردتان أصلًا لبيان أحكام
تشريعية: وهي فرضية القتال وعشرة
الزوجات، والمنازعة في القدر التشريعي
أكثر من المنازعة في القدر التصريفي؛
لأن القدر التصريفي ظاهر القهر والنفاذ،
والقدر التشريعي جعله الله مجالًا
للاختيار والاختبار، ومن ثم كثرت الوصية
بالتسليم فيه لله تعالى، بل جعل الله تعالى
تحكيم شرعه ورسوله والتسليم المطلق
بهذا التحكيم التشريعي شرطًا للإيمان،
٤. الاحتجاج بالقدر.
الاحتجاج بالقدر كان يثيره الكفار
فيقولون: ﴿لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ.
مِن شَىْءٍ فَّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ
مِن شَىْءٍ﴾ [النحل: ٣٥].
وغير ذلك من ألوان الاحتجاج بالباطل
الذي رد عليه القرآن في مواضع كثيرة، ومن
ذلك: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوْ
شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَّى
ذَا قُواْ بَأْسَنَّأْقُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ
لَنَّ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
[الأنعام: ١٤٨].
والآية الكريمة إخبار بالغيب عن
دعواهم الباطلة في الاحتجاج بالقدر، وهذا
من دلائل صدق النبي صلی الله عليه وسلم؛
مُوسُوبَةُ النَّشيد
القرآن الكريم
٣٤٢