النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الإِمَان
عناصر الموضوع
مفهوم الإيمان
٣٠٤
الإيمان في الاستعمال القرآني
٣٠٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٠٦
اقتران الإيمان بالعمل الصالح
٣٠٧
٣٠٨
المؤمن من أسماء الله تعالى
٣٠٩
أركان الإيمان في القرآن
٣٤٤
زيادة الإيمان ونقصانه وقلته
٣٤٦
أثر الإيمان في النفوس
٣٤٧
ثمرات الإيمان في الدنيا والآخرة
المُجَلَدَ السَّادِسْ

حرف الألف
مفهوم الإيمان
أولًا: المعنى اللغوي:
الإيمان مصدر الفعل الرباعي آمن وأصله أأمن، وأعلت الهمزة الثانية بالقلب ألفًا؛ لكونها
ساكنة والتي قبلها متحركة بالفتح، وهو أصل يدل على معنيين:
الأول: إعطاء الأمن والأمان والطمأنينة؛ الذي هو ضد الخوف، وآمنته ضد أخفته.
الثاني: التصديق الذي هو ضد التكذيب.
وإذا قال العبد: آمنت بالله تعالى ربًا، أي: صدقت به، واطمأننت لأمره.
فالإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده
الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان(١).
ويرى ابن تيمية أن الإيمان بمعنى الإقرار؛ فيقول: ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد
التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الإيمان: ((التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن
والسنة، وأمر بالإيمان به، والانقياد له ظاهرًا وباطنًا))(٣).
فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية (٤)، ((ويشمل عقائد الإيمان،
وأخلاقه، وأعماله))(٥).
وهو تصديق القلب واعتقاده، المتضمن لأعمال القلوب، وأعمال البدن، وذلك شامل
للقيام بالدين كله؛ ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون: الإيمان قول القلب واللسان، وعمل
القلب واللسان والجوارح(٦).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٠٧١/٥، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص١٥١٨، لسان العرب،
ابن منظور، ٢١/١٣، المفردات، الأصفهاني، ص ٩٠.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩١/٧، الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه، عند أهل السنة والجماعة،
عبد الله بن عبد الحميد، ص٢١،١٩.
(٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص٤١.
(٤) انظر: العقيدة الواسطية، ابن تيمية ص ١٦١.
(٥) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص٤١.
(٦) انظر: الإيمان، ابن تيمية، ص ١٣٧.
٣٠٤
مُؤَسْو ◌َ النَّشيد
جوبيبو
القرآن الكريم

الإيمان
الإيمان في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (أمن) في القرآن الكريم (٨٧٩) مرة، يخص موضوع البحث منها (٨١١)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
﴿يُحَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا
٣٤٢
﴾ [البقرة: ٩]
يَسْمُرُونَ (١)
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ
الفعل المضارع
١٧٥
[يونس: ١٠٠]
فعل الأمر
١٩
﴿وَيَلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
﴾ [الأحقاف: ١٧]
المصدر
٤٥
﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢]
اسم فاعل
٢٣٠
[البقرة: ٢٢١]
وجاء الإيمان في الاستعمال القرآني على وجهين(٢):
الأول: التصديق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ
[يوسف: ١٧].
الثاني: الإسلام والتوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى
وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥].
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٨١، ٩٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٩١، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ١١٠.
www. modoee.com
٣٠٥
المثال
الفعل الماضي
﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ،
١٧

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الإسلام:
١
الإسلام لغة:
الاستسلام، والانقياد (١).
الإسلام اصطلاحًا:
الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله(٢).
الصلة بين الإيمان والإسلام:
لم يفرق أهل العلم بين الإيمان والإسلام حال افتراقهما، وإنما كان التفريق بينهما حال
اقترانهما، فقالوا: إذا افترقا اتفقا، وإذا اقترنا اختلفا، فقالوا: إن الإسلام هو القيام بشرائع
الإسلام الظاهرة، والإيمان هو التصديق الجازم بالغيب، وهذا كما جاء في حديث جبريل،
حيث فسرهما النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ومن هذه الحيثية نجد أن الإسلام أعم من
الإيمان، وحقيقة الأمر: أن العبد لا يكون مسلمًا إلا إن كان مؤمناً، ولا يكون مؤمنًا إلا إن
کان مسلمًا.
٢ الإحسان:
الإحسان لغة:
الإحسان من أحسن يحسن إحسانًا، وهو ضد الإساءة (٣).
الإحسان اصطلاحًا:
هو إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل
منه (٤).
٠
الصلة بين الإيمان والإحسان:
الإحسان أعلى درجات الدين، وإذا انفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا انفرد الإحسان
دخل فيه الإسلام والإيمان.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري، ٥/ ١٩٥٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٩٠/٣.
(٢) انظر: ثلاثة الأصول، محمد بن عبد الوهاب ص١٤.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١١٧/١٣.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي، ١٤ / ٢١٢.
٣٠٦
مُوسُوبَةُ النَِّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الإيمان
اقتران الإيمان بالعمل الصالح
تكررت جملة: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
اَلضَلِحَتِ﴾ في القرآن (٥١) مرة.
وهذه الجملة هي الصيغة، وهي معظم ما
اقترن به الإيمان مع العمل الصالح في صيغ
الاقتران بينهما، والتي بلغت (٦٩) مرة (١).
وهذا الاقتران يدل على ارتباطهما
الوثيق وتلازمهما المستمر، فلا إيمان بدون
عمل صالح يعبر عنه ويبرهن عليه، ولا
قيمة للعمل الصالح بدون إيمان يقوم عليه
ويركن إليه، فالإيمان بدون عمل كالشجر
بلا ظل ولا ثمر، والعمل الصالح بدون
إیمان کالجسد بلا روح(٢).
المقصود بالعمل الصالح: ما أحبه الله
ورسوله، وهو المشروع المسنون.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه يقول في دعائه: ((اللهم اجعل عملي كله
صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل
لأحد فيه شيئًا))(٣).
وقال ابن عاشور رحمه الله: ((العمل
الصالح: هو العمل الذي يصلح عامله
في دينه ودنياه صلاحًا لا يشوبه فساد،
(١) انظر: المعجم المفهرس، عبد الله جلخوم ١/
١٨٢ - ١٨٧.
(٢) يتيمة الدهر في تفسير سورة العصر، الشرقاوي
ص ٣٦.
(٣) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٤.
وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به
الدين)) (٤).
((والعمل الصالح واسع الدائرة إلى حد
يشمل كل شيء في الحياة تباشره باسم
الله، ولقد عد الإسلام أعمالًا كثيرة صالحة
لم تكن تخطر ببال الناس أن يجعلها عملًا
صالحًا وقربة إلى الله تعالى، فجعل كل
عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو
يخفف به کربة مکروب، أو یشد به أزر
مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي
به دین غارم مثقل، أو يهدي حائرًا أو يعلم
جاهلًا، أو يدفع شرًا عن مخلوق، أو أذى
عن طریق، أو یسوق نفعًا إلی کل ذي كبد
رطبة .. جعل كل ذلك عملاً صالحًا ما دامت
النية فيه خالصة لوجه الله الكريم» (٥).
ومما يستنبط من اقتران الإيمان والعمل
الصالح:
* أن الإيمان علم وأس والعمل بناء،
ولا غناء للأس ما لم یکن بناء، کما لا
بناء ما لم يكن له أس، فإذا حقهما أن
یتلازما لذا قرن بينهما.
# أن الغالب في اقتران الإيمان والعمل
الصالح، الحديث بصيغة الجمع
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
(٤) تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور، ص
٣٨١٨.
(٥) العبادة في الإسلام، يوسف القرضاوي ص
٥٧ بتصرف يسير.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الألف
وهذه الصياغة جاءت جمعًا في
المتحدث عنهم وعن أعمالهم، فهم
جماعة تبنوا تصورًا واحدًا، وأسسوا
على هذا التصور أعمالًا صالحات في
جميع مناحي الحياة، يصح أن تقوم
عليها نهضة حضارية، يقود بها أهل
الإيمان والعمل الصالح الأمة إلى
الخير والصلاح.
ترتب على الإيمان والعمل الصلاح
الفلاح في الدنيا والآخرة، كما قال
تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَِلَ صَالِحًا
فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
[القصص ٦٧]. أي: الناجحين
٦٧
بالمطلوب، الناجين من المرهوب (١)،
الفائزين بمطالبهم من سعادة
الدارين (٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٦٢٢.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٢١١.
المؤمن من أسماء الله تعالى
سمى الله تعالى نفسه الكريمة بالمؤمن،
قال تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلََّّ هُوَ
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْسِنُ
الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اَللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: ٢٣].
من معاني المؤمن في حق الله تعالى:
١. شهادته سبحانه لنفسه بالتوحید.
قال الزجاج رحمه الله: سمى الله نفسه
مؤمنًا؛ لأنه شهد بوحدانيته، فقال تعالى
﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ﴾ [آل عمران:
١٨]. كما شهدنا نحن (٣).
٢. الذى أمن عباده من ظلمه.
قال الطبري رحمه الله: ((المؤمن: الذي
یؤمن خلقه من ظلمه»(٤).
وقال الزجاج رحمه الله (( ويقال إنه في
وصف الله تعالى يفيد أنه الذي أمن من
عذابه من لا يستحقه)) (٥).
٣. الذي صدق رسله عليهم السلام.
قال السعدي رحمه الله: ((المؤمن الذي
أثنى على نفسه بصفات الكمال، ويكمال
الجلال والجمال، الذي أرسل رسله وأنزل
(٣) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص
٣٢.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٥٢.
(٥) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص
٣٢.
٣٠٨
مَوَسُولَةُ اللَّهِ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الإيمان
کتبه بالآيات والبراهین، وصدق رسله بکل
آية وبرهان، يدل على صدقهم وصحة
ماجاؤا به))(١)
٠
معنى المؤمن في حق المخلوقين:
سمى سبحانه وتعالى بعض عباده
بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ
فَاسِقَاً لَّا يَسْتَوُنَ
(٨﴾ [السجدة: ١٨].
ومعنى المؤمن إذا وصفنا به المخلوقين:
هو الواثق بما يعتقده المستحكم الثقة(٢).
وبمعرفة الإنسان المؤمن لمعاني هذا
الاسم في حق الله يطمئن قلبه إلى ربه
سبحانه وتعالى، وما وعده من سعادة في
الدنيا ونعيم في الآخرة، ويوجب عليه أن
يثق بما يعتقده.
(١) تفسير أسماء الله الحسنى، السعدي ٢٣٩.
(٢) انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص
٣٢.
أركان الإيمان في القرآن
للإيمان ستة أركان، أربعة منها مذكورة
في قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلَتَبِّكَتِهِ.
وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلٌِ
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ (من)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
روی الحاکم في مستدرکه عن أنس بن
مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي
صلى الله عليه وسلم ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ
أُنزِلَإِلَیْهِمِن رَبِّهِ ﴾ قال النبي صلی الله علیه
وسلم: (وأحق له أن يؤمن)(٣).
قال ابن عطية رحمه الله: ((سبب هذه
الآية أنه لما نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
أشفق منها النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه رضي الله عنهم، ثم تقرر الأمر
على أن قالوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فرجعوا
إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله وأثنى
عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي
رفقه بهم، وكشفه لذلك الکرب الذي أوجبه
تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح
(٣) أخرجه الحاكم في مستدر كه، كتاب التفسير،
باب سورة البقرة، رقم ٣١٣٤.
قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط
الشیخین ولم يخر جاه.
وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: منقطع.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الألف
والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه صف المؤمنين وصف الكافرين، حزب الله
ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى))(١).
وقال ابن كثير رحمه الله: ((أخبر سبحانه
وتعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين،
فقال: فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد
أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه.
ويصدقون بجمیع الأنبياء والرسل والكتب
المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين
والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون
ببعض ویکفرون ببعض، بل الجميع عندهم
صادقون بارون راشدون مهدیون هادون
إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ
شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع
بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم
الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على
شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق
ظاهرین))(٢).
((إنه الإيمان الشامل الذي جاء به هذا
الدين، الإيمان الذي يليق بهذه الأمة الوارثة
لدين الله، القائمة على دعوته في الأرض
إلى يوم القيامة، الضاربة الجذور في أعماق
الزمان، السائرة في موكب الدعوة وموكب
الرسول وموكب الإيمان الممتد في شعاب
التاريخ البشري، الإيمان الذي يتمثل البشرية
كلها منذ نشأتها إلى نهايتها صفين اثنين:
وحزب الشيطان، فليس هنالك صف ثالث
على مدار الزمان))(٣).
ويستفاد من هذه الآية: ثناء الله تعالى
على رسوله وعلى المؤمنين في إيمانهم
إيمانًا خالصًا يتفرع عليه العمل، وأن
المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم
یؤمنون ببعض ویکفرون ببعض.
والركن الخامس من أركان الإيمان
هو: الإيمان باليوم الآخر، ذكر في قوله
تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ
وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ﴾ [البقرة:
١٧٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ،
وَاَلْكِتَبِ الَّذِىِّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُّ وَمَن يَكْفُرُ بِاللّهِ
وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُلُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ فَقَدْ
ضَّلَ ضَلَلَّاً بَعِيدًا (٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
والركن السادس من أركان الإيمان هو:
الإيمان بالقدر خيره وشره، ذکر في الحديث
المشهور الذي رواه الإمام مسلم عن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل جبريل
النبي عن الإيمان فقال: ( ... فأخبرني عن
الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره
(١) المحرر الوجيز ١/ ٣٩١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٧٢.
(٣) في ظلال القرآن ١/ ٣٤١.
٣١٠
مَوَسُوبَةُ النَّية
القرآن الكريم

الإيمان
وشره قال: صدقت)(١).
وهذه الأركان الستة هي التي بعث الله
بها الرسل وأنزل بها الكتب، ولا يقبل إيمان
عبد إلا إذا آمن بها جميعًا على الوجه الذي
دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم.
وسوف نتناول هذه الأركان فيما يلي:
أولًا: الإيمان بالله تعالى:
الإيمان بالله: هو التصديق به وبصفاته
ورفض الأصنام وكل معبود سواه (٢).
والإيمان بالله یتضمن توحيده في ثلاثة:
ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته،
ومعنى توحيده في هذه الأمور: اعتقاد تفرده
بالربوبية والألوهية وصفات الكمال وأسماء
الجلال.
وسوف نتكلم عن الإيمان بالله تعالى(٣)
في النقاط الآتية:
١. الوجود الإلهي.
فالقرآن الكريم يحدثنا عن الله تبارك
وتعالى من حيث هو ذات حقيقية، وله وجود
حقيقي لا يشبهه شيء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ
(١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان
الإيمان والإسلام والإحسان والإيمان
بالقدر، رقم ١٠٢.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/ ٣٩١.
(٣) انظر: محاضرات في التفسير الموضوعي،
عبدالستار فتح السعيد ص ٧٥، والمدخل في
التفسير الموضوعي، له ص٩٩ .
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١].
وهو سبحانه وتعالى الأول قبل كل
شيء، وهو الآخر بعد كل شيء، كما قال
سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَاْلَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَالِنُ
[الحديد: ٣].
وكما قال تعالى: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُّ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨].
وهو سبحانه وتعالى بذاته وجود غيبي
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو
اللطيف الخبير، ولکنه یعرف بآثاره في كل
شيء، وتقوم كل دروب الأدلة على وجوده
وتفرده، واستحقاقه لکل صفات الكمال.
ودليل وجوده سبحانه وتعالى: هو العقل
والفطرة والشعور الباطني، وكل ما خلق الله.
أما دليل العقل: فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ
مِنْ غَيْ ثَوْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴾ [الطور:
٣٥].
وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا
التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل
والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد
الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار
أن الله خلقهم.
(وقد تقرر في العقل مع الشرع، أن الأمر
لا يخلو من أحد ثلاثة أمور:
١. إما أنهم خلقوا من غير شيء، أي: لا
خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد
ولا موجد، وهذا عين المحال.
www. modoee.com
٣١١

حرف الألف
٢. أم أنهم خلقوا أنفسهم، وهذا أيضًا
محال، فإنه لا يتصور أن يوجدوا
أنفسهم. فإذا بطل هذان الأمران، وبان
استحالتهما، تعين:
٣. أن الله خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم
أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي
لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالی.
وقوله: ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾
[الطور: ٣٦].
وهذا استفهام يدل على تقرير النفي،
أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا
شركاء لله، وهذا أمر واضح جدًا. ولكن
المكذبين ﴿لَّا يُوقِنُونَ﴾ أي: ليس عندهم
علم تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة
الشرعية والعقلية))(١).
فبداهة العقل عند كل إنسان تقضي
أن لكل مصنوع صانعه، وأن لكل حادث
موجده؛ ولذلك ذهب القرآن الكريم ودأب
على حثهم على التفكر، وعلى تقليب النظر
في ملكوت السماوات والأرض، وملاحظة
جانب الإبداع في هذا الخلق؛ فإن ذلك
يقتضي من صاحبه أن يوقن يقينًا مطلقًا، وأن
يؤمن الإيمان الوثيق بهذه الذات العليا التي
تقوم على هذا الخلق العظيم، قال تعالى:
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٨١٦.
ويقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوج
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسَِ وَأَنْبَتْنَا
تَبْصِرَةٌ وَذِكْرَى لِكُلِّ
فِيهَا مِن كُلِّ زَوج بَهِيج ن)
عَبْدٍ مُنِيبٍ (٥)﴾ [ق: ٦-٨].
أما دليل الفطرة المركوز في النفس
فمقررِ في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّنِ
حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَاً لَا
نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [الروم: ٣٠].
يقول تعالى: ((فسدد وجهك واستمر
على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية
ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها وكملها لك
غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك
السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه
تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه
لا إله غيره»(٢).
((وهذه الدلائل يصل بها الإنسان إلى
معرفة قوة عليا مهيمنة، لكنه لا يستطيع
بنفسه الوصول إلى معناها الصحيح، ولا إلى
معرفة حقوقها وأوصافها على وجه صادق،
ولذلك كان الطريق الوحيد لهذه المعرفة
الصحيحة، هو الوحي الإلهي، وقد علم الله
تعالی- عباده ذلك منذ خلق آدم، ثم أرسل
رسله تترى لمقارعة الجاهليات ولتصحيح
المعتقدات، فلم يزل اسمه سبحانه وتعالى
ومسماه شائعًا معروفًا بين الأمم في كل
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٨٢.
٣١٢
القرآن الكريم

الإيمان
العصور حتى في أوساط المشرکین، کما
قص القرآن علينا ذلك عنه مرارًا سبحانه
وتعالى ويقول: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
الْعَلِيمُ ﴾ [الزخرف: ٩].
ولذلك كان الاعتراف بهذه الذات العليا
حقيقة عالمية لم يشذ عنها إلا المكابرون،
المعاندون من الطواغيت کالفراعنة، أو آحاد
من الطبيعيين والدهريين))(١).
٢. الوحدانية.
هذه الصفة تعني تفرده سبحانه وتعالى
في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس له في ذلك
شريك، ولا نظير ولا مقارب، أو مثيل،
وهذه الحقيقة جعلها الله سبحانه وتعالى
فاتحة التكليف ومحور الدين، وعليها
تتأسس کلیاته وجزئیاته، ولم یکن الوجود
الإلهي قضية بين الوحي والأمم لشيوعه
بینھم، ولتسلمیهم به، ولكنهم كانوا يتخذون
معه سبحانه وتعالى شركاء، تحت مختلف
الدعاوى والأسماء، حتى قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ
إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْفِی
مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونٌَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ
كَذِبُ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
ويقولون كما قال ربنا عنهم:
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ﴾
(١) المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبد الستار
سعيد ٩٩/ ١٠٠.
[يونس: ١٨].
لذلك كان الأصل والأساس الذي بعثت
به الرسل، ونزلت من أجله الكتب هو: تقرير
وحدانية الله تعالى، وتنزيهه عن الشركاء،
والأنداد، والنظراء والصاحبة، والأبناء،
وصرف وجوه العباد إليه وحده سبحانه،
وتفريده وحده في الاعتقاد والعمل،
والعبادة والطاعة بالذكر والدعاء، وسائر ما
لا یلیق إلا به وحده سبحانه وتعالى، لذلك
كان لصفة الوحدانية الصدارة في الصفات
الإلهية جميعًا، فهى حقيقة الحقائق الواقعية
من حيث الوجوب، ثم هي أصل الحقائق
التشريعية من ناحية الورود، ومن ثم فقد
جاءت أدلتها دالة بالطريق الأولى على
الوجود الإلهي، وهي دلائل متعددة، ولهذا
كله أبرزها القرآن الكريم إبرازًا، وقص
علينا من أنباء الرسل ما يؤكد أمرها، وأنها
كانت محور دعواتهم جميعًا ولب رسالتهم،
ومدخلهم إلى استتباع الناس لدين الله
تعالى، فجاء على لسان كل من نوح وهود
﴿يَقَوْمِ
وصالح وشعيب ألفاظ واحدة
أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:
٥٩، ٠١٨٥،٧٣،٦٥
وعلى هذا النمط جاءت دعوة الرسل
عليهم السلام جميعًا كما يذكر القرآن
ذلك تفصيلًا، حتى علم خاتمهم محمدًا
صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس هذه
www. modoee.com
٣١٣

حرف الألف
الكلمات المتفردة في الإيجاز والإعجاز، وأفعاله، المقصود في جميع الحوائج وهو
الغني عن كل شيء.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ م اللَّهُ الصَمَدُ لَمْ بَلِدْ
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًّا
وَلَمْ يُولَذ ٥
أَحَدّ ﴾﴾ [الإخلاص ١ - ٤].
وهذه الآيات على وجازتها شاملة أمّا أو زوجًا؛ ولذلك تنزه عمن يكون في
الأصول الصفات الإلهية، وردت على جميع
أنواع الملحدین فیها، ثم هي مقررة لأسمی
العقائد اللائقة بالله عز وجل، ومصححة
لضلالة أهل الكتاب، ناهيك عن المشركين
والملحدين، وكفى بها دلالة على صدق
النبي الأمي في نسبة هذا الدين إلى الوحي
( ویؤخذ من هذا:
الإلهي؛ ولذلك جاء في الحديث الذي رواه
أولًا: أن الوحدانية وحي إلهي لكل
الرسل، لم يوكلوا فيه إلى أفهامهم وعقولهم
الراجحة، حتى هذه العقول الراجحة لا
توكل إليها قضية الوحدانية والتوحيد، لذلك
يتولى الوحي الإلهي تقريرها.
مسلم بسنده عن أبي الدرداء، عن النبي
صلى الله عليه وسلم، قال: (قل هو الله أحدٌ
تعدل ثلث القرآن)(١). أي: أنها تعدل ثلث
القرآن، أو هي ثلث القرآن من حيث دلالتها
علی أهم مقاصده، وهي الدعوة إلى توحید
الله سبحانه وتعالى.
فالآية الأولى: إثبات للوحدانية بأبلغ
وجه، ولذلك قالوا إن لفظ الأحد خاص
بوصف الله لا يوصف به غيره، فلا يقال:
رجل أحد، إنما يقال: الله أحد.
والثانية: بيان لأسباب (أحدیته) سبحانه،
بتقرير أنه السيد الكامل في جميع صفاته
(١) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين
وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحدٌ،
رقم ٨١١.
والثالثة والرابعة: بيان لهذه الأسباب
أيضًا بتقرير تفرد ذاته عن الأصول والفروع،
لم يلد ولم يولد وما يلزمها من الصاحبة،
درجته، وإن لم یکن أصلًا ولا فرعًا، وهذا
التفصيل جاء على سبيل الحصر في دعوة
الرسل جميعًا على ما قرره القرآن الكريم
على سبيل الإجمال والتعميم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَإِلَّاً
﴾ [الأنبياء: ٢٥].
أنَا فَاعْبُدُونِ (٢٠)
ثانيًا: أنها رأس الوحي وأفضله وأوله،
وقد جاء ذلك في الحديث الذي رواه
الترمذي بسنده عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة،
وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
وهو على كل شيءٍ قدير)(٢).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، ٥/ ٤٦٤، رقم
جَوَسُوع
القرآن الكريم
٣١٤

الإمان
ثالثًا: أن هذه الحقيقة الاعتقادیة الأولى
تستلزم خضوعًا كليًا لله تعالى، متمثلاً في
إفراده بالعبادة والطاعة عملًا، بعد إفراده
بالوحدانية اعتقادًا، ولذلك ختمت بها الآية
الجامعة: ﴿لَآ إِلَهَإِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ ﴾، وجاء
تفصيلاً على لسان كل رسول ﴿أَعْبُدُوا
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقررها القرآن
الکریم کثیرًا بالإجمال والتفصیل، كما قال
تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَّ
أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةٌ يُعْبَدُونَ
٤٥
[الزخرف: ٤٥].
وفي مدلولها الشامل:
أولًا: ففي جانب الربوبية: يجب اعتقاد
تفرد ذات الله عز وجل عن كل شبيه ونظير،
وتفرده سبحانه وتعالى بكل صفات الخلق
والملك، والتدبير والتأثير، وكل معاني
الربوبية.
ثانيًا: وفي جانب الإلهية: يجب اعتقاد
تفرده سبحانه وتعالى بحق العبادة والطاعة،
والأمر والحكم، والاستعلاء، وكل ما هو
داخل في معنى الألوهية.
وهذا تقسیم بحسب المعاني، وإلا فهما
رابعًا: أن الآيات الكريمة تستعمل دائمًا وصفان لله الواحد الأحد المتفرد بهما،
أسلوب النفي مع الإثبات خاصة في مجال والتوحيد هو جميع هذين الأمرين معًا، فلا
يقبل التجزئة ولا الانقسام، ولما كان ادعاء
التکلیف الذي يقصد فيه الأمرین جمیعًا،
أعني: إثبات الوحدانية الله تعالى ونفيها
عن کل شيء عداه، تأكیدًا لتفرده عز وجل،
وإيطالًا لدعوى المشركين والملحدين في
كل زمان))(١).
الخلق والتدبير لغير الله عز وجل لا يكاد
يوجد إلا على سبيل المكابرة والمهاترة، وكان
الذي کثر في الأمم وشاع: هو اعتقاد أن لغير
الله تعالى حقًّا ما في الطاعة أو العبادة؛ لذلك
تركز تصحيح الرسل عليهم السلام على هذا
أقسام الإيمان بالله تعالى:
الجانب، وكثر النزاع بينهم وبين أقوامهم فيه؛
يقتضي الإيمان بالله تعالى إفراده تعالى
بحقوق لا تكون لغيره، وهذا هو معنى
التوحيد الذي يتحقق بامتثال العبيد لهذه
العقيدة التي كلفوا بها في معناها الواسع،
ولذلك كانت الدعوة إلى كلمة التوحيد ((لا
إله إلا الله)) هي مفتاح الدخول في الإسلام،
ومعول نقض الجاهلية؛ لأن معناها اعتقاد
تفرد الله تعالى بالعبادة والطاعة وحده لا
٣٥٨٥.
قال الألباني: صحيح.
شريك له، وأول ما يترتب عمليًا على ذلك
هو قبول منهاجه ودينه، ورفض مناهج البشر
انظر: مشكاة المصابيح ٢٥٩٨.
والطواغيت من السدنة، والكهنة، وأصحاب
(١) محاضرات في التفسير الموضوعي، عبد
الستار سعيد، ص ٨.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الألف
السلطان، والتخلص من شرائعهم وقوانينهم
وأعرافهم، ومن هنا کان هذا التوحید خطرًا
داهمًا على هؤلاء وأمثالهم، فكانت العدوات
تندلع بينهم وبين الأنبياء بادئ الأمر بلا روية،
و کأنها قانون یتکرر باطراد، كما قال ورقة بن
نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم في مطلع
الوحي، حین جاء يسأل ورقة، فقال له: (لم
يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي)(١).
(ومن هنا يتضح ارتباط هذه القضية
بأصل الأصول وهو التوحيد، وأن الإخلال
فيها وضعًا أو اتباعًا هو إخلال بهذا الأصل،
فإن کان الإخلال اعتقادًا صار شرگًا يبطل
التوحيد، وإن لم يصل إلى درجة الاعتقاد
کان من كبائر الإثم، بل كان تطاولًا خطيرًا
على حق الله المتفرد في الحكم والأمر،
وعلى حقه في العبادة والطاعة، يوجب
على المؤمنین أن ینکروه وأن يبرؤوا منه،
وأن يقاوموه بكل الطرق التي حددتها
شريعة الله تعالى، حتى يفيء أصحابه إلى
أمر الله عز وجل، ومن ناحية أخرى: كان
الإخلال بالتوحيد في هذا الجانب الخطير
هو المسئول عما تعانيه البشرية من كوارث
شاملة، خلقیة کانت أو اجتماعیة، أو سیاسیة
، وذلك لاحتراف الإنسان أمر التشريع
وهو لا يحسنه ولا يحيط به خبرًا، وقد كان
الخطأ في المعرفة الصحيحة للإله الواحد،
واستخدام هذه المعرفة في الحياة اليومية،
أحد الأسباب الأساسية في اضطراب
الحضارة المعاصرة)»(٢).
ثالثًا: التفرد بصفات الكمال المطلق:
فما من صفة من صفات الكمال المطلق
الذي لا تحده نسبة ولا إضافة إلا والله
تبارك وتعالى متصف بها، فوق ما تتصوره
عقولنا المحدودة، يقول الله تعالى في تقرير
اختصاصه بالخلق ابتداء، ثم الإعادة، وفي
تقرير كونها أهون عليه، مع أنهما أمران
عظیمان، تحار فيهما العقول.
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَثُمَّ
يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧].
ويقول سبحانه ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
[النحل: ٦٠].
وجماع ذلك كله: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١]. أي: ليس يشبهه تعالى ولا
يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا
في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله،
لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال
وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات
العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء (٢) المنهاج القرآني في التشريع، عبد الستار سعيد
ص٣٣٠ - ٣٣٣.
الوحي، رقم ٤.
مُوسُوبَةُ النَِّّ
جوسى
القرآن الكريم
٣١٦

الإيمان
لانفراده وتوحده بالکمال من کل وجه(١).
وهذه الآية دليل لمذهب أهل السنة
والجماعة، من إثبات الصفات، ونفى مماثلة
المخلوقات.
بل إن علمه سبحانه وتعالى أدق وأشمل
ونذكر هنا ببعض الصفات التي أكد الله من كشف سرهم، إذ يصل إلى ما هو أبعد
من ذلك ﴿وَإِن تَّجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَلْسِرَّ
وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧].
تعالی علیها في كتابه العزيز.
* العلم.
فالله عز وجل يعلم الأشياء كلها علم
إحاطة وانكشاف، السر عنده علانية، الغيب
عنده شهادة، ولا تقف أمامه حوادث الزمان
وقد أحصى ذلك عدًا ووصفًا، وكل
شيء كما قال ربنا: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَبِّتَهُ مِّ
إِمَا مِمُّبِينٍ﴾ [يس: ١٢].
وقال تعالى: ﴿عَلِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَآَ
أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّ فِ كِتَبٍ
تُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
وهذا الكتاب المبين: هو اللوح
المحفوظ، وهو سبحانه وتعالى لا يعلم
الأمور الجزئية فحسب؛ بل ما دون ذلك
من الخفيات والطويات، ولقد قال للكفار
حین ظنوا أنه لا يسمع تآمرهم ونجواهم ،
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٥٤.
قال تعالى: ﴿وَأَسِرُ واْ قَوْلَكُمْ أَوِأَجْهَرُ وا بِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ (
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
١٣
الْخَبِيرٌ ﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وأي شيء أخفى من السر؟ لعلة ما
استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه
أحدًا من خلقه، أو لعله ضمير النفس، كما
والمكان، ولا تخفى عليه خافية في الأرض يقول بعض المفسرين، وهذا ما يسمى حديثًا
باللاشعور، حيث لا علم لصاحبه به ولا
ولا في السماء.
سيطرة له عليه، ولعله ما يمرق من الخواطر
من سوانح الفکر، التي تمضي کلمع البرق أو
تتتابع كلمح البصر، والقرآن الكريم فياض
بذکر هذه الصفة، وبسعة مدلولها وامتدادها،
وقال ربنا: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُّ
[القمر: ٥٣].
ومصرح بأن من الأشياء ما استأثر الله بعلمه،
ولا سبيل لخلق ما إلى معرفته. ﴿وَمَا يَعْلَُّ جُنُودَ
رَبِّكَ إِلَّهُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا
[الأنعام: ٥٩].
هُوَ﴾
وهو سبحانه وتعالى يحيط علمًا وخبرًا
بكل خلقه، حتى الذر في أحجاره، والطير
في أوكاره، والثمر في أكمامه، والأجنة
في الأحشاء، وكل غائبة في الأرض وفي
السماء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ
كُلُّ أُنْفَ وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ
www. modoee.com
٣١٧

حرف الألف
وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ، عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد:
٨-٩].
عِلَّمُ
إِلَيْهِ يَرَدْ
ويقول ربنا سبحانه
السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا
تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت:
٤٧].
ويقول: ﴿﴿ وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلََّ عَلَى
اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:
٦].
وهو في كل هذا العلم رقيب شهيد
وقریب،یسمع ویری، فعلمہ لیس انطباعًا من
قراءة کتاب، أو إدراكًا من خبر ملك ونحوه؛
ولذلك كان من أسمائه الحسنى: الشهید،
الذي يدل على هذا العلم الحضوري الذي
تنکشف له به الأشياء، انکشافًا تامًا بلا سبق
خفاء، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَكُنُ فِ شَأَنٍ
وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّ
كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهٍ وَمَا يَعْزُّبُ
عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ
وَلَآَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِنَبٍ مُِّينٍ
﴾ [يونس: ٦١].
٦١
فهذا علم مطلق شامل محيط، لا
يقاس بعلم غيره، وهو وحده سبحانه
وتعالى المتفرد به، وهذه العقيدة إحدى
الدعائم الأساسية التي يقوم عليها التشريع
الإلهي، من حيث ابتداء وضعه على سلامة
واستقامة، ومن حيث لزوم تطبيقه بوازع
الضمير، الذي ينقدح فيه دائمًا: أن الله تبارك
وتعالى يعلم سره ونجواه، ولا يخفى عليه
شيء في الأرض ولا في السماء.
■ القدرة.
بعد العلم القدرة، وهي ككل صفاته عز
وجل الثبوتية مطلقة شاملة، لا تحجزها
العوائق، ولا تقف دونها العقبات، ولا تحد
بحدود العقل البشري، ولا بغيره من أدوات
الخلائق.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[البقرة: ٢٠].
وإن حرف تأكيد، وشيء نكرة عامة
أضيف إليها أداة عموم، وهي لفظ، كل
فأفادت قدرة الله تعالى المطلقة على عموم
الأشياء بلا استثناء، ومهما تعاظم العقل
أمرًا من أمور النشأتين، فهو سهل يسير
في رحاب هذه القدرة العظمى، كما قال
ربنا: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ
أَهْوَثُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعَاً ذَلِكَ
حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ [ق: ٤٤].
ويقول ربنا: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ
أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: ٤٠].
ويقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَوْءِ
فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ إِنَّهُ, كَانَ عَلِيمًا
قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤
٣١٨
جوب
القرآن الكريم

الإيمان
ويقول ربنا سبحانه وتعالى في آية
عامة جامعة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا
كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴾
[لقمان: ٢٨].
ونجد غير ذلك كثيرًا جدًا في القرآن،
فهذه إذن قدرة ذات تأثير شمولي في كل
أبعاد الكون، أحياءً وأمواتًا، ما نعلمه وما لا
نعلمه، والله تعالى وحده هو المتفرد فيها
بالتقدير والتأثير، فتبارك الله رب العالمين.
الأسماء الحسنى.
وهي کلها أوصاف کمال و جلال لله رب
العالمین، جرت مجرى الأسماء، وجاءتنا
عن طريق الشرع إجمالًا، كقوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ لَلُْسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:
١٨٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ
الرَّحْمَنَّ أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾
[الإسراء: ١١٠].
وورد بعضها تفصيلًا كقوله تعالى: ﴿هُوَّ
اللَّهُ الَّذِىِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ
اَلْمُهَيْسِكُ الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) هُوَ اللهُ
الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِحُ
لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وقد ورد في السنة أيضًا ذكرها إجمالًا،
كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه
البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعةً وتسعين
اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل
الجنة)(١).
وتفصيلا وردت في عدة روايات، وذکر
معظمها في القرآن الكريم نثرًا في مواضع
كثيرةً، وهذه الأسماء قد لوحظ فيها المعاني
العظيمة التي تدل عليها، وهي تعطي المعنى
الحقيقي الكامل للعقيدة الإلهية، ويتم بها
الوصف الشامل للإله الحق المطلق الخير
والقوة جميعًا، كما أراد أن يعلم عباده وأن
يعرفهم نفسه على ما هو عليه من كمال
وجلال وسمو وتفرد، وشدة واقتدار.
الله تعالی حاکمًا وشارعًا:
يقول الشيخ محمد المدني رحمه الله:
(القرآن الكريم فرغ من قضية التوحيد،
ومن محاجة المشركين، وفرغ من إقامة
الدلیل علی بطلان زعمهم في أن لله شرکاء
يعبدون، کما یعبد، ویرجون کما یرجی،
فرغ القرآن الكريم من هذه القضية، حين
كان ينزل في مكة ويقرع المشركين، أما
وقد صار المسلمون مجتمعًا جديدًا مؤمنًا
في المدينة، فإن القرآن الكريم لا يتناول أمر
(١) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، بابٌ: إن لله
مائة اسم إلا واحدًا، رقم ٧٣٩٢.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الألف
الوحدانية كقضية يناضل عنها على الوجه
الذي كان في البيئة المكية المشركة، ولكنه
يتحدث عنها على نحو آخر، نرى في سورة
النساء مظهرًا له (التوحید عملا بعد التوحید
علمًا)، فهو يتحدث عن وحدانية الله، كما
يجب أن يستقر في المجتمع عملًا بعد أن
قامت الأدلة عليه حجة ونظرًا، فبينما هو
يقول في إيجاز: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ والحلال ما أحله والحرام ما حرمه، ومن
﴾ [النساء: ٤٨].
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ
فلا يعدو أن يكون مذكرًا بقضية استقرت،
وقام الدليل من قبل على صحتها، نراه
يتحدث عن الله تعالی مشرعًا، يجب على
الناس أن يتلقوا أحکامهم عنه، وأن يؤمنوا
إيمانًا خالصًا بأنه هو وحده صاحب الحق
المطلق في ذلك، من جهة أنه هو الخالق،
ومن جهة أنه هو المتصف بالصفات التي لا
بد منها فیمن یشرع، ومن جهة أنه رقیب لا
يغيب))(١).
ويقول الشيخ محمد عبد الله دراز
رحمه الله: (( نتحدث عن المقصد الثالث
من مقاصد سورة البقرة، والخطوات التي
مهدت له في السورة الكريمة، ثم يقول:
الخطوة الأولى: تقرير وحدة الخالق
المعبود.
الخطوة الثانية: تقرير وحدة الآمر
المطاع، وهي ركن من عقيدة التوحيد في
الإسلام، فكما أن من أصل التوحيد ألا
تتخذ في عبادتك إلهًا من دون الرحمن
الذي بيده الخلق والرزق والضر والنفع،
كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغيره
حكمًا في سائر تصرفاتك، بل تعتقد أنه لا
حكم إلا له، وأن بيده وحده الأمر والنهي،
استحل حرامه أو حرم حلاله فقد كفر، و کما
أنه لا یلیق أن یکون هو الخالق ویعبد غیرہ،
والرازق ويشكر سواه، كذلك لا يليق أن
يكون هو الحاكم ويطاع غيره.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا
فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَِّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ولقد سلك في
تقرير هذه الوحدة التشريعية نحوًا من مسلكه
في تقرير الوحدة الإلهية)» (٢).
ويقول الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد
حفظه الله: ((أن قبول شريعة الله عز وجل
ليست أمرًا من أمور التكليفات الفرعية،
وإنما هي أمر ملزم واجب بمقتضى عقد
التوحيد، وشهادة التوحيد، فإذا قال العبد:
((لا إله إلا الله)) معناها: أنني لا أعبد ولا
(١) انظر: المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة (٢) انظر: كتاب النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز
ص ٢١٧ .
النساء، محمد المدني ص ٣٣.
مَسُور
القرآن الكريم
٣٢٠

الإيمان
أطیع إلا الله، وعلی أي وجه یطیع الله؟
لا یعبد الله إلا بما شرع، والله عز وجل ما
شرع إلا ما علمه وبعث به محمدًا صلى الله
عليه وسلم، ومن هنا جاءت شهادة التوحيد
مقترنة بشهادة محمد رسول الله، فيتلخص
من ذلك: أن العبد المؤمن يقول: أشهد أني
لا أطيع ولا أعبد أحدًا إلا الله على الوجه
الذي جاءنا به محمد صلی الله علیه وسلم؛
والمقرر في كتاب الله وفي سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولذلك إذا انفصل
المجتمع عن هذا فهذا الانفصال الهائل
الذي وقع في أرجاء العالم الإسلامي دل
على أن هناك انفصامًا هائلًا في عقيدة
التوحيد.
لابد أن نعي هذه القضية وأن نفهمها
جيدًا، هنا ارتباط كامل بتقرير شريعة الله
وقبول هذه الشريعة في واقع الحياة، ربما
يخطأ الإنسان، أو ربما يقع في معصية
فيستغفر ويعود، لكن أن يرفض شريعة الله
في واقعه، وأن تستبدل القوانين الوضعية
بشريعة الله سبحانه وتعالى أو توضع فوقها
أو تقدم عليها، فهذا أمر في غاية الخطورة،
وينبغي أن ينتبه إليه العلماء والدارسون
والباحثون، وعليهم المسئولية في أن يعلموا
أمتهم وشعوبهم ومؤسساتهم في كل أرجاء
العالم الإسلامي، هذا الارتباط الذي لا يقبل
الانفصام بين قبول شريعة الله عز وجل وبين
عقيدة التوحيد))(١).
ثانيًا: الإيمان بالملائكة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
تعالى: ((الملك في اللغة: حامل الألوكة
وهي الرسالة))(٢).
الملائكة في الاصطلاح: ((أجسام نورانية
لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال
مختلفة، ومسكنها السموات، وأبطل من
قال: أنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرة
التي فارقت أجسادها، وغير ذلك من
الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية
شيء منها)(٣).
والإيمان بالملائكة: هو اعتقادهم عبادًا
لله، ورفض معتقدات الجاهلية فيهم (٤).
والإيمان بالملائكة من أركان الإيمان ،
كما قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ
وَكَتُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ﴾
[البقرة: ٢٨٥].
ومن ينكر وجودهم فقد كفر، كما قال
تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاَللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ،
وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾
(١) محاضرات في التفسير الموضوعي،
عبدالستار فتح الله سعيد ٦٨.
(٢) النبوات ص ٢٥٧.
(٣) فتح الباري ٦/ ٣٠٦.
وانظر: التعريفات، الجرجاني ص٢٢٩
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٣٩١.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الألف
[النساء: ١٣٦].
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ فإنه
يعني: فقد ذهب عن قصد السبيل، وجار عن
محجة الطريق إلى المهالك ذهابًا وجورًا
بعیدا؛ لأن کفر من کفر بذلك خروج منه عن
دين الله الذي شرعه لعباده(١).
ويستفاد من الآية: أن الكفر بشيء من هذه
الأركان كالكفر بجميعها؛ لتلازمها، وامتناع
وجود الإيمان ببعضها دون بعض. وتقديم
الملائكة على الرسل؛ لأنهم الوسائط بين
الله وبین رسله.
وسوف نتناول الإيمان بالملائكة في
النقاط الآتية:
١. خلقهم.
أخبر سبحانه وتعالى أنه قال ربك
للملائكة: إني جاعل في الأرض قومًا
يخلف بعضهم بعضًا لعمارتها.
قال تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ
إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ وَثَحْنُ نُسَبْحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِسُ لَكِّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَا لَا
تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٠].
٢. المادة التي خلقوا منها.
وعن المادة التى خلقوا منها روى مسلم
بسنده عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول
الله صلی الله علیه وسلم: (خلقت الملائكة
من نورٍ)(٣).
٣. الصفات الخلقية.
١. قدرتهم على تمثلهم بالبشر.
أخبر سبحانه وتعالى أن أرسل إلى مريم
الملك جبريل، فتمثل لها في صورة إنسان
تام الخلق.
قال تعالى: ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ جَابًا
فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا
﴾ [مريم: ١٧].
١٧
أي: تمثل جبريل لها بشرًا مستوي الخلق،
لم يفقد من نعوت بني آدم شيئًا، قيل: ووجه
تمثل الملك لها بشراء أنها لا تطيق أن تنظر
إلى الملك وهو على صورته(٤).
وقد جاء الملائكة إبراهيم في صورة
بشر، قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ
إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمًا
قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ ﴾ [الذاريات ٢٤ - ٢٥].
قوله: ﴿قَوْمٌ مُكَرُونَ﴾، وذلك أن الملائكة
ويفهم من الآية: أن الملائكة خلقت قبل وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا
آدم عليه السلام(٢).
(١) جامع البيان، الطبري ٧ / ٥٩٦.
(٢) انظر: فتح الباري، ٦/ ٢٣٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب في أحاديث متفرقةٍ، رقم
٥٣١٤.
(٤) فتح القدير، ٣/ ٣٨٧.
٣٢٢
جَوَسُ رُ النَشكِ الموضوع
القرآن الكريم