النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الإهلاك عناصر الموضوع مفهوم الإهلاك ٢٠٠ الإهلاك في الاستعمال القرآني ٢٠١ الألفاظ ذات الصلة ٢٠٢ ذكر (كم) التكثيرية مع الإهلاك ٢٠٦ ٢٠٧ ذكر القرى مع الإهلاك وليس الأمم ٢٠٩ سنة الله عز وجل في الإهلاك ٢١٨ أسباب الإهلاك ٢٢٧ وسائل الإهلاك ٢٣٥ حكم الإهلاك ٢٤٧ نماذج من القرى المهلكة في القرآن المُجَلَد السّادِسْ حرف الألف مفهوم الإهلاك أولًا: المعنى اللغوي: الهاء واللام والكاف: يدل على كسرٍ وسقوط. منه الهلاك: السقوط، ولذلك يقال للميت هلك(١)، وهلك يهلك هلكًا وهلكًا وهلاكًا: مات. ورجلٌ هالكٌ. وهلك الشيء: يهلك هلاكًا وهلوكًا ومهلكاً ومهلكًا ومهلكاً وتهلكةً، والاسم الهلك، بالضم؛ وأهلكه غيره واستهلكه. وفي التنزيل: ﴿وَتِلْكَ اَلْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ [الكهف: ٥٩]. واستهلك المال: أنفقه وأنفده. وأهلك المال: باعه. والمهلكة والمهلكة: المفازة؛ لأنه يهلك فيها كثيرًا. والهلكون: الأرض الجدبة. والهلك والهلكات: السنون؛ لأنها مهلكةٌ. والهلاك: الجهد المهلك. والهلك: جيفة الشيء الهالك. والتهلكة: الهلاك. وفي التنزيل: ﴿وَلَا تُلْقُوّا بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. والمهتلك: الذي ليس له همِّ إلا أن يتضيفه الناس. والهلاك: الصعاليك، وقيل: الهلاك المنتجعون الذين قد ضلوا الطريق (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرفه البركتي فقال: ((الهلاك أعم من الفناء وهو خروج الشيء عن الانتفاع المقصود به سواء بقى. أو لم يبق أصلًا بأن يصير معدومًا بذاته أو بأجزائه وهو الفناء، ويطلق أيضًا على الموت)»(٣) وفي التوقيف: ((الهلك: تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى)) (٤) وعرف ابن عاشور الإهلاك بأنه: الاستئصال والأخذ والإبادة (٥). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ٦١. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٠٣/١٠، تاج العروس، المرتضي الزبيدي ٣٩٩/٢٧، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ٣١٤/٣، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٩٩١/٢. (٣) انظر: قواعد الفقه، البركتي ١/ ٥٥٢. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ٣٣٤/١. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٩،٢٣١/ ٢٠. صَوسُو ◌َ النَّفِي القرآن الكريم ٢٠٠ الإهلاك الإهلاك في الاستعمال القرآني وردت مادة (هلك) في القرآن الكريم (٦٥) مرة، يخص موضوع الإهلاك منها (٥٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّ وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ٤ ٣٧ [الحجر: ٤] الفعل المضارع ١٤ وَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِطَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ اسم الفاعل ٦ [الأنعام: ١٣١] ١٣٦ اسم المفعول ١ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ ﴾ [المؤمنون: ٤٨] وجاء الإهلاك في القرآن على ثلاثة أوجه(٢): الأول: الموت، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورً ﴾ [الإسراء: ٥٨]. أي: مميتوها. الثاني: الفساد، مثل قوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالَا لَبَدًا﴾ [البلد: ٦]. أفسدت مالًا کثیرًا. الثالث: العذاب، مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف: ٥٩]. أي: عذبناهم. (١) ١ انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٧٣٧، ٧٣٨. (٢) ٢ انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ٨٦، ٨٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٦٣٩، ٦٤٠، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٥٤، ٤٥٥. www. modoee.com ٢٠١ المثال الفعل الماضي ﴿أَلَوْ نُهْلِكِ اُلْأَوَّلِينَ ﴾ [المرسلات: ١٦] حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ العذاب: العذاب لغة: العين والذال والباء أصل صحيح، وأصل العذاب الضرب(١)، والعذاب: النكال والعقوبة. ومنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦](٢). العذاب اصطلاحًا: كل مؤلم للنفس إذا كان جزاء على سوء(٣). الصلة بين الإهلاك والعذاب: أن العذاب من المعاني المقاربة للإهلاك فكلاهما قد يستعمل في العقاب والنكال وكل ما شق على النفس(٤)، كما أن العذاب وسيلة من وسائل الإهلاك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾ [طه: ١٣٤]. فدل على أن له سبحانه الإهلاك في الدنيا والاستئصال بالعذاب(٥)، وقال تعالى: ﴿فَأَمَا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاعِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. يعني: صيحة العذاب (٦). و﴿الصَّمِقَةُ﴾ [الذاريات: ٤٤]. هي العذاب الذي فيه هلاك (٧). ويمكن القول بأن كل إهلاك فيه عذاب وليس في كل عذاب إهلاك. قال الكفوي: ((كل عذاب في القرآن فهو التعذيب إلا: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. فإن المراد: الضرب))(٨). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٥٩/٤. (٢) لسان العرب، ابن منظور، ٥٨٥/١. (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ٢٣٩/١، وانظر: الفروق اللغوية، العسكري، ٢٣٩/١. (٤) يراجع: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٥٨٩/٢. (٥) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ١٧٤. (٦) مختار الصحاح، الرازي، ١/ ١٨١. (٧) درج الدرر، الجرجاني ١/ ١٧٤. (٨) الكليات، للكفوي، ١/ ٥٩٧. ٢٠٢ مُؤَسُوعَة النفسية القرآن الكريم الإهلاك الموت: ٢ الموت لغة: الميم والواو والتاء أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء. والموت: ضد الحياة. يقال: مات يموت فهو ميتٌ وميتٌ. والميت: هو الذي فارق الحياة (١). الموت اصطلاحًا: مفارقة الروح للجسد(٢). الصلة بين الإهلاك والموت: أن الإهلاك والموت بينهما مقاربة فقد يستعمل أحدهما مكان الآخر في مواضع. فيقال هلك فلانٌ: بمعنى مات ومنه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] - ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِ﴾ [النمل: ٤٩]. وأهلك الله الظالمين: جعلهم يهلكون أو يموتون، أبادهم ولم يترك لهم أثرًا، ومنه: ﴿نَمُوتُ وَنَا وَمَا يُّهْلِكُنَا إِلََّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤](٣). كما نجد أن من أسماء الموت: الهلاك (٤). الاستئصال: ٣ الاستئصال لغة: القطع من الأصل. واستأصلته قلعته بأصوله، ومنه قيل: استأصل الله تعالى الكفار أي: أهلكهم جميعًا، واستأصل الله شأفته، أي: قطع أصله أو أذهب أثره (٥). الاستئصال اصطلاحًا: لا يختلف عن معناه اللغوي. الصلة بين الإهلاك والاستئصال: أن بينهما مقاربة؛ حيث إن الإهلاك والاستئصال قد يدلان على دلالة واحدة وهي الاقتلاع من الأصل. جاء في المصباح: ((استأصلته: قلعته بأصوله، ومنه قيل: استأصل الله (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٣/٥. الصحاح، الجوهري ٢٦٦/١ . (٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ٢٤٨/٣٩. (٣) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ٢٣٥٨/٣. (٤) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ٢٤٨/٣٩. (٥) المصباح المنير، الحموي ١/ ١٦. حاشية الشهاب على أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ٢٥٢. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الألف تعالى الكفار أي: أهلكهم جميعًا)) (١). كما يستعمل الاستئصال مع الإهلاك ليبين أن هذا الإهلاك إنما هو فناءٌ تام، فيقال: ((سأهلكه الإهلاك المستأصل))(٢). التدمير: ٤ التدمير لغة: من دمر. والدمار: استئصال الهلاك. قال تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦](٣). التدمير اصطلاحًا: الإهلاك. قال تعالى: ﴿أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١](٤). الصلة بين الإهلاك والتدمير: واضحة جلية وخاصة إذا قصد من الإهلاك الإبادة والاستئصال؛ لذلك استعمل القرآن الكريم المعنيين عند ذكر إهلاك الأمم الكافرة، قال تعالى: ﴿فَدَمَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦]. قال تعالى: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ [النمل: ٥١]﴿تُدَمِّرُ كُلّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]: أي: تهلك وتحطم (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [محمد: ١٠] أي: أهلك واستأصل(٦). القصم: ٥ القصم لغة: من قصم، القصم: دق الشيء. وقصمه یقصمه قصمًا: أهلكه (٧). وقال الزجاج في قوله تعالى ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةِ﴾ [الانبياء: ١١]: ومعنى قصمنا: أهلكنا وأذهبنا)) (٨) (١) المصباح المنير، الحموي ١/ ١٦ . (٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٥٣٦. (٣) كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، ٣٩/٨. (٤) شمس العلوم، نشوان بن سعيد الحميرى، ٢١٦٦/٤. (٥) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ٧٦٧/١. (٦) المصدر السابق، ١/ ٧٦٧. بتصرف. (٧) لسان العرب، ابن فارس، ٤٨٥/١٢. بتصرف. (٨) معاني القرآن وإعرابه الزجاج ٣/ ٣٨٦. ٢٠٤ القرآن الكريم الإهلاك القصم اصطلاحًا: كسر الشيء حتى يتبين (١). الصلة بين الاهلاك والقصم: أن القصم قد يكون صفة من صفات الإهلاك؛ لأن في الإهلاك كسرًا مع الإبانة، وفيه الدق الشديد وفيه الإذهاب، ورأينا أنه قد يستعمل القصم بمعنى الإهلاك. الأخذ: ٦ الأخذ لغة: الهمزة والخاء والذال أصل واحد (٢)، وهو: حوز الشيء. وفي الأصل بمعنى القهر والغلبة، واشتهر في الإهلاك والاستئصال(٣)، وجاء بمعنى العذاب في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ﴾ [هود: ١٠٢]. وقوله ﴿فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣](٤) وأخذه بذنبه: عاقبه، وفي التنزيل: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ﴿وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ [الحج: ٤٨](٥) وأخذ الله الظالم: أهلكه(٦). الأخذ اصطلاحًا: هو الإهلاك والاستئصال (٧). الصلة بين الإهلاك والأخذ: من خلال التأمل في المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظين نجد أنهما قد يتواردان على معنى واحد، مثل: الهلاك، والاستئصال، والعذاب، والعقوبة، والموت، والقتل. كما أن القرآن الكريم استعمل اللفظين للتعبير عن عقوبة القرى والأمم وإهلاكهما. (١) شمس العلوم ٨/ ٥٥٢٠. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٨/١. (٣) تاج العروس، المرتضي الزبيدي، ٩/ ٣٦٣ بتصرف. (٤) الفروق اللغوية، العسكري، ١/ ١٣٨. (٥) المحكم، بن سيده، ٢٣٢/٥ بتصرف، لسان العرب، ابن منظور، ٤٧٢/٣. (٦) إكمال الأعلام بتثليث الكلام، ابن مالك الاندلسي ١/ ٣٨ بتصرف، المصباح المنير، الشهاب الفيومي، ٦/١. (٧) تاج العروس، المرتضي الزبيدي ٩/ ٣٦٣ بتصرف. www. modoee.com ٢٠٥ حرف الألف ذكر (كم) التكثيرية مع الإهلاك مما يلفت انتباهنا ونحن نستقرئ آيات الكتاب المبين التي تحدثت عن الإهلاك أن هناك عشرة مواضع(١) اقترنت فيها (كم)) التكثيريه مع الإهلاك، وسنحاول في السطور الآتية استلهام الحكمة من وراء ذلك. أولًا: بيان أن (كم) في هذه الآيات أفادت التکثیر: قال تعالى: ﴿أَلَرْيَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس: ٣١]. قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، يفيد التكثير (٢). وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنِ فَنَادَواْ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص٣]. (كم) هي الخبرية الدالة على التكثير (٣). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦]. وكم هنا تفيد الاستفهام عن العدد، وهي (٤) بمعنی کثیر ٠ وقس على ذلك المواضع العشر تجد أن (١) يراجع: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ٧٣٧ . (٢) تفسير القرآن، السمعاني ٤/ ٣٧٥. (٣) فتح البيان، القنوجي ١٢/ ١١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣ / ٢٠٦ . (٤) تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي ١٩/ ٠١١٨٦٢ کم فيها أفادت التکثیر. ثانيًا: بيان الحكمة من هذا التكثير: أولًا: الاعتبار بكثرة الإهلاك وكثرة المهلکین. قال تعالى: ﴿أَلَيَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمِ مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٦]. والاعتبار هنا لأنهم: أمروا باستقراء الديار وتأمل الآثار، وفيها كثرة(٥) فقال یرُوا ﴾ أي: الم یعتبروا(٦). وقال تعالى: ﴿أَلَوْ يَرَوْاْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١]. والمعنى: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم، ألم يروا ذلك فیعتبروا (٧). وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كُمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَكِمْ﴾ [طه: ١٢٨]. أي: أفلم يبين لهم كثرة إهلاكنا القرون قبلهم فيعتبروا (٨). ثانيًا: الاعتبار بكثرة فنون العذاب والحوادث الخارقة في إهلاك الامم. قال تعالى: ﴿أَلْيَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٦]. (٥) غرائب التفسير وعجائب التأويل، أبو القاسم برهان الدين الكرماني ١/ ٣٥٣. (٦) تأويلات أهل السنة ٤/ ٢٢. (٧) انظر: تفسير ابن عرفة، ٣٤٥/٣، فتح البيان، القنوجي ١١/ ٢٨٨. (٨) التفسير الوسيط، للواحدي ٣/ ٢٢٦. موسوعة التفسير جوبيى القرآن الكريم ٢٠٦ الإهلاك ونلحظ من كلام المفسرين أن كم هنا- التكثيريه- تفيد كثرة وسائل الإهلاك. فهنا استفهام إنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين أهلكتهم حوادث خارقة للعادة تدل على أنها مسلطة عليهم من الله عقابًا لهم (١). قال تعالى: ﴿وَكَةُأَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنِهُمْ أَحْسَنُ أَثَشَاوَرِهْيًا﴾ [مريم: ٢٦]. أي: كثيرًا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش، من أمم عاتية كعاد،وثمود وأمثالهم، هم أحسن منهم أمتعة ومنظرًا(٢). ومن خلال ما سبق يتبين لنا: أن الحكمة من ذكر كم التكثيرية مع الإهلاك هو الاعتبار بكثرة الإهلاك وكثرة المهلكين سواء في عدد القرى المهلكة أو عدد أهل تلك القرى، وكذلك الاعتبار بكثرة وسائل الإهلاك المستخدمة في إهلاك الأمم كالصيحة والحجارة من السماء والصاعقة وغيرها. (١) انظر: التحرير والتنوير ٧ / ١٣٦ (٢) انظر: مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، محمد بن عمر نووي الجاوي ٢ / ١٧ ذكر القرى مع الإهلاك وليس الأمم لقد آثر القرآن الكريم ذكر (القرى) مع (الإهلاك) عن ذكر (الأمم)، وذلك في خمسة عشر موضعًا(٣). ولفظ (القرية) في القرآن له دلالة غير المستعملة في عرفنا المعاصر. وتذكر المعاجم أن (قرى) يدل على جمع واجتماع، من ذلك («القرية»، سميت قرية لا جتماع الناس فیھا (٤). وعليه فالقرى في القرآن يقصد بها: ((المنازل لجماعات من الناس ذوات البيوت المبنية، ويستعمل لفظ القرية مجازًا ليدل على سكانها)» (٥). ومن الحكم التي من أجلها ذكر القرى مع الإهلاك وليس الأمم: ١. أن العبرة مع ذكر القرى أظهر وذلك لبقاء آثارها وأطلالها وأخبارها أمام المارین. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَقِّ يَبْعَثَ فِيَّ أُمِّهَا رَسُولَا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَّأْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَىِّ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾[القصص: ٥٩]. (٣) يراجع: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ٧٣٧ . (٤) انظر: مقاييس اللغة ٥/ ٧٨. (٥) التحرير والتنوير ٢٠/ ١٥٢ انظر: المفردات، للراغب، ص ٦٦٩ بتصرف. www. modoee.com ٢٠٧ حرف الألف الإهلاك بالقرى للإشارة إلى شدة الإهلاك يقول ابن عاشور: ((والقرى : ... وخصت بالذكر؛ لأن العبرة بها أظهر لأنها إذا أهلكت بحيث يأتي على الأمة وأهلها وهو الإهلاك بقيت آثارها وأطلالها ولم ينقطع خبرها من الأجيال الآتية))(١). ويؤكد ذلك المعنى الأستاذ سيد قطب فيقول: ((وحين تجول العين والقلب في مصارع القرون، وحين تطالع العين آثارهم ومساكنهم عن كثب، عندئذ يدرك يد القدرة التي أخذت القرون الأولى وهي قادرة على أن تأخذ ما یلیها. وعندئذ یعي معنی الإنذار، والعبرة أمامه معروضة للأنظار))(٢). والقرآن الكريم يظهر هذا المعنى صراحة في کثیر من آیاته: فيقول الله تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِأَلَيْلُّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [الصافات: ١٣٧ -١٣٨]. أي: تمرون في ذهابکم ومجیئكم إلى الشام للتجارة على قراهم وآثارهم ومنازلهم المهلكة (٣). ٢. أن في ذكر القرى مع الإهلاك دون الأمم إشارة إلى شدة الإهلاك والمبالغة في الاستئصال. ففي التحرير والتنوير: ((وإنما علق (١) انظر: التحرير والتنوير ٢٠ / ١٥٢ (٢) انظر: في ظلال القرآن ٤ / ٢٣٥٦ (٣) المصدر السابق ١٩/ ١٠٤،١٠٣ بالحوادث التي لا تستقر معها الديار، بخلاف إهلاك الأمة فقد يكون بطاعون (٤) ونحوه فلا يترك أثرًا فى القرى ٠ وفي تفسير قوله تعالي: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَنَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧]. يقول ابن عاشور: ((وكنَى عن إهلاك الأقوام بإهلاك قراهم مبالغة في استئصالهم؛ لأنه إذا أهلكت القرية لم يبق أحد من أهلها)» (٥). ٣. أن في ذكر القرى مع الإهلاك وليس الأمم إشارة إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين. حيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساکن. ويدل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿ وَكَم أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَئِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَوْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ وَكُنَّا غَحْنُ الْوَرِثِنَ﴾ [القصص ٥٨]. وهو كناية عن حرمان تلك المساكن من الساكن. وتلك الكناية إشارة إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين، بحيث تجاوز (٤) انظر: التحرير والتنوير ٢٠/ ١٥٣، وانظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٤٢. (٥) المصدر السابق ٢٦ / ٥٤ بتصرف. ٢٠٨ مُوسُو ◌َرَ القرآن الكريمِ الإهلاك غضبه الساکنین إلی نفس المساكن، فعاقبها بالحرمان من الساكن؛ لأن بهجة المساكن سکانھا (١). وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال: ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن یصییکم ما أصابھم إلا أن تکونوا باکین)، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي))(٢). (١) انظر: التحرير والتنوير ٢٠ / ١٥١. (٢) أخرجه البخاري رقم ٤٠٩٢ كتاب المغازي، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر. سنة الله عز وجل في الإهلاك أولًا: الإهلاك بأمر الله: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأَيُذْ هِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: ١٣١ -١٣٣]. في الآيات بيان أن الإهلاك لا يكون الا بأمر الله تعالى وحده، فقد نسب إهلاك القرى إلى الرب فبين سبحانه بأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، كما أنه سبحانه علق مشيئة الإذهاب والإهلاك بأمره فقال: إن يشأ يذهبكم ثم يميتكم ويهلككم (٣). قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُتْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبِهَا فَفَسَقُواْ فِبِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦ ]. يقول ابن عاشور: ((فكان وإذا أردنا أن نهلك قرية شريطة الحصول الإهلاك، أي: ذلك بمشيئة الله ولا مكره له، كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. (٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبى ٤/ ١٩٢، الموسوعة القرآنية ٩ / ٤٦٥. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الألف وقوله: ﴿أَنْ لَّوْنَشَآءُ أَصَبْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمَّ﴾ [الأعراف: ١٠٠]. وقوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَلَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨]))(١). بإرادته وبأمره (٢). ويقول صاحب الظلال: « فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة هلكت، فإن إرادة الله وأمره قد جعلت للحياة البشرية نواميس وسننًا لا تتبدل)) (٣). وقال تعالى: ﴿قُلٌ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَأَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ, وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًاً﴾ [المائدة: ١٧]. أي: ولو کان المسيح إلهًا لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره (٤). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِقَنِىِّ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. فهو التسليم المطلق بأن الإهلاك بأمر الله (٥). (١) التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور ١٥/ ٥٤. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٢٣٢. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢١٧، ٢٢١٨ بتصرف. (٤) التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ١٧٠ بتصرف. (٥) انظر: في ظلال القرآن ٣/ ١٣٧٧. وقال تعالى: ﴿لَكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَ يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]. أي: ولكل أمة أجلٌ ينزل بالذين كفروا وهذا يعلمك أن من هلك فإنما هلك فيها العذاب بأمر الله وحده (٦). وقال تعالى: ﴿حَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّنُورُ﴾ [هود: ٤٠]. (٧) أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم ٠ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْمَعَهُ بِرَحْمَةِمِّنَا﴾ [هود: ٥٨]. أي: ولما جاء أمرنا بهلاك عاد (٨). و﴿أمرنا﴾: عذابنا الذي أمرنا به، أو الإذن بالعذاب والأمر به (٩). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ [هود: ٦٦] أي: فلما جاء أمرنا بإهلاكهم. والتقدير: يوم إذ جاء أمرنا (١٠). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨٢]. أي: جاء أمرنا إلي الملائكة بالعذاب والإهلاك (١١). (٦) تفسير الشعراوي ١٠/ ٥٩٧٨ بتصرف. (٧) التفسير البسيط ١١ / ٤١٤. (٨) التفسير البسيط ١١ / ٤٥١. (٩) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٤/ ٢١٢. انظر: تفسير الجلالين ص (١٠) ٢٩٤، التحرير والتنوير ١٢/ ١١٤. انظر: التفسير البسيط ١١/ (١١) ٥١٠. مَوَسُو ◌َ النَّقِين لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢١٠ الإهلاك وبالجملة: يتبين لنا أن الإهلاك بأمر الله حتى يبعث في أعظمها رسولًا ينذرهم(١) (٢) بالعذاب حجة عليهم . وحده من خلال: ذكر القرآن الكريم ذلك صراحة: باستخدام لفظ ﴿أَمْرُنَا﴾ في آيات الإهلاك والأخذ والعذاب، ومنها: قوله تعالي: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َّئْنَا شُعَيْبًا﴾ [هود: ٩٤]. وقوله تعالي: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْهُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. وقوله تعالي: ﴿وَمَا أَمْرُنَّ إِلَّ وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِاَلْبَصَرِ ﴾ [القمر: ٥٠]. وقوله تعالي: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]. كذلك إسناد أمر الإهلاك وفعله إلى الله وحده في آيات منها: قوله تعالي: ﴿أَمْلَكْنَا﴾ [الأنعام: ٦]. وقوله تعالي: ﴿أَمْلَكْتَهَا﴾ [الأعراف: ٤]. وقوله تعالي: ﴿لُلِكَنَّ﴾[إبراهيم: ١٣]. فالإهلاك کله بأمر الله وحده ومشيئته، والتعبير بنون العظمة بيان لعظمة الأخذ والآخذ. ثانيًا: لا إهلاك إلا بعد إقامة الحجة بإرسال الرسل: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَّ يَبْعَثَ فِ أُمِّهَا رَسُولَا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَدِنَا﴾ [القصص ٥٩]. أي: ما كان الله ليهلك القرى الكافرة والمعنى: ما صح وما استقام، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القری قبل الإنذار، بل كانت سنته عز وجل التي لا تتخلف ودستوره الذي لا يتغير ألا یھلکھا حتی یبعث في أصلها وحاضرتها التي ترتجع تلك القرى إليها رسولًا، وإنما أهلكهم بعد إلزامهم الحجة بإرسال الرسول كيلا يقولوا: ﴿لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَئِكَ﴾ [طه: ١٣٤]. وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء: ١٥]. (٣) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ اٌلْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]. أي: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى یبعث إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم (٤). فيبين سبحانه أن من سننه في إهلاك الأمم أنه لا إهلاك إلا بعد إقامة الحجة بإرسال الرسل (٥). قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ (١) التفسير البسيط ١٧/ ٤٣٠. (٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١ / ٥٩٠. (٣) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ ١٧٩٣، ١٧٩٤ بتصرف. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ١٢٤. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣ / ٣٤١ بتصرف. www. modoee.com ٢١١ حرف الألف مِن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَتِكَ﴾ [طه: ١٣٤]. أي: إنما أرسلناك قطعًا لعذرهم وإلزامًا (١) للحجة عليهم وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّالَمَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨-٢٠٩] أي: وما أهلكنا من قرية إلا ولها رسلا ینذرونهم بالعذاب أنه نازل بهم، (٢) وإنذارنا ذكرى وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ ضَرَ يْنَالَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّنَا تَخْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩]. قال الواحدي: ((وكلًا ضربنا له الأمثال أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص ٤٧]. فبين سبحانه أن حكمة إرسال الرسل هي قطع حجة البشر عن خالقهم(٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ١٨٠، الكشف والبيان ٧/ ٢٥٣. (٢) انظر: التفسير البسيط ١٧ / ١٣٦ . تفسير مقاتل بن سليمان ٣ / ٢٨١ الكشف والبيان ٧٪ ١٨١. (٣) التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ١٠٠. (٤) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٢/ ٢٨٠ بتصرف. فذکر سبحانه أنه لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله ولا يأخذهم (٥) قبل إقامة الحجة عليهم ثالثًا: الإهلاك له أجل مقدر: قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف: ٥٩]. ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ يعني ميقاتا وأجلا حين بلغوه جاءهم العذاب فأهلكناهم به، (٦) وجعلنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه(٧). وقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٤-٥]. أي: لها أجل مؤقت ومدة معروفة، لا نهلكهم حتى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك (٨)، وفيه بيان أن هلاك الأمم الكافرة وفق أجل معلوم له لا تتجاوزه، فإنما هي سنة الله تمضي في طريقها المعلوم (٩). (٥) فتح البيان ٧/ ٣٦٧. (٦) جامع البيان، الطبري ١٨ / ٥٣. (٧) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٧٣٠. وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٨. (٨) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٦٥، الكشف والبيان ٥/ ٣٣١، التحرير والتنوير ١٤ / ١٤. (٩) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥٪ ٦٦، في ظلال القرآن ٤ / ٢١٢٦ بتصرف. التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥ / ٥٢١ مَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِيِ الوضوء القرآن الكريم ٢١٢ الإهلاك قال تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوامِن ينفعهم ذلك (٤). فليس الوقت وقت فرار دُونِهِ، مَوَبِلًا ﴾ [الكهف: ٥٨]. أي: لكل أمة تهلك موعدًا وآجلاً (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ السُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. أي: موعد عقابهم الصبح. قال عامة المفسرين: لما قالوا للوط: إن موعدهم الصبح، قال: أريد أعجل من ذلك، بل لساعة يا جبريل، فقال له: أليس الصبح بقريب (٢). قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْعُطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ﴾[الحجر: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ [هود: ٦٥]. يعني: تمتعوا ثلاثة أيام ثم يأتيكم العذاب(٣). رابعًا: لا يقبل الإيمان حين وقوع الإهلاك: قال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن ◌َبْلِهِم مِّن قَّرْنِ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣]. أي: نادوا ربهم بالاستغاثة حين لم ٥/ ٥٢٢، تفسير الشعراوي ١٢ / ٧٦٤٥. (١) تأويلات أهل السنة ٧ / ١٨٩. (٢) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٤/ ٢٣٠، ٢٣١ بتصرف. (٣) انظر: التفسير البسيط ١١/ ٥٠٩، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ٢٣٠. من العقاب، ولا وقت هرب ونجاة من العذاب (٥) . قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَدْرَكَةُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ءَالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾[ يونس: ٩٠ -٩١]. معناه: الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها أو: الآن آمنت (٦). والاستفهام للتوبيخ علی تأخره وإيمانه حیث لا ينفع (٧). قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّاً سُنَّتَ اللَّهِ اَلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِهُ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤-٨٥]. فأخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛(٨) وأن سنت الله التي قد خلت في عباده، ألا يقبل الإيمان عند رؤية بأس الله ومعاينة عذابه(٩). (٤) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣ / ٥١٨. (٥) انظر: تفسير ابن جزي ٢/ ٢٠١، النكت والعيون، الماوردي ٥/ ٧٧. (٦) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٨/ ٤٧٥. (٧) انظر: التفسير البسيط ١١/ ٣٠٣. (٨) انظر: نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، أبو العباس البسيلي التونسي ٢/ ٢٢٥. (٩) انظر: تأويلات أهل السنة ٦ / ٥١، ٨/ ٥٩٠. www. modoee.com ٢١٣ حرف الألف وقال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوْإِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴾ [الكهف: ٥٥ ]. أي: إنهم لا يؤمنون إلا عند معاينتهم بأس الله، والإيمان في ذلك الوقت لا يقبل ولا ينفعهم(١). وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُهُ. بَيَنَّا أَوْ نَهَارًاً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِّهِ مَثَنَ وَقَدْ كُم بِهِء تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [يونس: ٥٠ - ٥١]. يخبر عنهم أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون، ولا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت(٢). وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَاظَلِينَ﴾ [الأعراف: ٥]أي: إنهم يحسون بظلمهم بعد أن فات وقت الإيمان (٣). مسألة مهمة تابعة لهذا المطلب: وهي هل استثنى الله تعالى قوم سيدنا يونس عليه السلام من هذه السنه الكونية فقبل الإيمان منهم حين وقوع الإهلاك؟ وذلك في قوله تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ (١) المصدر السابق ٩ / ٥٧، تفسير يحيى بن سلام ٢/ ٧٧٢ بتصرف، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٢٨٧. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة ٧/ ١١٣. (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ٦٩٥. حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَمَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ فِ اٌلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يونس: ٩٦- ٩٨]. للمفسریین فیها ثلاثة أقوال: الأول: أن الله عرف الصدق منهم فرفع العذاب عنهم ولم يقبله من غيرهم، أي: أنهم استثناء من سنة الله (٤) . الثاني: أنهم آمنوا قبل وقوع العذاب وأن سنة الله لم تتعطل (٥). الثالث: توقفوا فقالوا: إنه لا يدرى هل آمنوا قبل معاينة العذاب أم بعده، ثم وجهوا كلا الرأيين (٦). وأكتفي هنا باختصار قول الإمام ابن تيمية في هذه المسألة، وهو ما أراه الصواب - والله أعلم- حیث قال: « إنهم رأوا دليل (٤) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٥/ ٢٧٨٦ بتصرف. (٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٢٥٠، جامع البيان، الطبري ١٥/ ٢٠٥، تفسير ابن أبي حاتم ٦ / ١٩٨٨، تفسير السمر قندي ٢/ ١٣٣، الكشف والبيان ٥/ ١٥١، درج الدرر في تفسير الآي والسور ٣/ ٩٥٨. (٦) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٤٥١، تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/ ٨٦، التفسير البسيط ١١/ ٣٢٢، الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣٧١، مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٣٠٣. ٢١٤ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الإهلاك العذاب؛ لأن التوبة بعد معاینته لا تقبل، ولا فرق في ذلك بين أمةٍ وأمة، بل هذا حكم عام. وهم ليسوا مخصوصين بقبول التوبة، بل کل من تاب کما تابوا قبل الله توبته. وهو فَلَمَّارَأَوْا الصواب؛ لأن الله سبحانه قال: بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّاً سُنَّتَ اللَّهِ اَلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. فأخبر سبحانه أن هذه سنته، وسنته لن تجد لها تبدیلا ولن تجد لها تحویلاً)»(١). خامسًا: عدم رجوع المهلكين للدنيا للاستدراك: قال تعالى: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَمْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]. أي: حرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى الدنيا (٢)، أو: فحرام عليهم الرجوع الى الدنيا للتوبة. وهو من التحريم بمعنى المنع كونًا وقدرًا(٣) والمعنى: وممتنع على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا بعد (١) انظر: التفسير البسيط للواحدي ١١/ ٣١٩، حاشيه الشهاب على أنوار التنزيل، البيضاوي ٧/ ٢٨٦، جامع البيان في تفسير القرآن، الإيجي ٢/ ١٥٧. (٢) للتوسع: انظر: جامع المسائل، ابن تيمية، المجموعة الثامنة ص ٣٦٣. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٣٤٠ بتصرف، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٦٠. (٤) إهلاكهم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣٢]. أي: لا يعودون إلى الدنيا أبدًا (٥)، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم من قولهم: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]. وهم القائلون بالدور من الدهرية وغيرهم (٦). وقال تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلََّ صَيْحَةً وَجِدَةٌ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةٌ وَلَآَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٤٩ -٥٠]. يعني: يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا إذا ماتوا (٧). وقال تعالى: ﴿حَقَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْنُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآنِهِمْ بَّزَخُ إِلَى يَوْمِ يُتْعَثُونَ ﴾[المؤمنون: ٩٩-١٠٠]. ومعلوم أن هذا في كل كافر ومشرك ينادي عند موته وهلاكه، ويسأل ربه الرجوع والعود إلى الدنيا ليؤمن (٨)، إلا أن البرزخ (٤) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣ / ٣٠٦. (٥) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٦/ ١١٥٥، جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٢٥. (٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ٥٧٨، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ٢٨٥. (٧) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٨/ ٣٦٢. (٨) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٩٠، www. modoee.com ٢١٥ حرف الألف حاجز بين الميت ورجوعه للدنيا (١). سادسًا: لا يهلك الله القرى وأهلها مصلحون: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهْلِكَ اٌلْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] وهذه السنة الكونية في الإهلاك تتأتى على أوجه عند المفسرين: الأول: ما كان ربك ليهلكهم بذنب وأهلها موحدون(٢)، مؤمنون (٣). الثاني: وما كان ربك ليهلك القرى بظلمهم السابق، إذا رجعوا وأصلحوا، فإن الله يعفو عنهم (٤). الثالث: أي: أنه لا يهلكها بظلمٍ قليلٍ من أهلها، إذا كان الجمهور الأكبر منهم مصلحين (٥) . الرابع: أنه لا يهلكهم بمجرد الشرك إذا تعاطوا الإنصاف فيما بينهم، ولم يظلم بعضهم بعضًا.(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥/ ٣٩. (١) انظر: تأويلات أهل السنة ٨/ ٥٩٨. وانظر: تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤١٥. (٢) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٦٧. (٣) انظر: درج الدرر ٣/ ٩٨٧. (٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢ / ٤٠٨، تفسير الجلالين ص ٣٠٢. (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٩٢. (٦) انظر: درج الدرر ٣/ ٩٨٧، تفسير المنار ١٢/ فلا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين (٧)، وهذا الوجه لمن فسر ﴿يَظُلْمٍ﴾ في الآية بأنه الشرك (٨). ولهذا يقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم (٩). الخامس: أي: لو كانوا مصلحين لما نزل بهم العذاب، لكنهم لم يصلحوا فنزل بهم العذاب. (١٠)، أي: يهلكها بذنوب أهلها وفجورهم وطغيانهم (١١)، والمعنى: أنه ما كان ربك ليهلك القرى ظالمًا لها، وأهلها مصلحون يعدلون فيما بينهم، ولا یشرکون بالله ولا يكون منهم ظلم (١٢) وهم (١٣) ، مصلحون في أعمالهم، غير مسيئين ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيهم، وتكذيبهم رسلهم، وركوبهم السيئات (١٤) . ١٥٩. (٧) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٤٦٧. (٨) انظر: زاد المسير ٢/ ٤٠٨. (٩) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٧/ ٣٧٧٣. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي (١٠) ١٨/ ٤١٠ بتصرف. انظر: العذب النمير من (١١) مجالس الشنقيطي في التفسير ٤ / ٥٨٧ (١٢) انظر: أوضح التفاسير ١/ ٢٧٨. انظر: زهرة التفاسير، محمد (١٣) أبو زهرة ٧/ ٣٧٧٣. انظر: تفسير القرآن، السمعاني (١٤) ٢/ ٤٦٧. مُوسُو ◌َرَ النَّبِالوضوي جوبين القرآن الكريم ٢١٦ الإهلاك ومن خلال ماسبق من عرض الأوجه مفاجئًا (٣). الخمسه یمکننا أن نجمع بينھا فنقول: ما كان من شأنه ولا من سنته سبحانه، وما صح ولا استقام عقلًا أن يهلك الله أهل هذه القرى بظلم وهم مصلحون، يتعاطون الحق فيما بينهم ويؤمنون بخالقهم، وفيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهم مقيمون على الطاعة مستمسكون بها مصلحون في أعمالهم وسياستهم (١)، ثم إن شرط أن توصف الأمم بأنهم مصلحون هو القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدل عليه أن الآية التي سبقت هذه الآيه الكريمة التي نحن بصددها هي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاً كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إِلََّ قَلِلاً مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] أي: قد کان منهم أولو بقیة، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعًا إلا قليلًا ممن أنجینا منهم، وهؤلاء القلیل قد نهوا عن الفساد في الأرض، فنجوا (٢). سابعًا: الإهلاك يقع فجأة: قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيْتًا أَوْ هُمْ قَآيِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]. ﴿بَيَنًا﴾: أي: وقت بيات، أو إيقاعا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٣٠. (٢) انظر: تفسير المنار ٢/ ٢٠٩،١١/ ٢٢٢. وخص هذان الوقتان؛ لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع (٤). والمعنى: وكثير من القرى أراد الله إهلاك أهلها، فجاءهم عذابه ليلا وهم نائمون، أو نهارًا وهم مستريحون وقت القيلولة غافلون عن مجي العذاب (٥). قال تعالى: ﴿أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بِأَسُنَا بَيْتًا وَهُمْ نَآَيِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَّى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. أي: أجهلوا سنة الله في خلقه فأمنوا استدراجه إياهم وأخذه لهم فجأةً من حيث لا يحتسبون؟ (٦). وكما قال تعالى في بني النضير ﴿فَأَنَئُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ [الحشر: ٢]. وقال تعالى: ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا [الكهف: ٥٥]. قال مجاهد: (قبلًا): فجأة (٧). (٣) انظر: تأويلات أهل السنة ٦/ ١٩٦، التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٤ / ٢٦٦. (٤) معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن ١/ ٢٢٩. (٥) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٥٥٥ . (٦) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/ ١٣٧٧، مفاتيح الغيب، الرازي ١٤ / ١٩٩. (٧) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/ ١٤٧٨. www. modoee.com ٢١٧ حرف الألف أسباب الإهلاك أولًا: الكفر وتكذيب الرسل: أولًا: ما أخبر به تعالی من أن الکفر سببٌ من أسباب الإهلاك. ١. ما جاء في القرآن مجملًا لبيان أن علة الإهلاك هي الكفر. قال تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ اُلْرِّيج فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٩]. فجعل الله تعالى علة الإهلاك بالغرق هنا هي الكفر، فقال تعالى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾(١)، أي بسبب كفركم (٢). وقال تعالى: ﴿أَقَمَ يَسِيُ واْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيِّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِذَّ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِنَ أَمْثَلُهَا ﴾ [محمد: ١٠]. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَفِرِنَ أَمْثَلُهَا ﴾ أي: مثل ما دمرت به القرون الأولى بسبب کفرهم (٣). ٢. ما جاء تعقيبًا على إهلاك عاد. قال تعالى: ﴿وَأَتَبِعُواْفِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا إِنَّ عَادَا كَفَرُواْ رَبَّهُمّ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ [هود: ٦٠]. فهذا تنبيه للكفار أن عادًا كفروا ربهم، فأهلكهم الله، فاحذروا كيلا يصيبكم (١) تفسیر مجاهد ص ٤٤٨. (٢) التفسير البسيط ١٣/ ٤٠١، الوجيز للواحدي ص ٦٤١. (٣) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥/ ٧٨٣. بکفر کم ما أصابهم بكفرهم (٤). ٣. ما جاء تعقيبًا على إهلاك ثمود. قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْتَوْ فِيهَاْ أَلَا إِنَّ ثَمُودَا ڪَفَرُوا رَبَّهُمُّ أَلَ بُعْدُ الْشَمُودَ﴾ [هود: ٦٨]. أي: هلاكًا لثمود بسبب كفرهم بربهم (٥). ٤. ما جاء تعقيبًا على إهلاك سبأ. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَرِىٌ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧]. أي: عاقبناهم بكفرهم (٦). قال الحسن: ((مثلًا بمثلٍ))(٧). ثانيًا: ما أخبر به تعالى من أن تكذيب الرسل سببٌ من أسباب الإهلاك. ١. ما جاء في القرآن مجملًا لبيان أن علة الإهلاك هي تکذیب الرسل. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَكَ الْأَحْزَابُ إِن كُلُّ إِلََّ كَذَّبَ اُلُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ﴾ [ص١٢ - ١٥]. فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل (٨). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ (٤) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٦٣. (٥) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ١٥٧. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٣٨١، تأويلات أهل السنة ٦ / ١٥٢. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦ / ٥٠٨. (٨) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤ / ٢٨٨ بتصرف. وانظر جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٥٨. مَوَسُو ◌َرَ النَفسِيقِ الوضوء القُرآن الكَرِيْمِ ٢١٨