النص المفهرس
صفحات 41-50
الأوثان ولا يمنع من مرعى، وأي إبل ضرب فيها لم ... بمثل هذه الأمور، لكن الذين كفروا یمنع))(١). وقالوا: بل الحام الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر فقد حمي ظهره، فلا یر کب ولا يجز وبره، ويخلی في إبله يضرب فيها، لا ينتفع به بغير ذلك(٢)، وقيل: كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه (٣). والملاحظ أن الاختلاف بين هذه الأقوال اختلاف لفظي ظاهري، حيث يمكن الجمع بينهما، فالحامي هو الفحل من الإبل، الذي یمتد به عمره فیلقح ولد ولده، ولا یکون ذلك إلا إذا نتج له عشر إناث أو ما قارب ذلك، ولعل هذا الاختلاف راجع - كما ذكر من قبل - إلى تباين قبائل العرب في ذلك. ويؤيد هذا ما ذكره الآلوسي بقوله -بعد أن حكى قريبًا من هذه الأقوال -: ((وجمع بين الأقوال المتقدمة في كل من تلك الأنواع بأن العرب كانت تختلف أفعالهم فيها)» (٤). وبالتالي روى كل راوٍ حسبما نمى إلى علمه من أمورهم، والله تبارك وتعالى أبطل كل هذه الشركيات الجاهلية في الإسلام بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ ﴾ أي: ما شرع ولا حكم (١) معاني القرآن، الفراء ٣٢٢/١. (٢) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٢٠٦/٦ بتصرف. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٦/٦. (٤) روح المعاني، الألوسي ٤ /٤٢. يختلفون ويفترون الكذب على الله تعالى ((حيث يفعلون ما يفعلون، ويقولون: الله أمرنا بهذا، ويكذبون على الله بادعائهم أن هذه الأشياء من فعل الله وأمره)) (٥)، والله تعالى أعلى وأعلم. خامسًا: اختصاص العرب الأصنام ببعض الحرث والزراعة: من أباطيل المشركين وجهلهم في تعبدهم للأصنام أنهم كانوا يخصونها ببعض الحرث والزرع، ولقد ذكر الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَاً مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَايِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآيِهِمُ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. الذرء - كما يقول الراغب- إظهار الله تعالى ما أبداه، يقال: ذرأ الله الخلق، أي: أوجد أشخاصهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأَنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنَّ وَالْإِنسِّ﴾ [الأعراف: ١٧٩](٦). والأنعام (لفظ يطلق على الإبل والبقر (٥) المصدر نفسه ٤٢/٤، وانظر تفسير الطبرسي ٣٣١/٣ (٦) المفردات ص ١٨٣ (( ذرأ)). www. modoee.com ٢٩٣ حرف الألف والغنم» خاصة من بين الماشية، وهي ((جمع نعم، مأخوذة من نعمة الوطء)) (١) فهي موطأة للإنسان ليركبها، ويستخدمها في سائر أموره الحياتية. وسورة الأنعام من السور التي ذكرت كثيرًا من جهالات العرب في الجاهلية، مما يدل على سفاهة أحلامهم وتفاهة عقولهم، والآية التي معنا تمضي قدمًا في هذا الإطار، لكن فعلهم هنا بلغ حد الإجحاف، وجاوز حد الاعتداء على ما جعلوه لله تعالى، مع أنهم كانوا على العكس من ذلك تمامًا بالنسبة لما كان لأصنامهم، هذا ولقد تباينت أقوال المفسرين في توضيح صورة هذا الإجحاف على أقوال تلخيصها فيما يلي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزمًا، جعلوا منها سهمًا لله، وسهمًا لآلهتهم، وكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم، وإن هبت من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم أقروه ولم يردوه)»(٢). ذكر الطبري عن ابن عباس أيضًا أنه قال: ((جعلوا لله من سقي الماء نصيبًا، وللشيطان والأوثان نصيبًا، فإن انفجر (١) المفردات ص ٥٠١. (٢) روى هذا الأثر الإمام الطبري في تفسيره ٣٥٠/٥. شيء من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه))(٣). ذكر أبو حيان عن بعض العلماء: أن المشركين كانوا إذا ذبحوا لله ذكروا آلهتهم على ذلك الذبح، وإذا ذبحوا لآلهتهم لم یذکروا الله، وهذا هو معنی الآية عندهم(٤). والناظر في هذه الآراء جميعها لا يكاد يجد بينها فرقًا جوهريًا، بل هو مجرد خلاف لفظي أو هو -كما يعبر عنه- اختلاف عبارة وتنوع لا اختلاف تضاد؛ وذلك لأنها تلتقي على مائدة واحدة، وتصور لنا مدى قسمة أهل الجاهلية الضيزى، وتبين مدى الجور علی حقوق الله تعالی في أي نوع خصوه به من ((حرث أو سقي أو أنعام))، ولعل اختلاف النقل عن العرب راجع إلى اختلاف طرائق قبائل العرب أنفسهم في هذه الأمور، فبعض القبائل تجعل النصيبين من الحرث، وبعضهم من الأنعام، والبعض الآخر من سقى الماء .. وهكذا، لذا فقد اختلف النقل، والأمر في ذلك کله یسیر. هذا ولقد رجح الإمام الطبري القول الأول للإمام ابن عباس على غيره، أخذًا (٣) المصدر نفسه ٥/ ٣٥٠ بتصرف. (٤) البحر المحيط ٤ /٢٢٨. ٢٩٤ جَوَسُولَةُ البقية القرآن الكريم الأوثان بظاهر الآية، فالله جل ثناؤه أخبر أنهم جعلوا له من حرثهم وأنعامهم قسمًا مقدورًا، فقالوا: هذا لله، وجعلوا مثله لشركائهم - وهم الأوثان بالإجماع- وقالوا: هذا لشركائنا، وأن نصيب شركائهم لا يصل منه لله شيء، وما كان لله وصل إلى نصيب شرکائهم(١)، وعلی کلٍ فالآية توضح مدى تعظیم وتقدیس العرب لأصنامهم، ومدی مبالغتهم في ذلك حتى وإن جاروا علی حق الله تعالى. ويبين بعض الباحثين سبب هذه التفرقة، وسبب هذا الظلم فيقول: ((ولعل ذلك بسبب أن ما خصصوه للأصنام كان يجد له معقبًا وسائلًا، يراجع أصحاب الحرث والأنعام لاستحصال حق الأصنام منهم، وهو حق مفروض، فكان السدنة يحصلون حق الأصنام، بينما كان ما يخصصونه لله نذرًا لا يعرف به غير الناذر، فكان يتلاعب به، ويعطيه أو يعطي جزءًا منه إلى جامعي حق الأصنام، على اعتبار أنها شريكة لله، وبهذا يتهرب من أداء النذر كاملًا بهذه الحيلة، أو لاعتقادهم بأن الله بعيد عنهم، وهو غفور رحيم، أما الأصنام فقريبة منهم وهي منتقمة أشد الانتقام)» (٢). (١) يراجع في تفصيل الترجيح وبقية الاستدلال علیه: جامع البيان، الطبري ٣٥١/٥. (٢) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٦/ ١٩٤ بتصرف. أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يحتال العرب لا غتيال حق الله تعالى أو الجور علیه، ثم هم یوفون أصنامهم حق الوفاء، بل وأكثر منه، فهم بحق ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، وساء حكمهم هذا «لإیثارهم مخلوقًا عاجزًا عن كل شيء، على خالق قادر على كل شيء)) (٣) ألا ما أجهل المشركين! وما أحلم الله عنهم! سادسًا: الطواف حولها: لم يرد هذا المظهر صراحة في القرآن الكريم، إنما وردت الإشارة إليه بطريق المفهوم، حيث ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ما يفيد أن العرب كانوا يطوفون حول أصنامهم التي کانوا یعبدونها من دون الله تعالی . فعن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: سألت عائشة: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَّوَّفَ بِهِمَأْ﴾ [البقرة: ١٥٨]. فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنهذه لو کانت کما أولتها علیه كانت (٣) روح المعاني، الألوسي ٢٧٦/٤ بتصرف. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الألف ((فلا جناح علیه ألا يطوف بهما)، ولکنها فلما كان الإسلام قال ناس: «یا رسول الله، أنزلت فى الأنصار كانوا قبل أن يسلموا إن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بين الصفا والمروة للوثنين الذين كان عليهما، وليسا من شعائر الله)) فنزلت هذه الآية)) (٢). یهلون لمناة الطاغية، التى كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن شَعَآَيِ اللَّهِ﴾ الآية، قالت عائشة: (وقد سن رسول الله صلی الله علیه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما) (١) الحديث. يعلق الإمام ابن بطال على الآية والحديث فيقول: «نزلت في الفریقین کلیهما، في الذین كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن یطوفوا بهما فى الإسلام من أجل أن الله أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت ... ثم يذكر عن بعضهم قوله: كان على الصفا وثن، يقال له: ((يساف)»، وعلى المروة وثن يقال له: ((نائلة))، فكان المشركون يطوفون بينهما، فمن خلال ماسبق يتضح أن المشركين كانوا يتعبدون الأوثانهم بالطواف حولها، وهذا مظهر من مظاهر التعبد والتقدیس لها، فلما جاء الإسلام و دخل فیه من کان یطوف حول الصفا والمروة حالة كون الأصنام عليهما وهو في الجاهلية، تحرج وهو في الإسلام أن يطوف بينهما استصحابًا للحالة الماضية، فلما تحرجوا أنزل الله الآية لرفع هذا الحرج، وبيان أنه كان من أمر الجاهلية الذي رفعه الله بالإسلام، والله أعلم. (١) أخرجه البخاري، واللفظ له، في صحيحه، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله، رقم ٦٤٣، ١٥٧/٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن، رقم ٩٢٨/٢،١٢٧٧. (٢) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٣٢٣/٤ بتصرف. مُوسُو ◌َة النفسية القرآن الكريم ٢٩٦ الأوثان عاقبة الأوثان وعابديها مما لاشك فيه أن العاقبة للمتقين، والنهاية الوخيمة للظلم والظالمين، ولا ظلم أعظم من ظلم الإنسان لنفسه في إشراكه بربه، وعبادته الأوثان من دونه تعالى، وسیجلي البحث هنا عاقبة الأوثان وعابدیها في الدنيا والآخرة: أولًا: عاقبة الأوثان وعابديها في الدنيا: يعد من نافلة القول إن الإسلام دين الخير والرحمة لجميع البشرية في كل زمان ومكان، حتى وإن لم يكونوا معتنقين له، فالله تعالى وصف حبيبه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَاكَ إِلَّرَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فعموم رحمته للعالمين واضح بنص الآية الكريمة، ومن هذا المنطلق فإن عباد الأوثان من هذا القبيل، ينبغي أن يبين لهم سماحة هذا الدين، وفساد ما هم عليه من وثنية وشرك، وأن أوثانهم هذه لن تنفعهم مثقال ذرة من خير في الدنيا والآخرة، ولا أدل على ذلك من حالهم حين يمسهم السوء في البر أو البحر، فإن عقولهم تذهل عن كل معبود سوی الله تعالى، يرفعون إليه وحده أكف الضراعة لينجيهم مما هم فيه، وتلهث الألسنة حينئذ بأحر عبارات الدعاء والثناء والالتجاء إليه وحده دون سواه، والآيات في هذا الصدد كثيرة ووفيرة، یکتفی منها بواحدة توضح المقصود وتبينه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ اُلُّهُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَجَّنْكُمْ إِلَى الْبَّرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا ( أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْوَكِيلًا (١٥) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةٌ عَلَيْنَا بِهِ، عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الْرّيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرُمْ ثُمَ لَا تَجِدُ وْلَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٧-٦٩] وفي هذه الآيات يقول تعالى ذكره: وإذا نالتكم الشدة والجهد في البحر فقدتم من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة، ولم تجدوا غير الله مغيئًا يغيئكم إذا دعوتموه، فلما دعوتموه وأغائکم، وأجاب دعاءكم ونجاكم من هول ما كنتم فيه في البحر، أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد والأوثان، والبراءة من الآلهة، وإفراده بالألوهية؛ کفرًا منكم بنعمته، وكان الإنسان كفورًا ذا جحد لنعم ربه، ثم يقول تعالى ذكره: أفأمنتم أيها الناس من ربكم، وقد کفرتم نعمته بتنجیته إیاکم من هول ما كنتم فيه في البحر، أن يخسف بكم ناحية البر، أو يرسل عليكم حاصبًا، ثم يقول: أو يمطركم بحجارة حارة من السماء تقتلكم، كما فعل بقوم لوط، ثم لا تجدوا لكم وكيلًا، ثم يقول: ثم لا تجدوا لكم ما يقوم بالمدافعة www. modoee.com ٢٩٧ حرف الألف عنكم من عذابه وما يمنعكم منه، أم أمنتم دعوتهم إلى الحق، وانتشالهم من الجهالة والضلالة، وإزلتها ومحاربتها ... والآن يطوف بنا في جولة أخرى لبيان عاقبتهم في الآخرة ... أيها القوم من ربكم، وقد کفرتم به بعد إنعامه عليكم، النعمة التي قد علمتم أن يعيدكم في البحر تارة أخرى، فيرسل عليكم قاصفًا من الريح، وهي التي تقصف ما مرت به فتحطمه وتدقه، فيغرقكم الله بهذه الريح القاصف بما کفرتم، ثم لا تجدوا لکم علینا به تبیعًا، ثم لا تجدوا لكم علينا تابعًا يتبعنا بما فعلنا بکم، ولا ثائرًا یثأرنا بإهلاکنا إیاکم(١). والآيات الكريمة تحكي حال الإنسان عامة مع ربه تعالى، لا حال الوثنیین وحدهم، نسأل الله العفو والعافية. هذا وينبغي أيضًا في التعامل مع الأوثان أن تزال وتكسر، وتستأصل شأفتها، كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم بها يوم الفتح، وكما فعل من قبله أبوه إبراهيم الخليل عليه السلام، والأدلة على ذلك شهيرة ووفيرة. ومن ثم ينبغي أن يفيء الوثنيون إلى رشدهم قبل أن یباغتهم الموت، ويموتوا -عياذًا بالله- على شركهم فيخلدوا في النار، فضلا عما يقع بينهم وبين آلهتهم من تبرؤ وشقاق. ثانيًا: عاقبة الأوثان وعابديها في الآخرة: طوف بنا البحث فيما سبق مع الأوثان والوثنيين وعاقبتهم في الدنيا، من وجوب (١) جامع البيان، الطبري ١٧ /٤٩٨ بتصرف. ١. تبرؤ الآلهة المزعومة من عابدیھا. أورد القرآن أن ما عبد من دون الله تعالی سیتنصل من عابدیه يوم القيامة، بل إن المشركين أنفسهم لما يرون العذاب يعلنون البراءة من هذه الأصنام .. ولكن هيهات هیهات، فات وقت الندم والتبرؤ، وانصرم وقت التوبة والتحسر، ولم يبق إلا الحساب والعذاب، وجاء هذا البيان في غير آية من القرآن، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: ١٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَا ؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٣٠) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُّهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَِنَا مَا كُنَاً مُشْرِكِينَ ﴿ أَنْتُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ -٢٤]. وقوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا جَاءَتُهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَقَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَخْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ ٢٩٨ القرآن الكريمِ الأوثان نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَيَلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَآؤُهُم مَّا كُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨]. إلى غير هذه الآيات التي فاض بها يعلم حقيقة الأمر، ولعل كذبهم ينجيهم من القرآن الكريم، ولما كان المقام لا يتسع لتناول هذه الآيات بالدراسة والشرح يكتفي البحث بالنظرة الإجمالية العامة على الآيات المباركات: يجهد المشركون أنفسهم في التقرب والتزلف إلى آلهتهم في الدنيا، فيعترون العتائر ويقدمون القرابين، بل ويخصصون جزءًا من الحرث والأنعام لهذه الآلهة .. عساهم أن يحظوا بالرضا والقبول لديها، لكنهم يصدمون يوم القيامة حين يجابهون منها بما يكرهون، ويواجهون بما لم يتوقعوا .. وتتنصل هذه الآلهة منهم. والآيات التي معنا تصور لقطة من هذا المشهد الأخروي، فيحشر العباد جميعًا يوم القيامة، وينادي الذين أشركوا: ﴿أَيْنَ شُرَكَاُكُم الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاء، والمقصود من هذا السؤال «التقریع والتبکیت، لا نفس السؤال، ویحتمل أن یکون معناه: أين نفس الشركاء؟ أو أين شفاعتهم، وانتفاعكم بهم؟ وعلى كل لا يكون الكلام إلا تقريعًا وتوبيخًا، وتقريرًا لهم أن ما يرجونه مأيوس منه، وتنبيهًا على فساد طريقتهم في الدنيا)»(١). لكن المشركين عند سؤالهم لا يجيبون بالحقيقة بل يكذبون، ظنًا منهم أن الله لا هول الموقف، وحكى الله عنهم ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ لَوْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ وأصل الفتنة - كما يقول الراغب (٢) - إدخال الذهب في النار؛ لتظهر جودته من رداءته، ثم استعملت بعد ذلك في معانٍ كالعذاب، والاختبار، والبلاء، والشدة .. وغيرها، والفتنة تكون من الله للعبد .. كالبلية، والمصيبة، والقتل والعذاب .. وغير ذلك (٣). قال الزجاج (٤) في تفسير الآية: ((أعلم الله أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه إلا أن تبرؤا منه، وانتفوا منه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين)) وعليه فالفتنة هاهنا بمعنى الشرك والافتتان بالأوثان. وختم الله الآية بقوله: ﴿وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم(٥) ما كانوا يدعونه من دون الله تعالی . وقيل: إنه عام في كل ما يعبد من دون الله تعالى، فهي تضل عن عابديها يوم القيامة، (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١٩١ بتصرف. (٢) في المفردات ص ٣٧٤ بتصرف. (٣) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤٥٣/٢. (٤) انظر: معاني القرآن له ٢٣٥/٢ . (٥) الكشاف ٢/ ١٢. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الألف ولا تغني عنهم شيئاً(١). وهكذا جلت الآيات موقفًا من مواقف المشركين يوم القيامة، حيث إنهم أنفسهم يتبرأون من الشرك والآلهة، فضلًا عن تبرؤ الآلهة منهم، وتغيبهم عنهم في الآخرة وقت احتياج النصرة منها. هذا وإن آية سورة ((يونس)) وإن كانت تتحدث عن نفس موضوع الآية السابقة إلا أنها غايرت في الأسلوب والمعنى فأفادت جديدًا، حيث أعلنت أن التفرقة بين العابدين والمعبودين ستكون بينهم يوم القيامة، وحينئذ يندم العابدون ندمًا عظيمًا حيث عقدوا آمالهم طوال حياتهم على هذا، فإذا بهم يجابهون بما لم يكن في الحسبان أو الميزان .. فالله تعالى يحشر الخلائق أجمعين من كل حدب وصوب إلى أرض المحشر، ثم ینادی الذین أشركوا في عبادتهم، وفي أموالهم فقالوا: هذا لله، وهذا لشر کائنا؛ لذا أضاف الشرکاء إليهم في قوله: ﴿وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم ﴾ (٢). واختلف في المراد بالشركاء: فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الأصنام، ورجح الثاني بأن هذا الخطاب مشتمل على الوعد والوعيد، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين، والأصنام يخلق الله فيها الحياة والنطق (١) المصدر السابق ١٩/٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٨٧. جوبيبو لِلْقُرآن الكَرِيْمِ فتنطق بالحقيقة (٣). ثم ينادى الجميع بقوله: ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ﴾ أي: امكثوا مكانكم، وقفوا في موضعكم، أنتم أيها المشركون وشركاؤكم الذین کنتم تعبدونھم من دون الله من الآلهة والأوثان ﴿فَزَيِّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: ففرقنا بين المشركين بالله وما أشركوه به (٤). ولكن كيف تقع الفرقة بينهم وبين الأصنام، والجميع سيحشر إلى النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُنِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. والجواب: أن الفرقة وقعت بتبري كل معبود ممن عبده. ويقول الإمام ابن عباس رضي الله عنهما: ((ينطق الله الأوثان فتقول: ﴿مَّاكُمُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: لا نعلم بعبادتكم لنا؛ لأنه ما کان فینا روح، فیقول العابدون: بل قد عبدناكم، فتقول الآلهة: ﴿فَكَفَى ◌ِالَّهِشَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩]»(٥). وبمثل هذا قال الإمام مجاهد في تفسيره(٦). وهكذا يتبرأ العابدون والمعبودون (٣) المصدر نفسه ١٧/ ٨٧ بتصرف. (٤) جامع البيان، الطبري ١٥ / ٧٨ بتصرف. (٥) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢١،٢٠. (٦) تفسير الإمام مجاهد بن جبر ص ٣٨٠. ٣٠٠ الأوثان بعضهم من بعض، ويندم العابدون على تسميتهم شركاء لله لا في العبادة (٢). ما ضيعوا من أعمارهم، وما قدموا من أعمالهم، ولات حين مندم. ويذكر الله تعالى في سورة النحل موقف المعبودين من عابديهم على غرار الآيات السالفة، إلا أن هذا الموطن تفرد عن غيره بالتصريح بتكذيب الآلهة لعابديها، وجاء هذا التصریح مؤكدًا بأكثر من مؤكد، فأكد بإن، واللام الداخلة على الخبر، فضلًا عن اسمية الجملة، وهذه المؤكدات تواردت على شيء واحد فأکسبته توکیدا فوق تأكید، وهذا ما ورد في قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]. ولقد اختلف في تعيين الشركاء، فقيل: هم: الأصنام، وقيل: هم الشياطين (١). وأميل إلى الرأي الأول، وعليه فالمقصود من إعادة الأصنام زيادة الغم والحسرة في قلوب المشركين، والأصنام تنطق بكذب المشركين في ادعائهم عبادة الأصنام ويعلنونها صريحة مدوية كمْ لَكَذِبُونَ﴾ فإن قيل: كيف كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم؟ والجواب: أن الأصنام لما كانت غير راضية بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، ويحتمل أن يكون تكذيبهم لهم في (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩٩/٢٠ -١٠٠ بتصرف. ثم إن المشركين لما رأوا ذلك من آلهتهم ((ألقوا إلى الله يومئذ السلم)) أي: ((الاستسلام والانقياد لحکمه في ذلك اليوم»(٣). وعلى كل فلن ينفعهم هذا ولا ذاك، فقد وقع قضاء الله، ولا راد لقضائه وقدره، وسبقت كلمته على هؤلاء المشركين أنهم من أصحاب النار. والقرآن بهذه الردود قد فند شبه المشركين، وأبطل حججهم، وأبطل موروثاتهم العقدية التي ورثوها عن آبائهم ... وارتفعت رايات الإسلام على حطام الوثنية، فلله الحمد من قبل ومن بعد. ٢. الأوثان وعابدوها وقود للنار. لا يقع التبري يوم القيامة بين العابدين وأوثانهم ومعبوداتهم فقط، بل يتعداه إلى أن هذه المعبودات ستكون مع عابديها وقودًا للنار يوم القيامة، وحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، وساعتها يتندمون ويصرخون، ولات حينئذ ينفع الندم والصراخ. يذكر الله تعالى هذا الموقف في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُّدُونَ مِندُنِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ) (٢) التسهيل لعلوم التنزيل ص ٣٦٣. (٣) صفوة البيان لمعاني القرآن، حسنين مخلوف ص ٣٥٣. www. modoee.com ٣٠١ حرف الألف لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ دون لا يدخلون النار مع العابدين؛ لأنهم لم يكونوا راضين بعبادتهم لهم، بل الشيطان هو الذي سول لأنفسهم هذا الشرك من دون الله تعالى. فِيَهَا خَالِدُونَ ٦ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠] عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِندُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمُ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. فقال المشركون: الملائكة وعيسى وعزیر یعبدون من دون الله؟ فقال: لو كان هؤلاء الذين يعبدون آلهة ما وردوها، قال: فنزلت: ﴿إِنَّالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: ١٠١]. عيسى وعزير والملائكة)) (١). فهذه الرواية توضح لنا سبب النزول، والمحاورة التي جرت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين على لسان مبعوثهم ((عبدالله ابن الزبعرى)) في شأن المعبودات التي عبدت من دون الله، والتي من بينها عيسى عليه السلام والملائكة الکرام، حیث فهم أن هؤلاء سيكونون مع عابدیهم في النار مخلدین، لكن جاء الرد في الآية التالية بأن هؤلاء الذين عبدوا من (١) أخرجه الحاكم، واللفظ له، في مستدركه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأنبياء، رقم ٤١٦/٢،٣٤٤٩، والطبراني في المعجم الكبير ١٥٣/١٢، رقم ٠١٢٧٣٩ قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي. فضلًا عن أن التعبير في الآية بقوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل: ((ومن تعبدون)) ومعلوم أن ((ما)) تقع على غير العاقل، فيكون مقصود الآية واقعًا على غير العقلاء. والمعنى: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أي: وقودها وحطبها. والحكمة في دخول الأصنام النار، وهي جماد لا تعقل، ولیس علیھا ذنب، بيان كذب من اتخذها آلهة، وليزداد عذابهم بها؛ فلهذا قال: ﴿لَوْكَانَ هَؤُلَاءِ وَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]. وكل من العابدين والمعبودين فيها، خالدون، لا يخرجون منها، ولا ينتقلون عنها (٢). موضوعات ذات صلة: الإلحاد، الإيمان، الشرك، الكفر (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٣١ بتصرف. مُؤْسَو ◌َرُ النَفسِيد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٠٢