النص المفهرس
صفحات 21-40
الأوثان والضلال هو العدول عن الطريق على أنها - وإن كثرت- لا نفع فيها ألبتة (٢). المستقيم، ويضاده الهداية. :﴿مَّنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى قال تعالى: لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥]. ويقال: الضلال لكل عدول عن المنهج عمدًا کان أو سهوًا، یسیرًا کان أو کثیرًا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدًا(١). وعلى هذا فالمعنى: إني أراك وقومك في خطأ وعدول عن الطريق المستقيم لعبادتكم الأصنام من دون الله تعالى، وهذا الخطأ بين واضح لكل ذي لب وعقل مستقيمين. هذا ولقد اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام «على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من جهتين: الأولى: أن قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ ﴾ يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة، إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي المفهوم من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُّ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. الثانية: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيًا، فلما لم يكن الواحد كافيًا دل ذلك من الغبار، وقيل غير ذلك. انظر فتح الباري ٣٥٨/٨. (١) المفردات، الراغب ص٥٠٩. وهكذا أبطل سيدنا إبراهيم عليه السلام مذهب الوثنيين بالبرهان الساطع والدليل القاطع، وبخاصة إذا نظرنا إلى الآيات التالية لهذه الآية، وفيها من الحجج والبراهين الواضحة ما يغني عن التعليق عليها. وهكذا وصل إبراهيم عليه السلام إلى ما يريد من أقرب طريق، وأسلك سبيل، فينبغي على الدعاة أن يترسموا هذا الخطى، ويسيروا في ضوئه، فيلينوا في دعوتهم ولا يعبسوا في وجوه من يدعونهم؛ حتى ترتفع بهم دعوتهم، ويصلوا بها إلى الغاية المنشودة، وهذا ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم -والأمر للرسول أمر لأمته ما لم يرد دليل على التخصيص - في قوله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. هذا وإن من أعظم الحوارات القرآنية التي ينبغي أن يتعلمها الأبناء في محاوراتهم مع آبائهم، وكذلك الدعاة مع مدعویهم ما ذكره الله تعالی بقوله: ﴿واذكُرْ فِ الْكِنَبِ إِبْرَهِيَمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا )) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ فَأَتَّبِعْنِىِّ أَهْدِكَ عَنكَ شَيْئًا يَأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَاءَفِىِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤/١٣. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الألف يَأْتِكَ فَتَِّعْنِيّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِنًا يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ، قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِ يَِّبْرَهِيمٌ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكٌ وَأَهْجُرْنِي مَلِيًّا (٦ قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ, كَانَ بِ حَفِيًّا ، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١-٤٨]. فهذه الآيات تحمل في مجملها أدبًا جمًا، وخلقًا رفيعًا في تعامل الأبناء مع الآباء مهما كانوا مخالفين لهم، وحتى لو كانوا على طريق الكفر والعصيان، ولن يصل الآباء المسلمون اليوم إلى هذه الدرجة، ومع ذلك نجد الإباء والجفاء والنفور من الأبناء في تعاملهم مع آبائهم سواء أكانوا صالحين أم طالحين، اللهم إلا من رحم ربي، نسأل الله تعالى الهداية والرشاد لأبنائنا وجميع أبناء المسلمین، اللهم آمين. ومن آیات القسم الثاني: التي عرضت لمحاجة إبراهيم مع قومه: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إَِّهِيَمَ رُشْدَهُ. ﴾ [الأنبياء: ٥١]. مِن قَبْلُ وَكُتَّابِهِ، عَلِمِينَ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿قُلنَاینَاؤُ كُونى بَرَّدًّاً وَسَلَمًا عَلَى إِزَهِيمَ ، وَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ -٧٠]. قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ومحاوراته مع قومه، وتحمل في طياتها كثيرًا من الجوانب العظيمة والتربوية في الحوار الهادف، حيث إن إبراهيم عليه السلام خاطب قومه بلغة الحوار الهادئ، وسألهم عن حقيقة هذه التماثيل التي يعبدونها من دون الله تعالی قائلًا: ((﴿مَا هَذِهِ التَّمَاشِلُ أَلَّى أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]. والعكوف: عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء، والمراد: ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ قَالُواْ وَجَدْنَا مَابَلْءَنَا لَمَا عَيِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣]. أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء، أي: وجدنا آباءنا يعبدونها فعبدناها اقتداء بهم ومشيًا على طريقتهم، وهكذا يجيب كل المقلدة. وأجابهم الخليل عليه السلام بقوله: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في خسران واضح ظاهر لا يخفى على أحد ولا يلتبس على ذي عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي فهذه الآيات تصور مشهدًا من مشاهد هذا الخسران خسران، ثم لما سمع أولئك مَوَبُو بَرَ النقية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٧٤ الأوثان مقالة الخليل قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥]؟ أي: أجاد أنت فیما تقول أم أنت لاعب مازح؟ فقال مضربًا عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وأبدعهن، وأنا على ذلكم الذي ذكرته لکم من الشاهدین العالمین به المبرهنين عليه. فجاء إبراهیم حین أتوا به فاستفهموه: هل فعل ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]. أي: قال إبراهيم مقيمًا للحجة عليهم، مبكتا لهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ﴾، مشيرًا إلى الصنم الذي تر که، ولم یکسره، فسألوهم إن كانوا ممن يمكنه النطق، ويقدر على الكلام، ويفهم ما يقال له، فيجيب عنه بما يطابقه، أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم، ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل أن یطلق علیه أنه إله. فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة؛ لأنهم إذا قالوا: إنهم لا ینطقون، قال لهم: فکیف تعبدون من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه؟ وذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته، وقيل: أراد إبراهيم عليه السلام بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير من الأصنام أنه فعل ذلك؛ لأنه غار وغضب من أن يعبد وتعبد الصغار معه، إرشادًا لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع، لا تستحسن في العقل مع وجود خالقها وخالقهم. ثم قالوا بعد أن نكسوا مخاطبين لإبراهيم: لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام. فقال إبراهيم مبكتًا لهم، ومزریًا عليهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]. بنوع من أنواع الضرر، ثم تضجر عليه السلام منهم، فقال: ﴿أَنّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٧]. وفي هذا تحقير لهم ولمعبوداتهم، والتأفف: صوت يدل على التضجر، أليس لكم عقول تتفكرون بها، فتعلمون هذا الصنع القبيح الذي صنعتموه ... )) (١). وهكذا حاور سيدنا إبراهيم عليه السلام قومه، لكنهم قد تمكنت الوثنية منهم، فلم يجد الحوار معهم نفعًا، ولم يفدهم شيئًا، ولم یکن عندهم من مكافأة لنبیھم بعد كل (١) فتح القدير، الشوكاني ٤٨٦/٣ بتصرف وتلخيص. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الألف هذه الحوارات الهادئة الهادفة إلا إضرام النار له، وإلقاؤه فيها، ولكن الله تعالى لم یتر که وحده، ونجاه من مؤامر تهم، فأمر النار فکانت بردًا وسلامًا. ثالثًا: محاورات موسى عليه السلام مع قومه: من المعلوم أن قوم موسى عليه السلام كانوا أصحاب جدال ومراء، ونفوس أبية، تأبى أن تنصاع للحق بيسر وسهولة وسرعة، ولقد ذكر القرآن لهم أكثر من موقف يدلل على هذه الطبيعة المتمردة. ومن هذه المواقف: انتهازهم فرصة غياب موسى عليه السلام مدة مواعدة ربه لتلقي التوارة، فاستضعفوا أخاه هارون عليه السلام وقام السامري بجمع حليهم وصنع لهم منه عجلا جسدًا، یصدر صوتًا إذا مر فیه الهواء، ولما رجع موسى عليه السلام ورأى ما حدث غضب غضبًا شديدًا لما حدث، وقام بإهلاك العجل، ودعاهم محاورًا إياهم، ومجددًا ما اندرس من أمر التوحيد لديهم، وإلى عبادة الله الواحد الأحد. وهذا ما ذكره القرآن في أكثر من موطن (١)، وسيكون التعليق على مجملها. (١) ذكرت قصة العجل إجمالاً أو تفصيلاً في ثمانية مواطن من القرآن الكريم في سور: البقرة/ ٥١، ٥٤، ٩٢، ٩٣، والنساء/ ١٥٣، والأعراف/ ١٥٢،١٤٨، وطه/ ٨٨. ومن هذه المواطن: ماذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى ( ٨٣ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى (٣٠) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ ٥ فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَّ أَسِفَأَ قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّاً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمُ تَّوْعِدِى ) قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَاً أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ، خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعًا (١) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِ، وَإِنَّ رَتَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَبِعُونِ وَأَطِيعُوا أَمْرِى ؟ قَالُواْ لَنْ تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّواْ ٢ أَلَّا تَتَبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ؟ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْتِى وَلَا بِرَأْسِّ إِّ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ وَلَمْ تَرَّقُّبْ قَوْلِيِ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ ٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَدْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ) قَالَ فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِ الْحَيَوَةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا أَن تُخْلَفَهُ، وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَيْهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّفَاً لَنُحَرِقَنَّهُ، ثُمَّ لَتَنَسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِّ نَسْفًا ٢٧٦ موسوعة القرآن الكريم الأوثان إِنَمَّ إِلَ هُكُمُ اللّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا مُؤْ وَبِعَ ١٧ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٨٣-٩٨]. ففي هذه الآيات الكريمة يتجلى الحوار البناء في أبهى صوره، وتبین لنا الآيات مدی بلاهة بني إسرائيل في عبادتهم العجل، «وهذا من بلادتهم، وسخافة عقولهم، حیث رأوا هذا الغريب الذي صار له خوار، بعد أن کان جمادًا، فظنوه إله الأرض والسماوات، أفلا يرون أن العجل لا يتكلم ويراجعهم ويراجعونه، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، فالعادم للكمال والكلام والفعال لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه، فإنهم يتكلمون ويقدرون على بعض الأشياء من النفع والدفع بإقدار الله لهم))(١). ولم تقتصر سخافة عقول بني إسرائيل على هذا الموقف فقط، بل إنهم عادوا إلى الوثنية، وطلبوها من نبيهم صراحة، في موقف لا يمكن لعقول الفطناء أن يذهلوا فيه عن صاحب الفضل، ومولي النعم سبحانه وتعالى، فبعد أن أنجاهم الله تعالى من عدوهم فرعون، ومروا على وثنيين طلبوا من موسى عليه السلام مباشرة أن يجعل لهم إنها يتعبدون له مثل هؤلاء، ولا زالت أقدامهم ملطخة بالطين مبتلة من أثر إنجاء الله لهم من عدوهم الألد ... ذكر القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَنَوَزْنَا (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥١١. بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَ أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَنَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (®) إِنَّ مَؤُلَاءِ مُتَبَّرُ مَّا هُمْ فِيهِ وَتَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠]. وسبحان الله العظيم، بهذه السرعة جحد بنو إسرائيل نعمة المنعم سبحانه، فما هي إلا لحظات والعدو كان يطاردهم، فإذا بهم يطلبون آلهة غير الذي نجاهم، وأنقذهم بعد الموت المحقق، ولا غرو في ذلك، فهذه هي طبيعة بني إسرائيل المتمردة، وهذه هي عادتهم مع أنبيائهم، الأمر الذي حدا ببعض المفسرين أن يقول: إن الغرض من سیاق ذلك « أن یعلم حال الإنسان، وأنه کما وصف ظلوم كفار، جهول کنود(٢)، إلا من عصمه الله، و کذلك لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة)) (٣). أقول: أما الأول فنعم، وأما الثاني فلا، وذلك لأن السورة الكريمة مكية (٤)، ومعنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم (٢) كنود: أي كفور، يقال: كند فلان النعمة، أي: كفرها وجحدها، وبابه دخل، فهو كنود، وامرأة كنود أيضًا . يراجع: مختار الصحاح للإمام محمد بن أبي بكر الرازي ص ٢٦٥. (٣) الكشاف ٢/ ١٤٤ بتصرف. (٤) تقريب المأمول في ترتيب النزول، الجعبري ص٤. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الألف يكن قد رأى من يهود المدينة شيئًا؛ لأنه لم بـ ((إن)) في ((إنكم)) وتوسيط ((قوم)) وجعل يكن قد هاجر إليها بعد، اللهم إلا إذا عني ما هو المقصود بالإخبار وصفّا له وهو ((تجهلون)) ليكون كالمتحقق المعلوم)» (٢). بالماضي: الاستقبال، فيحمل قوله: ((مما رأى)) على ((مما سيرى))، والله أعلم. والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى عليه السلام: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى عليه السلام، وفي جملة ما يتقرب به إلى الله تعالى، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا صنمًا نفرده بالعبادة، ونكفر بربك، فعرفهم موسى عليه السلام أن هذا جهل منهم، إذ سألوا أمرًا حرامًا فيه الإشراك في العبادة، ومن ثم يتطرق بهم إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل(١). لكن من يعلم طبيعة بني إسرائيل المتمردة لا يستبعد صدور مثل هذا القول منهم؛ لذلك رد موسى عليه السلام قولهم هذا في أفواههم على الفور، راميًا إياهم بالجهل، فقال يخاطبهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ((فهذا وصف لهم بالجهل على أتم وجه، حيث لم يذكر له متعلقًا ولا مفعولًا؛ لتنزيله منزلة اللازم، أو لأن حذفه یدل على عمومه، أي: «تجهلون كل شيء، فيدخل فيه الجهل بالربوبية بالطریق الأولى، وأكد ذلك (١) تفسير ابن عطية ٤٤٧/٢ بتصرف. هذا ولقد تحاور موسى عليه السلام وعلل ما نهاهم عنه بقوله: ﴿إِنَّهَؤُلَاءٍ مُتَبَّمَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: ((إن هؤلاء العاكفين على هذه الأصنام، الله مهلكٌ ما هم فيه من العمل ومفسده، بإثابته إياهم عليه العذاب المهين، ﴿وَيَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من عبادتهم إياها فمضمحل؛ لأنه غير نافعهم عند مجيء أمر الله وحلوله بساحتهم، ولا دافعٌ عنهم بأس الله إذا نزل بهم، ولا منقذهم من عذابه إذا عذبهم في القيامة، فهو في معنى ما لم يكن)»(٣) ٠ ومن البدهي أن هذا السؤال لم يكن قد صدر من بني إسرائيل جمیعهم، بل من بعضهم ((وإنما نسب إلى الجميع لموافقة بعضهم بعضًا في ذلك، فكأنه قد صدر من جميعهم)) (٤). والله تعالى أعلى وأعلم. (٢) روح المعاني، الآلوسي ٥/ ٤٠ بتصرف. (٣) جامع البيان، الطبري ٨٣/١٣ بتصرف. (٤) قصص القرآن من آدم عليه السلام إلى أصحاب الفيل، محمد بكر إسماعيل ص ١٩٤ بتصرف. ٢٧٨ مَوَسُوبَةُ الْبَقِنَّة القرآن الكريم الأوثان صفات الأوثان في ضوء القرآن من القواعد المقررة أن ((التخلية مقدمة على التحلية)) والقرآن الكريم سلك مع المشركين هذه الطريقة، فقدم ما يبين حقيقة معبوداتهم، وأنها لا تملك أي وسيلة من وسائل الإدراك أو النفع أو دفع الضر عن نفسها، فضلًا عن عابديها، فكيف يعبدونها من دون الله تعالى ؟! ثم دعاهم إلى عبادته وتوحيده سبحانه. والبحث هنا سيوضح هذه القضية من خلال ما يلي: أولًا: نفي العقل والنطق والسمع والبصر عنها: نفى القرآن العقل صراحة عن الآلهة التي عبدها المشركون من دون الله، ونفي العقل عنها هو بيت القصيد، والأصل لما بعده؛ إذ ما فائدة السمع والبصر والنطق من غير العقل؟! فهو وحده كافٍ في نفي ألوهية هذه الأوثان، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَمِـ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. وهنا ((يقول تعالى ذاما المشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالاً من الحيوان بكثير)) (١). ونفى القرآن عن الأوثان أيضًا السمع والبصر والنطق ... ومن ثم فلم یکن لديها أي سبب من أسباب العبادة، فعلام يعكف هؤلاء الوثنيون على عبادتها ودعائها من دون الله تعالی ؟! ولقد مر بنا آنفًا في محاورة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ما وصف به الأوثان مخاطبًا إياه في قوله تعالى: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ فَأَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. وكذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿ أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ () وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَمُمْ نَصْرًا وَلَاّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ إلى أن قال سبحانه: ﴿وَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَنصُرُونَ يَسْمَعُواْ وَتَرَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧ - ١٩٨]. والمراد: قل للمشرکین یا رسول الله: وإن تدعوا الذين تدعون من دون الله إلى الهدى لا يسمعوا، والهدى على هذا الوجه ما فيه رشد ونفع للمدعو، وذكر ﴿إِلَى الْمُدَى﴾ لتحقیق عدم سماع الأصنام، وعدم إدراكها؛ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٠٢. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الألف لأن عدم سماع دعوة ما ينفع لا يكون إلا تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩]. لعدم الإدراك. ولهذا خولف بين قوله هنا: ﴿لَا يَسْمَعُواْ وقوله في الآية السابقة: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ} [الأعراف: ١٩٣]. لأن الأصنام لا یتأتی منها الاتباع؛ إذ لا يتأتى منها المشي الحقيقي ولا المجازي، أي: الامتثال)»(١). ثانيًا: عدم قدرتها على دفع الضر أو جلب النفع: أكثر القرآن الكريم هذا الوصف بالنسبة للأوثان، حتى أربت مواطن الحديث عن هذا الوصف على عشرة مواطن، وتنوعت فيها الأساليب، فمنها: ما ورد بصيغة الخبر، مثل قوله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونٍ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَّبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ. وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِمَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ، ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ) يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَفْعِهِ. لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٢- ١٣]. ومنها: ما ورد بصيغة النفي، مثل قوله (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٥/٩ بتصرف. جَوَبُو بَرُ النَّهِ القرآن الكَرِيْمِ وقوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا بَيْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْقًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا ﴾ [الفرقان: ٣]. ومنها: ما ورد بصيغة النهى، مثل قوله تعالي: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِمَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]. أما ما ورد بصيغة السؤال فكثير، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعَاْ وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] ... وغيرها من الآيات . ويلحظ على هذه الآيات جميعًا عدة أمور: أولها: تفيد الآيات كلها صراحة عدم قدرة الأوثان على دفع الضر عن نفسها، فضلا عن عابدیھا. ثانيها: يلحظ في بعضها تقديم نفي الضر على النفع، والبعض الآخر العكس، وإنما يقدم الضر على النفع؛ لأن التحرز عن الضر أهم من تحري النفع (٢)، أو هو من قبيل درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أو التخلية قبل التحلية. (٢) تفسير القاسمي ١٩٢/٣ بتصرف. ٢٨٠ الأوثان وإنما قدم النفع على الضر في آيات؛ لأن في قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَمْ جُنٌْ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ -٧٥]. والله أعلم. جلب النفع محبب إلى النفس ومرغوب، والله أعلم. ثالثها: تنوع الصيغ في بيان هذه الصفة للدلالة على كمال الإقناع وإقامة الحجة، فمن لم يقتنع بالأسلوب الخبري نفعه أسلوب النفي أو النهي أو السؤال ... وقلبنا أساليب القرآن حتى يوقن ويهتدي، وإلا قامت عليه الحجة والبرهان، والله أعلم. رابعها: الآيات تفيد في مجملها إخبار المشركين أنه «لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان، وسعة الأرزاق، فإن الضار والنافع هو الله تعالى، لا من تعبدون من دونه، ومن لم يقدر على النفع والضر لا یکون إلهًا» (١)، وعليه فمن لا يملك شيئًا منهما لا يصلح للإلهية على الإطلاق !. ومما يدخل في نفي جلب النفع: عدم استطاعة الأصنام جلب الرزق لأحد من الخلق على الإطلاق، كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]. وكذلك يدخل فيه نفي النصرة عنها، كما (١) لباب التأويل، الخازن ٦٧/٢. ثالثًا: بيان أنها لا تستطيع أن تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة لله رب العالمين: من الصفات التي وصف بها القرآن الأوثان، ورد بها على عابديها بيان أنها مخلوقة ومربوبة لله رب العالمين، فهي لا تستطيع أن تخلق شيئًا على الإطلاق، ولا تملك مثقال ذرة من ذلك، فكيف تملكه لعابديها! وجاء هذا الرد في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اُللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، أَمْوَتُّ غَيْرٌ لَحْيَلٍَّ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَنُونَ (١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكِرُونَ﴾ [النحل: ٢٠- ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِلَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا www. modoee.com ٢٨١ حرف الألف حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] ... والآيات المغفلون والدهماء. في هذا الشأن وفيرة ومتنوعة، مما يدل على أهمية هذا الموضوع، واعتناء القرآن به. والله تبارك وتعالى يجلي لنا في هذه الآيات بعضًا من صفات الأصنام، ويبين حقيقتها لعابديها ولجميع المؤمنين، ومن أوضح صفاتها أنها مخلوقة ومربوبة لله رب العالمين أو أنها مصنوعة بأيدي عابدیها، فهم الذين نحتوها، واتجهوا إليها بالعبادة ((والمقصود إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية، فهي لا تقدر على خلق أي شيء على الإطلاق)) (١). والأوثان لا تصلح للإلهية لأن « من حق المعبود أن يكون خالقًا لعابده لا محالة»(٢). فالآيات ترد على عبدة الأوثان ببيان أوصافها لهم علهم يثوبون لرشدهم، ويرجعون عن غيهم ويتركون عبادتها إلى عبادة الله تعالى. وهكذا جلى الله تعالى حقيقة الأصنام، وبين ماهيتها وكنهها، وأنها أحقر المخلوقات؛ إذ أنها لا تستطيع حتى دفع الضر عن نفسها، ولا تستطيع النصرة فضلًا عن كونها مخلوقة .. إذًا فلم يبق شيء يعبدها عابدوها من أجله، فکیف یتوجهون إليها بالعبادة والدعاء؟! اللهم لا يفعل ذلك إلا (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٤٣٠. (٢) روح المعاني، الألوسي ١٣٣/٥. مَوْسُورَةُ الْتَّخِّ الْقُرآن الكَرِيمِ هذا والملاحظ على الآيات هنا: أنها جاءت بعدة أوصاف للأوثان، وهي: الوصف الأول: كونها لا تخلق شيئًا على الإطلاق، فضلًا عن كونها مخلوقة مربوبة لله رب العالمين، أو ينحتها العابدون بأيديهم، وليس قوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ تكرارًا لما سبقه من قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ لأن ((المذكور هناك أنهم لا يخلقون شيئًا، والمذكور هنا أنهم أيضًا لا يخلقون شيئًا وهم مخلوقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى، وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم، فبين أولًا أنها لا تخلق شيئًا، ثم ثانيًا كونها مخلوقة لغيرها)»(٣). الوصف الثاني: جاء في قوله: ﴿ أَمْوَتُ غَيْرُ أَحْيَاءِ﴾ أي هذه الأصنام إنما هي موتى لا حياة ولا حراك فيها «فلو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي: غير جائز عليها الموت، كالحي الذي لا يموت سبحانه، وهذه الأصنام على العكس من ذلك)) (٤). الوصف الثالث: كونها لا تعلم عن البعث شيئًا، وهذا ما ذيلت به الآية الثانية من سورة النحل ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ . ١٦/٢٠ - ١٧ (٣) مفاتيح الغيب، الرازي بتصرف. (٤) المصدر نفسه ٢٠/ ١٧. ٢٨٢ الأوثان حماقة المشركين، وأنهم لا يعرفون ذلك إلا وفائدة وصف الأصنام بهذا: ((التهكم بالمشركين، وأن آلهتهم لا تعلم وقت بعثهم بالتصريح)»(٣)، لا التلميح أو التلويح. والله فكيف يكون لهم وقت يجازون فيه على تعالى أعلى وأعلم. عبادتها؟. وقيل: معناه: أن الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى)) (١) . وكلا المعنيين مرادان من الآية، إلا أن الراجح أولهما لما فيه من التهكم بأولئك الجهال الذين عبدوا الأصنام من تلقاء أنفسهم دونما حجة مقنعة. ولكن كيف وصفت الأصنام بأنها أموات مع کونها جمادات لا يصح أن يطلق عليها هذا الوصف؟ والجواب: ((أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية قيل لهم: ليس الأمر كذلك، بل هي أموات لا تعرف شيئًا، فجاءت العبارة على وفق معتقدهم فيها)) (٢). أرأیت کیف ضل العرب وغيرهم ردحًا من الزمان بتوجههم إلى هذه الأحجار بالعبادة والدعاء، و کیف رد القرآن علیھم، وفند شبههم بما لا یبقی لهم معه أدنی حجة، ولقد أفادتنا هاتان الآيتان جديدًا، وهذا الجدید تمثل في ذكر ثلاث صفات مجتمعة للأصنام. وجاء التصريح بها ((للتنبيه على كمال (١) المصدر نفسه ١٧/٢٠ بتصرف. (٢) ينظر في الجواب مع بقية الأوجه مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/ ١٧. (٣) روح المعاني، الألوسي ٧/ ٣٦١ بتصرف. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الألف مظاهر تقديس العرب للأصنام لقد تعبد العرب للأصنام وقدسوها بأمور عديدة، يذكر البحث هنا بعضًا مما ذكره القرآن الكريم، ولكن في ثوب المعالجة التفسيرية، وأول ما يطالعنا من هذه المظاهر: أولًا: عبادة الأصنام، والعكوف عليها، والتوجه إليها بالدعاء والتضرع: والقرآن الكريم تحدث عن هذا المظهر في كثير من آياته، والآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى، فعن العبادة والدعاء يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ يَمْشُونَ بِهَاْ أَّ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمَّ لَهُمْ أَعْبُنِّ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمَّ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ ◌ِهَاْ قُلِ ادْعُواْ شُرَّكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونٍ فَلَا نُظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥]. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَوَّلَاءِ شُفَعَوْنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَيْتُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ. وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. وفي العكوف عليها والاستمساك بها يقول الله تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَاْ عَلَى قَوْمٍ يَعَكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُوَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وقال تعالى: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَتَظَلُّ لَهَا عَكِفِينَ ﴾ [الشعراء: ٧١]. وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِبَّزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّابِهِ، عَلِمِينَ ﴿ إِذْقَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ. مَا هَذِهِ الثَّمَائِلُ اَلَّى أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١-٥٢] ... الآيات. وبما أن المقام لا يتسع لتناول جميع هذه الآيات ونظائرها مفردة بالشرح والدراسة، فإن البحث يشير إجمالًا إليها وإلى أهم ما تحتویه: الدعاء يرد في القرآن الکریم على معانٍ من أهمها: العبادة: وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُُنَا﴾ يعني: أنعبد، ومنه آياتنا محل الدراسة. القول: ومنه قوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَ هُمْ بَأْسُّنَا إِلَّا أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ﴾ [الأعراف: ٥]. يعني: ما كان قولهم إذ جاءهم عذابنا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين. النداء: ومنه قوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ، أَنِ مَغْلُوبُ فَأَنْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]. أي: فنادى ربه. الاستغاثة: فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. مُؤَسوار البشير الوضوء القرآن الكريم ٢٨٤ الأوثان أي: استغيثوا بهم (١). والآيات التي معنا جاء الدعاء فيها بمعنى العبادة، ويحتمل أن يكون بمعنى التسمية، فمعنى («تدعون من دون الله)) أي: (تعبدونهم وتسمونهم آلهة))(٢). وأقول: يحتمل أن يكون الدعاء على حقيقته من طلب قضاء الحوائج وتلبية المصالح التي يتوجهون بها إلى آلهتهم. والله أعلم. وهنا يخاطب الله تعالى المشركين عباد الأوثان، موبخًا إياهم على عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع بقوله: إن الذين تدعونهم عباد أمثالکم، مخلوقون ومربوبون لله رب العالمين، لا يخرجون عن طوعه وأمره؛ لأنهم مملوکون له، کما أنتم له مماليك، فإن كنتم صادقين في اعتقادكم فيها، فادعوها ولتستجب لدعائكم إذا ما دعوتموها، وإلا فأيقنوا أنها لا تنفع ولا تضر؛ لأنهما إنما یکونان ممن یملکهما وهو الله تعالى (٣). ولكن لم وصف الله الأصنام بأنها ((عباد)) مع أن هذا اللفظ لا يطلق إلا على العقلاء من البشر؟ (١) انظر في تفصيل هذه الوجوه والاستشهاد عليها: الأشباه والنظائر في القرآن الكريم، لمقاتل بن سليمان البلخي ص ٢٨٥ - ٢٨٨. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٩١/٢ المطبوع مع زادة. (٣) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٥٠ بتصرف و تلخيص. وللجواب نقول: وصفت بذلك من حيث كونها مملوكة مسخرة، فصح إطلاق لفظ ((العباد)» عليها لذلك، وقيل: وصفت بذلك بناء على أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة؛ فلذا ورد هذا اللفظ على حسب ما يعتقدون. وقيل: إن هذا اللفظ ((عباد)) ورد في معرض الاستهزاء بهم، وسيق على سبيل الفرض والتقدير، كأنه قيل: إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فإن ثبت ذلك فلا فضل لهم علیکم، فلم جعلتم أنفسكم عبيدًا، وجعلتموها آلهة وأربابًا)) (٤). ولا مانع من الجمع بين هذه الأوجه جميعها؛ لأنه لا تدافع بينها، فالأصنام مملوكة لله فهي من عباده، والمشركون يعتقدون فيها النفع والضر، فخوطبوا على حسب ما يعتقدون استهزاء وسخرية بهم، وبهذا يتم الجمع بين الوجوه الثلاثة. والله تعالى هنا يذكر عن عباد الأصنام أمرین: الأول: عبادتهم للأصنام. الثاني: أنهم جعلوها شفعاء لهم عند الله. أما الأول: فقد نبه على فساده من وجهين: أحدهما: أن المعبود لابد وأن يكون أكمل قدرة من العابد، وهذه الأصنام لا (٤) حاشية زادة على البيضاوي ٢/ ٢٩١ بتصرف. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الألف تنفع ولا تضر ألبتة، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد، وإذا كان العابد أكمل حالًا من المعبود كانت العبادة باطلة. ثانيهما: أن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فهي لا تليق إلا بمن صدر منه أعظم أنواع الإنعام، من حياة وقدرة وعقل ونحوها، وهذا لا يصدر إلا من الله تعالى فوجب أن لا تليق العبادة إلا به سبحانه (١). والأمر الثاني الذي حكاه الله عنهم: الثاني: وورد التعبير عن العكوف في قولهم عن الأصنام: أنها ستشفع لهم عند بقية الآيات بالاسم ((عاكفين-عاكفون- عاكفًا)) للدلالة على الدوام والاستمرار، الله تعالى، وإنما صدر عنهم هذا القول (لتوهمهم أنهم ليسوا أهلًا للاشتغال بعبادة الله تعالى، بل يشتغلون بعبادة الأصنام، ويدعون أنها تشفع لهم عند الله تعالى))(٢). وأن المشركين في عهد إبراهيم عليه السلام عبروا عما يجيش في صدروهم من طول المكث، وعدم وجود نية التحول عن عبادة الأوثان إلى غيرها. هذا بالنسبة للعبادة والدعاء والتضرع، أما بالنسبة للعکوف فقد عرفه الراغب بقوله: ((العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له)) (٣). وقال صاحب البصائر: ((العكوف یعکفه ویعکفه عكفًا: حبسه، والقوم حوله: استداروا، وقوم عكوف: عاكفون» (٤). هذا والملاحظ على آيات ((العكوف)» (١) المصدر نفسه ٢٢٧/١٧. (٢) المصدر نفسه ٢٢٧/١٧ بتصرف. (٣) المفردات ص٥٧٩. (٤) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤/ ٨٦. أمور، هي: الأول: ورد التعبير عن العكوف في قصة بني إسرائيل بالفعل المضارع ((يعكفون)) للدلالة على تجدد عكوف هؤلاء القوم على عبادة الأصنام، وأنهم يجددون ذلك لها حينًا بعد حين، وكان التعبير بالمضارع هنا مناسبًا لأن أحداث القصة تناسب ذلك، فبنو إسرائيل مروا عليهم بعد خروجهم من البحر، ونجاتهم من فرعون -عليه اللعنة -. الثالث: الاستفهام في الآيات مجازي بمعنى التحقير والتقرير، وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام، ولكنه سألهم ليريهم أن ما كانوا يعبدونه ليس على الشىء: الإقبال عليه مواظبًا. وعكفه مستحقًا للعبادة؛ لما ترتب على جوابهم من أوصاف معبوداتهم التي هي منافية للعبادة(٥). الرابع: لما سألهم إبراهيم عليه السلام عن الذي يعبدونه لم يقتصروا على ذكره فقط، بل أجابوا بما يزيد عليه، فقالوا: ﴿نَعْبُدُ (٥) البحر المحيط، أبو حيان ٨/ ١٦٢ بتصرف. الوضوء مَوَسُوبَةُ النَّقِيَة القرآن الكريمِ ٢٨٦ الأوثان أَصْنَامًا فَتَظَلُّ لَهَا عَنكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١]. ولم يقتصروا على أن يجيبوا بقولهم: ((أصنامًا)) للدلالة على ابتهاجهم وافتخارهم بعبادهم هذه؛ لذا أتوا بقصتهم كاملة (١). الخامس: عبروا بقولهم: ﴿فَنَظَلُّ﴾ لأنهم کانو یعبدونھم بالنهار دون اللیل، أو معناه: الدوام (٢)، والله أعلم. ثانيًا: ذبح الذبائح والقرابين باسم الأصنام: هذا هو المظهر الثاني من مظاهر تقديس الأصنام وعبادتها، وجاء الحديث عن هذا المظهر في القرآن الكريم في ثوب تحريم الذبح والإهلال لغير الله تعالى في أربع آيات من القرآن الكريم وهي - حسب ورودها في المصحف- كما يلي: قوله تعالى: ﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَاُلَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاِعٍ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِنَّمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَمُ اُلِخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ أَسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ، تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ (١) المصدر نفسه ٨/ ١٦٢ بتصرف. (٢) البحر المحيط ١٦٢/٨، ومدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٥٦٧. الْمَيْنَّةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُمِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِمٌ﴾ [النحل: ١١٥]. هذه الآيات المباركات تكشف لنا عن لون من ألوان تعبد الوثنيين لأصنامهم، وهو أنهم كانوا يذبحون الذبائح باسمها، ویرفعون أصواتھم بها عند الذبح، وینذرون النذور لها، ويتزلفون بمختلف القرابين؛ لذا فإن ربنا سبحانه وتعالى نهى المسلمين عن مثل هذه الصور المحرمة، والشركيات الباطلة. وأصل الإهلال -كما يقول الراغب- رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعمل لکل صوت، وبه شبه إهلال الصبي إذا ولد، حيث يستهل صارخًا، وقوله تعالى: ﴿وَمَّاً أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي ما ذكر عليه اسم غير اسم الله وهو ما كان يذبح لأجل الأصنام(٣) لأجل التقرب لها، والظفر بحسن المنزلة لدیھا. وحرم الله تعالى أكل ما ذبح على غير اسمه تعالى «لخبثه معنويًا؛ لأنه ذکر علیه اسم غیر خالقه المنعم به عند ذبحه، ولولا ذلك لكان حلالا، وسمي الذكر إهلالًا لما فيه من الإهلال، أي: رفع الصوت .. )) (٤). ولقد كان أهل الجاهلية يذبحون باسم أصنامهم، وكان عند كل صنم مذبح (٣) المفردات ص ٥٢٢ بتصرف. (٤) التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية ٢٦٣/١ بتصرف. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الألف يذبحون فيه القرابين، ومن مظاهر تعبدهم عند الذبح آنهم کانوا یأخذون بعضًا من دماء هذه القرابين، ويلطخون بها الأصنام تخليدًا لذكرى تعبدهم بالذبح عندها، ومن جهلهم أنهم كانوا يذبحون ذبائح كثيرة يلقونها بجوار الصنم زاعمين أنها للآلهة فلا يقربها أحد، ويكون مصيرها في النهاية الهلاك، أو طعمة للسباع والطيور ... ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا وإن الآيات عامة في ((تحريم ذبيحة الوثني والمجوس والمعطل، فهي كلها حرام کذبيحة من ذكر اسم غیر الله عليها)»(١). ومن ضمن المحرمات المذكورة في الآيات: قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ والنصب: هي الحجارة التي تنصب حول الكعبة وما جاورها لتذبح عندها الذبائح، وكانوا يلطخون أصنامهم بدمائها. هذا ولقد كان أهل الجاهلية ((يسمون ذبائح الغنم التي جعلوها لأصنامهم، وأنصابهم تلك بـ((العتائر)) والعتيرة في كلام (١) المصدر السابق ١/ ٢٦٣ بتصرف. (٢) المصدر نفسه ١٣٦/١١. العرب: الذبيحة، والمذبح الذي يذبحون فيه لها يسمى العتر)) (٣). وهذا النهي في آية الأنعام في قوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذَّكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِسْقَ حيث أجمع المسلمون على أنه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية. ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾، وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة الميتة. ثالثها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب، يعني: لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت باسم الأوثان فقد رضیتم بإلهیتها، وذلك يوجب الشرك (٤). هذا والملاحظ على الآيات أمور، وهي: الأول: ((تكرر قوله: ﴿وَمَا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وفي ذلك يقول بعض العلماء ((النصب: حجارة ينصبونها حول الكعبة، وكانوا بِهِ﴾ في الآيات للتأكيد على تحريم هذا الأمر، فلقد كان الذبح لغير الله من الأمور يذبحون عندها للأصنام، ويلطخونها بتلك الدماء، ويضعون اللحوم عليها))(٢). العادية عند الجاهلين، وكانوا يفعلونه على أنه من أمور حياتهم الطبيعية، حتى استفحل فیھم هذا الأمر، وانتشر وأصبح من الصعب (٣) الموسوعة الذهبية، فاطمة محجوب ٢١١/١١. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٧/١٣ - ١٧٨ بتصرف. ٢٨٨ مَسُولَةُ الَ القرآن الكريم الأوثان عليهم قسرهم عن هذه العادات مرة واحدة تضمينًا؛ لأن قوله في آخر الآية: ﴿غَفُورٌ بأمر واحد؛ لذا كان من حكمة القرآن البالغة زَحِيمٌ﴾ دل على أنه لا إثم عليه))(٢)، والله تعالى أعلم. أن کرر تحریم هذه الأمور مرات ومرات؛ حتى يستأصل شأفة الداء من عندهم، وعلى هذا فالتكرار للتأكيد والتقوية، وترسيخ المعنى في الأذهان. الثاني: غايرت آية النحل آية سورة البقرة في الأسلوب حيث أخر لفظ ((به)) عن قوله: (لغير الله)) فآيَة النحل تقول: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِبِهِ،﴾ وآية البقرة تقول: ﴿وَمَا أُهِلَ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ فما سر التقديم والتأخير؟ وأجيب عن ذلك بأن ((تقديم الباء في (به) هو الأصل، فإنه يجري مجرى الألف، فكان كحرف من الفعل، فكان الموضع الأول- أي: آية سورة البقرة- أولى بما هو الأصل ليعلم ما يقتضيه اللفظ، ثم قدم فيما سواه ما هو المستنكر -وهو الذبح لغير الله- وتقديم ما هو المستنكر أولى؛ ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل، والحال على ذي الحال .. ))(١)، وعلى الثاني وردت آية النحل. الثالث: حذف من آية النحل قوله: ((﴿فَلآ إِثْمَ عَلَيْهٌ ﴾ وذكر في آية البقرة، وذلك لأنه لما قال في آية البقرة: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ صريحًا -وهذا هو الموضع الأول: اكتفى به في غيره (١) البرهان في توجيه متشابه القرآن، الكرماني ص ١٢١ بتصرف. أرأيت معي كيف أفادتنا هذه الآية الكريمة من المعاني الجديدة التي تنبض بالحيوية والجدة مع أنها مكررة ألفاظها من قبل، إذًا لا تخلو إعادة من إفادة، ولا تكرار من جدید، وهذا هو شأن القرآن دومًا، فجميع كلماته بل حروفه تنبض كلها بالجدة والنضارة ... ألا فليخسأ أعداء الله، فإن الله حافظ كتابه، وراد كيدهم في نحورهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِقُوا نُورَ اللَّهِ يِأَفْوَهِهِمْ وَ يَأْبَى اللهُ إِلََّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. ثالثًا: الاستقسام بالأزلام عند الأصنام: من مظاهر تقديس العرب للأصنام الاستقسام بالأزلام عندها، ولقد جاءت الإشارة إلى هذا المظهر في آیتین من کتاب الله، وكلتا الآيتين وردتا في سورة المائدة. الأولى: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اَلْمَيْنَةُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمَّ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] الآية. والثانية: قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠]. والأزلام: عبارة عن عيدان دقيقة متخذة (٢) المصدر نفسه ص ١٢١ بتصرف. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الألف من شجر متين، يتسم بالصلابة والقوة، من أمرهم، فأديان شتى، وقبائل متفرقة، لا نظام معين يردون إليه، ولا حكومة موحدة وسمت بعلامات ميزت بعضها عن بعض، والاستقسام بها معناه: ((طلب القسم، أي: معرفة ما يقسم للإنسان ويقدر)) (١). يرجعون إليها، وصحراؤهم تبسط عليهم جناح الأمن حيناً، وتسدل عليهم الحروب أحيانًا، فضلًا عن سوء أحوال المعيشة أو ((هو طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح))(٢). واضطرابها بين جوع وشبع، وفقر وغنى .. إلخ، وكانت هذه الأمور وغيرها مثار قلق كيفية الاستقسام بالأزلام: وحيرة واضطراب لديهم، فكان لابد لهم من مذهب عنهم الحيرة والقلق، فلجأوا إلى وسائل شتى، ظنوها تجلب إليهم الطمأنينة، فلجأوا إلى التفاؤل والطيرة، فحكموا الحيوان والطير في أمورهم، وتفاءلوا بالأصوات والكلمات .. وأخيرًا اتخذوا الأزلام يستقسمون بها الغيب المخبوء عنهم)» (٤). كان العرب إذا أراد أحدهم السفر للتجارة أو الغزو ونحوهما، أو أراد زواجًا، أو حفر بئر، أو أراد معرفة نسب ولدٍ ما ... أو غير ذلك من أمور حياتهم الغيبية جاءوا إلى الأصنام، واستقسموا بالأزلام عندها، واستقرؤوها الغيب، وكان في أحد هذه الأزلام ((افعل))، وفي الآخر ((لا تفعل))، والثالث ((لا شيء فيه)) ويجعلونها في قدح معين، ثم يحركها سادن الصنم، ويأتي المستقسم ليأخذ واحدًا من هذه العيدان، فإن خرج الآمر اتتمروا، وإن خرج الناهي انتهوا، وإن خرج الثالث أعادوا الضرب حتى يخرج أحدهما (٣). سبب استقسامهم بالأزلام: لقد استقسم العرب بالأزلام، واستقرؤوها الغيب، ((لأنهم كانوا في حيرة (١) الميسر والأزلام ص ٥٥. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٨/١١. وانظر: الكشاف ١/ ٥٩٢. (٣) الميسر والأزلام ص ٦٢ - ٧٠. مؤشر التصِ الموضوي القرآن الكريم لكن الله تعالى بالإسلام حرم كل هذا الخلط والخبط العشوائي، فنهى عن الاستقسام بالأزلام ووصفه بأنه فسق «لأنه دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب، حيث يقول سبحانه: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَتَعُونَ أَيَّانَ يُّبْعَثُونَ ﴾ [النمل: ٦٥]. واعتقاد أن إلى الغيب طريقًا، وإلى استنباطه سبيلا خطأ وضلال مبين. و«قول أحدهم: أمرني ربي، أو نهائي ربي ... إلخ، افتراء على الله عظيم، وما (٤) الميسر والأزلام ص ٦٢ - ٦٦. ٢٩٠ الأوثان يدريه أن ربه أمره أو نهاه»(١)، ولو لم یکن في الاستقسام بالأزلام إلا الافتراء على الله تعالى، والكذب عليه لكفى بذلك إثمًا وزورًا، فإن كان بهذه المثابة فهو جدير بالتحريم والنهي عنه. هذا ولقد أبدلنا الله به في الإسلام صلاة الاستخارة، والدعاء فيها معروف ومشهور(٢)، وفي كلمات هذا الدعاء پفوض العبد أموره لله تعالى، ويرد علم الأشياء إلى علام الغيوب سبحانه . رابعًا: اختصاص الأصنام ببعض الحيوانات الحية: وجاء إبطال هذا المظهر في آية واحدة من القرآن، وهي قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَأَيْبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلِمٍ وَلَيْكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَغْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] تقرب عباد الأصنام إلى أصنامهم بكثير من العبادات، منها ما كان ينذره البعض من نذور، ومن هذه النذور والقرابين ((ما یکون حیوانات حیة، تسمى باسم الأرباب، فتحبس عليها، وتوقف باسمها، وتكون حرة طليقة لا يجوز لأحد أن يقربها بسوء. (١) الكشاف ١/ ٥٩٢ بتصرف. (٢) دعاء الاستخارة أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة، رقم ٦٣٨٢. ومن هذه الحيوانات الحية ما جاء في هذه الآية الكريمة: ١. البحيرة. وهي من البحر و((أصل البحر: كل مکان واسع جامع للماء الکثیر، ثم اعتبر هذا المعنى في كل واسع، فيقال: بحرت كذا، أي: أوسعته سعة البحر تشبيهاً به، ومنه بحرت البعير: شققت أذنه شقًا واسعًا، ومنه سميت ((البحيرة))، ويقال للمتوسع في علمه: بحر))(٣). وهذا خلاصة ما ورد في لفظ ((البحيرة» لغة، ولقد اختلف العلماء في تحديد وتعريف ((البحيرة)» اصطلاحًا اختلافًا كثيرًا(٤) إلا أن اختلافهم هذا يؤل إلى أن البحيرة هي: (الناقة أو الشاة التي تشق أذنها إذا ولدت خمسة أبطن أو عشرة أو بين ذلك، فإذا تم لها ذلك تركت فلا يشرب لبنها، ولا يجز وبرها، ولا يحمل على ظهرها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من کلا، فإذا ماتت حرموا لحمها على النساء دون الرجال» (٥). (٣) المفردات ص ٤٨ بتصرف ((بحر)). (٤) فصل هذه الآراء الإمام الآلوسي في تفسيره ٤ / ٤١. (٥) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٦/ ٢٠٤، ومفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١١٦، وتفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٢٩، ١٣٠، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٥/٦، ومعاني القرآن وإعرابه، الزجاج www. modoee.com ٢٩١ حرف الألف ٢. السائبة. أصل السائبة: من ((سیبته فساب، والسيب مجرى الماء)» (١) الذي ينساب فيه بين شطآنه. أو السائبة ((فاعلة من سيبته، أي: تركته وأهملته فهي سائبة، أو لمعنى مفعول کعيشة راضية)) (٢). ومن هذا الأصل اللغوي جاءت تعاريف العلماء للسائبة، ولقد اختلفوا في تعريفها اصطلاحًا أيضًا، وخلاصة أقوالهم تئول إلى أن السائبة هي ((الناقة أو البعير أو الدابة التي يبلغ نتاجها حدًا معينًا، فحينئذ تترك ولا تركب ولا يحمل عليها، ولا تمنع من ماء وکلا، وتترك سائبة لا يحل لأحد كائنًا من كان أن يخالف ذلك))(٣)، وهذه الأقوال وأشباهها تعطينا صورة كاملة لما كان عليه أهل الجاهلية من تعبد؛ لاعتقادهم أن ذلك یقربهم إلى الله زلفى. ٣. الوصيلة. قال بعض المفسرين: ((الوصيلة: هي الشاة إذا ولدت ذكرًا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، وتركوا الذكر لآلهتهم، وإن ولدت ٢١٣/٢. (١) المفردات ص ٢٥٥ بتصرف. (٢) روح المعاني، الألوسي ٤١/٤، ٤٢. (٣) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٢٠٥/٦ بتصرف، وانظر روح المعاني، الألوسي ٤ / ٤٢. ذکرًا فهو لآلهتهم، وإن ولدت أنثى فهي لهم ... وعليه فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة؛ لأنها وصلت أخاها)» (٤). وقيل: ((الوصيلة في الغنم، فإذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا، فإن كان السابع ذكرًا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن کان أنثی ترکت في الغنم، وإن کان ذکرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح لمكانها، وكان لحمها حرامًا على النساء، ولبنها كذلك، إلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء»(٥)، ولعل هذا الاختلاف راجع إلى أن كل قبيلة من قبائل العرب كان لها نظام معين في مثل هذه الأمور تسير عليه، وتنهج نهجه؛ لذا اختلف النقل عنهم تبعًا لاختلاف أنظمة القبائل، وعلى كلٍ فهذه أقوال تصور لنا جانباً من جوانب تقديس العرب للأصنام. ٤. الحامي. الحامي: اسم فاعل من حمی، أي: منع، وهو الفحل من الإبل(٦) واختلفوا في تحديد ماهيته أيضًا . فقال الفراء: ((هو الفحل إذا لقح ولد ولده حمي ظهره فلا يركب، ولا يجز له وبر، (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ١١٦ بتصرف. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٦/٦ بتصرف. (٦) تفسير البحر المحيط ٢٩/٤. مَوالَةُ النَِّيَّة القرآن الكريم ٢٩٢