النص المفهرس
صفحات 21-40
الإنسان هو المندفق بشدة قوته (١). وقد أثبت العلم نطفة أي قليل من الماء، قال تعالى: ﴿أَلَّيَكُ نُطْفَةً مِّنْ قَِّ يُعْنَى (٧)﴾ [القيامة: ٣٧]. الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة كشرط أساسي للإخصاب. وأثبت العلم أيضًا أن ماء المرأة الذي يحمل البويضة يخرج متدفقًا إلى قناة الرحم (فالوب)، وأن اندفاعة البويضة لابد أن تكون حيوية متدفقة حتى يتم الإخصاب (٢). والمراد بالماء الدافق عند المفسرين: مني الرجل ومني المرأة، وعبر عنهما بماء وهو مفرد؛ لأن الإنسان مخلوقٌ منهما، ولکن جعلهما ماءً واحدًا لامتزاجهما (٣). وقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا الماء في آياتٍ أخرى بأنه ماء مهینٌ ضعيفٌ لیس كالماء العادي المنطلق، قال تعالى: ﴿الـ نَفْلُقُكُم مِّن مََّوَمَهِينٍ ﴾ [المرسلات: ٢٠]. وقال سبحانه: ﴿ثُرَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ قَهِينٍ ﴾ [السجدة: ٨]. ووصفه الله جل وعلا في آيةٍ أخرى أنه منى رفعت ص١٨٣، إعجاز آيات القرآن في خلق الإنسان، محمد فیاض ص٦٧. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٦/٢٢، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٠/ ٢٦٢. (٢) انظر: إعجاز آيات القرآن في خلق الإنسان، محمد فياض ص٦٧ -٦٩، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص ١٢٣ -١٢٤. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٦/٢٢، البحر المحيط، أبو حيان ٤٤٩/٨. وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ، خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَّرَ وَالْأُنْثَى ® مِنْ تُطْغَةٍ إِذَا تُعْنَى ﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٦]. ثم وصف الحق سبحانه وتعالى ذلك الماء الذي هو النطفة، بأنه يخرج من بين الصلب والترائب، ذلك في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ السُّلْبِ وَالتََّآَيِبِ ﴾ [الطارق: ٧]. والصلب في اللغة: جمعه أصلبٌ وأصلابٌ وهو فقار الظهر، وهو عظم من لدن الكاهل (الكاهل من الإنسان هو مابين کتفه) إلى العجب (أي:أصل الذنب، وهو العصعص). ويقال: هو من صلب فلان: أي من ذريته. والصلب: الشديد، وباعتبار الصلابة والشدة سمي الظهر صلبًا (٤). أما الترائب: فهي جمع تريبة، وقد اختلف في معناها على أقوالٍ (٥). والراجح- والله أعلم - هو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، وهو قول جمهور المفسرين، أن المراد بالترائب: هو موضع القلادة من الصدر، لأن ذلك هو المعروف (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤٧٦/٤، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٠٥، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص٥١٩. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٩٦، ، الكشف والبيان، الثعلبي ١٧٩/١٠، النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٢٤٧. www. modoee.com ٣٤١ حرف الألف من كلام العرب، وبه جاءت أشعارهم(١). في قوله تعالى: ﴿مِن سُلَلَةٍ﴾ قال: صفو والمعنى: يخرج هذا الماء المنصب من الماء(٢). وقيل في تفسير السلالة إنها موضع العمود الفقري وأضلاع الصدر التي تضع المرأة القلادة عليها(٢). خلاصة وأصلها ما يسل ويخلص بالتصفية. ومن خلال معاني لفظة (سلالة) نستطيع المرحلة الثانية من مراحل طور النطفة: أن نتلمس مدى انطباق هذه المعاني على مرحلة السلالة: يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن قَّهِ مَهِينٍ ﴾ [السجدة: ٨]. هذه الآية تشير إلى المرحلة الثانية التي تمر بها النطفة عبر رحلتها الطويلة من المهبل إلى البويضة ليتم التلقيح وهي مرحلة السلالة. والسلالة في اللغة: على وزن (فعالةٌ)، من سللت الشيء من الشيء: إذا استخرجته منه، والسل: انتزاع الشيء وإخراجه في رفقٍ (٣). وفعالة تأتي للقليل من الشيء، نحو: القلامة، والنخالة (٤). والسلالة: الخلاصة، وأصلها ما ينسل ويخلص بالتصفية (٥). يمنعه شيءٌ)(٨). فالحديث صريحٌ في أنه ليس من كل الماء يكون الولد، وإنما من جزء يسيرٍ (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٦٠١. (٧) من علم الطب القرآني، عدنان الشريف ص٤٠. (٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٢١/١١، (٨) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب حكم العزل، رقم ٦٥٦/١،١٣٣. محاسن التأويل، القاسمي ٤٨١٢/١٣. ٣٤٢ مَوَسُوبَة النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ النطفة (الحيوانات المنوية للرجل والبويضة للمرأة)، فقد ذكر علماء الطب أنه من بين مئات الملايين من الحيوانات المنوية التي توجد عادة في نطفة الرجل، ينسل حيوان واحد فقط منها كلها ليلقح بويضة المرأة التي تنسل هي بدورها من حويصلة البويضة، لتلتقي بسلالة الرجل في أنبوب الرحم. وبذلك تنشأ البويضة الملقحة، ويبدأ الحمل (٧). وهذا هو ما تدل عليه لفظة السلالة من (التصفية والانتقاء) وهذا يؤكد لنا أيضًا دلالة اللفظة على (القلة) فهي عبارة عن جزء يسير جدًا من نطفة الرجل والمرأة. ومن هنا نفهم سر الإعجاز الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من كل الماء وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيءٍ لم (١) جامع البيان ٢٤/ ٢٩٦. (٢) تفسير جزء عم، مساعد الطيار ص١١٥. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٩٢/١٢، العين، الفراهيدي ٧/ ١٩٢، لسان العرب، ابن منظور ٢٠٧٤/٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١٠١٥. (٤) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٤/ ٢٠٥، معاني القرآن، النحاس ٤ / ٤٤٦. الإنسان منه(١). ولم يكتشف الحيوان المنوي والبويضة إلا في القرن السابع عشر مع اكتشاف المجهر، ولم يعرف دورهما الحقيقي في تكوين الجنين إلا في القرن التاسع عشر. أما القرآن الكريم فقد أعطى الحيوان المنوي والبويضة اسم (السلالة) وهي التسمية الأبلغ والأسهل والأصح علميًا، إذ إنها تعني النخبة المستخلصة والمنسلة من الشيء، وهي من صفات الحيوان المني وميزاتهما(٢). المرحلة الثالثة من مراحل طور النطفة: مرحلة النطفة الأمشاج. أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة من مراحل النطفة في قوله تعالى: ﴿إِنَّاخَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]. والمشج في اللغة: الخلط، يقال: مشج يمشج مشجًا إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط(٣). قال ابن فارس: (( الميم والشين والجيم أصلٌ صحيحٌ، وهو الخلط. ونطفةٌ أمشاجٌ، (١) خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص٣٨٧. (٢) من علم الطب القرآني، عدنان الشريف ١٦٦. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٥٥١/١٠، لسان العرب، ابن منظور ٤٢٠٧/٦، تاج العروس، الزبيدي ٢١٤/٦. وذلك اختلاط الماء والدم. ويقال إن الواحد مشجٌ ومشج ومشيج)) (٤). ومن خلال استقراء أقوال أهل التفسير حول معنى (أمشاج) تبين أن أغلبهم متفقون على أن الأمشاج هي الأخلاط من ماء الرجل (الحيوان المنوي) وماء المرأة (بويضتها). ولكن الخلاف الذي وقع بين المفسرين هو في المقصود بذلك الخلط، وكيفيته. وهذه النطفة الأمشاج تعرف علميًا عند بدء تكوينها (بالزيجوت) (٥). وقد كانت العرب وبعض الأمم تعتقد أن تکوین الجنين إنما یکون من الرجل، ولیس للمرأة إلا الحمل والرعاية، وليس كذلك، بل إن الجنين يتكون من عملية التلقيح بين الحيوان المنوي للرجل والبويضة للأنثى ليكونا خلية واحدة تحمل الصفات الوراثية لكل منهما، وهي النطفة التي جاء وصفها في القرآن الكريم ب (النطفة الأمشاج) (٦). ويمكن تقسيم النطفة الأمشاج إلى: طور الخلق: وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الطور في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ: (١) [عبس: ١٨ - ١٩] (٤) مقاييس اللغة ٣٢٦/٥. (٥) علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة، عبدالمجيد الزنداني ص ٤٤. (٦) الإنسان وجوده وخلافته في الأرض، عبدالرحمن المطرودي ص ٤٠. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الألف طور التقدير: ذكر الحق سبحانه وتعالى التقدير بعد الخلق مباشرة بوصفهما عمليتين متعاقبتين في أول تطورات النطفة الأمشاج، وهذا هو ما يتحقق یقینًا، فبعد ساعات من تخلق إنسان جدید، تبدأ عملية أخرى تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين (١). المرحلة الرابعة من مراحل طور النطفة: مرحلة الحرث (الانغراس). هذه المرحلة هي آخر مرحلةٍ في طور النطفة، وبنهايتها تنتقل النطفة الأمشاج لتنغرس في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية الحرث، وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث، ويكون عمر النطفة حينئذٍ ستة أيام (٢). والحديث عن مرحلة الحرث يقتضي الحديث عن المكان الذي تستقر فيه النطفة في جسد المرأة، ألا وهو رحم المرأة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى هذا المكان بوصفين جامعين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ مَّكِيرٍ ﴾[ ١٣ ﴾ [ المؤمنون: ١٣]. وقوله جل وعلا: ﴿أَلَّنَخْلُقُكُم مِّن مَّآءِ تَهِينٍ ◌َفَجَعَلْتَهُ فِي قَرَارٍ تَكِينٍ (١) إِلَ قَدَرٍ مَّعْلُوبٍ ) ٢٠ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ ﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]. (١) إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فیاض ص٧٩. (٢) المصد السابق ص ٨٠. هذان الوصفان هما (قرار) و(مكين)، وهما يعبران أتم التعبير عن أهم خصائص الرحم ومميزاته. والقرار: المستقر، وهو موضع الاستقرار، والمراد بالقرار: الرحم، ومكينٌ: أي متمكنٌ قد هيئ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له (٣). الطور الثاني: طور التخليق. ويشمل هذا الطور أربع مراحل هي: العلقة، والمضغة، والعظام، واللحم. ومن أهم ما يميز هذا الطور هو التكاثر السريع للخلايا ونشاطها الفائق في تكوين الأجهزة، ولأن هذه العمليات التخليقية تتم بسرعة كبيرة، فقد استعمل القرآن الكريم حرف الفاء للربط بين مراحل هذا الطور. قال تعالى: ﴿أُوَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَتْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤] (٤). المرحلة الأولى: مرحلة العلقة. تطلق العلقة في اللغة على عدة معانٍ منها: ١. التشبث بالشيء، يقال: علق الصيد في (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤ /٤٨، التفسير البسيط، الواحدي ٥٣٨/١٥. (٤) انظر: إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص ٨٥، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص١٥٤. ٣٤٤ جَوَسُولَة النَّفِيَّة القرآن الكْرِيْمِ الإنسان الحبلة، وعلق دم فلانٍ بزيدٍ إذا كان زيد بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة)) (٤). قاتله(١). ٢. دودة في الماء تمص الدم (٢). ٣. الدم الجامد الغليظ (٣). وقد ورد ذكر العلقة في القرآن الكريم ست مراتٍ في خمسة مواضع على النحو يمر بمرحلة الدم المتجمد أو كتلة الدم (٦). الآتي: قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن ◌ُغْفَّةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَقِ﴾ [الحج: ٥] ، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ وقال سبحانه: مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ (٢) ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارِ تَّكِينِ ، فُرَّ خَلَقْنَا النَّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا اٌلْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. وقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]. وقال عز وجل: ﴿أَلَيَكُ نُطْفَةً مِّنْ شَِّ يُعْنَى ﴾ [القيامة: ٣٧ - ٣٨]. ثُمَ كَانَ عَلَقَةٌ فَخَلَقَ فَسَوَّى وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: ١ - ٢] وفي سبب تسميتها بذلك يقول ابن الجوزي: ((سميت علقة لرطوبتها وتعلقها (١) المفردات، الراغب الأصفهانى ص ٣٤٣. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٦/٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٠٧٥/٤. (٣) انظر: المصادر السابقة. ومن خلال تتبع أقوال المفسرين في تفسير معنى العلقة، تبين أن أغلبهم فسروا العلقة بالدم الجامد أو العبيط (٥). بيد أنه من المعروف علميًا أن الإنسان لا لكن إذا عرفنا أن حجم العلقة عند انغرازها لا يزيد عن ربع مليمتر أدركنا على الفور لماذا أصر المفسرون على أن العلقة هي الدم الغليظ. فالعلقة لا تكاد ترى بالعين المجردة، وهي مع ذلك محاطة بالدم من كل جهاتها، فتفسير العلقة إذن بالدم الغليظ ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة، ولم يبعد بذلك المفسرون عن الحقيقة كثيرًا، فالعلقة العالقة بجدار الرحم والتي لا تكاد ترى بالعين المجردة محاطةٌ بدمٍ غليظٍ يراه کل ذي عینین(٧). وبعد أن تقدم العلم لاحظ العلماء أيضًا أن الجنين في هذه المرحلة يفقد شكله المستدير ويستطيل حتى يأخذ شكل دودة (٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٥ /٤٠٦. (٥) انظر: الكشاف ١٧٧/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٩/٢٣، فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٥٩٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٧/١٧. (٦) التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، موريس بو کاي ص٢٤٢. (٧) خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص٢٠٦. www. modoee.com ٣٤٥ حرف الألف العلقة، وفى هذه المرحلة يتشبث الجنين بالمشيمة بواسطة ساقٍ موصلةٍ تصبح فيما بعد هي الحبل السري وهو ما يتفق مع معنی (التشبث بالشيء) (١). وبهذا نلاحظ أن لفظة (علقة) جاءت مطلقةً في القرآن الكريم لتشتمل على كل المعاني اللغوية السابقة، حيث إن اسم (علقة) يتسع ليشمل وصف الهيئة العامة للجنين كدودة العلقة، كما يدل لفظ (علقة) على تعلق الجنين بالمشيمة. كذلك نجد أن المظهر الخارجي للجنين وأكياسه يتشابه مع الدم المتخثر الجامد الغليظ (٢). المرحلة الثانية: مرحلة المضغة. المضغة في اللغة: فعلٌ من مضغ، وهي تطلق على عدة معانٍ منها: ١. الشيء الذي لاكته الأسنان (٣). ٢. الشيء الصغير من المادة، مأخوذةٌ من قولنا: مضغ الأمور، أي صغارها (٤). ٣. القطعة من اللحم قدر ما يمضغ(٥). وقد ورد ذكر المضغة في القرآن الكريم (١) إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٨٦. (٢) المصدر السابق. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٣٠/٥، تاج العروس، الزبيدي ٥٦٨/٢٢، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ٨٧٤. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٤٢٢٢/٦. (٥) تهذيب اللغة، الأزهري ١٨/٨-٢٠، الصحاح، الجوهري ١٣٢٦/٤، تاج العروس، الزبيدي ٥٦٩/٢٢. ثلاث مراتٍ في موضعين على النحو الآتي: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ أُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ تُخْرِيحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُنَوَلَّى وَمِنكُمْ مَّن يُرَّدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]. وقال سبحانه: ﴿قُتَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأَنَهُ خَلْقًا ءَخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ [المؤمنون: ١٤]. وفي سبب تسميتها بذلك يقول ابن قتيبة: « وسميت بذلك؛ لأنها بقدر ما يمضغ، كما قیل: غرفة لقدر ما یغرف»(٦). وقد فسرت المضغة بقطعة اللحم الصغيرة بقدر ما يمضغ(٧)، وهو ما يتطابق مع المعاني اللغوية، وقد أوضح علم الأجنة الحديث مدى الدقة في اختيار القرآن الكريم لتسمية (مضغة) من حيث ارتباطها بالشكل الخارجي للجنين، وتركيباته الداخلية الأساسية. فقد وجد أنه بعد تخلق الجنين والمشيمة في هذه المرحلة، فإن (٦) غريب القرآن ص٢٩٦. (٧) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/٢٣، روح المعاني، الألوسي ٩/ ١١٢. ٣٤٦ القرآن الكَرِيمِ الإنسان الجنين يتلقى الغذاء والطاقة، وبذلك تتزايد تكرير الفعل، أي خلقًا بعد خلقٍ، والنطفة لا يمكن وصفها بذلك، كما أن تفسير (المخلقة) بتامة الخلق أو مستبينة الخلق، و(غير المخلقة): بغير ذلك، هو المشهور من كلام العرب. عملية النمو بسرعةٍ، ويبدأ ظهور الكتل البدنية المسماة فلقات، والتي تتكون منها العظام والعضلات. ونظرًا لتعدد الفلقات التي تتكون، فإن الجنین یبدو وكأنه مادةٌ ممضوغة عليها طبعات أسنانٍ واضحة (١). أطوار المضغة: يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿یَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَحْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن ◌ُضْغَةٍ تَخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ [الحج: فِيِ آلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلِ ﴾ ٥]. يتضح من هذه الآية أن هناك طورين للمضغة هما، الأول: طور المضغة المخلقة. والثاني: طور المضغة غير المخلقة. وقد اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿مُحَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، وهل هي من صفات النطفة أم من صفات المضغة (٢). والراجح- والله أعلم- أن معنى مخلقة، أي: تامة، وغير مخلقة، أي: غير تامة، وأن هذا من صفات المضغة، لأن ذلك تطورٌ من تطورات المضغة، والتخليق صيغةٌ تدل على (١) انظر: إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص٩٣، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص١٧٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٢/١٩، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٧/ ٤٨٤٤، النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٧. المرحلة الثالثة: مرحلة العظام. هذه المرحلة من أطوار خلق الإنسان وردت في قوله تعالى: ﴿أَُّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا اُلْمِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأَتَهُ خَلْقَاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: ١٤] العظام: جمع عظم، وهو ما منه تركيب الجسد للإنسان والدواب(٣). والعظام المرادة في الآية هي عظام الجنين، جعلها سبحانه متصلبة ؛ لتكون عمودًا للبدن على أشكال مخصوصة (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ﴾ نلاحظ أن استعمال حرف (ف) يشير إلى أن مرحلة العظام تنمو بعد مرحلة المضغة بفترة قصيرةٍ؛ لأن حرف الفاء يفيد الترتيب والتعقيب، بخلاف حرف (ثم) الذي يفيد الترتيب والتراخي (٥). والمعنى: أن المضغة بعد أن تخلقت، (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ١٢٣. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٦٤٩/٣. (٥) إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص١٠١. www. modoee.com ٣٤٧ حرف الألف وتميزت أجزاؤها، جعلها الله تعالی عظامًا، أي: جعل من هذه المضغة عظامًا صلبةً أن ذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم تتحمل(١). ومن ثم فإن المضغة لا تتحول کلها إلى عظام- کما ذکر ذلك بعض المفسرین-، وإنما يتحول جزءٌ منها فقط، وهذا متفقٌ مع ما کشفه علم الأجنة. قال الألوسي وأبو ◌َلَقْنَا الْمُضْغَةَ السعود: قوله تعالى: أي: غالبها ومعظمها أو كلها (٢). المرحلة الرابعة: مرحلة اللحم. بعد خلق العظام تأتي مرحلةٌ تاليةٌ تتمیز بکساء جمیع العظام باللحم من كل الجهات، فبذلك یتغیر شکل الجنین، ویصیر هنالك تناسقٌ بين الأعضاء، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قَكُسَوْنَا اٌلْعِظَمَ ◌َحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]. أي: فأنبتنا عليها اللحم فصار لها کاللباس(٣). ومن خلال تتبع أقوال المفسرين نلاحظ أنهم لم يخوضوا في تفصيلات إنبات اللحم على العظم، وإنما اكتفوا بما ذكرناه أو نحوًا منه بإيجاز شديد.لكن السؤال الذي يرد هنا، هل هذا اللحم من لحم المضغة أم لحمًا آخر خلقه الله على العظام؟ (١) زهرة التفاسير ٩/ ٥٠٥٣. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤/ ٥٢، روح المعاني، الألوسي ٢١٦/٩. (٣) مدارك التنزيل، النسفي ٢٦١/٢. ذكر الألوسي قولين في تفسيره: الأول: المضغة بأن لم تجعل كلها عظامًا، بل بعضها ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها. الثاني: يحتمل أن يكون لحمًا آخر خلقه الله تعالى على العظام من دم في الرحم (٤). هذان القولان مبنيان على ما سبق ذكره من كون بعض المفسرين ذهب إلى أن المضغة كلها تتحول إلى العظام، وبعضهم ذهب إلى أن التحويل يكون لجزءٍ منها. وقد مال البيضاوي إلى القول الأول قائلًا: ((قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَتْمًا﴾ مما بقي من المضغة، أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها)) (٥). الطور الثالث: طور النشأة. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأَنَهُ خَلْقَاءَاخَرَّ فَتَبَارَكَ [المؤمنون: ١٤]. اللّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ والإنشاء كما ذكر الراغب: إيجاد الشيء وتربيته (٦). والإنشاء هو الإحداث حالاً بعد حالٍ من غیر احتذاء على مثال، ومنه يقال: نشأ الغلام وهي ناشئ: إذا نما وزاد شيئًا فشيئًا، وقال بعضهم: الإنشاء: ابتداء الإيجاد من غیر سبب(٧). (٤) روح المعاني ٩/ ٢١٧. (٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٤٦٤. (٦) المفردات ص ٤٩٣. (٧) الفروق اللغوية، العسكري ص ٨٠. ٣٤٨ مَوسُو ◌َرُ النَّفِد القرآن الكريم الإنسان وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرْ﴾ بیان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان، أي: ثم صيرنا هذا الإنسان بشرًا سويًا، بعد أن كان نطفةً، فعلقةً، فمضغةً، فعظامًا، فلحمًا یکسو هذه العظام، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى أنه حق، إذ قدرته- سبحانه- لا يعجزها شيء (١). وعليه: فقد صير الله تعالى هذا الإنسان خلقًا مباينًا للخلق الأول، حيث جعله حيوانًا، وكان جمادًا،وناطقًا وسمیعًا وبصيرًا، وكان بضد هذه الصفات (٢) (١) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٠/ ١٨. (٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٣/ ٥٦٥. الإنسان بين الإيمان والكفر خلق الله عز وجل الإنسان وسواه بيده، ونفخ فيه من روحه، و کرمه وفضله علی کثیر من المخلوقات. قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَخَلْنَهُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَبِبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا *[الإسراء: ٧٠]. ٧٠ وكان من مظاهر تشريف وتكريم الله للإنسان تكليفه، ومنحه نعمة العقل التي بها یوازن بين ما ينفع وما يضر، وبها يتلقى دعوات الأنبياء وما نزل به الوحي من السماء، وجعله مختارًا يستطيع أن يختار بين البدائل ما يشاء دون قسرٍ أو إجبارٍ، فله حرية الاختيار بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الانضواء في حزب الله أو حزب الشيطان. وتظهر جليًا حرية الاختيار التي ميز الله بها الإنسان، من خلال قصة آدم عليه السلام الذي كان يملك القدرة على الاختيار بين طاعة الله ومعصيته. قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ فَقُلْنَا يَّفَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا www. modoee.com ٣٤٩ حرف الألف فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا تَضْحَى لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. يَتَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَا يَبْلَى ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى ءَدَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى (١)﴾ [طه: ١١٦ - ١٢١] فالخطاب الموجه من الله تبارك وتعالى لآدم عليه السلام يدل دلالةً واضحةً على أنه موجه لمن يتمتع بحرية الاختيار، ولمن يمتلك الاستعداد نحو الطاعة والمعصية، ولمن هو موضع التكليف، ولذلك مارس آدم عليه السلام کامل حریته، وعصی الله، فالحرية مغروسةٌ في فطرة الإنسان منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام (١). فالله تعالى أودع في الإنسان استعدادات وقدرات للتمييز بين الخير والشر وبين الهدى والضلال، ومن الآيات الدالة على فطرية الحرية الإنسانية. قوله تعالى: ﴿أَلْ فَجْعَل لَّهُ, عَيْنَيْنِ ) وَلِسَانًا وَشَفَيْ ل وَهَدَيْنَهُ النَّجْدِينِ (ن)﴾ [البلد: ٨ - ١٠]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاٍ تَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * [الإنسان: ٢ - ٣]. O وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ (١) المبادئ التربوية لطبيعة الإنسان في القرآن، هشام بني خلف ص ١١ - ١٢. وقوله عز وجل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ﴿٢ لِمَن شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٨]. وقوله سبحانه: ﴿فَأَعْبُدُواْمَا شِئْتُم مِّن دُونُِ قُلْ إِنَّ الْخَسِنَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: ١٥]. وبناءً على ذلك فالإنسان حرٌ في اختيار نوع الطريق الذي يسلكه في الحياة الدنيا، فإما أن يختار طريق الحق والاستقامة أو أن يختار طريق الغواية والضلال(٢)، لكن الحق سبحانه وتعالى إذ جعله مختارًا لم یترکه سدی، وإنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب وأرشده إلى الطريق الصحيح. وقد جعل الحق سبحانه وتعالى طبيعة الإنسان صالحةً للميل إلى الخير كما أنها صالحة للميل إلى الشر، فقال تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَمَمَهَا بُرَهَا وَتَقْوَنُهَا * [الشمس: ٧ - ٨]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَبْتَلِيهِ فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) إِنَّا هَذَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ـا﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. (٢) المصدر السابق. ٣٥٠ جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الإنسان وقرن سبحانه صلاحية طبيعته للفجور والتقوى بمنحه القدرة على تحقيق ما تميل إليه نفسه، وبين له أن نتيجة اختياره وثمرة عمله ستعود عليه، ومن نوع ما عمل. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّتَهَا ( ١) وَقَدْ شَابَ مَنْ دَسَّنَهَا ﴾ [الشمس: ٩ - ١٠](١). وإذا كانت طبيعة الإنسان صالحةً للميل إلى الخير وللميل إلى الشر، فإن الميل إلى الخير هو الجانب الأغلب في هذه الطبيعة، حيث إن الله عز وجل فطر الإنسان على الإخلاص والتوحيد إذ هو ما تقتضيه العقول السليمة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾ [الروم: ٣٠]. وإنما كفر من كفر لعارضٍ أخرجه عن أصل فطرته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)(٢). ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الذِينُ الْقَبْدُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: ٣٠]. (١) انظر: مقومات الإنسانية في القرآن الكريم، أحمد مهنا، ص٨-٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ١٠٠/٢، رقم ١٣٨٥. يعني يخلق الله الفطرة التي خلق الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن الله لا يبدلها أي: لا يخلق الناس على غيرها، ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى (٣). وليس معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة) أنه يخرج من بطن أمه وهو يعلم هذا الدين ويعرفه، ولكن المراد أن فطرته موجبةٌ ومقتضيةٌ لمعرفة كل ما هو حقٌّ، فقد صرح القرآن أن الإنسان يولد وهو لا يملك من المعرفة شيئًا، ثم يتم اكتساب مهارات وقيم من خلال أدوات الطاقة التي منحه الله تعالى إياها. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) [النحل: ٧٨]. كما بين القرآن أن الإنسان إذا بلغ مبلغ الرشد، وأصبح مسئولًا عن تصرفاته فإنه ینقسم- بسبب اختياره وإرادته- إلى مؤمنٍ وکافٍ، أو طائع وعاصٍٍ، أو مهتدٍ وضاٍ، وتلك هي المرحلة التي نراها في كثيرٍ من آيات الله البينات، وقد حكم على الإنسان فيها بأحد الوصفين (٤). (٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١٦٧،١٦٨/٢. (٤) مقومات الإنسانية في القرآن الكريم، أحمد www. modoee.com ٣٥١ حرف الألف ويلاحظ أن القرآن الكريم في تقسيمه الإنسان إلى مؤمنٍ وكافرٍ، إنما يفعل ذلك بعد أن يذكر بعض النعم التي أسبغها على عباده جميعًا مما يستلزم الشكر والاعتراف بالجميل والإقرار بالفضل. ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ أَمْشَاءِ تَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًّا إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. نلمس المساواة بين الأفراد جميعًا في كل ما ذكر، ونجد أن النعم التي تحدث القرآن عنها لا دخل للفرد فيها، ولا إرادة له في الحصول عليها أو الحرمان منها، وإنما هي هبةٌ من الله له، أما ما بعد ذلك من قوله سبحانه في الآية نفسها: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ فهو ينطق بإسناد الشكر أو الكفر إلى الإنسان، وهو ما يحقق التفرقة بین من يعترف بالجميل ومن يجحد الفضل ولا يقدر النعمة. وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فيِ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: ٤]. لا تخطئ المساواة التامة في ذلك بين أفراد النوع کله. لكن التفرقة جاءت في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرٌ عَمَنُونٍ ﴾ [التين: ٥ - ٦]. وهي تفرقةٌ مشروعةٌ ومسببة. وفي قوله عز وجل: ﴿﴿ وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٠]. تبرز المكانة التى أعدها الله لهذا الإنسان في هذه الحياة، وهي مرحلة الاختبار والابتلاء، وكما قرر القرآن وقررت الأدیان السماوية جميعًا، لا بد من نتيجةٍ لهذه المرحلة. ولا بد من تفرقةٍ بين من شكر النعمة ومن جحد بها وأنكرها، وهو ما نجده في الآيتين التاليتين: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أَنَاسٍِ بِإِمَتِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِنِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( وَمَنْ كَانَ فِ هَذِيِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧١ - ٧٢]. ٧٢ وفيما قصه القرآن الكريم من شأن آدم عليه السلام نجد هذا المنهج واضحًا جليًا، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَقَّ ءَادَمُ مِن زَیِّهِ، كَلَِتٍ فَنَابَ عَلَيْةٍ إِنَّهُ هُوَ النَّوَابُ الرَّحِيمُ ) قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًاً فَإِمَّا يَأْتِيَتَّكُمْ مِنِى هُدَى فَمَنْ تَبِعَ هُدَائَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَّا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ ـطر. [البقرة: ٣٧ - ٣٩]. ٣٩ "هُمْ فِهَا خَلِدُونَ لَ وقوله عز وجل: ﴿ قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْفَى مهنا ص١٨ - ١٩. ٣٥٢ القرآن الكريم الإنسان وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً اٌلْضَّلَلَةُ فَسِيْرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا كَيْفَ ١٢٣ ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ))﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. فهداية الله إلى عباده والممثلة في رسالاته وهديه عامةٌ وشاملة، أما أثر هذه الهداية في الناس فيختلف باختلاف موقفهم منها وعليهم تبعات هذا الموقف. وهذا الذي وجه إلى آدم عليه السلام في أول عهد الإنسان بالحياة، وجه إلى ذريته كذلك يقول جل شأنه: ﴿يَبَفِيّ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ كَايَِى فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ وَالَّذِينَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٥ - ٣٦] (١). ويلاحظ أنه ما من أمةٍ بعث الله إليها رسولًا إلا انقسم أهلها قسمين لا ثالث لهما: مؤمن وكافر، وإن تفاوتت درجاتهم في الدنيا واختلفت درجاتهم ودركاتهم في الآخرة. فالمؤمنون منهم السابقون، ومنهم أصحاب اليمين ؛ والكافرون تختلف دركاتهم، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار، حیث یعلوهم إخوانهم الكفار. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَِّ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتُ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ (١) المصدر السابق ص١٩-٢٢. كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: ٣٦]. بين سبحانه أنه ما ترك أمةً من غیر نذيرٍ، بل بعث في کل أمةٍ رسولها بالحق، وهذا من رحمة الله بعباده، حیث لم یتر کهم دون عون لهم في صراعهم المستمر طول وجودهم في هذه الحياة، بل أنار أمامهم الطريق وتعهدهم في أطوار حياتهم بالرسالات التي بينت لهم ما تتطلبه الحياة الصالحة في كل عصر. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِرٌ [فاطر: ٢٤]. وقد تلقى الناس رسالة الرسل الهادية المرشدة ما بين مهتد مؤمن، وما بين ضالٍ قد حقت عليه الضلالة. ﴿فَمِنْهُم مَنْهَدَى اللهُ ﴾ أي: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفقه لتصديق رسله والقبول منها، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح، ونجا من عذاب الله، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّالََّةُ﴾ أي: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم، آخرون حقت عليهم الضلالة فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله، وكذبوا رسله، واتبعوا الطاغوت فأهلكهم بعقابه، وأنزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَ ثَمُودَ (٢) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٢١٧. www. modoee.com ٣٥٣ حرف الألف أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾[النمل: ٤٥]. يعني: مؤمنون و کافرون(١). وقد ذكر الله عز وجل هذه الخصومة في قوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ) قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِ كَفِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦]. ء وهذا أيضًا دليلٌ واضحٌ جدًا، على أنهم کانوا فریقًا واحدًا قبل أن يرسل الله إليهم صالحًا مجتمعين على الكفر، ثم انشق منهم فریقٌ آخر وهم نبي الله صالح ومن آمن به، ومن لم يؤمن بقي في الفريق الأول، ولا ثالث لهما. صفات الإنسان وصف الحق سبحانه وتعالى الإنسان بصفاتٍ عديدةٍ في القرآن الكريم، نتوصل من خلالها إلى فهم أنفسنا ومعرفتها، كي نحافظ على الجيد منها، ونعالج الرديء؛ ليستطيع الإنسان أداء رسالته، وهذه الصفات بعضها فطريٌّ جبليٌّ، وبعضها الآخر مكتسبٌ، وفي المطلبين الآتيين سأتناول تفصيل تلك الصفات. أولًا: صفاتٌ فطرية: ١ . الضعف. وصف الله عز وجل الإنسان بأنه مخلوقٌ ضعيفٌ، فقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا )﴾ [النساء: ٢٨]. أي خلقه الله والضعف ملازمٌ له، ولیس الضعف المذكور هو الضعف البدني فقط، بل يشمل الضعف النفسي، وضعف العزيمة والإرادة، وضعف القدرة على الضبط الدائم تجاه دوافع نفسه وغرائزه وشهواته وأهوائه(٢). وقال الراغب: ووصف الإنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى، نحو: ﴿وَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ التَّكُ﴾ [النازعات: ٢٧]. أو باعتباره بنفسه دون ما يعتريه من فيض (١) انظر: تفسير السمرقندي ٤٩٩/٢، زاد (٢) الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ٣٧٠/١. المسير، ابن الجوزي ٦/ ١٨٠. مَوَسُو ◌َرُ الْبَينِ الوضوء القرآن الكريم ٣٥٤ الإنسان الله ومعونته، أو اعتبارًا بکثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتبارًا بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤]. وأما إذا اعتبر بعقله، وما أعطاه من القوة التي يتمكن بها من خلافة الله في أرضه، ويبلغ بها في الآخرة إلى جواره تعالی فهو أقوى ما في هذا العالم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ٧٠) ﴾ [الإسراء: ٧٠](١). وإِذ خلق الله الإنسان ضعيفًا، فقد قضت حكمتهعز وجل أن يراعي هذا الواقع فيه، في أحكامه وشرائعه لعباده، وفي أصول وقواعد محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم، وفي وسائل تربيتهم وتعليمهم. ٢. العجلة. قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ اَلْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَهُ. بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَنُ عَجُولًا ﴾ [الإسراء: ١١]. أي في طبعه العجلة في الأمور، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير. وكما في قوله سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧]. والعجل هو العجلة والتسرع والسبق إلى مخاطر الأمور من غير تفكير، ومعنى أنه خلق من عجل، المبالغة في عجلته، كما يقال: خلق من كرم مبالغة في الكرم، والعرب قد (١) المفردات ص ٢٩٥-٢٩٧. تسمي المرء بما يكثر فيه. وليس أصل فطرة العجلة من النقائص في تكوين الإنسان الفطري؛ لأنها تمثل في الإنسان عنصرًا مهمًا من حوافز الجد والعمل، ولكنها تغدو من النقائص حین یسيء الإنسان إدارتها، أو يهملها، إذ المفروض فيها أن تكون خاضعة لعقل الإنسان وإرادته، فإذا انعكس الأمر فصارت هي المسيطرة على العقل والإرادة، اختل توازن الإنسان وجانب سبيل الحكمة في الأمور (٢). ٣. الجدل. وصف الله عز وجل الإنسان بأنه أكثر شيءٍ جدلًا، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٤]. أي: وكان الإنسان بحسب جبلته، أکثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل (٣). قال الراغب: ((الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله، ومنه الجدیل، وجدلت البناء أحكمته، ودرعٌ مجدولةٌ)» (٤). وذهب الألوسي إلى أن الأليق بالمقام أن يراد به هنا الخصومة بالباطل والمماراة وهو الأكثر استعمالًا (٥). والسبب في (٢) الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ٣٩٠/١. (٣) روح المعاني، الألوسي ٣٨٣/٨ . (٤) المفردات ص٨٩ . (٥) روح المعاني ٣٨٣/٨ . www. modoee.com ٣٥٥ حرف الألف كون الإنسان أكثر شيءٍ جدلا أن القدرات والسلام ذلك، ولكنه يريد أن يحثهما، وأراد عليّ رضي الله عنه أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة رضي الله عنها (٣). الفكرية التي زود الله الإنسان بها، قد مكنته من استخدام حیلٍ كثيرةٍ، تعتمد على الإظهار والإخفاء، والمراوغة والمخادعة بمكرٍ عظيم، فهو بذلك قادرٌ على أن يكون طويل النفس في المجادلة بالحق أو بالباطل(١). وقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَّلًا ﴾ [الكهف: ٥٤]. هذا وقع في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالبٍ وزوجه فاطمة رضي الله عنها حين جاء إليهما ذات ليلةٍ ووجدهما نائمین فقال: (ألا تصلیان)، قال علي رضي الله عنه : ((إن أنفسنا بيد الله ولو شاء لأيقظنا)»، فانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ آلْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ﴾﴾(٢). ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الفريضة: من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فعذر الناسي والنائم وهو يعلم عليه الصلاة (١) الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ٣٦١/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب تحريض النبي، صلى الله عليه وسلم، على قيام الليل، رقم ١٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرهاً، باب ما روي فیمن نام أجمع حتى أصبح، رقم ٧٧٥. ٤. التقتير. وصف الله عز وجل الإنسان بأنه قتورٌ في أصل فطرته، فقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآَيِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنَنُ قَتُورًا ﴾ [الإسراء: ١٠٠]. والقتر والتقتير في اللغة: يعني الرمقة من العيش. والإقتار يقصد به: التضييق على الإنسان في الرزق، ولذا يقال: أقتر الله رزقه أي ضیقه وقلله. والقتر: ضيق العيش، يقال أيضًا: قتر الرجل على عياله: أي ضيق عليهم في النفقة (٤). وكلمة (قتور) صيغة مبالغةٍ على وزن فعول، وقد جاءت في القرآن دالةً على الإنسان البخيل الشحيح الذي يمسك عن الإنفاق. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا ﴾ أي: بخيلًا مضيقًا(٥). وبين الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى أن بخل الإنسان سببه حبه للمال، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُّ : (٣) تفسير القرآن الكريم، سورة الكهف، ابن عثيمين ص ٩٧ . (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٥٢٥/٢. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٩٨/١٥، تفسير السمر قندي ٢٨٥/٢. ٣٥٦ القرآن الكريم الإنسان [العاديات: ٨]. إذ عطف نفي الهلع على نفي الجزع، ومما يدل كذلك على أن الشح صفةٌ ولو كان الهلع هو الجزع لم يحسن العطف، ملازمةٌ للنفس الإنسانية بوجهٍ عام قوله ولو كان الهلع أشد الجزع كان عطف نفيه على نفي الجزع حشوًا. والذي استخلصته تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْآَنْفُسُ الشَّخَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. من تتبع استعمالات كلمة الهلع أن الهلع قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما ٥. الهلع. يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاق منه» (٧). وصف الحق سبحانه وتعالى الإنسان بأنه خلق هلوعًا، فقال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الْإِنسَنَ ◌ُلِقَ هَلُوعًا (٦﴾[المعارج: ١٩]. والهلع: بعد الحرص. رجلٌ هلعٌ هلوعٌ هلواعٌ هلواعةٌ: جزوعٌ حريصٌ (١). وقيل: الهلع: الجزع وقلة الصبر (٢)، وقيل: الهلع: أفحش الجزع (٣)، وقيل: الهلوع: الضجور (٤)، وقيل: الهلوع: الذي يفزع ويجزع من الشر(٥). هذا ما فسر به بعض من أئمة اللغة لفظة (الهلع)، ولكن ابن عاشور علق على ما أورده أئمة اللغة قائلًا: « الجزع أثر من آثار الهلع وليس عينه، فإن ذلك لا يستقيم في قول عمرو بن معديكرب (٦): ما إن جزعتُ ولا هلعـ ستُ ولا يرد بکاي زندا (١) العين، الفراهيدي ١/ ١٠٧. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٤٦٨٥. (٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٧٧٦. (٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ١٤٣. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٤٦٨٥. (٦) البيت في ديوانه ص٥٩١. وقد فسر أكثر المفسرين وأهل اللغة الهلع الموجود في فطرة الإنسان بأنه إذَا مَسَّهُ الشَّرُّجَرُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ أَْخَيْرُ مَنُوعًا )﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١]. فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عن عكرمة قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الهلوع، فقال: هو كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١]. وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن ذلك أيضًا فقرأ الآية. وحكى نحوه عن ثعلب قال: قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع ؟ فقلت: قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره سبحانه، يعني قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُ جُوعًا ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (١﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١](٨). (٧) التحرير والتنوير ٢٩/ ١٦٧ . (٨) انظر: روح المعاني، الألوسي ٦٩/١٥. www. modoee.com ٣٥٧ حرف الألف ٧. الظلم والجهل. وصف الإنسان بالظلم وبالجهل في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنَّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]. والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه. والظلم: الميل عن القصد، والعرب تقول: الزم هذا الصواب ولا تظلم عنه، أي: لا تجر عنه (١). والظلم: الاعتداء على حق الغير، وأريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة (٢). والجهل في اللغة: هو عدم العلم أو هو نقيضه. وفي قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءُ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣](٣). والمراد به هنا انتفاء علم الإنسان بمواقع الصواب فيما تحمل به (٤). قال المفسرون: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ٧٢ ، أي: إنه كان مفرطًا في الظلم مبالغًا في الجهل -بحسب غالب أفراده-(٥) حيث (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦٨/٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٧٥٦/٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٠/٢٢. (٣) انظر: لسان العرب ٧١٣/١. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٠/٢٢. (٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٧١/١١. حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خان بضمانه فيها (٦). وصفة الظلم والجهل أصل في الإنسان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والإنسان خلق ظلومًا جهولًا ؛ فالأصل فيه عدم العلم، وميله إلى ما يهواه من الشر؛ فيحتاج دائمًا إلى علمٍ مفصلٍ يزول به جهله، وعدل في محبته وبغضه، ورضاه وغضبه، وفعله وتركه، وإعطائه ومنعه»(٧). ٨. الطغيان. بين الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنّى، قال تعالى: ﴿كلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ ﴾ [العلق: ٦ - ٧]. والطغيان ٧ أَنْ رَّءَاءُ أُسْتَغْوََ ◌َ في اللغة: مجاوزة الحد في كل شيءٍ، يقال: طغى الماء وطغى السيل إذا جاء بماءٍ كثيرٍ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى الإنسان طغيانًا: جاوز القدر في الكبر والمعصية والكفر، وفيه إفراط ومبالغة في الشر والكبر قال ابن عاشور: ((التعريف في (الإنسان) للجنس، أي من طبع الإنسان أن يطغى إذا أحس من نفسه الاستغناء، واللام مفيدة الاستغراق العرفي، أي أغلب الناس في ذلك (٦) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٩/٣. (٧) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٨/١٤. (٨) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤١٢/٣، تهذيب اللغة، الأزهري ٨/ ١٥٣. ٣٥٨ القرآن الكريمِ الإنسان الزمان إلا من عصمه خلقه أو دينه. وعلة هذا عليه من واجبات (٤)، ولغات العرب مختلفة في معناه، فهو في لغة مضر وربيعة: الكفور بالنعمة، وبلغة كنانة: البخيل، وفي لغة كندة وحضرموت: العاصي. والمعنى: لشديد الكفران لله(٥). الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غیر محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم پربو في نفسه حتی یصیر خلقًا لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح، فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم))(١). ولما كانت صفة الطغيان ملازمة لمن یری من الناس أنه استغنى، كان من التربية الربانية للناس أن الله تبارك وتعالى قد جعل الإنسان حبيس الحاجة والافتقار، في كل أمرٍ من أموره، حتى يرجع دائمًا إلى ربه(٢) ٩. الکنود. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ ﴾ [العاديات: ٦]. والكنود في اللغة: وصف من أمثلة المبالغة من کند، یقال:کند یکند کنودا: کفر النعمة؛ ورجلٌ كنادٌ وكنودٌ . وقيل: الكنود هو الجحود (٣). وأصل الکنود الأرض التي لا تنبت شيئًا، شبه بها الإنسان الذي يمنع الخیر ويجحد ما (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٤٤/٣٠. (٢) الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ٣٧٩/١. (٣) انظر: العين، الفراهيدي ٣٣١/٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٩٣٦/٥. والتعريف في (الإنسان) تعريف الجنس وهو یفید الاستغراق غالبًا، قال المفسرون: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ ﴾: أي طبع الإنسان على كفران النعمة (٦)، وهذا عارضٌ يعرض لكل إنسانٍ على تفاوت فيه، ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكمل أهل الصلاح؛ لأنه عارض ینشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمرٌ في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكر حق غيره(٧). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتدرون ما الکنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: الکنود الذي یأکل وحده، ویمنع رفده، ويضرب عبده(٨). أي: أنه لا يعطي شيئًا مما أنعم الله به علیه، ولا يرأف بعباده كما رأف به؛ فهو كافر بنعمته، مجانف لما يقضي به العقل (٤) تفسير المراغي ٢٢٢/٣٠. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٠٢/٣٠. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٣٦/٢٢. (٧) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٠٣/٣٠. (٨) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم ١٦٠، ص ٦٥. www. modoee.com ٣٥٩ حرف الألف والشرع(١). وسر هذه الجبلة- أن الإنسان یحصر همه فیما حضره، وینسی ماضیه، وما عسى أن يستقبله؛ فإذا أنعم الله عليه بنعمة غرته غفلته، وقسا قلبه، وامتلأ جفوة على عباده(٢). ١٠. الفرح. الفرح في اللغة: نقيض الحزن، وهو السرور، يقال: فرح يفرح فرحًا: سر وابتهج. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَیذٍ يَقْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ن بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤ - ٥]. والفرح أيضًا: البطر، يقال: فرح فلان: أي استخفته النعمة فأبطرته، فهو فرح وفرحان (٣). وقد وصف الإنسان في القرآن الكريم بالفرح على سبيل الذم وذلك بصيغة المبالغة (فرح) على وزن (فعل) للدلالة على بطر ذلك الإنسان الجاحد في قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىٌّ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ ﴾ [هود: ١٠]. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: ٧٦] (٤) . فإن قيل ما وجه ذم الإنسان على الفرح وقد وصف الله الشهداء فقال: (فرحين)؟ أجاب عن ذلك ابن الأنباري فقال: إنما ذمه بهذا الفرح؛ لأنه يرجع إلى معنى المرح والتکبر عن طاعة الله. قال الشاعر: ولا ينسيني الحدثان عرضي ولا ألقي من الفرح الإزارا يعني من المرح. وفرح الشهداء فرحٌ لا كبر فيه ولا خيلاء، بل هو مقرون بالشكر فهو مستحسن (٥). وذهب بعض المفسرين إلى تمييز الفرح الممدوح من المذموم حسب وروده مقيدًا أو مطلقًا في القرآن، فقالوا: إن الفرح إذا جاء مطلقًا فهو مذموم، ولا يأتي ممدوحًا إلا مقيدًا بما فيه خير، كقوله: ﴿فَرِحِينَيِمَا ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضَّلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠](٦) . ١١ . الفخر. الفخر في اللغة: التمدح بالخصال والافتخار وعد القديم، وهو المباهاة فلفظ (فرح) مثال مبالغة، أي: شدید الفرح. وشدة الفرح: تجاوزه الحد والبطر والتعاظم والتكبر، يقال: فخر فخرًا وفخارًا، والأشر. (١) تفسير المراغي ٢٢٢/٣٠. (٢) المصدر السابق. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٣٧٢/٥. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/١٢. (٥) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٨١. (٦) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٤٧، البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٢٠٧. ٣٦٠ مُوسُوبَةُ الَّ القرآن الكريمِ