النص المفهرس

صفحات 21-38

الأنصار
الإسلام ابتداءً، فالأنصار هم الذين حموا
ثمرتها، وقامت دولة الإسلام في أرضهم
وحراستهم، وإذا كان المهاجرون قد لاقوا
العنت في مكة فقد لقوا الإيواء في المدينة.
وإذا كانوا هم دعامة الإسلام فالأنصار
دولته، وفي رحابهم قامت المدينة الفاضلة
التي أقامها محمد صلى الله عليه وسلم في
دیارهم، وإذا كان المهاجرون قد جاهدوا
ابتداءً بالصبر والمصابرة، فقد كان جهادهم
في المدينة مع إخوانهم الأنصار بذلك
وبالقتال في المدينة، والفريقان اختارهم
الله للتأليف حتى تكونت منهم أطهر جماعة
رأتها الإنسانية وأقواها.
فبعد أن ذكر الله تعالى هنا في الآيتين
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم
وأنفسهم في سبيل الله، عقب بذكر الأنصار،
وهم الذين آووا ونصروا.
فقال: ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ﴾ [الأنفال: ٧٤].
المراد: بهم الأنصار، أي: وطنوا المهاجرین،
وأنزلوهم منازلهم، وبذلوا إليهم أموالهم،
وآثروهم على أنفسهم، ونصروهم على
أعدائهم(١).
-المهاجرين- فضل الهجرة، فقد عوضوا
عن ذلك بفضل الإيواء والنصرة(٢).
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٢٣/ ٢.
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٢٠١/٢.
حيث استقبل الأنصار المهاجرين،
فشاطروهم المال والديار؛ بكرم وسخاء،
وضربوا مثلًا رائعًا في التكافل، وبناء
الجماعة المسلمة، وآووا رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ومنعوه من الأحمر
والأسود، وتبوءوا دار الهجرة والإيمان،
حتى صارت موثلًا ومرجعًا يرجع إليه
المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ویسکن
بحماه المسلمون؛ إذ كانت البلدان كلها
بلدان حرب وشرك وشر.
فلم يزل أنصار الدين يأوون إلى الأنصار،
حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل یزید
شيئًا فشيئًا، وينمو قليلاً قليلاً، حتى فتحوا
القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان
بالسيف والسنان.
وقوله في الآية: ﴿وَنَصَرُوَا﴾ أي: نصروا
الرسول وأصحابه على أعدائهم الكفار، وما
سموا بالأنصار إلا لذلك؛ ولقد قال حسان
رضي الله عنه في مدح الأنصار أنهم ما
سموا أنصارًا إلا لنصرتهم الدين (٣):
سماهم الله أنصارًا بنصرهم
دين الهدى وعوان الحرب تستعر
فإذا كانوا قد نقصوا عن إخوانهم وسارعوا في سبيل الله واعترفوا
للنائبات وما خافوا وما ضجروا
وقد ذكر الله تعالى هذه الصفة وهي
(النصرة) في آيتين، فقال: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
(٣) انظر: ديوان حسان بن ثابت ص٩٩.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الألف
وَهَاجَرُوا وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ
وَنَصَرُّوَاْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّمْ مَغْفِرَةٌ
[الأنفال: ٧٤]. وقال تعالى:
وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾
﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
والنصرة في المدلول القرآني واللغوي
والتاريخي بمعنى: العون، والظفر، والمنع،
والانتقام، والانتصار، وشد الأزر، ولقد
شرف الله سبحانه وتعالى المسلمين
الأول بشرف لا یدانیه شرف، حیث أجزل
لهم الثواب، وأحسن لهم المدح والثناء
في أعظم كتاب، وخص كلا من الفريقين
المتآخيين (المهاجرين والأنصار) بعمل
عظيم جليل، ناداهم به فسموا مهاجرين
وأنصارًا، وما ذلك إلا للهجرة والنصرة،
فالهجرة كانت إعلانًا للدولة، وانتقالًا لدار
الإسلام، والنصرة هي التي هيأت للهجرة
ولوجود دار الإسلام، فكيف يغفل أحد
من المسلمين عن فضل الهجرة أو النصرة،
وهو يتلو كتاب الله الذي يذكر المهاجرين
والأنصار وفضلهما؟!
وكانت هذه النصرة وفاء منهم لمبايعة
النبي صلى الله عليه وسلم لهم في بيعة العقبة
الثانیة، حیث ثبت أنه قال لهم: (أبایعكم على
أن تمنعوني - إذا قدمت عليكم - مما تمنعون
منه نساءكم وأبناءكم، ولكم الجنة)(١).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٩٢/٢٥، رقم
جوبيه
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
فبايعوه على النصرة والمنعة، فقام منهم
اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم، ثم استمر
الحال حتى أذن الله للمسلمين بالهجرة،
وقامت أول دولة للمسلمين (٢).
ونلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان يطلب النصرة لأمرين مهمين في غاية
الأهمية:
أولهما: حماية الدعوة، حتى تسير بين
الناس محمية الجانب، بعيدة عن الإساءة
إلى أتباعها.
ثانيهما: إيجاد مكان آمن لدولته صلى الله
عليه وسلم القادمة؛ ليتسلم خلالها مقاليد
الحكم والسلطان على وفق مقتضيات النبوة
على أساس الدعوة.
وختم الله تعالى الآية الأخرى بقوله:
﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ﴾[الأنفال: ٧٢]]. أي: إن هاتين
الفرقتين (المهاجرين والأنصار) بعضهم
أنصار بعض، وأعوان على من سواهم من
المشركين، وأيديهم واحدة على من كفر
بالله، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم
الكفار.
وقد قيل: إنما عنى بذلك أن بعضهم
أولى بميراث بعض، وأن الله ورث بعضهم
من بعض بالهجرة والنصرة دون القرابة
١٥٧٨٩.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢/ ١٩٧ -
٢٠٩.
٤٠٢

الأنصار
والأرحام، وأن الله نسخ ذلك بعد، بقوله: وباب الهجرة مفتوح، وميدان الجهاد
متسع للجميع، فلم يغلق على المجاهدين
﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِنَبِ اللَّهِ﴾
[الأنفال: ٧٥] وهذا القول لأبن عباس رضي
الله عنه (١).
الأولين من المهاجرين والأنصار فقط، بل
هو مفتوح، وهذه الآية الكريمة تلحق الذين
یؤمنون من بعد ویھاجرون بالأولین الذین
هم المؤمنون حقًا.
قال الشوكاني: ((أي: بعضهم أولياء
بعض في النصرة والمعونة، وقيل المعنى:
إن بعضهم أولياء بعض في الميراث، وقد
كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، ثم نسخ
ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَ بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]»(٢).
فالولاية محبة ومودة ومناصرة، وقد
اجتمعت كل هذه الأحوال في ولاية المؤمنين
المهاجرين والأنصار، فقد اجتمعت فيهم
المودة فتوادوا وتحابوا، وتناصروا وجاهدوا
جميعًا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله،
ولقد جمعت المؤاخاة معنى المودة
والمحبة والإيثار، وجمع الجهاد معنى
النصر والتبعات بالجهاد في سبيل الله(٣).
وقد ذكر الله بعد ذلك شأن الذين
يهاجرون ويؤمنون من بعد، فقال: ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأَوْلَئِكَ
مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَبِ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾[الأنفال: ٧٥].
فهذا يدل على أن باب الإيمان مفتوح،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥١/١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٩٥.
(٢) فتح القدير ٤٧٨/٢.
(٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/ ٣٢٠٢.
وإذا كان هذا الوصف (النصرة) في
الأنصار، فالمهاجرون من باب أولى،
فهم أنصار في المعنى، فمعنى النصرة
حاصل للكل، ومن الكل، فهم قد هجروا
ديارهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآء
الْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُمْ﴾ [الحشر: ٨].
وأثنى عليهم بأنهم يطلبون فضلاً من
الله ورضوانًا، فقال: ﴿يَتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا﴾ وأثبت لهم صفة النصرة، فقال:
﴿وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وأثنى عليهمِ
بالصدق، فقال: ﴿أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ
فرضي الله عن المهاجرين والأنصار ومن
تبعهم بإحسان.
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الألف
فضائل الأنصار
عرض القرآن الكريم فضائل الأنصار
وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
أولًا: وصفهم بالإيمان الحق:
وصف الله تعالى الأنصار بالإيمان
وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ
الحق، فقال سبحانه:
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ
وَّنَصَرُواْ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم مَّغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٧٤].
﴿وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
فقوله:
حَقًّا﴾ الإشارة إلى السابقين الأولين
(من المهاجرين والأنصار) والإشارة إلى
الموصوف إشارة إلى أوصافه، وجعلها
مناط الحكم، أي: أولئك الذين هاجروا بعد
الإيمان، وجاهدوا في سبيل الله، والذين
آووا ونصروا هم المؤمنون حقًّا، أي: إيمانًا
ثابتًا صادقًا حقًا، تلاقت أقوالهم وقلوبهم
وأعمالهم(١).
فسبق منهم هجرة وجهاد، وإيواء ونصرة،
وهذا هو الإيمان الحق، وفي الكلام قصر،
أي: من كانوا على هذه الصفات هم وحدهم
المؤمنون حقًّا، أي: لا مؤمنون حقًّا غيرهم،
ومن هم على صفاتهم.
وفي هذه الآية وصفٌ لعموم المهاجرين
والأنصار بالإيمان الحق، فجمع الله فيها
(١) المصدر السابق ٣٢٠٦/٦.
الفضل لفريقي الصحابة، وهم المهاجرون
والأنصار، من هاجر، ومن آوى، فاستوى
الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة،
وفي صدق الإيمان، فشهد لهم بحقيقة
الإيمان، ووعدهم بالمغفرة والرزق الواسع،
ومن شهد الله له بهذه الشهادة، فقد بلغ أعلى
مرتبة العدالة.
ثم قال: ﴿ُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:
٧٤]. ذكر الله تعالى هنا ما كتب لهم من
خيري الدنيا والآخرة، وهذا يتضمن
جزاءين:
أولهما: المغفرة السابقة، ووراءها
الرحمة والنعيم المقيم.
ثانيهما: رزق کریم واسع في الدنيا
بعد المشقة التي تحملوها، وهذا شأن
المهاجرين الذين آمنوا، وشأن الأنصار
الذين آووا ونصروا(٢).
فیکون الله قد أثنى عليهم ها هنا من ثلاثة
أوجه:
أولها: قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقًّاً﴾ فقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاً﴾
يفيد الحصر، وقوله: ﴿حَقًّا﴾ يفيد المبالغة
في وصفهم بكونهم محقين محققين في
طريق الدين، وقد كانوا كذلك؛ لأن من لم
يكن محقًا في دينه لم يتحمل ترك الأديان
السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٢٠٩/٦.
٤٠٤
جوب
القرآن الكريم

الأنصار
يبذل النفس والمال، ولم يكن في هذه (بواء) لترتيب وتسوية مكان (ما) وفي هذا
الأحوال من المسارعين المسابقين.
التعبير كناية لطيفة لهذا المعنى، وهو أن
طائفة الأنصار -أهل المدينة- قد هيئوا
وثانيها: قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ والتنکیر
يدل على الكمال، أي: مغفرة تامة كاملة.
الأرضية المناسبة للهجرة.
وثالثها: قوله: ﴿وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾ والمراد
منه: الثواب الرفيع الشريف (١).
وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر
الأنصار، ألم یمن الله علیکم بالإيمان،
وخصكم بالكرامة، وسماكم بأحسن
الأسماء: أنصار الله، وأنصار رسوله؟!)(٢).
فالأنصار إذن حازوا شرفين: شرف
سبقهم إلى الإيمان، وشرف استضافتهم
للإيمان وأهله في أرضهم.
ومدحهم بأنهم أناس سكنوا الإيمان،
وسكن الإيمان في قلوبهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ
تَبَوَّهُ والدَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾﴾ [الحشر: ٩].
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ الأظهر أن (الذين)
هنا عطف على (المهاجرين) -في الآية
السابقة-، أي: والذين تبوءوا الدار هم
الأنصار(٣).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو﴾ من مادة (بواء)
على وزن (دواء) وهي في الأصل بمعنى
تساوي أجزاء المكان، وبعبارة أخرى يقال:
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٥١٩.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٧/ ١٥١، رقم
٦٦٦٥.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٠/٢٨.
وقوله: ﴿الدَّارَ﴾ الدار تطلق على
البلاد، وأصلها: موضع القبيلة من الأرض،
وأطلقت على القرية.
قال تعالی في ذکر ثمود: ﴿فَاصْبَحُواْفِی
دَارِهِمْ جَثِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
أي: في مدينتهم، وهي حجر ثمود،
والتعريف هنا للعهد؛ لأن المراد بالدار:
المدينة النبوية، والمعنى: الذين هم
أصحاب الدار (٤)، أي: دار الهجرة مدينة
الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تبوأها
الأنصار قبل المهاجرين، كما تبوءوا فيها
الإيمان، وكأنه منزل لهم ودار، وهو تعبير
ذو ظلال، وهو أقرب ما يصور موقف
الأنصار من الإيمان، لقد كان دارهم ونزلهم
ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسکن
إلیه أرواحهم، ویثوبون إلیه، ويطمئنون له،
کما یثوب المرء ویطمئن إلى الدار.
وفي قوله: ﴿الدَّارَ﴾ هذا تشريف
للمدينة، حيث سماها الله الدار، فكأنها
هي دار الإيمان؛ لأن الإيمان أوى إليها،
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن
الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الألف
جحرها)(١).
والمقصود: المدينة، أي: يغلب أهلها،
فالتعريف في ﴿الدَّارَ﴾ للتنويه كأنها وهم الأنصار بالإسلام على غيرها من
الدار التي تستحق أن تسمى دارًا، وهي التي
أعدها الله تعالی لهم؛ لیکون تبوؤهم إياها
مدحًا لهم.
وذكر بعضهم أن الدار علمٌ بالغلبة على
المدینة، کالمدینة، وأنه أحد أسمائها، ومنها:
طيبة، وطابة، ويثرب، وجابرة(٢).
وفي ذكر الدار -وهي المدینة- مع ذکر
الإيمان إيماء إلى فضيلة المدينة، بحيث
جعل تبوؤهم المدينة قرين الثناء عليهم
بالإيمان، ولعل هذا هو الذي عناه مالك
-رحمة الله- فیما رواه عنه ابن وهب قال:
سمعت مالكًا يذكر فضل المدينة على
غيرها من الآفاق، فقال: إن المدينة تبوأت
بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى
افتتحت بالسيف. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَهُو
الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]الآية(٣).
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أمرت
بقرية تأكل القرى) (٤).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة ٣/
٢١، رقم ١٨٧٦، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا
وسيعود غريبًا، وأنه يأرز بين المسجدين
١٣١/١، رقم ١٤٧.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٤٢٥/٢٠.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٩١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل
المدينة، باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس
القرى، وينصر الله دينه بأهلها، ويفتح القرى
عليهم، ويغنمهم إياها فيأكلونها(٥).
وقوله: ﴿وَاَلْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩] أي:
سكنوا الإيمان، والإيمان لا يسكن، وإنما
شبه الإيمان كأنه دار سكنوها؛ لأن الدار
يستقر فيها الإنسان، فهؤلاء الأنصار سكنوا
الإيمان، بمعنى: استقر الإيمان في قلوبهم،
والإنسان يلازم داره، بمعنى: يستقر ويطمئن
ويستريح فيه، وهؤلاء لازموا الإيمان
كملازمة الإنسان لمسكنه، وهذه شهادة
لهم بالإيمان -رضي الله تعالى عنهم-،
فهم مؤمنون صادقون، استقر الإيمان في
قلوبهم.
قال ابن جزي: «فإن قیل: کیف قال:
تبوءوا الدار والإيمان، وإنما تتبوأ الدار، أى:
تسكن ولا يتبوأ الإيمان؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن معناه تبوءوا الدار، وأخلصوا
الإیمان، فهو كقولك:
علفتها تبنًا وماء باردًا (٦).
٣/ ٢٠، رقم ١٨٧١، ومسلم في صحيحه،
كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها،
١٠٠٦/٢، رقم ١٣٨٢.
(٥) انظر: النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير
١٤٤/١.
(٦) البيت في خزانة الأدب ٣/ ١٣٩، وفي العباب
الزاخر ٤٨١/١، وتمامه: ((حتى شتت همالةً
٤٠٦
لِلْعَشْرَآن الكَرِيْمِ

الأنصار
الإيمان، فأقام (لام) التعريف في (الدار)
مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار
كأنه موطن لهم؛ لتمكنهم فيه، كما جعلوا الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه.
الخامس: أن يكون سمى (المدينة)؛
فيكون في عطف الإيمان على الدار ستة لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان.
أوجه:
أحدها: أنه ضمن ﴿تَوَهُو﴾ معنى:
لزموا، فيصح عطف الإيمان عليه؛ إذ
الإيمان لا يتبوأ.
الثاني: أنه منصوب بمقدر، أي:
واعتقدوا، أو وألفوا، أو وأحبوا، أو
وأخلصوا؛ کقوله:
للمهاجرين، والجار متعلق بتبوء، أي:
من قبل أن يهاجر المهاجرون إليهم، وقد
علفتها تبنًا وماءً باردًا
أسلم كثير من الأنصار قبل المهاجرين،
وقوله:
لكن المقصود -والله وأعلم- بقوله:
متقلدًا سيفًا ورمحا (٢)
﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] أي: من قبل أن
أي: وحاملا رمحًا.
الثالث: أنه يتجوز في الإيمان، إن الإيمان يهاجر المهاجرون، وأن الأنصار أسلم
كثير من كبارهم وسادتهم على يد مصعب
بن عمير رضي الله عنه قبل أن يهاجر کثیر
من المهاجرين -رضي الله تعالى عنهم-،
وقبل أن تصبح المدينة دار الهجرة التي أوى
إليها النبي عليه الصلاة والسلام، فكثير من
الأنصار كان قد أسلم، ودخل الإيمان في
الرابع: أن یکون الأصل: دار الهجرة ودار
عيناها)).
قلوبهم، واستقر على يد مصعب بن عمير
رضي الله عنه، فهو من فتح الله به المدينة
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ١٥٧/٣.
(٢) البيت في الكامل في اللغة ١/ ٢٩١ وشرح
ديوان الحماسة ص ٨٠٥ غير منسوب لقائل،
وصدره: ((يا ليت بعلك قد غذا)).
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٢٠١/١٥.
www. modoee.com
٤٠٧
تقديره: علفتها تبنا، وسقيتها ماء باردًا.
والثاني: أن المعنى: أنهم جعلوا الإيمان
المدينة كذلك)) (١)
السادس: أنه منصوب على المفعول معه
(الواو للمعية) أي: مع الإيمان معًا، والمراد
تبوءوا الدار مع إيمانهم، أي: تبوءوها
مؤمنین(٣).
والضمير في قوله: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:
٩].
مجاز عن المدينة، سمي محل ظهور الشيء
باسمه مبالغة، فيجعل اختلاطه بهم وثباتهم
علیه كالمكان المحيط بهم، فكأنهم نزلوه،
وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز
في كلمة واحدة، وفيه خلاف مشهور.

حرف الألف
المنورة بدعوته إلى الله، وسلوكه الطيب، يلزم سبق الإيمان الأنصار على هجرة
المهاجرين، ولا يلزم منه سبق إيمانهم على
حتى ما بقي بيت من بيوت المدينة إلا
و دخله الإيمان.
إيمانهم؛ ليقال: إن الأمر بالعكس، وجوز أن
لا يقدر مضاف، ويقال: ليس المراد سبق
الأنصار لهم في أصل الإيمان، بل سبقهم
إياهم في التمكن فيه؛ لأنهم لم ينازعوا فيه
لما أظهروه.
وقد أورد ابن جزي إشكالًا، وأجاب
علیه، حيث قال: «فإن قيل: قوله: ﴿مِن
قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩].
يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين
بنزول المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم
بنزول المدينة فلا شك فيه؛ لأنها كانت
بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل؛
لأن أكثر المهاجرين أسلم قبل الأنصار.
قال: والجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد بقوله: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾
[الحشر: ٩] من قبل هجرتهم.
والآخر: أنه أراد تبوءوا الدار مع
الإيمان معًا، أي: جمعوا بين الحالتين قبل
المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم
بالإيمان لا بتبوء الدار، فيكون الإيمان على
هذا مفعولًا معه، وهذا الوجه أحسن؛ لأنه
جواب عن هذا السؤال، وعن السؤال الأول
فإنه إذا كان الإيمان مفعولًا معه لم يلزم
السؤال الأول؛ إذ لا يلزم إلا إذا كان الإيمان
معطوفًا على الدار))(١).
وجعل الألوسي ذلك من قبل تقدیر
مضاف، حيث قال: ((والكلام بتقدير
مضاف، أي: من قبل هجرتهم، فنهاية ما
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ١٥٧/٣.
وقيل: الكلام على التقديم والتأخير،
والتقدير: تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان،
فیفید سبقهم إیاهم في تبوء الدار فقط، وهو
خلاف الظاهر، على أن مثله لا يقبل ما لم
يتضمن نكتة سرية، وهي غير ظاهرة ها هنا؛
وقيل: لا حاجة إلى شيء مما ذكر، وقصار
ما تدل الآية عليه تقدم مجموع تبوء الأنصار
وإيمانهم على تبوء المهاجرين وإيمانهم،
ويكفي في تقديم المجموع تقدم بعض
أجزائه، وهو ها هنا تبوء الدار، وتعقب بمنع
الكفاية، ولو سلمت لصح أن يقال: بتقدم
تبوء المهاجرين وإيمانهم على تبوء الأنصار
وإيمانهم؛ لتقدم إيمان المهاجرين))(٢).
ووصف الله الأنصار أيضًا بالإيمان
والاستجابة لله، كما جاء فى تفسير قوله
تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾ [الشورى:
٣٨].
أنها نزلت في الأنصار، حين دعاهم النبي
صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان، فاستجابوا
(٢) روح المعاني، ٢٠/ ٤٢٥.
مَؤُوابَرُ الْتَفِيكِ الوضوء
مصر
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ
٤٠٨

الأنصار
له؛ أي: لرسول الله من صميم القلب، كما ٣٤]. قال: هم أهل مكة، ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [محمد: ٢]. قال: هم أهل
المدينة الأنصار ﴿وَأَصْلَحَ بَالَمْ﴾ [محمد: ٢].
قال : أمرهم(٤).
هو المفهوم من إطلاق الاستجابة، وفيه
إشارة إلى أن الاستجابة للرسول استجابة
للمرسل، فهو من عطف الخاص على العام
لمزيد التشريف، وذلك لأن الاستجابة
داخلة في الإيمان(١).
قال الألوسي: ﴿وَأَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَيْهِمْ﴾
[الشورى: ٣٨].
قيل: نزلت في الأنصار، دعاهم الله تعالی
على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم
للإيمان به وطاعته سبحانه، فاستجابوا له،
فأثنى عليهم -جل وعلا- بما أثنى، وعليه
فهو من ذكر الخاص بعد العام؛ لبيان شرفه؛
لأیمانهم دون تردد وتلعثم، والآية إن كانت
مدنية فالأمر ظاهر، وإذا كانت مكية فالمراد
بالأنصار من آمن بالمدينة قبل الهجرة، أو
المراد بهم أصحاب العقبة (٢).
وقال الشوكاني: «قال ابن زيد: هم
الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان
بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيبا
بشروطها وهيئاتها))(٣).
ووصف الله الأنصار بالإيمان والعمل
الصالح، كما جاء عن ابن عباس في قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد:
(١) روح البيان، إسماعيل حقي ٢٥٣/٨.
(٢) روح المعاني ٤٦/٢٥.
(٣) فتح القدير ٧٦٩/٤.
ووصفوا بأنهم رجال؛ وسماهم الله
رجال، فقال: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدُ
أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
فقد جاء ما يدل أنها نزلت في الأنصار،
فعن أبي أيوب وجابر وأنس رضوان الله
عليهم أن هذه الآية حين نزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ
يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُ واْوَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾
[التوبة: ١٠٨].
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر
الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور،
فما طهوركم؟) قالوا: نتوضأ للصلاة،
ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال:
(فهو ذاك، فعليكموه) (٥).
وعن موسی بن أبي کثیر قال: بدء حدیث
منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة لمواقيتها هذه الآية في رجال من الأنصار، من أهل
قباء (٦).
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٧/٥.
(٥) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها،
باب الاستنجاء بالماء ١ / ١٢٧، رقم ٣٥٥.
وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،
١/ ٦٣.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٨٨.
www. modoee.com
٤٠٩

حرف الألف
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يتثاقلوا، ولا شحوا بأموالهم، فكانوا أسوة
وقوله:
يَنْطَقَّرُواْ﴾ [التوبة: ١٠٨].
أي: من الأحداث والجنابات
والنجاسات ... ، وقالوا: المراد منه: الطهارة
بالماء بعد الحجر، وقيل: المراد منه: الطهارة بلام القسم على حرف التحقيق (قد) بين
من الذنوب والمعاصي، وقيل: محمول على
الأمرين (١).
فتكون جملة: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن
يَنَظَهَّرُوا﴾ ثناء على مؤمني الأنصار الذين
يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وبمسجد قباء، وجاء الضمير مفردًا
مراعاة للفظ (مسجد) الذي هو جنس (٢).
ثانيًا: توبة الله على الأنصار، وتجاوزه
عن تقصيرهم:
قال تعالى: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أُثَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧].
نزلت هذه الآية في غزوة تبوك التي
كانت قبل الشام، وكان فيها جيش العسرة
من المهاجرين والأنصار، ومن غيرهم من
القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم
خصوا بالثناء والتوبة؛ لأنهم لم يترددوا، ولم
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠/
٢١٠.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٣٢.
لمن ائتسى بهم من غيرهم من القبائل(٣).
ففي قوله: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَأَلْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ خبر مؤكد
فيه تعالى فضل عطفه على نبيه وأصحابه
المؤمنين الصادقين من المهاجرين
والأنصار، وتجاوزه عن هفواتهم في هذه
الغزوة، وفى غيرها لاستغراقها فى حسناتهم
الكثيرة على كونهم لا يصرون على شيء
منها، وإنما كانت هفواتهم هذه مقتضى
الطباع البشرية، واجتهاد الرأي فيما لم يبينه
الله تعالی بیانًا قطعيًا يعد مخالفه عاصيًا.
يقول ابن عاشور: ((وافتتاح الله هذه الآية
بحرف التحقيق (لقد)؛ تأكيدًا لمضمونها
المتقرر فيما مضى من الزمان، حسبما دل
عليه الإتيان بالمسندات كلها أفعالًا ماضية.
ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما
يؤذن بالبشارة لرضا الله على المؤمنين
الذين غزوا تبوك، وتقديم النبي صلى الله
عليه وسلم في تعلق فعل التوبة بالغزاة؛
للتنويه بشأن هذه التوبة، وإتيانها على جميع
الذنوب؛ إذ قد علم المسلمون كلهم أن النبي
صلی الله عليه وسلم قد غفر الله ما تقدم من
ذنبه وما تأخر» (٤).
(٣) انظر: المصدر السابق .
(٤) السابق ٤٩/١١.
٤١٠
مُوسُوبَةُ الْبَشِرُ
القرآن الكريمِ

الأنصار
وهذه التوبة التي تابها الله على النبي
والمهاجرين والأنصار -كما قال ابن
عباس -: كانت التوبة على النبي لأجل إذنه
للمنافقين في القعود، ودليله قوله:
عَفَا
اللهُ عَنكَ ﴾ [التوبة: ٤٣].
وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم
إلى التخلف عنه، وقيل: توبة الله عليهم
استنقاذهم من شدة العسرة.
وقيل: خلاصهم من نكاية العدو، وعبر
عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود
معنى التوبة فيه، وهو الرجوع إلى الحالة
الأولى (١).
يقول شيخ المفسرين الطبري: ((يقول
تعالى ذكره: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره
وطاعته نبيه محمدًا، والمهاجرين ديارهم
وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار
رسوله في الله الذين اتبعوا رسول الله في
ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد
والماء))(٢).
فیکون معنی توبته على النبي أي: بإذنه
للمنافقين بالتخلف عنه(٣).
وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين ذكر
معهم، كقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٨٧/٨.
(٢) جامع البيان، ٥٣٩/١٤.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٠٤.
فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١](٤).
وهذه التوبة على المهاجرين والأنصار
في ساعة العسرة سببها كما قال الرازي:
(ربما وقع في قلوبهم نوع نفرة عن تلك
السفرة، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا
لسنا نقدر على الفرار، ولم يعزموا عليه،
بل وساوس كانت تقع في قلوبهم، فالله
تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله
عفا عنها، فقال: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧].
والوجه الثاني في الجواب: أن الإنسان
طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات،
إما من باب الصغائر، وإما من باب ترك
الأفضل، ثم إن النبي وسائر المؤمنون لما
تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه، وصبروا
على تلك الشدائد والمحن، أخبر الله تعالى
أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرًا لجميع
الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر،
وصار قائمًا مقام التوبة المقرونة بالإخلاص
عن کلھا.
والوجه الثالث في الجواب: أن الزمان
وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، لما اشتد عليهم في ذلك السفر، وكانت
الوساوس تقع في قلوبهم، فكلما وقعت
وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى
الله منها، وتضرع إلى الله في إزالتها عن
قلبه، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٨٧/٨.
www. modoee.com
٤١١

حرف الألف
خطرات تلك الوساوس ببالهم، قال تعالى:
﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ
وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] ... الآية.
والوجه الرابع: لا یبعد أن یکون قد صدر
عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي، إلا
أنه تعالى تاب عليهم، وعفا عنهم لأجل
أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر، ثم إنه تعالی
ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى
ذکرهم؛ تنبيهًا على عظم مراتبهم في الدین،
وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها ضم
الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول
التوبة))(١).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيُ
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧].
﴿كَادَ﴾ من أفعال المقاربة، تعمل
في اسمين (عمل كان) واسمها هنا ضمير
شأن مقدر، وخبرها هو جملة الخبر عن
ضمير الشأن، وإنما جعل اسمها هنا ضمير
شأن؛ لتهویل شأنهم حین أشرفوا على الزيغ.
واختلف في معنى (تزيغ) فقيل: تتلف
بالجهد والمشقة والشدة، وقيل: تعدل - أي
تميل- عن الحق في الممانعة والنصرة،
وقيل: من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف
والعصيان ثم لحقوا به، وقيل: هموا بالقفول
فتاب الله عليهم، وأمرهم به(٢).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ١٧٠.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٨١/٨.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا
تأكيد ظاهر، واعتناء بشأن التوبة، هذا إن
كان الضمير راجعًا إلى من تقدم ذكر التوبة
عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق فلا
تكرار(٣). والمعنى: قيل: توبته عليهم أن
تدارك قلوبهم حتى لم تزغ، وكذلك سنة
الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب،
ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم
سحائب الجود، فأحيا قلوبهم (٤).
فإن قيل: ذكر التوبة في أول الآية وفي
آخرها، فما فائدة التكرار؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل
ذكر الذنب؛ تطييبًا لقلوبهم، ثم لما ذكر
الذنب أردفه مرة أخرى بذکر التوبة؛ تعظيمًا
لشأنھم.
وثانيها: إذا قيل: عفا السلطان عن فلان
ثم عفا عنه، دل على أن ذلك العفو متأكد،
بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة ... ،
وهذا معنی قول ابن عباس في قوله: ﴿قُدّ
تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يريد ازداد عنهم رضًا، قال
ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدًا.
لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى
وثالثها: أنه قال:
النَّبِيّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:
١١٧].
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٩٩/٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨١/٨.
٤١٢
جوبيى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأنصار
وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه
تعالی تاب علیھم من الوساوس التي كانت
تقع في قلوبهم في ساعة العسرة،
ثم إنه تعالى زاد عليه فقال: ﴿مِنْ بَعْدٍ
مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍمِّنْهُمْ﴾ [التوبة:
١١٧].
فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس
قوية، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة
أخرى؛ لئلا یبقی في خاطر أحدٍ شك في
کونهم مؤاخذین بتلك الوساوس(١).
وفي قصة توبة الله على النبي
والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة، فوائد
ومسائل، منها:
في هذه الآيات دليل على أن توبة الله
على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات،
فإن الله جعلها نهاية خواص عباده، وامتن
عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها
ويرضاها، وفيها لطف الله بهم، وتثبيتهم في
إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.
وفي الآيات أيضًا دليل على أن العبادة
الشاقة على النفس لها فضل ومزية ليست
لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر،
وأن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه
الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب، ولا يحرج
إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها
مقبولة.
وأن علامة الخير وزوال الشدة إذا تعلق
القلب بالله تعالى تعلقًا تامًا، وانقطع عن
المخلوقين.
وأن من لطف الله بالثلاثة أن وسمهم
بوسم ليس بعار عليهم، فقال: ﴿خُلِّفُواْ﴾
إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خلفوا
عن من بت في قبول عذرهم، أو في رده،
وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير؛
ولهذا لم يقل: (تخلفوا).
ومن فوائد الآيات: أن الله تعالى من
عليهم بالصدق؛ ولهذا أمر بالاقتداء بهم،
فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُواْ
مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩](٢).
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
واعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة
الأولى: قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛
والتوبة الثانية: بعد توبة العبد؛ وهي قبول
التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله تبارك
وتعالى: ﴿وَعَلَى الثََّاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا
ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ
أَنْفُسُهُمْ وَنُواْ أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ
تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّاللَّهَ هُوَ النََّابُ الرَّحِيمُ﴾
[التوبة: ١١٨].
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمْ لِبَتُوبُوًّا﴾
أي: وفقهم للتوبة، وقوله تعالى: ﴿اليتوبوا
ج
أي: يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٨٩/٨. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٥٤.
www. modoee.com
٤١٣

حرف الألف
ففي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ ثالثًا: ثناء الله عليهم لمتابعتهم الرسول
في جميع الأحوال:
عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
ومن فوائد الآيات:
الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر
إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله، فإن
الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد
كثيرة، فالله أكرم من عبده؛ من تقرب
إلیه ذراعًا تقرب الله إليه باعًا، ومن أتاه
يمشي أتاه هرولة؛ فكرم الله عز وجل
أعلى، وأبلغ من کرم الإنسان.
إثبات هذين الاسمين الكريمين:
التواب والرحيم؛ وما تضمناه من صفة
وفعل.
اختصاص الله بالتوبة والرحمة؛
بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد
اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها
غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه
وأخيه وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن
التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله، وهي
المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
هذه خاصة بالله، وكذلك الرحمة
المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛
أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا
ثابت، لا يختص بالله عز وجل (١).
(١) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين
٩١/٣.
اتسم الأنصار رضوان الله عليهم
بالطاعة الكاملة لأوامر الله تعالى، وأوامر
رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا
يقرءون القرآن، وكأنه ينزل على كل واحد
منهم، رجلًا كان أم امرأة، غضًا طريًا، فولد
الأثر القوي في نفوسهم، وسرعة الاستجابة
التامة لتعاليمه وأحكامه، فكان جيل الأنصار
قادرًا على التخلص من عادات الجاهلية
وتقاليدها وأعرافها، حتى لو كانت العادات
قد استقرت منذ قرون، وصارت عرفًا
مشروعًا، وتقليدًا مقبولًا.
ولقد كان اتباع الأنصار للنبي صلى الله
عليه وسلم ليس في ساعة الرخاء والميسرة
فقط، بل اتبعوه في ساعة العسرة والشدة
والضيق، وهذا دليل على كمال الاتباع
والانقياد والبذل والعطاء.
ولهذا امتدح الله تعالى ذلك الاتباع
منهم، فقال: ﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧].
فأثنى الله تعالى عليهم هنا لمتابعتهم
النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة.
وقوله: ﴿اقبهُوهُ ﴾ يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه اتباعٌ حقيقي، ويكون عليه
الصلاة والسلام خرج أولًا، وتبعه أصحابه.
مَوْسُورًا
القرآن الكريم
٤١٤

الأنصار
ونهيه (١).
وأن يكون مجازًا، أي: اتبعوا أمره الموصول تسببًا في هذه المغفرة، ومعنى
اتبعوه: أطاعوه، ولم يخالفوا عليه، فالاتباع
مجازي.
والمقصود منه وصف المهاجرين
والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول عليه
الصلاة والسلام في الأوقات الشديدة،
والأحوال الصعبة؛ وذلك يفيد نهاية المدح
والتعظیم
ففي هذه الآية يبين الله عز وجل توبته
الواسعة على المهاجرين والأنصار الذين
اتبعوا الرسول في آخر غزوة له، وهي غزوة
العسرة (غزوة تبوك) وكان عدد المسلمين
فيها ثلاثون ألفًا، ولم يتخلف فيها من
المهاجرين والأنصار إلا معذور بعجز،
أو فقر، أو المخلفين وهم ثلاثة، فهجرهم
النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر المسلمين
بهجرهم حتى من الله عليهم بالتوبة.
والمهاجرون والأنصار: هم مجموع
أهل المدينة، وكان جيش العسرة منهم
ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة
ومكة، ولكنهم خصوا بالثناء لأنهم لم
يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا بأموالهم،
فكانوا أسوة لمن ائتسى بهم من غيرهم من
القبائل، ووصف (المهاجرون) و(الأنصار)
بـ ﴿أَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ للإيماء إلى أن لصلة
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٣٨٧/٨.
(٢) انظر: المصدر السابق.
والعسرة: هي شدة الأمر وضيقه
وصعوبته، وكان ذلك في غزة تبوك؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم خرج في شدة
الحر، وقلة من الماء، حتى كانوا ينحرون
البعير على قلة الرواحل؛ ليعتصروا الفرث
الذي في كرشه، ويبلوا به ألسنتهم، وعسرة
في الزاد؛ إذ كانت عند انتهاء فصل الصيف
الذي نفدت فيه مؤنتهم، وأول فصل الخريف
الذي بدأ فيه إرطاب الموسم الجديد، ولا
يمكن حمل شيء منه، فكان يكتفي الواحد
منهم أو الاثنان بالتمرة الواحدة من التمر
القدیم، ومنه اليابس، وقد تزود بعضهم أيضًا
بالشعير المسوس والإهالة السنخة.
وعسرة في الظهر حتى كان العشرة
يعتقبون بعيرًا واحدًا، وعسرة في الزمن؛ إذ
كان في حرارة القيظ، وشدة الحر.
فخص الذين اتبعوه في ساعة العسرة
بذكر التوبة لعظم منزلة الاتباع في مثلها،
وجزيل الثواب الذي يستحق بها لما لحقهم
من المشقة مع الصبر عليها، وحسن البصيرة
واليقين منهم في تلك الحال؛ إذ لم تغيرهم
عنها صعوبة الأمر، وشدة الزمان.
وقد ذكر المفسرون في المراد بساعة
العسرة قولين:
www. modoee.com
٤١٥

حرف الألف
الأول: أنها غزوة تبوك، والمراد منها وليست الصدقة في ساعة عسرة وفاقة
کصدقة في ساعة غنى ووجدٍ؛ ولهذا ما ضر
عثمان ما فعل بعد أن جهز جيش العسرة، كما
جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال:
جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى
الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش
العسرة، ففرغها عثمان في حجر النبي صلى
الله عليه وسلم، قال: فجعل النبي صلى الله
علیه وسلم یقلبها، ويقول: (ما ضر عثمان ما
عمل بعد هذا اليوم). قالها مرارًا(٣).
الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدًا في
ذلك السفر، والعسرة: تعذر الأمر وصعوبته،
قال جابر: حصلت عسرة الظهر، وعسرة
الماء، وعسرة الزاد.
والثاني: يجوز أن يكون المراد بساعة
العسرة جميع الأحوال، والأوقات الشديدة
على الرسول، وعلى المؤمنين؛ فيدخل فيه
غزوة الخندق وغيرها(١).
ولعل التعبير بساعة العسرة للتذكير بذلك
الوقت العصيب، قال ابن عباس لعمر رضي
الله عنهم: حدثنا من شأن ساعة العسرة،
فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا
فأصابنا فیه عطش شدید حتی ظننا أن رقابنا
ستقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره،
فيعصر فرثه فیشربه، ويجعل ما بقي على
کبده، فقال أبو بكر الصديق: یا رسول الله
إن الله قد عودك في الدعاء خیرًا فادع لنا،
فرفع یدیه فلم يرجعهما حتى قالت السماء،
فأهطلت، ثم سکبت، فملٹوا ما معهم، ثم
ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسکر (٢).
وللاتباع في ساعة العسرة فضله، ولیس
الاتباع في ساعة عسرة كالاتباع في ساعة
رخاء، وللصدقة في ساعة عسرة فضلها،
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٣٨٧/٨.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن كثير ٤/ ١٦.
وهكذا فقد تربى الأنصار -كما تربى
المهاجرون- على مبدأ التلقي للتنفيذ
والامتثال والاتباع، فطاعتهم لله ورسوله
طاعة مطلقة، مهما تغيرت الأحوال،
وتبدلت الظروف، وعلى ذلك بايعوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن متابعة
الرسول صلى الله عليه وسلم من حب الله
تعالی، فلا يكون محبًا لله عز وجل إلا من
اتبع سنة رسول الله صلی الله عليه وسلم
؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا
یأمر إلا بما يحب الله تعالى، ولا يخبر إلا
بما يحب الله عز وجل، فمن كان محبًا لله
تعالى لزم أن يتبع الرسول صلى الله عليه
وسلم، فيصدقه فيما أخبر، ویتأسی به فيما
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
٥/ ٦٢٦، رقم ٣٧٠١.
وحسنه الألباني في تعليقه على المشكاة، رقم
٦٠٦٤.
٤١٦
مَوَسُوبَةُ البَش
الْقُرآن الكَرِيمِ

الأنصار
فعل، وبهذا الاتباع يصل المؤمن إلى كمال و(الأثرة علينا): اسم من الاستئثار، والمراد
على الصبر على أثرة علينا، أي: بايعنا على
الإيمان وتمامه، ويصل إلى محبة رسول الله
صلی الله عليه وسلم .
أن نصبر إن أوثر غيرنا علينا، والضمير في
(علينا): كناية عن جماعة الأنصار.
وهذا ما استقر في النفوس الكبيرة
لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
الذين اتبعوه في ساعات العسرة والشدة
في بدايات الدعوة الإسلامية غير مبالين بما
یصیبهم من أذى المشرکین، وعنت الكفار،
ولو کانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.
فقد بايع الأنصار الرسول صلى الله
عليه وسلم على السمع والطاعة، فسمعوا
وأطاعوا، كما قال عبادة بن الصامت رضي
الله عنه: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم
فبايعناه؛ فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا
على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا،
وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا)(١).
ففي قوله: (بایعنا) متضمن معنى العهد،
أي: على أن نسمع كلامك، ونطيعك في
مرامك، وكذا من يقوم مقامك من الخلفاء
من بعدك، و(المنشط والمكره): (مفعل)
من النشاط والكراهة، أي: حالة انشراح
صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يضاد ذلك،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(سترون بعدي أمورًا تنكرونها)، ٩/ ٤٧، رقم
٧٠٥٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية،
وتحريمها في المعصية، ١٤٧٠/٣، رقم
١٧٠٩.
فهم بهذه المبايعة على السمع الطاعة
علموا أن هذا بمنزلة من يبايع الله على
ذلك، سواء في بيعة العقبة التي تمت بينهم
وبین رسول الله صلی الله علیه وسلم، أم
في غيرها من البيعات.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].
فقد شعر كل فرد من الأنصار وهو يبايع
الرسول ويضع يده في يده برقابة الله تهيمن
علیه، وکان یده سبحانه فوق أيديهم، وهو
على يقين بأن الله حاضر البيعة شاهد عليها،
وهو الذي أخذها على المبايعين، وبالتالي
فإن قدرته القاهرة مهيمنة على المتبايعين.
ولا شك أن هذه الصورة تستأصل من
النفس أي خاطر للنكث بهذه البيعة، ولو
غاب شخص رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فالله حاضر لا يغيب، وهو عليهم
رقيب، فمن نقض البيعة فهو الخاسر؛ لأنه
رجع عن تلك الصفقة التي عقدها مع ربه.
وبشر الله الموفين بالعهد بأن لهم أجرًا
عظیمًا، فلم یفصله ولم يحدده، ولكنه اکتفی
بوصفه (أنه عظيم) عظيم بحساب الله
وميزانه ووصفه الذي لا يرتقي إلى تصوره
www. modoee.com
٤١٧

حرف الألف
أهل الأرض.
إن درس الأنصار هذا يقول لنا: أن نر كب
فالتزم الأنصار بالبيعة للرسول صلى الله مركبهم في نصرة دعوة الله تعالى، وأن
نسير مسيرهم في نصرة حملة هذا الدين،
وأتباع نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم
في مشارق الأرض ومغاربها، لا أن نكون
من المرجفين، ولا من المخذلين، ولا من
المخذولین.
عليه وسلم، ثم للخلفاء الراشدین من بعده،
وكان للبيعة قيمة عالية عندهم، فهي التزام
حر، وتعاقد بين الطرفين، وقد دللوا دائمًا
على صدق التزامهم، فلبوا داعي الجهاد،
وخاضوا غمار المعارك في أماكن نائية
عن ديارهم، ودفن كثير منهم في أطراف
الأرض، وما عرفوا القعود عن الجهاد،
والحفاظ على الكرامة والذود عن العقيدة،
فجزاهم الله عن هذه الأمة وهذا الدین خير
الجزاء، وسلك بنا سبيلهم، وحشرنا في
زمرتهم مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين.
فهذه نفحات من نفحات الأنصار،
وتلكم مشاهد من مشاهدهم، ومآثر من
مآثرهم، نستذكرها كلما قرأنا القرآن
والسيرة، ونستشعر حضورهم كلما مررنا
بالمدينة، ونستحضر صنيعهم كلما رأينا
الإسلام مستضعفًا في الأرض، وكلما
شاهدنا المسلمین مستذلین في ديارهم.
ونستعظم قدرهم، ونقدر دورهم كلما
رأينا تلك الفئات، وأولئك الرجال والشباب
الذين يقفون اليوم إلى جانب إسلامهم،
وإلى جانب دعوتهم، وإلى جانب أمتهم في
هذا الزمان، زمن غربة الإسلام في دياره،
وفي وقت يقل فيه النصير لهذا الدين.
إن درس الأنصار يقول للجميع: إن
نصرة دعوة الإسلام دين في أعناقكم، إن
نصرة سنة نبيكم وحمل رسالته في ذممكم
جميعًا، فليست نصرة الإسلام منوطة في
ديننا بفئة محددة، ولا بلافتة معينة، بل هي
في عنق كل من في عنقه بيعة الإسلام، في
عنق كل من يؤمن بنبي الإسلام صلى الله
عليه وسلم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْأَنْصَارَ اللَّهِكَمَا
قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللّهِ قَالَ
اْوَارِيُونَ فَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤].
يقول ابن كثير: ((يقول تعالى آمرًا عباده
المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع
أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم
وأموالهم)) (١). فهذا هو درس الأنصار الأكبر
أن تنصر دين الله أيها المؤمن.
موضوعات ذات صلة:
الصحابة، الصحبة، محمد صلى الله عليه
وسلم
(١) تفسير القرآن الكريم، ٨/ ١١٣.
٤١٨
جـ
القرآن الكريم