النص المفهرس
صفحات 21-40
الإنجيل هجرة الرسول إلى المدينة))(١). قال الطبري: ((فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخ بعضها بعضًا؟ قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متفقة في الأمر بالإيمان برسل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله، فمعنى إقامتهم التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقهم بما فيها، والعمل بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحین الذي فرض العمل به))(٢). وأما قوله تعالى: ﴿لَأَكَلُواْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ فقد ذكر الفخر الرازي فیه عدة وجوهٌ: ((الأول: أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب، لا أن هناك فوقًا وتحتًا، والمعنی لأكلوا أکلا متصلًا کثیرًا، وهو كما تقول: فلانٌ في الخير من فرقه إلى قدمه، ترید تكاثف الخیر و کثرته عنده. الثاني: أن الأكل من فوق نزول القطر، ومن تحت الأرجل حصول النبات، كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ (١) التحرير والتنوير، ٢٥٣/٦. (٢) جامع البيان، ١٠/ ٤٦٢ - ٤٦٣. السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. الثالث: الأكل من فوق: كثرة الأشجار المثمرة، ومن تحت الأرجل: الزروع المغلة. والرابع: المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فیجتنون ما تهدل من رءوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم. والخامس: يشبه أن يكون هذا إشارةً إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم، وإفساد زروعهم، وإجلائهم عن أوطانهم»(٣). (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٩٨/١٢. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الألف أتباع عيسى عليه السلام في القرآن وصف الله تبارك وتعالى أتباع المسيح عليه السلام الذين أقاموا دينه واتبعوه ولم یحرفوا ولم يغيروا ولم يبدلوا بصفات عظيمة فيها إشادة وإكبار، وسماهم الحواريين، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اَللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ غَمْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ مَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأُكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٢ - ٥٣]. أولًا: معنى الحواريين: وفي معنى الحواريين أقوال: أحدها: أنهم الخواص الأصفياء، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير: (إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي)(١)، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم. والثاني: أنهم البیض الثياب، روی سعید بن جبير عن ابن عباس أنهم سموا بذلك؛ لبياض ثيابهم، وعلى هذا فالحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، وقيل: لأن قلوبهم كانت نقيةً طاهرةً من كل نفاقٍ وريبةٍ (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٧٢/٢٢، رقم ١٤٣٧٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦٦٩/١، رقم ٣٥٨٣. فسموا بذلك مدحًا لهم، وإشارةً إلى نقاء قلوبهم، کالثوب الأبيض، وهذا کما يقال: فلانٌ نقي الجیب، طاهر الذیل، إذا كان بعيدًا عن الأفعال الذميمة، وفلانٌ دنس الثياب: إذا کان مقدمًا على ما لا ينبغي. والثالث: أنهم القصارون، سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وهو كالذي قبله مبني على أن الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلًا على خواص الرجل وبطانته، قال الضحاك: مر عيسى عليه السلام بقومٍ من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، والذي یغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصار، فعربت هذه اللفظة فصارت حواري. والرابع: المجاهدون. والخامس: الصيادون، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. فقد روي أنه عليه السلام مربهم وهم يصطادون السمك، فقال لهم: «تعالوا نصطاد الناس)) قالوا: من أنت؟ قال: «أنا عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله» فطلبوا منه المعجز على ما قال، فلما أظهر المعجز آمنوا به، فهم الحواریون. والسادس: الحواريون: الملوك. والسابع: أنهم المنيرة وجوههم، قال ابن المبارك: الحوار ، ونسبوا إليه لما كان مَوسُو ◌َ النَِّّ القرآن الكريمِ ٢٦٠ الانجیل في وجوههم من سيما العبادة ونورها. وقال وفيليبس، وبرثو لماوس، ويعقوب بن تاج القراء: الحواري: الصديق))(١). والثامن: الحواري: الناصر، قال ابن کثیر: «والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحیحین أن رسول الله صلی الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير [ثم ندبهم فانتدب الزبير]. فقال: (إن لكل نبي حواريًا وحواربي الزبير)»(٢). حلفي، ولباوس، وسمعان القانوي، ويهوذا الأسخريوطي)»(٣). ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأنهم كانوا حائزين على كل هذه الصفات، فهم الأتباع المخلصون للمسيح، وهم بيض القلوب والثياب، منيرة وجوههم، ناصرون لربهم ونبیھم. ((قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواربين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، والكل سموا بالحواريين؛ وأعوانه، والمخلصين في محبته، وطاعته، وخدمته» (٤). وقال ابن عاشور: ((والحواريون: لقب لأصحاب عيسى، عليه السلام: الذين آمنوا به ولازموه، وهو اسمٌّ معربٌ من النبطية ومفرده حواريٌّ، قاله في الإتقان لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام، عن ابن حاتم عن الضحاك، ولكنه ادعى أن معناه الغسال أي: غسال الثياب، وفسره ثانيًا: صفات الحواريين: علماء العربية بأنه من يكون من خاصة من يضاف هو إليه ومن قرابته، وغلب على من صفات هؤلاء الحواريين أتباع المسيح عليه السلام التي وصفهم الله تعالی بها: أصحاب عيسى، وقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه، وكل ذلك إلصاقٌ بالكلمات التي الصفة الأولى: أنهم أنصار الله. فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصح وقد جاء ذلك في قوله تعالى في أكثر من موضع من كتابه: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ عَمْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ الرَّحْمَنِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، [الصف: ١٤]. منه شيءٌ، والحواريون اثنا عشر رجلًا وهم: سمعان بطرس، وأخوه أندراوس، ویوحنا بن زبدي، وأخوه يعقوب- وهؤلاء كلهم صيادو سمكٍ- ومتى العشار وتوما (١) زاد المسير، ابن الجوزي، ٢٨٦/١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٥/٢. (٣) التحرير والتنوير، ٢٥٥/٣ - ٢٥٦. (٤) مفاتيح الغيب، ٢٣٤/٨. www. modoee.com ٢٦١ حرف الألف قال الطبري: «فلما وجد عيسى من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم جحودًا لنبوته، وتکذیبًا لقوله، وصدا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾؟، يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، والمولين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ عز وجل؟ ويعني بقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾، مع الله))(١). وفي سبب استنصاره بالحواريين قال ابن الجوزي: ((واختلفوا في سبب استنصاره بالحواريين، فقال مجاهد: لما كفر به قومه، وأرادوا قتله، استنصر الحواريين. وقال غيره: لما کفر به قومه، وأخرجوه من قریتھم، استنصر الحواريين. وقيل: استنصرهم؛ لإقامة الحق، وإظهار الحجة))(٢). قال ابن كثير: ((والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: (من رجل یثويني على أبلغ کلام ربي)حتی وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انتدب له طائفةٌ من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا الذي أنزل معه، ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُونَ غَمْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ مَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿ رَبَّنَاَ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾))(٣). قال الرازي: ((والمراد من قوله تعالى ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ﴾ أي: نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه؛ لأن نصرة الله تعالى في الحقیقة محالٌ، فالمراد منه ما ذکرناه»(٤). وقد بلغ من منزلة الحواربين أتباع المسيح عليه السلام في نصرتهم وإخلاصهم وصدقهم في ذلك أن الله تعالى خاطب المؤمنين من هذه الأمة بقوله: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْأَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَنْيَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إلَى اللهِ قَالَ الْمَوَارِثُونَ فَعُْ أَنْصَارُ اَللَّهِ فَمَنَت ◌َّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَةِيلَ وَكَفَرَتْ ◌َبِفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوّهِمِ نَصَحُوا ظَِينَ﴾ [الصف: ١٤]. (يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن أن أبلغ كلام ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله، كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾؟ أي: معيني في الدعوة إلى الله عز وجل ؟ ﴿قَالَ الْمَوَارِبُّونَ﴾ - وهم أتباع عيسى (١) جامع البيان، ٦/ ٤٤٣. (٢) زاد المسير، ٢٨٥/١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ٤٦/٢. (٤) مفاتيح الغيب، ٢٣٤/٨. ٢٦٢ جوبيه القرآن الكريم الانجيل عليه السلام: ﴿فَقْنُ أَنْصَارُ اللّهِ﴾ أي: نحن أنصارك علی ما أرسلت به وموازروك علی ذلك؛ ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين. وهكذا کان رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول في أيام الحج: (من رجلٌ يئويني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي) حتى قيض الله عز وجل له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه وفوا له بما عاهدوا الله عليه؛ ولهذا سماهم الله ورسوله: الأنصار، وصار ذلك علمًا علیهم، رضي الله عنهم وأرضاهم»(١). ((والتشبيه بدعوة عيسى ابن مريم للحواربين وجواب الحواريين تشبيه تمثيلٍ، أي کونوا عندما يدعوكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى نصر الله كحالة قول عيسى ابن مريم للحواریین واستجابتهم له، والتشبيه لقصد التنظير والتأسي، فقد صدق الحواریون وعدهم وثبتوا على الدين، ولم تزعزعهم الفتن والتعذيب»(٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١٣/٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩٩/٢٨. الصفة الثانية: أنهم مؤمنون مسلمون. أما قوله تعالى: ﴿مَامَنَا بِاللَّهِ﴾ فهذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله، لأجل أنا آمنا بالله، فإن الإيمان بالله یوجب نصرة دين الله، والذب عن أوليائه، والمحاربة مع أعدائه، ثم قالوا: ﴿وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ وذلك؛ لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم، إشهادٌ لله تعالى أيضًا، ثم فيه قولان: الأول: المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالی فیه. الثاني: أن ذلك إقرارٌ منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله (٣) عليهم(٣). وقد جاء ذكر الحواريين أيضًا مقرونا بإقرارهم بالإيمان والإشهاد عليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِدَِّنَ أَنْ ءَامِنُواْ ◌ِ وَبِرَسُولِ قَالُوَاْءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ [المائدة: ١١١]. وقد جاءت هذه الآية في معرض ذکر الله عز وجل لنعمه على عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ((أي: واذكر نعمتي عليك حين ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بك، وقد كذبك جمهور بني إسرائيل، (٣) المصدر السابق، ٢٣٤/٨. www. modoee.com ٢٦٣ حرف الألف فجعلتهم أنصارًا لك يؤيدون حجتك وينشرون دعوتك. والوحي في أصل اللغة: الإشارة السريعة الخفية، أو الإعلام بالشيء بسرعةٍ وخفاءٍ))(١). وفي المراد بالوحي إلى الحواريين في هذه الآية قال ابن عطية: «وبالجملة فهو إلقاء معنى في خفاء، أوصله تعالى إلى نفوسهم كيف شاء))(٢). ((وهذا الإيحاء إلى الحواريين هو من نعم الله علی عیسی بأن جعل له أتباعًا يصدقونه ويعملون بما جاء به))(٣). ((وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم؛ لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبًا في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان)) (٤). ((وقد حكى الله عنهم هنا أنهم قالوا: آمنا، أي: بالله ورسوله عیسی علیه السلام، وأشهدوا الله على أنفسهم أنهم مسلمون أي: مخلصون في إيمانهم، مذعنون لما يترتب عليه من الأمر والنهي)» (٥). ((وقول الحواريين، ﴿وَاشْهَدْ ﴾ يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله تعالى، ويحتمل (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٢٠٧/٧. (٢) المحرر الوجيز، ٢٥٩/٢. (٣) البحر المحيط، أبو حيان، ٤ / ٤٠٨. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٦١. (٥) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٢٠٨/٧. أن یکون لعيسى عليه السلام»(٦). ((وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم، آمنوا وأسلموا، وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام؛ لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارةٌ عن الانقياد والخضوع في الظاهر، يعني: آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم»(٧). ((وسمى إيمانهم إسلامًا؛ لأنه كان تصديقًا راسخًا قد ارتفعوا به عن مرتبة إیمان عامة من آمن بالمسیح غیرهم، فکانوا مماثلين لإيمان عيسى، وهو إيمان الأنبياء والصدیقین»(٨). الصفة الثالثة: أنهم متبعون لرسولهم. ويدل عليه ((ما حكاه القرآن من قولهم: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَنَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأُكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. وذلك أن القوم آمنوا بالله حين قالوا: في الآية المتقدمة آمنا بالله، ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا: آمنا بما أنزلت، وآمنوا برسول الله حيث قالوا: واتبعنا الرسول، فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب، فقالوا ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ وهذا (٦) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢٥٩/٢. (٧) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٤٦١. (٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٠٤/٧. مُوسُوبَةُ النَّسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٦٤ الإنجيل يقتضي أن يكون للشاهدين فضلٌ يزيد على قبل الهجرة (٤). فضل الحواريين، ويفضل على درجته؛ لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة»(١). الصفة الرابعة: أنهم قريبون من المؤمنین. وقد دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا ج نَصَرَى ﴾ [المائدة: ٨٢]. وقد اختلف فيمن نزلت فيهم هذه الآية على أقوال: الأول: أنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه. قال عطاء: هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين(٢). قال أبو حيان: ((قيل: هو النجاشي وأصحابه تلا عليهم جعفر بن أبي طالبٍ حين هاجر إلى الحبشة سورة مريم فآمنوا وفاضت أعینهم من الدمع(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذین حین تلا علیھم جعفر بن أبي طالبٍ بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم. قال ابن كثير: وهذا القول فيه نظرٌ؛ لأن هذه الآية مدنيةٌ، وقصة جعفرٍ مع النجاشي (١) المصدر السابق، ٨/ ٢٣٤. (٢) انظر: جامع البيان، ١٠ / ٤٩٩. (٣) البحر المحيط، ٤/ ٣٤٢. الثاني: قيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفرٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم (٥). وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي قومًا إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم، فأسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها(٦). قال أبو حيان: ((وقيل: هم وفد النجاشي مع جعفرٍ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا سبعين بعثهم إلى الرسول عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانيةٌ من الشام، وهم بحير الراهب، وإدريس، وأشرف، وثمامة، وقئم، ودریدٌ، وأيمن، فقرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم يس، فبكوا وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله فيهم هذه الآية))(٧). وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلی الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه (٤) تفسير القرآن العظيم، ١٦٦/٣. (٥) جامع البيان، الطبري، ١٠/ ٤٩٩. (٦) زاد المسير، ابن الجوزي، ١/ ٥٧٤. (٧) البحر المحيط، ٤/ ٣٤٢. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الألف وسلم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم يجوز أن يراد به النصارى؛ لأنهم كانوا أقل مظاهرةً للمشركين من اليهود)» (٤). رجعوا إلى النجاشي فأخبروه .. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر، سبعة قساوسةٍ وخمسة رهابين. وقيل بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضعٌ وستون. وقيل: سبعون رجلًا. فالله أعلم (١). الثالث: روي عن مقاتلٍ والكلبي أنهم کانوا أربعين من بني الحارث بن کعبٍ من نجران، واثنين وثمانين من الحبشة، وثمانيةً وستين من الشام(٢). وقال قتادة: هم قومٌ کانوا علی دین عیسی ابن مريم، فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا(٣). قال ابن الجوزي: «فأما الذين قالوا: إنا نصارى، فهل هذا عام في كل النصارى أم خاص؟ فيه قولان: ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ «أي: هم ألین عریکةً وأقرب ودّا، ولم يصفهم بالود؛ إنما جعلهم أقرب من اليهود والمشركين، وهي أمةٌ لهم الوفاء أحدهما: أنه خاص، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما والخلال الأربع التي ذكرها عمرو بن العاص في صحيح مسلمٍ، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه دينًا وإيمانًا، ويبغضون أهل الفسق، فإذا سالموا فسلمهم صافٍ، وإذا حاربوا فحربهم مدافعةٌ؛ لأن شرعهم لا يأمرهم بذلك، وحين غلب والقول الثاني: أنه عام. قال الزجاج: الروم فارس سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلبة أهل الكتاب لأهل عبادة النار، أسلموا، قاله ابن عباس وابن جبیر. والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسکین بشریعة عیسى، فلما جاء محمد عليه السلام أسلموا، قاله قتادة. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٦٦/٣. (٢) انظر: البحر المحيط، ٣٤٢/٤. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٦٦/٣. (٤) زاد المسير، ٥٧٤/١. (٥) جامع البيان، ١٠/ ٥٠١. ٢٦٦ جَوَسُ دعَّ القرآن الكريم قال أبو جعفر الطبري: ((والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم یجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم یسم لنا أسماءهم، وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه))(٥). الانجيل ولإهلاك العدو الأكبر بالعدو الأصغر؛ مشروعًا في ملتهم))(٢). إذ كان مخوفًا على أهل الإسلام، واليهود ليسوا على شيءٍ من أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي یترقب ما يغتالك به، ألا تری إلی ما حکی تعالى عنهم ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيلٌ ... وظاهر الآية يدل على أن النصارى أصلح حالًا من اليهود وأقرب إلى المؤمنين مودةً، وعلى هذا الظاهر فسر الآية من وقفنا على كلامه، وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ما فضل به النصارى على اليهود من کرم الأخلاق، والدخول في الإسلام سريعًا، وليس الكلام واردًا بسبب العقائد، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين))(١) . وقال ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِّلَّذِينَءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ﴾ أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودةٌ للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا علی دین المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِی قُلُوبٍ الَّذِينَ أَتَّعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الحديد: ٢٧]. وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال (١) البحر المحيط، أبو حيان، ٣٤٣/٤. وقال ابن عطية: ((وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ﴾ إشارةٌ إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية، بل کونھم نصاری قول منهم وزعم»(٣). قال الشيخ محمد رشيد رضا: «لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتب الدعوة الإسلامية إلى الملوك ورؤساء الشعوب، كان النصارى منهم أحسنهم ردّا؛ فهرقل ملك الروم في الشام حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام، فلما لم يقبلوا لجمودهم على التقليد، وعدم فقههم حقيقة الدين الجدید، اکتفی بالرد الحسن. والمقوقس عظيم القبط في مصر كان أحسن منه ردًّا، وإن لم يكن أكثر إلى الإسلام ميلًا، وأرسل للنبي صلى الله عليه وسلم هدیةً حسنةً. ثم لما فتحت مصر والشام عرف أهلها مزية الإسلام، دخلوا في دين الله أفواجًا، وكان القبط أسرع له قبولاً)) (٤). الصفة الخامسة: الخشية والانقطاع للعبادة. («ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء (٢) تفسير القرآن العظيم، ١٦٧/٣ . (٣) المحرر الوجيز، ٢/ ٢٢٦ (٤) تفسير المنار، ٧/ ٤،٧. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الألف وزهادًا ومتواضعين، وسريعي استجابةٍ للإسلام، وكثيري بكاءٍ عند سماع القرآن، واليهود بخلاف ذلك، والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمین وبعد اليهود، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]. خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيس وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوس- والرهبان: جمع راهبٍ، وهو: العابد. مشتقٌ من الرهبة، وهي الخوف، کراکبٍ ورکباٍ، وفارسٍ وفرسانٍ»(١). ((وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ معناه: ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم یکونوا علی هدی، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية» (٢). قال الشيخ رشيد رضا: ((أي: ذلك الذي ذكر من كون النصارى أقرب مودةً للذين آمنوا بسبب أن منهم ﴿قِسِيسِينَ﴾ يتولون تعليمهم وتربيتهم الدينية، ﴿وَرُهْبَانًا﴾ يمثلون فيهم الزهد، وترك نعيم الدنيا، والخوف من الله عز وجل، والانقطاع لعبادته، وأنهم لا يستكبرون عن الإذعان للحق إذا ظهر لهم أنه الحق،؛ لأنه أشهر آداب دینهم التواضع والتذلل، وقبول كل سلطةٍ والخضوع لكل حاكم. بل من المشهور فيها: الأمر بمحبة الأعداء، وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأیمن. فتداول هذه الوصايا ووجود أولئك أي: يوجد فيهم القسيسون، وهم القسیسین والرهبان، لا بد أن يؤثر في نفوس جمهور الأمة وسوادها، فيضعف صفة الاستکبار عن قبول الحق فيها، وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعًا واختيارًا، والرضاء بها سرًا وجهارًا)) (٣). «فإن قيل: کیف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا ﴾ [الحديد: ٢٧]. وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا رهبانية في الإسلام) قلنا: إن ذلك صار ممدوحًا في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة، ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحًا على الإطلاق)» (٤). قال ابن عاشور: ((وإنما كان وجود القسيسين والرهبان بينهم سببًا في اقتراب مودتهم من المؤمنين لما هو معروفٌ بين العرب من حسن أخلاق القسيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم. وكانوا منتشرين في جهاتٍ كثيرةٍ من بلاد العرب يعمرون الأديرة والصوامع والبيع، وأكثرهم من عرب الشام (١) البحر المحيط، أبو حيان، ٤/ ٣٤٤. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢٢٦/٢. (٣) تفسير المنار، ٧/ ٧. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢ / ٤١٤. ٢٦٨ مَوَسُولَةُ النَّسيد القرآن الكَرِيْمِ الإنجيل الذين بلغتهم دعوة النصرانية على طريق زهيرٌ ولبيدٌ وورقة بن نوفل وأضرابهم))(٢). الروم، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس)»(١). الصفة السادسة: التواضع وعدم الاستكبار. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾ [المائدة: ٨٢]. ((والاستكبار: السين والتاء فيه؛ للمبالغة. وهو يطلق على التكبر والتعاظم، ويطلق على المكابرة وكراهية الحق، وهما متلازمان. فالمراد من قوله: ﴿لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾ أنهم متواضعون منصفون، وضمير وأنهم لا يستكبرون يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير بأن منهم، أي: وأن الذین قالوا إنا نصاری لا یستکبرون. فیکون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملة النصرانية فى ذلك العصر، وقد كان نصارى العرب متحلين بمكارم من الأخلاق. وظاهر قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصرّ﴾ أن هذا الخلق وصفٌ للنصارى كلهم من حيث إنهم نصارى، فيتعين أن يحمل الموصول على العموم العرفي، وهم نصارى العرب، فإن اتباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضم إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارم أخلاقٍ دينيةٍ، كما كان عليه (١) التحرير والتنوير، ٧/ ٧. الصفة السابعة: الانقياد للحق واتباعه. ((ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أَنْزِلَ إِلَى والإنصاف، فقال: الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّآ ءَامَنًا فَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ [المائدة: ٨٣-٨٤]. أى: مما الصَّلِحِينَ عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ رَيَّنَآ ءَامَنًا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ویؤمن به»(٣). وقال الشيخ محمد رشيد رضا: ((﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: وإذا سمع أولئك الذين قالوا إنا نصارى ما أنزل إلى الرسول الكامل محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي أکمل به الدین، وبعث رحمةً للعالمين، ترى أيها الناظر إليهم أعينهم تفيض من الدمع، أي: تمتلئ دمعًا حتى يتدفق الدمع من جوانبها لكثرته، أو حتى کأن الأعین ذابت وصارت دمعًا جاریًا، ذلك من أجل ما منع غيرهم من العتو والاستكبار، (٢) المصدر السابق، ٨/٧. (٣) تفسير القرآن العظيم، ١٦٨/٣. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الألف قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانٌ لقوله: ﴿مِمَّاعَرَفُوا﴾ وقيل: إن (من) فيه للتبعيض، أي: إن أعينهم فاضت عبرةً ودموعًا، عبرةً منهم وخشوعًا؛ لمعرفتهم بعض الحق، إذ سمعوا بعض الآيات دون بعضٍ، فكيف لو عرفوا الحق كله بسماع جميع القرآن، ومعرفة ما جاءت به السنة من الأسوة الحسنة البيان، وهذا القول إنما يصح بتطبيقه على واقعةٍ معينةٍ کالذي يسمع في النجاشي وجماعته، وأما ظاهر الجملة الشرطية فهو بيان ما يكون من شأنهم عند سماع القرآن، وهو العبرة والاستعبار، والدموع الغزار))(١). قال أبو حيان: ((هذا وصفٌ برقة القلوب والتأثر بسماع القرآن، والظاهر أن الضمير يعود على ﴿قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا ﴾ فيكون عامًا، ويكون قد أخبر عنهم بما يقع من بعضهم كما جرى للنجاشي، حيث تلا عليه جعفرٌ سورة مريم إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤]، وسورة طه إلى قوله: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩] فبكى، وكذلك قومه الذين وفدوا على الرسول حين قرأ عليهم (يس) فبكوا))(٢). قال الرازي: ((وأما قوله ﴿قَرَى أَعْيُنھُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ ففيه وجهان: الأول: المراد أن أعينهم تمتلئ من الدمع (١) تفسير المنار، ٧/ ١٢،١١. (٢) البحر المحيط، ٣٤٥/٤. حتى تفيض؛ لأن الفيض أن يمتلئ الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. الثاني: أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها)» (٣). (ثم بين تعالى ما يكون من مقالهم، بعد بيان ما يكون من حالهم فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَاً ءَامَنًا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾ أي: يقولون هذا القول يريدون به إنشاء الإيمان، والتضرع إلی الله تعالی بأن یقبله منهم ویکتبهم مع أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذين جعلهم الله تعالی کالرسل شهداء على الناس، وإنما يقولون ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم، أو مما يتناقلونه عن سلفهم، أن النبي الأخير الذي يكمل الله به الدين يكون متبعوه شهداء على الناس، أو المعنى أنهم بدخولهم في هذه الأمة يكتبون من الشاهدين، فذكر الله الأمة بأشرف أو صافها. قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: إن الشاهدين هنا هم الشهداء في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]»(٤). قال ابن الجوزي: ((قوله تعالى: ﴿فاڭئتنا مع الشَّهِدِينَ﴾، أي: مع من يشهد (٣) مفاتيح الغيب، ١٢/ ٤١٤. (٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٧/ ١١. ٢٧٠ جَوَسُولَة التقنية القرآن الكَرِيْمِ الإنجيل بالحق. الرسول، وهو متعينٌ بالنسبة إلى من آمن من وللمفسرين في المراد بالشاهدين هاهنا نصارى الحبشة، وكل من سار على طريقهم أربعة أقوال: أحدها: محمد وأمته، رواه علي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس. والثاني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثالث: الذین یشهدون بالإيمان، قاله الحسن. والرابع: الأنبياء والمؤمنون، قاله (١) الزجاج))(١). ﴿وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِالَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ ((هذا تتمة قولهم، والمعنى: أي مانعٍ يمنعنا من الإيمان بالله وحده وبما جاءناً من الحق على لسان هذا الرسول، بعد أن ظهر لنا أنه البارقليط روح الحق الذي بشر به المسيح، والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، والذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة، والفضائل الكاملة، والعبادات الخاصة، والمعاملات المستقيمة، وهم أتباع هذا النبي الكريم، الذين رأينا أثر صلاحهم بأعيننا بعد ما كان فسادهم في جاهليتهم ما كان؟ أي: لا مانع من هذا الإيمان بعد تحقيق موجبه، وقيام سببه، فسروا القوم الصالحين بأصحاب (١) زاد المسير، ٥٧٦/١. یعد منهم ویحشر معهم)»(٢). قال ابن كثير: ((وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله عز وجل ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ) وَإِذَا يُثَ عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا بِهِ: إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّئَّ إِنَّاكُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ يِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِتَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَدِهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢-٥٥]))(٣). الصفة الثامنة: الرأفة والرحمة ورقة القلب. وقد جاء في وصف أتباع عيسى عليه السلام أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَتْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَقَّيْنَا بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمٌ وَءَاتَّيْنَهُ الْإِنْجِلَ وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبٍ أَلَّذِينَ أَتَبَعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةًأَ بْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا (٢) تفسير المنار، ٧/ ١٢،١١. (٣) تفسير القرآن العظيم، ١٦٨/٣. www. modoee.com ٢٧١ حرف الألف عَلَيْهِمْ إِلَّ أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. قال الشوكاني: ((الذين اتبعوه هم والسلام بذلك في قوله: ﴿رُحَاءُ بَيْنَهُمْ الحواريون، جعل الله في قلوبهم مودةً لبعضهم البعض، ورحمةً يتراحمون بها، بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك، وأصل الرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة، وقيل: الرأفة أشد الرحمة)» (١). ((ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتبعوه: أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو أن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى ؛ لأنه أمرهم به ويسره علیهم، ذلك أن عیسی بعث؛ لتهذيب نفوس اليهود واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيالٍ طويلةٍ. قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]. والرأفة: الرحمة المتعلقة بدفع الأذى والضر فهي رحمةٌ خاصةٌ . . والرحمة: العطف والملاينة، فعطف الرحمة على الرأفة من عطف العام على الخاص لاستيعاب أنواعه بعد أن اهتم ببعضها»(٢). (١) فتح القدير، ٢١٣/٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢١/٢٧. («قال مقاتلٌ: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعضٍ، كما وصف الله أصحاب محمدٍ عليه الصلاة [الفتح: ٢٩]»(٣). وقال الألوسي: ((والرأفة في المشهور: الرحمة، لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك؛ لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح)»(٤). ((وقيل: هذا إشارةٌ إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه)»(٥). ((وخصت الرهبانية بالابتداع؛ لأن الرأفة والرحمة فى القلب لا تكسب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية، فإنها أفعال بدنٍ مع شيءٍ في القلب، ففيها موضعٌ للتكسب. قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله، والرهبانية هم ابتدعوها. والرهبانية: رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن واتخاذ الصوامع. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٩/ ٤٧٣. (٤) روح المعاني، ١٤ /١٨٩. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٦٢/١٧. مُوسُو ◌َة التَّ القرآن الكريم ٢٧٢ الإنجيل وجعل أبو علي الفارسي ﴿وَرَهْبَانِيَةً﴾ مقتطعةً من العطفّ على ما قبلها من ﴿رَأْفَةٌ وَرَحْمَةً﴾، فانتصب عنده ورهبانيةً على إضمار فعلٍ يفسره ما بعده، فهو من باب الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانيةً ابتدعوها))(١). (١) البحر المحيط، أبو حيان، ١١٥/١٠. تحريف الإنجيل سبق أن ذكرنا أن الإنجيل المنزل من عند الله على المسيح عليه السلام قد تعرض للتحريف والتغيير والتبديل، حتى لقد صار الآن مفقودا کله أو أكثره، وأن النصارى بعد زمن المسيح قد استبدلوه بصحائف وكتب كتبوها بأيديهم سموها أناجيل، وادعوا أنها وحي من الله إلى كاتبيها، وهم في زعمهم المسيح أو تلاميذ قدیسون من تلاميذ تلاميذه. والأناجيل المعتبرة عندهم أربعة: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، بالإضافة إلى سفر أعمال الرسل الذي كتبه لوقا كما يزعمون، ومن هذه الأناجيل الأربعة وهذا السفر يتكون ما يعرف بالأسفار التاريخية من العهد الجديد، تليها إحدى وعشرين رسالة من بولس إلى المدن النصرانية تعرف بالأسفار التعليمية، وفي النهاية تأتي رؤيا يوحنا اللاهوتي، وهي عبارة عن رؤيا يقظة أو نبوءات منسوبة إلى يوحنا، ومن كل ما سبق يتكون ما يعرف عندهم بالعهد الجديد(٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى: فهي أربعة أناجيل؛ إنجيل متى ويوحنا (٢) انظر: المسيحية، أحمد شلبي، ص١٦٩. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الألف ولوقا ومرقس، وهم متفقون على أن لوقا شيئا (٢). ومرقس لم يريا المسيح، وإنما رآه متى ويوحنا، وأن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد یسمون کل واحد منهم إنجيلًا، إنما كتبها هؤلاء بعد أن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلام الله، ولا أن المسيح، بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أشیاء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذکروا أنهم لم ينقلوا كل ما سمعوه منه ورأوه، فکانت من جنس ما يرويه أهل الحديث والسير والمغازي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنًا، فالأناجيل التي بأيديهم شبه كتاب السيرة وكتب الحديث، أو مثل هذه الكتب، وإن كان غالبها صحيحًا))(١). وهذه الأناجيل الأربعة التي يقدسها النصارى الآن تسوق قصة المسيح من ولادته إلى صلبه في زعمهم، ومن غير المعقول أن تكون تلك القصة وحيًا تلقاه المسيح من ربه، وعلمه حوارييه واستكتبهم إياه، إن كل عاقل يجزم أن المسيح لم يقرأ هذه الأناجيل في حياته، فكيف يقال بعد ذلك إنها مقدسة؟ وتلك الأناجيل المزعومة مقطوعة السند إلى مؤلفيها، بل إن نسبتها إليهم قائمة على الظن وهو لا يغني من الحق ((ومكان الأناجيل في النصرانية مكان القطب والعماد، وإذا كانت شخصية المسيح وما حاطوها به من أفكار هي شعار المسيحية، فإن هذه الأناجيل هي المشتملة على أخبار تلك الشخصية، من وقت الحمل إلى وقت صلبه فى اعتقادهم وقيامته من قبره بعد ثلاث ليال، ثم رفعه بعد أربعين ليلة، وهي بهذا تشتمل على عقيدة ألوهية المسيح في زعمهم، والصلب والفداء، أي: إنها تشتمل على لب المسيحية في نظرهم بعد المسيح ومعناها، وهذه الأناجيل الأربعة هي التي تعترف بها الكنائس، وتقرها الفرق المسيحية وتأخذ بها، ولكن التاريخ يروى لنا أنه كانت في العصور الغابرة أناجيل أخرى، قد أخذت بها فرق قديمة، وراجت عندها، ولم تعتنق كل فرقة إنجيلها، فعند كل من أصحاب مرقیون، وأصحاب ديسان إنجيل يخالف بعضه هذه الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل يخالف هذه الأربعة، وهو الصحيح في زعمهم، وهناك إنجيل يقال له إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى ینکرونه، وهناك إنجیل اشتهر باسم التذكرة، وإنجيل سرن تهس، ولقد كثرت الأناجيل (١) الجواب الصحيح، ٢١/٣. موسوعة النفسية الوضوء لِلْقُرآن الكَرِيْمِ (٢) أصول النصرانية في الميزان، محمد سيد المسير، ص ١١٧ . ٢٧٤ الانجیل كثرة عظيمة، وأجمع على ذلك مؤرخو النصرانية، ثم أرادت الكنيسة في آخر القرن الثاني الميلادي، أو أوائل القرن الرابع أن تحافظ على الأناجيل الصادقة -في اعتقادها- فاختارت هذه الأناجيل الأربعة من الأناجيل الرائجة إبان ذلك، ولکن یذکر بعض المؤرخين إنه لم توجد عبارة تشير إلى وجود أناجيل متی ومرقس ولوقا ویوحنا قبل آخر القرن الثالث. وأول من ذكر هذه الأناجيل الأربعة أرينيوس في سنة ٢٠٩. ثم جاء من بعده کلیمنس اسکندریانوس في سنة ٢١٦، وأظهر أن هذه الأناجيل الأربعة واجبة التسليم، ولم تكتف الكنيسة باختيار هذه الأناجيل الأربعة، بل أرادت الناس على قبولها؛ لاعتقادها صحتها، ورفض غيرها، وتم لها ما أرادت؛ فصارت هذه الأناجيل هي المعتبرة دون سواها))(١). وقد أخبر الله عز وجل في القرآن الكريم أن أهل الكتاب قد غیروا في کتبهم وبدلوا وحرفوا. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَقًِّا مِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١) محاضرات في النصرانية، محمد أبو زهرة، ص ٤٠ - ٤١. يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَآءُكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّاكُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌّ وَكِتَبُ تُبِيبٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُّمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٤ - ١٦]. قال الفخر الرازي: ((المراد أن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله، وإنما قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ ولم يقل: ومن النصارى، وذلك؛ لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاءً لنصرة الله تعالى، وهم الذین قالوا لعیسی: نحن أنصار الله، فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدحٍ، فبين الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة، ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى، وقوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ﴾ أي: مكتوبٌّ في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وتنكير الحظ في الآية يدل على أن المراد به حظٌ واحدٌ، وهو الذي ذكرناه من الإیمان بمحمدٍ صلی الله علیه وسلم»(٢). قال الشيخ محمد رشيد رضا: ((وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أن النصارى نسوا حظًا (٢) مفاتيح الغيب، ١١/ ٣٢٦. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الألف مما ذكروا به كاليهود، وهم أجدر بذلك، فإن يوهمون عوام المسلمين أن ما في أيديهم من التوراة والأناجيل هي التي شهد بصدقها القرآن)»(١). التوراة كتبت في زمن نزولها، وكان الألوف من الناس يعملون بها، ثم فقدت، والكثير من أحكامها محفوظٌ معروفٌ، ولا ثقة بقول بعض علماء الإفرنج: إن الكتابة لم تكن معروفةً في زمن موسى عليه السلام. وأما کتب النصارى فلم تعرف وتشهر إلا في القرن الرابع للمسيح؛ لأن أتباع المسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما أمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سیاسةً ظهرت کتبهم، ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرةً، فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة. فمن فهم ما قلناه في الفرق بين عرف القرآن وعرف القوم في مفهوم التوراة والإنجیل یتیین له أن ما جاء في القرآن هو الممحص للحقيقة التي أضاعها القوم، وهي ما يفهم من لفظ التوراة والإنجيل، ويصح أن يعد هذا التمحيص من آیات کون القرآن موحّی به من الله. ولولا ذلك لما أمكن ذلك الأمي الذي لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها؛ أن يعرف أنهم نسوا حظًا مما أوحي إليهم وأوتوا نصيبًا منه فقط، بل كان يجاريهم على ما هم عليه ويقول: الأناجيل لا الإنجيل. ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين فالنصارى قد أخفوا ما عندهم من صفة محمد صلی الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. قال السعدي: ((يخبر تعالى: أن أهل الکتاب قد تقرر عندهم، وعرفوا أن محمدًا رسول الله، وأن ما جاء به، حق وصدق، وتیقنوا ذلك، کما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلی الله عليه وسلم، وصلت إلى حد لا یشکون فیه ولا یمترون، ولكن فريقًا منهم - وهم أكثرهم - الذین کفروا به، کتموا هذه الشهادة مع تيقنها، وهم يعلمون))(٢). كما حرفوا عقيدة التوحيد إلى التثليث، ولهذا بين القرآن الكريم عقب هذه الآيات فساد قولهم بألوهية المسيح وبنوته لله وحلول الله فيه، وبأن فيه جزءا إلهيًا أو طبيعة إلهية، إلى آخر ما لفقوه في إنجيلهم ونسبوه للمسيح، ورد على هذه الفرية بما يؤكد عبودية المسيح وأمه ومن في الأرض جمیعًا لله. (١) تفسير المنار، ١٣٢/٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٧٢. ٢٧٦ مُؤْسَوَةُ النَِّيَّة القرآن الكريم الإنجيل قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمةٌ لهم. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة، وذلك أنهم يقولون: إن الابن إلهٌ، والأب إلهٌ، وروح القدس إلهٌ .. فأكفرهم الله بقولهم هذا)»(١). إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ, وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]. كما بين في موضع آخر من نفس السورة أن المسيح ما ادعى الألوهية أو البنوة لله، ولا قاله ولا نسبه إلى نفسه، ولا أمرهم بعبادته من دون الله أو مع الله، بل کل ما أمرهم به هو أن يعبدوا الله الذي هو ربه وربهم ورب العالمين، وتوعد من يشرك بالله بالحرمان من الجنة و دخول النار. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَةٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ ٧٢ النَّارِ وَمَا لِظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ قَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّّ إِلَهٌ وَحِدٌّ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٣]. قال القرطبي: ((وهذا قول فرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية؛ لأنهم يقولون: أبٌّ وابنٌ وروح القدس إلهٌ واحدٌ، ولا يقولون: ثلاثة آلهةٍ، وهو معنی مذهبهم، كما فند القرآن دعواهم ألوهية المسيح وأمه بما يثبت بشريتهما ويتعارض مع دعواهم ألوهيتهما من أحوالهما. قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَنتُّهُ. صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيُِّ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]. قال الفخر الرازي: ((واعلم أن المقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قول النصارى، وبیانه من وجوه: الأول: أن كل من كان له أمّ فقد حدث بعد أن لم یکن، وکل من کان کذلك كان مخلوقًا لا إلهًا. والثاني: أنهما كانا محتاجين؛ لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإله هو الذي يكون غنيًا عن جميع الأشياء، فکیف یعقل أن یکون إلهًا. الثالث: قال بعضهم : إن قوله كانا يأكلان الطعام كنايةٌ عن الحدث؛ لأن من أكل الطعام فإنه لا بد وأن يحدث .. (١) الجامع لأحكام القرآن، ٢٤٩/٦ - ٢٥٠. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الألف أن یحتاج فیه إلی دلیل)»(١). كما بين القرآن فساد زعمهم أن المسيح قد صلب، وقبر ومات وقام من بين الأموات في اليوم الثالث من دفنه، إلى آخر هذه العقائد الفاسدة والتحريفات التي بين القرآن زيفها وتحريفها. قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن سُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شََّكِّ مِنْهُ مَا لَم ◌ِ مِنْ عِلٍَّ إِلَّ أَنْبَاعَ الَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنَا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]. قال الشوكاني: ((وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته وإيضاح حقيقته الإنجيل، وما فيه هو من تحريف النصارى، أبعدهم الله، فقد كذبوا، وصدق الله القائل في كتابه العزيز: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَمُمَّ﴾ أي: ألقي شبهه على غيره وقيل: لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاکون فيه وإن الذين اختلفوا فيه أي: في شأن عیسی، فقال بعضهم: قتلناه، وقال من عاین رفعه إلى السماء: ما قتلناه، وقيل: إن الاختلاف بينهم هو: أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وقالت الملكانية: وقع القتل والصلب على (١) مفاتيح الغيب، ٤٠٩/١٢ - ٤١٠. وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من المسیح بکماله ناسوته ولا هوته، ولهم من جنس هذا الاختلاف کلامٌ طويلٌ لا أصل له، ولهذا قال الله: وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه، أي: في ترددٍ لا یخرج إلی حیز الصحة، ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم مترددون مرتابون في شکھم یعمهون، وفي جهلهم يتحيرون))(٢). وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىّ وَمُطَهِرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ نَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥]. قال ابن عاشور: «هذا حكايةٌ لأمر رفع المسيح وإخفائه عن أنظار أعدائه. وقدم الله في خطابه إعلامه بذلك استئناسًا له، إذ لم يتم ما يرغبه من هداية قومه، مع العلم بأنه يحب لقاء الله، وتبشيرًا له بأن الله مظهرٌ دينه؛ لأن غاية هم الرسول هو الهدى، وإبلاغ الشريعة» (٣). (٢) فتح القدير، ٦١٥/١ - ٦١٦. (٣) التحرير والتنوير، ٢٥٧/٣. ٢٧٨ مَوَسُورُ النفسية القرآن الكريم