النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ عناصر الموضوع مفهوم الإنجيل ٢٤٠ الإنجيل في الاستعمال القرآني ٢٤١ الألفاظ ذات الصلة ٢٤٢ اقتران الإنجيل بالتوراة في القرآن ٢٤٥ ٢٤٥ الإيمان بالكتب السماوية ٢٥٠ إيتاء عيسى عليه السلام الإنجيل ٢٥٢ صفات الإنجيل في القرآن ٢٥٥ الأحكام التشريعية في الإنجيل ٢٦٠ أتباع عيسى عليه السلام في القرآن ٢٧٣ تحريف الإنجيل ٢٧٩ صفات الرسول وأتباعه في الإنجيل المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الإنجيل أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن منظور: ((الإنجيل: كتاب عيسى، على نبينا وعليه -الصلاة والسلام-، يؤنث ويذكر، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب))(١). ويجمع على أناجيل. وقد اختلف العلماء في أصله اللغوي وهل هو عربي أو معرب، والراجح هو أن كلمة الإنجيل معربة، وإن اختلف في أصلها هل هي سريانية أو عبرية أو رومية أو يونانية، وهو الأظهر كما ذهب الطاهر بن عاشور رحمه الله وهي تعني: البشارة، أو الخبر الطيب، أو الخبر السار. وهذه البشارة عند المسلمين هي عبارة عن بشارة المسيح بنبي آخر الزمان محمد صلی الله عليه وسلم. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: کلمة إنجیل إذا أطلقت فلها معنیان: الأول: الكتاب المنزل من عند الله تعالى على المسيح عليه السلام، وهو مفقود، ولم يبق منه إلا نتف قليلة مما بين أيدي النصارى الآن، قال الطاهر بن عاشور في تعريفه بهذا المعنى: ((اسمٌ للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه)) (٢). الثاني: الإنجيل الذي تعظمه النصارى الآن، وهو عبارة عن ((أربعة كتبٍ تعرف بالأناجيل الأربعة، وعلى ما يسمونه العهد الجديد، وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل (أي الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، أي: على المجموع، فلا يطلق على شيءٍ مما عدا الكتب الأربعة بالانفراد، والأناجيل الأربعة عبارةٌ عن كتبٍ وجيزة في سيرة المسيح عليه السلام وشيء من تاریخه وتعلیمہ؛ ولهذا سمیت أناجیل وليس لهذه الكتب سندٌ متصلٌ عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوالٍ كثيرة)» (٣). (١) لسان العرب، ٦٤٨/١١. (٢) التحرير والتنوير، ١٤٩/٣. (٣) المصدر السابق. مَوَسُولَة الـ لِلْعَشْرَآن الكَرِيْمِ ٢٤٠ الإنجيل الإنجيل في الاستعمال القرآني ورد (الإنجيل) في القرآن الكريم (١٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الاسم ١٢ وَلَيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴾ [المائدة: ٤٧] وجاء الإنجيل في القرآن بمعنى: كتاب عيسى عليه السلام، يذكر ويؤنث، فمن أنث أراد الصحیفة، ومن ذکر أراد الکتاب (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٨٨. (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٠٥. www. modoee.com ٢٤١ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ القرآن: القرآن لغة: القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمي القرآن؛ لأنه یجمع السور فيضمها(١). القرآن اصطلاحا: كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، المتعبدٌ بتلاوته، المنقولٌ إلينا بالتواتر، المقروءٌ في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس)) (٢). الصلة بين الإنجيل والقرآن: كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والإنجيل أنزل على عيسى عليه السلام . التوراة: ٢ التوراة لغة: قال أبو حيان: ((التوراة: اسمٌ عبرانيٌّ، وقد تكلف النحاة في اشتقاقها، وفي وزنها، وذلك بعد تقرير النحاة أن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاقٌ، وأنها لا توزن، يعنون اشتقاقًا عربيًا)) (٣). وقال الطاهر بن عاشور: ((هو اسمٌ عبرانيٌ أصله (طورا) بمعنى الهدى، والظاهر أنه اسمٌ للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور؛ لأنها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى، فأطلق ذلك الاسم على جميع کتب موسی، واليهود يقولون (سفر طورا) فلما دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على الأوصاف والنكرات لتصير أعلامًا بالغلبة: مثل العقبة) (٤). (١) انظر: الصحاح، الجوهري، ٦٤/١، مجمل اللغة، ابن فارس، ١/ ٧٥٠. (٢) انظر: التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية، صالح الفوزان، ص٦٦. (٣) البحر المحيط، أبو حيان، ٥/٣. (٤) التحرير والتنوير، ١٤٨/٣. ضـ مَوَسُولَةُ التَّقِين القرآن الكَرِيْمِ ٢٤٢ الانجیل التوراة اصطلاحا: ((التوراة اسمٌ للكتاب المنزل على موسى عليه السلام)) (١). ويراد بها في اصطلاح اليهود: خمسة أسفار يعتقدون أن موسى عليه السلام كتبها بيده ويسمونها (بنتاتوك) نسبة إلى (بنتا)، وهي كلمة يونانية تعني خمسة، أي: الأسفار الخمس، وهذه الأسفار هي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية، وقد يطلق النصارى اسم التوراة على جميع أسفار العهد القديم. أما في اصطلاح المسلمين فهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام نورًا (٢) وهدى لبني إسرائيل . قال الشيخ محمد رشيد رضا: «كلمةٌ عبرانيةٌ معناها المراد: الشريعة أو الناموس، وهي تطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفارٍ يقولون إن موسى كتبها، وهي سفر التكوين وفيه الكلام عن بدء الخليقة وأخبار بعض الأنبياء، وسفر الخروج، وسفر اللاويين أو الأخبار، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويقال التثنية فقط. ويطلق النصارى لفظ التوراة على جميع الكتب التي يسمونها العهد العتيق، وهي كتب الأنبياء وتاريخ قضاة بني إسرائيل وملوكهم قبل المسيح ومنها ما لا يعرفون كاتبه، وقد يطلقونه عليها وعلى العهد الجديد معًا، وهو المعبر عنه بالإنجيل وسيأتي تفسيره. أما التوراة في عرف القرآن فهي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به»(٣). الصلة بين الإنجيل والتوراة: كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن الإنجيل أنزل على عيسى عليه السلام، والتوراة أنزل على موسى عليه السلام. الزبور: ٣ الزبور لغةً: قال ابن فارس: (زبر) « الزاي والباء والراء أصلان: أحدهما يدل على إحكام الشيء وتوثيقه، والآخر يدل على قراءة وكتابة وما أشبه ذلك، زبرت الكتاب، إذا كتبته، ومنه (١) المصدر السابق. (٢) دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، سعود الخلف، ص ٧٤. (٣) تفسير المنار، ١٢٩/٣. www. modoee.com ٢٤٣ حرف الألف الزبور))(١). وقال الكفوي: ((كل كتاب غليظ الكتابة يقال له زبور))(٢). الزبور اصطلاحًا: هو كلام الله المنزل وحيًا على رسوله داود عليه السلام ليبلغه لقومه. الصلة بين الزبور والإنجيل: كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن الزبور نزل على داود عليه السلام، والإنجيل نزل على عيسى عليه السلام . الصحف: ٤ الصحف لغةً: قال ابن فارس: (صحف)» الصاد والحاء والفاء أصل صحيح يدل على انبساط في شيء وسعة. يقال: إن الصحيف: وجه الأرض، ومن الباب: الصحيفة، وهي التي يكتب فيها، والجمع: صحائف، والصحف أيضًا، كأنه جمع صحيف))(٣). الصحف اصطلاحًا: وهي كلام الله الذي أنزله على نبيه إبراهيم، وتسمى صحف إبراهيم، وكلام الله المنزل على موسى وهو التوراة، وتسمى صحف موسى، وهو مذهب أكثر المفسرين، والله أعلم. عن ابن عباس رضي الله عنهما، (قال: لما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلها في صحف إبراهيم وموسى) (٤). الصلة بين الإنجيل والصحف: مما سبق يتضح أن الإنجيل وصحف موسى كلاهما كتابان من الكتب السماوية، إلا أن الإنجيل أنزل على عيسى عليه السلام وصحف موسى أنزل على موسى عليه السلام. أما صحف إبراهيم؛ فهو من الكتب السماوية كذلك، إلا أنه أنزل على إبراهيم عليه السلام قال ابن عاشور: « وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة، وقدرت بعشر صحف، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم، تسع الورقة قرابة أربع آيات من آي القرآن بحيث يكون مجموع صحف إبراهيم مقدار أربعين آية)» (٥). (١) مقاييس اللغة ٣/ ٤٥. (٢) الكليات، ص٤٨٦. (٣) مقاييس اللغة ٣/ ٣٣٤. (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، رقم ٢٩٣٠، ٢/ ٢٥٨. (٥) التحرير والتنوير ٢٧ / ١٣٠. مَوَسُولَةُ النَِّّ القرآن الكريم ٢٤٤ الإنجيل اقتران الإنجيل بالتوراة في القرآن ورد ذكر الإنجيل في القرآن مقترنًا بالتوراة في ثمانية مواضع، وذلك لعدة أسباب: أولًا: أن كلا الكتابين أنزل في بني إسرائيل، فالتوراة أنزلت على موسى والإنجيل أنزل على عيسى، وكلاهما مرسل في بني إسرائيل وإليهما خاصة. ثانيًا: أن الإنجيل جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ومكملًا بعض ما فيها من أحكام، كما جاء في القرآن الكريم على لسان المسيح عليه السلام: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] قال الشيخ رشيد رضا: ((أي: أنه لم يأت ناسخًا للتوراة بل مصدقًا لها عاملاً بها، ولكنه نسخ بعض أحكامها كما قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فقد كان حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بظلمهم وكثرة سؤالهم فأحلها عيسى)) (١). (١) تفسير المنار، ٢٥٧/٣. الإيمان بالكتب السماوية يتميز الإسلام بأنه يؤمن بجميع الرسالات السماوية السابقة عليه ويأمر به أتباعه، فالمسلم یجب عليه أن يؤمن بکل من أرسلهم الله من الأنبياء والرسل، وبكل ما جاءوا به من البينات والهدى، ولذلك فقد أوجب الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلی الله علیه وسلم الإيمان بالكتب السماوية. أولًا: وجوب الإيمان بالكتب المنزلة والكفر بإحداها كفر بها: من المقرر في عقيدة الإسلام الإيمان بكل الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ورسله سواء في ذلك ما عرفناه منها كالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور والصحف، أو ما لم نعرفه منها، بل إن الإيمان بهذه الكتب السماوية ركن من أركان الإيمان الستة، المنصوص عليها في قوله تعالى في محكم التنزيل: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَاَلْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ آلْبِرَّأَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. www. modoee.com ٢٤٥ حرف الألف ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وقوله عز وجل: ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَلْكِتَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ اَلْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وكذلك ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، حينما سأله قائلا: فأخبرني عن الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم: (أن تؤمن بالله، وملائكته، و کتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) (١). قال ابن کثیر: «فالمؤمنون یؤمنون بأن الله واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لا إله غيره، ولا رب سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل، والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحدٍ منهم، فيؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهدیون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعضٍ بإذن الله، حتی نسخ الجمیع بشرع محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفةٌ من أمته على الحق ظاهرين))(٢). (١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رقم ٨. (٢) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٧٣٦. وقال السعدي: ((فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنًا إلا به، إجمالا فیما لم يصل إليه تفصيله، وتفصيلاً فيما علم من ذلك بالتفصيل، فمن آمن هذا الإيمان المأمور به، فقد اهتدى وأنجح. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا﴾ وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟ واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها؛ لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض»(٣). ((ومعنى الإيمان بالكتب: التصديق الجازم بأن کلها منزلٌ من عند الله عز وجل على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين، وأنها كلام الله عز وجل لا كلام غيره، وأن الله تعالى تكلم بها حقيقةً كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطةٍ، ومنها ما يسمعه الرسول الملكي ويأمره بتبليغه منه إلی الرسول البشري، ومنها ما خطه بيده عز وجل، والإيمان بكل ما فيها من الشرائع، وأنه كان واجبًا على الأمم الذين نزلت إليهم الصحف الأولى الانقياد لها والحكم بما (٣) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٠٩. مَوَسُوبَةُ الَّ القرآن الكريم ٢٤٦ الانجیل فيها، وإن كل من كذب بشيءٍ منها أو أبى وموعظة لمن نزل إليهم. عن الانقياد لها مع تعلق خطابه به، یکفر بذلك !. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِنَايَِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُقَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاِطْ وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]))(١). (فتقرر بهذا وجوب الإيمان بالكتب كفر(٣)؛ لأنه جحد ركنا من أركان الإيمان والتصديق بها جميعها، واعتقاد أنها كلها من الله تعالی أنزلها على رسله بالحق والهدی و والضياء، وأن من کذب بها أو جحد شيئًا منها فهو كافر بالله خارج من الدین»(٢). ثانيًا: الإيمان بأن الإنجيل كتاب منزل من عند الله سبحانه وتعالى: ومن جملة هذه الكتب التي يجب على المسلم أن يؤمن بها وأنها منزلة من عند الله: الإنجيل الذي أنزله الله على نبيه ورسوله عیسی بن مريم، لهداية بني إسرائيل وإعادتهم إلى شريعة التوراة التي خالفوها وضل کثیر منهم عنها، وليبشر بنبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم من بعده. (١) معارج القبول، الحكمي، ٢/ ٦٧٢. (٢) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص١٢٩. قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَنْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَثَةِ وَءَاتَيْنَهُ آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦]. فمن أنكر الإنجيل أو جحده، فقد وهو الإيمان بالكتب، وقد سبق بيان أن من جحد شيئًا منها كان كمن جحدها جميعًا، ولإنكاره كذلك معلومًا من الدين بالضرورة. ثالثًا: تصديق القرآن للإنجيل: إن الكتب السماوية كلها مصدرها واحد هو الله عز وجل، فكلها كلام الله تعالى، ووحيه الذي أوحاه إلى أنبيائه ورسله؛ ليبلغوه إلى أقوامهم، فیکون لهم به الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة، والفوز برضا الرحمن والنجاة من العذاب والنيران. فكلامه سبحانه يصدق بعضه بعضًا، فلا یمکن أن یقع في هذه الكتب تناقض أو تضارب بينها وبين بعضها، لكن قد يقع فيها ومن ثم يجب الإيمان بالإنجيل ككتاب سماوي أنزل من عند الله مصدقًا لما الاختلاف فيما يتعلق بالشرائع والأحکام، بحسب زمان كل أمة نزل إليهم الكتاب، بين يديه من التوراة، وأن فيه هداية ونورًا وبحسب ما يناسبهم، أما ما يتعلق بالعقيدة والأخلاق فلا يقع فيه اختلاف بين هذه (٣) انظر: معارج القبول، الحكمي، ٢/ ٦٧٢. www. modoee.com ٢٤٧ حرف الألف الکتب فكلها تدعو إلى عبادة الله وحده عنده؛ لأن منزل جمیع ذلك واحد، فلا يكون لا شريك له، قال تعالى: فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف کثیر)) (١). وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَإِلَّ أَا فَأَعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ومن ثم فالقرآن بما أنه کتاب الله وكلامه وهو خاتم الكتب السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله ومن بينها الإنجيل فهو مصدق لها، ومهيمن عليها، وقد قرر القرآن الکریم هذه الحقيقة في أكثر من موضع، قال تعالی مخاطبًا نبيه محمدًا صلی الله علیه وسلم: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْدِ وَأَنْزَّلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]. فالذي أنزل القرآن وما قبله من الكتب كالإنجيل هو الله تعالی، وكلام الله تعالى یصدق بعضه بعضًا، ولا يقع فيه تناقض أو اختلاف. قال أبو جعفر بن جرير الطبري: ((يقول جل ثناؤه: یا محمد، إن ربك ورب عیسی ورب كل شيء، هو الرب الذي أنزل عليك الكتاب، يعني بـ ﴿اَلْكِتَبَ﴾، القرآن ﴿پآلحَقِ﴾ يعني: بالصدق فیما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجوك من نصاری أهل نجران وسائر أهل الشرك غيرهم ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيِّ﴾، يعني بذلك القرآن، أنه مصدق لما کان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من وقال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: ٤٨]. فقد أشارت الآية إلى حالتي القرآن بالنسبة لما قبله من الكتب، فهو مؤيدٌ لبعض ما في الشرائع مقررٌ له من كل حكم كانت مصلحته كليةً لم تختلف مصلحته باختلاف الأمم والأزمان، وهو بهذا الوصف مصدقٌ، أي محققٌ ومقررٌ؛ لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الکبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده ﴿مُصَدِّقًا﴾ لخبرها، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع کل حق جاءت به الکتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه، وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام التي عرضت عليه من الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند (١) جامع البيان، الطبري، ٦/ ١٦٠. ٢٤٨ جَوَسُورَةُ الْبَطَّ القرآن الكْرِيْمِ الإنجيل الله، لم يخالفه، وهو أيضًا مبطلٌ لبعض ما بها، فهو یحکم عليها ؛ لأنه جاء بعدها، روى ابن جريرٍ عن ابن عباسٍ أنه قال: ﴿وَمُھَیْمِنًا في الشرائع السالفة وناسخٌ لأحكام كثيرةٍ من كل ما كانت مصالحه جزئيةً مؤقتةً مراعى فيها أحوال أقوامٍ خاصةٍ)) (١). عَلَيْهٌ ﴾ يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب، وفي روايةٍ عنه عند الفريابي وسعيد بن منصورٍ والبيهقي ورواة التفسير رابعًا: القرآن مكذب للإنجيل المحرف: المأثور قال: مؤتمنًا عليه، وفي رواية أخرى قال: شهيدًا على كل كتابٍ قبله))(٢). تعرض الإنجيل في الأزمنة التالية لرفع المسيح عليه السلام للتحريف والتغيير والتبديل، حتى لقد صار الإنجيل الحقيقي المنزل من عند الله مفقودًا، اللهم إلا من عبارات قليلة مبثوثة في ثنايا تلك الأسفار التي بين أيديهم الآن والتي يسمونها الإنجيل وهي من تأليفهم، فحاشا لله أن يكون القرآن الكريم مصدقًا لما في الإنجيل المحرف من الكذب والتدليس والتزوير والتزييف، بل هو مبين لذلك كله فاضح له، فالقرآن نزل ليقيم الملة العوجاء، وقد جاء في معنى قوله تعالى ﴿وَمُهَيْمِنَّا عَلَيْهِ﴾ ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا: ((أما قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهٌ﴾ أي: على جنس الكتاب الإلهي، فمعناه: أنه رقيبٌ عليها وشهيدٌ، بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان من شأن من خوطبوا بها، من نسيان حظٍ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثيرٍ مما بقي منها وتأويله، والإعراض عن الحكم والعمل (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢١/٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٣٤. فالحاصل أن القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب، وأن الله تعالی أنزل کتبًا على الأمم السابقة ومنها التوراة والإنجيل، وأمر بالإيمان بها، ولكنه في الوقت نفسه نبه على ما طالها من تحريف وتغيير وتبديل من الأمم التي أنزلت عليهم؛ ليصوب لهم أخطاءهم ویعیدهم إلى صوابهم، فإن المراد بتصدیقها هو تصدیق الأصل النازل من عند الله إجمالًا وما ثبت منها أنه حق، دون ما بين بطلانه، أو هو تصديق لمجموعها ولا يلزم منه تصديق جميعها. قال الشيخ محمد رشيد رضا: ((﴿مُصَدِّقًا ◌ِمَا بين يديّهِ ﴾ أي مبينًا صدق ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء، أي کونها وحيًا من الله تعالی، وذلك أن أثبت الوحي وذکر أنه تعالى أرسل رسلًا أوحى إليهم، فهذا تصديقُ إجماليٌ لأصل الوحي لا يتضمن تصديق ما عند الأمم التي تنتمي إلى أولئك الأنبياء من الكتب بأعیانها ومسائلها، ومثاله (٢) تفسير المنار، ٣٤٠/٦. www. modoee.com ٢٤٩ حرف الألف تصديقنا لنبينا صلى الله عليه وسلم في جمیع ما أخبر به فهو لا يستلزم تصديق كل ما في كتب الحديث المروية عنه، بل ما ثبت منها عندنا فقط)) (١). (والأحكام الذي عرضت عليه في الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه»(٢). إيتاء عيسى عليه السلام الإنجيل ورد ذكر إيتاء عيسى عليه السلام الإنجيل في القرآن الكريم في مواضع عدة منها قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَنَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيّهِ مِنَ النَّوْرَئِةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. [المائدة: ٤٦]. وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ قَفَّتْنَا عَلَى ءَاثَرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْهَمٌ وَءَاتَيْنَهُ اُلْإِنجِيلَ﴾ [الحديد: ٢٧]. وإيتاء الإنجيل لعيسى عليه السلام عبارة عن إنزاله إليه بوحي من الله تعالى، قال الطبري: ((﴿وَءَاتَّيْنَنَّهُ اَلْإِنْجِلَ﴾ يقول: وأنزلنا إليه كتابنا الذي اسمه الإنجيل))(٣)، وهذا الإيتاء إنما هو منة من الله تعالى للرسول الموحى إليه به، ولأمته التي أنزل إليهم الكتاب، ((وفيه تعظيم عيسى عليه السلام بأن الله آتاه كتابًا إلهيًا))(٤). فآتيناه ((أي: أعطيناه الإنجيل مشتملًا على هدّى من الضلال في العقائد والأعمال؛ كالتوحيد النافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل، ونورٌ يبصر به طالب الحق طريقه الموصل إليه من الدلائل والأمثال والفضائل والآداب، ومصدقًا للتوراة التي تقدمته؛ أي: مشتملًا على النص (١) المصدر السابق ١٢٩/٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٣٤. (٣) جامع البيان، ١٠/ ٣٧٣. (٤) البحر المحيط، أبو حيان، ٢٧٨/٤. ٢٥٠ جوبيبو القرآن الكريم الإنجيل بتصديق التوراة)) (١). واستشكل في معنى قول المسيح وهو في المهد آتاني الكتاب: قال ابن الجوزي: ((وفي معنى الآية قولان: أحدهما: أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وقيل: علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه. والثاني: قضى أن يؤتيني الكتاب، قاله عكرمة. وفي الكتاب قولان: أحدهما: أنه التوراة. والثاني: الإنجيل)» (٢). وجزم القرطبي بالقول الثاني وهو أن المراد بالكتاب هنا الإنجيل(٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِه بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]. وقوله سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اٌلْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقد اختلفوا في ﴿الْبَيِّنَتِ﴾: فقال البغوي: ((﴿اَلْبَيِّنَتِ﴾: الدلالات الواضحات، وهي ما ذكر الله في سورة آل (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٣٢/٦. (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ١٣٠. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ١١/ ١٠٢ عمران والمائدة، وقيل: أراد الإنجيل)) (٤). ومال الرازي إلى القول بأن الكل يدخل فيه؛ لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصیص معنى(٥). وكذلك اختلفوا في الروح القدس التي أيد الله المسيح به إلى ثلاثة أقوال: ((أحدها: أنه جبريل. والقدس: الطهارة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي في آخرين ... والقول الثاني: أنه الاسم الذي كان يحيي به الموتى، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه الإنجيل، قاله ابن زيد)» (٦). ووجه تسمية الإنجيل بالروح القدس عند من فسره به أن «الإنجيل سببٌ لظهور الشرائع وحياتها)»(٧). (٤) معالم التنزيل ١/ ١٤٠. (٥) انظر: مفاتيح الغيب، ٥٩٥/٣. (٦) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ١/ ٨٦. (٧) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣ / ٥٩٦. www. modoee.com ٢٥١ حرف الألف صفات الإنجيل في القرآن وصف القرآن الكريم الإنجيل الصحيح الذي أنزل على المسيح من عند الله تعالى بوحي منه بعدة أوصاف تدعو المسلمين إلى الإيمان به واحترامه وتوقيره ككتاب سماوي أنزل على نبي ورسول من أنبياء الله ومن أولي العزم من الرسل، لهداية من أنزل إليهم الكتاب من الأمم، وهذه الصفات جمعت في قوله تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَى ءَ اثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَيَّةِ وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: ٤٦]. فيتضح من هذه الآية ((أنه تعالى وصف الإنجيل بصفاتٍ خمسةٍ فقال: فیه هدئً، ونورٌ، ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، وهدىّ، وموعظةً للمتقين))(١). ونبين كلا من هذه الصفات: ١ .فیه هدی: ((والهدى: الإرشاد والدعاء إلى توحيد الله وإحياء أحكامه))(٢). قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] وكون الإنجيل ﴿هُدِّى﴾ أي: ((هادیًا (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٣٧٠. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ١٩٩. لمن تبعه)) (٣)، وقيل: ﴿هُدَى لِلنَّاسِ﴾ معناه: دعاء، والناس بنو إسرائيل في هذا الموضع؛ لأنهم المدعوون بهما لا غير، وإن أراد أنهما هدىّ في ذاتهما .. فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر)) (٤). فالإنجيل كتاب هداية من الله لبني إسرائيل شامل لكل أمورهم الدينية في أمر العقيدة والشريعة، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَءَيْنَهُ آلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدَّى﴾: ((أي: أعطيناه الإنجيل مشتملًا على هدى من الضلال في العقائد والأعمال ؛ كالتوحيد النافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل)»(٥)، «وهو بیان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه))(٦). وبذلك يتضح أن«معنی کونه فیه ھدی أنه يشتمل على دلائل التوحيد، وتنزيه الله عن الولد والصاحبة والمثل والضد، وعلى الإرشاد والدعاء إلى الله تعالى، وإلى إحياء أحكام التوراة)»(٧). ٢. نور: «وأما كونه نورًا، فالمراد به كونه بيانًا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف)»(٨). (٣) معالم التنزيل، البغوي، ١/ ٤٠٨. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٣٩٩/١. (٥) تفسير المنار، ٦/ ٣٣٢. (٦) جامع البيان، ١٠/ ٣٧٣. (٧) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٣٧٠. (٨) البحر المحيط، أبو حيان، ٢٧٨/٤. ٢٥٢ مَوَسُولَةُ الْبَعِيد القرآن الكريم الإنجيل فهو هدى من رب العالمين ((ونورٌ يبصر حقًا واجبٌ العمل به قبل ورود النسخ، إذ شريعته مغايرةٌ لبعض ما فيها)) (٦). به طالب الحق طريقه الموصل إليه من الدلائل والأمثال والفضائل والآداب))(١)، فهو نور ((وضياء من عمى الجهالة))(٢). فالمراد بكون الإنجيل نورًا: ((ما فيه مما يستضاء به؛ إذ فيه بيان أحكام الشريعة وتفاصيلها))(٣). ف من شأنه أنه يزيل الظلمة ويوضح الطريق، ولهذا سمي الإنجيل به، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدَى وَنُورٌ﴾ أي: ((هدى إلى الحق، ونورٌ يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات)»(٤). ٣. مصدق لما قبله: قال تعالى في وصف الإنجيل: ﴿وَءَاتَيْنَهُ آلْإِنِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَةِ﴾ ((أي: ومصدقًا للتوراة التي تقدمته؛ أي: مشتملًا على النص بتصديق التوراة)»(٥). و تصديقه للتوراة له معنیان: الأول: ما ذكره أبو حيان بقوله: ((وتصديقه إياها هو بكونه مقرًا أنها كتابٌّ منزلٌ من الله (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٣٣٢/٦. (٢) جامع البيان، الطبري، ١٠/ ٣٧٣. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٩٩/٢، البحر المحيط، أبو حيان، ٢٧٨/٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٢٦/٣. (٥) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ٣٣٢/٦. الثاني: ما فسره ابن كثير بقوله: ((أي: متبعًا لها، غير مخالفٍ لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فیه»(٧). ((وهذا التصديق لا ينافي أنه نسخ بعض أحكام التوراة كما حكى الله عنه ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيَكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]»(٨). ويلاحظ أيضًا في هذه الآية ورود عبارة ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيّدٍ مِنَ الثَّوْرَاةِ﴾ فيها مرتين، ((وهذا ليس بتكرار للأول؛ لأن في الأول: الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة. وفي الثاني - الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة، فظهر الفرق بين اللفظين وأنه ليس بتكرار)) (٩). وفرق الطاهر بن عاشور بين تصديق المسيح نفسه للتوراة وبين تصديق الإنجيل لها بقوله: ((فتصديق عيسى التوراة: أمره بإحياء أحكامها، وهو تصديقٌ حقيقيٍّ، وتصديق الإنجيل التوراة: اشتماله على ما وافق أحكامها، فهو تصديقٌ مجازيٌ))(١٠). (٦) البحر المحيط، أبو حيان، ٤/ ٢٧٨. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٢٦/٣. (٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢١٩/٦. (٩) لباب التأويل، الخازن، ٢/ ٥٠. (١٠) التحرير والتنوير ٢١٩/٦. www. modoee.com ٢٥٣ حرف الألف ((والمعنى: أن عيسى وكتابه الذي التي هي أشد المسائل احتياجًا إلى البيان والتقرير))(٢). أنزل عليه هما مصدقان لما تقدمهما من التوراة، فتظافر على تصديقه الكتاب الإلهي المنزل، والنبي المرسل المنزل عليه ذلك الکتاب»(١). ٤. هدی: وقد وصف الإنجيل بكونه هدى من و جھین: الوجه الأول: وصف لما في الإنجيل من الآيات والأحكام بتفصيلاتها بأنها هدى. الوجه الثاني: وصف للإنجيل بذاته وجملته أنه هدی. فالملاحظ في آية المائدة التي ذكرت صفات الإنجيل أن لفظ الهدى قد تكرر فيها مرتين، وليس الهدى الثاني عين الأول، وحاشا لله أن يقع في كلامه تكرار لا فائدة منه، فالهدى الأول هو ما ذكر المفسرون معناه بما سبق، ((وأما كونه هدى مرةً أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلی الله علیه وسلم سببٌ لاهتداء الناس إلی نبوة محمدٍ صلی الله عليه وسلم، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرةً أخرى، تنبيهًا على أن الإنجيل يدل دلالةً ظاهرةً على نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فكان هدّى في هذه المسألة (١) البحر المحيط، أبو حيان، ٤ / ٢٧٨. قال الألوسي: (و جعل کله هدی -بعد ما جعل مشتملاً عليه-؛ مبالغة في التنويه بشأنه لما أن فيه البشارة بنبينا صلى الله عليه وسلم أظهر)» (٣). وقد اعتنى الإنجيل ببيان صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره من الكتب السابقة عليه، والحكمة من ذلك أنه أقرب الکتب عهدًا بمبعثه صلى الله عليه وسلم، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه. وقيل: معنى كونه ﴿وَهُدَى﴾ أنه جاء («بيانًا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتقين في زمان عيسى)» (٤). ٥. موعظة : وهذه خاتمة الصفات المذكورة للإنجيل في هذه الآية، قال تعالى: ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقد تحدثنا عن الهدى الثاني وذكرنا المراد به والفرق بينه وبين الهدى الأول. ((وأما كون الإنجيل موعظة فلاشتماله على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة، وإنما خصها بالمتقين؛ لأنهم (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٣٧٠. (٣) روح المعاني، ٣١٩/٣. (٤) جامع البيان، الطبري، ١٠/ ٣٧٣. ٢٥٤ القرآن الكريم الإنجيل هم الذين ينتفعون بها، كما في قوله: هدىّ للمتقين)»(١). قیل في معنی کون الإنجيل موعظة، أي: ((زجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، وتنبيهًا لهم علیه))(٢). ((ولعله ما انفرد به من المسائل الروحية والمواعظ الأدبية، وزلزلة ذلك الجمود الإسرائيلي المادي، وزعزعة ذلك الغرور الذي كان الكتبة والفريسيون من اليهود مفتونين به، وخص هذا النوع بالمتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون به ؛ إذ لا يفوتهم شيءٌ من الكتاب لحرصهم عليه وعنايتهم به، والحكمة من هذا النوع من الهدى والموعظة: فقه أسرار الشريعة ومعرفة حكمتها والمقصد منها، والعلم بأن وراء تلك التوراة وهذا الإنجيل هدايةً أتم وأكمل، ودينًا أعم وأشمل، وهو الذي يجيء به النبي الأخير (البارقليط) الأعظم، ولولا زلزال الإنجيل في جملته لتلك التقاليد، وزعزعته لذلك الغرور، وأنس الناس بما حفظ من تعاليمه عدة قرونٍ، لما انتشر الإسلام بين بتلك السرعة)) (٣). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٣٧٠، لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥٠. (٢) جامع البيان، الطبري، ١٠/ ٣٧٣. (٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٣٢/٦. الأحكام التشريعية في الإنجيل أولًا: الأحكام التشريعية في الإنجيل: أودع الله في الإنجيل أحكامًا وتشریعات لهداية من أنزل إليهم، وأمرهم بأن يأخذوا بها، ويعملوا بأحكامها، ويحكموا بمقتضاها. قال تعالى ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. وهذه الآية تبين أمرين: أولًا: الحكمة من إيتاء المسيح عليه السلام الإنجيل الذي وصفه الله تعالى بالصفات السابق بيانها في الآية التي قبلها مباشرة هي: أن يعملوا بما فيه. ثانيًا: وجوب العمل بما أنزل الله في الإنجيل على أمة المسيح عليه السلام قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم. والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل علی الأحكام، وأن عیسی علیه السلام کان مستقلًا بالشرع مأمورا بالعمل بما فيه من أهل الكتاب في سورية ومصر وبين النهرين الأحكام قلت أو كثرت لا بما في التوراة خاصة، وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى عليه الصلاة والسلام(٤). ویشهد لذلك أيضًا حديث النبي صلى (٤) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣/ ٣٢٠، أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٢٩/٢. www. modoee.com ٢٥٥ حرف الألف الله عليه وسلم: (أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا ... ) الحديث (١). الشهرستاني: ((وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين بذلك، مكلفين بالتزام أحكام التوراة، والإنجيل النازل على المسيح عليه السلام لا يتضمن أحكامًا، ولا يستبطن حلالًا ولا حرامًا؛ ولكنه: رموز، وأمثال، ومواعظ، ومزاجر؛ وما سواها من الشرائع والأحكام فمحالة على التوراة، فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ابن مريم عليه السلام، وادعوا عليه أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى عليه السلام، وموافقة التوراة، فغير وبدل، وعدوا عليه تلك التغييرات، منها: تغيير السبت إلى الأحد، ومنها: تغيير أكل لحم الخنزير، وكان حرامًا في التوراة، ومنها: الختان، والغسل، وغیر ذلك، والمسلمون قد بينوا أن الأمتين: قد بدلوا، وحرفوا؛ وإلا فعیسی علیه السلام كان مقررًا لما جاء به موسى عليه السلام))(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الركوع، رقم ٥٥٧. (٢) الملل والنحل، ١٥/٢. ((وحمل المخالف هذه الآية على ولیحکموا بما أنزل الله تعالی فیه من إيجاب العمل بأحكام التوراة، وهو خلاف الظاهر كتخصيص ما أنزل فيه نبوة نبينا صلى الله علیه وسلم»(٣). وقال الألوسي: ((أمر مبتدأ لهم بأن وخالف في ذلك بعض الفضلاء، قال يحكموا ويعملوا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته صلی الله عليه وسلم وما قررته شريعته الشریفة من أحكامه، وأما الأحکام المنسوخة فلیس الحکم بھا حكمًا بما أنزل الله تعالى بل هو إبطال وتعطيل له إذ هو شاهد بنسخها و انتهاء وقت العمل بها؛ لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها، وأن أحكامه ما قررته تلك الشريعة التي تشهد بصحتها)) (٤). وقد ورد في القرآن الكريم ما يدل على بعض ما فرض على النصارى من الأحكام الشرعية، كما في قوله تعالى حكاية عن المسيح عليه السلام: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَغِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ [مريم: ٣١]. قال الطبري: ((وقوله ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعنى: المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها علي. (٣) روح المعاني، ٣٢٠/٣. (٤) المصدر السابق، ٣١٩/٣ ٢٥٦ مَوَسُو ◌َ الْبَشِد القرآن الكريم الإنجيل وفي الزكاة معنيان، أحدهما: زكاة الأموال أن یؤدیها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي، وقوله ﴿مَا دُمْتُ حيّا﴾ يقول: ما كنت حيًا في الدنيا موجودًا، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذنوب؛ لأن الذي يوصف به عیسی صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدخر شيئًا لغد، فتجب عليه زكاة المال، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكل ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا))(١). فلا شك أنه قد فرض الله على النصارى صلاة وزكاة لا نعلم کیفیتها ولا عددها، ولا هي نفس التي كانت عند اليهود أو غيرها، ولا نعلم هل الصلاة والعشور التي عندهم الآن هي الصحیح النازل من عند الله أو هي مما حرفوا وبدلوا. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُبَ قال تعالى: عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقد اختلف المفسرون في المقصود الأصم. بمن قبلنا في الآية. (١) جامع البيان، ١٩١/١٨. قال ابن الجوزي: «وفي الذین من قبلنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم النصارى، قاله الشعبي، والربيع. والثالث: أنهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس))(٢). فعلى الأقوال الثلاثة فالنصارى معنيون بهذه الآية، فلا شك أنهم كانوا قد فرض عليهم الصيام. كما لا شك أن الإنجيل قد أمرهم بمكارم الأخلاق وبر الوالدين وحسن معاملة القريب والغریب، وأنه نهاهم عن كل قبيح كالقتل والزنا والسرقة والعقوق والكذب وسائر الأخلاق الذميمة. وقد أورد الفخر الرازي سؤالًا على هذه وقد أخبرنا القرآن الكريم بأن الله قد الآية وهو: «فإن قيل: كيف جاز أن يؤمروا فرض الصيام على الأمم السابقة، ولا شك بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟ أن منها النصارى أمة المسيح عليه السلام. قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن المراد: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمدٍ صلی الله عليه وسلم، وهو قول والثاني: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل (٢) زاد المسير، ١٤٠/١. www. modoee.com ٢٥٧ حرف الألف الله فيه، مما لم يصر منسوخًا بالقرآن. وغيروه وبدلوه، فكيف يمكنهم العمل به والثالث: المراد من قوله وليحكم أهل بعد ذلك؟ الإنجيل بما أنزل الله فيه: زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة، فالمعني بقوله: (وليحكم) أي: وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريفٍ ولا تبديلٍ))(١). وإنا لنجد بعض النصارى يحتج علينا بهذه الآية بدعوى أنها تأمرهم بالعمل بالإنجيل وما فيه، مما يعني في نظرهم ترك العمل بالقرآن واتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والأحكام، وقد ذكرنا الجواب عن ذلك من أقوال المفسرين وما تحتمله الآية مما لا يتفق مع دعواهم. قال الشيخ محمد رشيد رضا: ((كيفما قرأت وفسرت لا تجد الآية تدل على أن الله تعالى يأمر النصارى في القرآن بالحكم بالإنجيل، كما يزعم دعاة النصرانية بما يغالطون به عوام المسلمين، ولو فرضنا أنه أمرهم بذلك بعبارةٍ أخرى لتعين أن يكون الأمر للتعجيز وإقامة الحجة عليهم ؛ فإنهم لا يستطيعون العمل بالإنجيل، ولن يستطيعوه))(٢). والسبب في ذلك أنهم حرفوه وضيعوه (١) مفاتيح الغيب، ١٢/ ٣٧١. (٢) تفسير المنار، ٣٣٢/٦. مُوسُورُ النَّقِين القرآن الكريم وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: المتمردون الخارجون عن حكمه أو عن الإيمان، .. والجملة تذييل مقرر لمضمون الجملة السابقة ومؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر (٣). ثانيًا: أثر إقامة الإنجيل: قال تعالى في بيان الأثر الإيجابي من إقامة أهل الكتاب لكتبهم وتنفيذهم لوصاياها ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرَجُلِهِمَّ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةً وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٦٦]. وفي معنى الإقامة قال الطاهر بن عاشور: «يجوز أن يكون معنى إقامة التوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي: لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غضبه فلأغدق عليهم نعمه. ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي: بالاعتراف بما في التوراة والإنجيل من التبشير ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم حتى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارةً إلى ضيق معاشهم بعد (٣) روح المعاني، الألوسي، ٣١٩/٣. ٢٥٨