النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ بَر النفسية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ هـ الأَمْيَّة ٧ عناصر الموضوع مفهوم الأمية ٢٠٢ الأمية في الاستعمال القرآني ٢٠٣ الألفاظ ذات الصلة ٢٠٤ الأمية وخلق الإنسان ٢٠٦ الرسول الكريم والأمية ٢٠٩ الأمية والرسالة ٢١٩ أنواع الأمية ٢٢٤ ٢٢٧ علاج الأمية ٢٣١ أثر انتشار الأمية على الفرد والمجتمع المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الأمية أولًا: المعنى اللغوي: الأمية: مؤنث الأمي ومصدر صناعي معناه: الغفلة أو الجهالة، والأمي: نسبة إلى الأم أو الأمة، وهو من لا يقرأ ولا يكتب، والعبي الجافي. والجمع: أميون (١). فالأمي: هو الذي على خلقته لم يتعلم الكتابة ولا القراءة، فهو على جبلته التي خلق عليها(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الأمية: الصفة التي هي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة ولا قراءتها، أو هو من لا يحسن الكتابة؛ لأنه لا يقدر عليها (٣). وبالرجوع إلى علماء التفسير نجدهم عرفوا الأمية بمعنيين: معنى عام، ومعنى خاص. أما المعنى العام: فيعني الجهل والضلالة والظلام، ولا ترتفع عن أمة حتى تخرج من الجهل والضلالة والظلام إلى العلم والهدى و، ولا يخرجها من هذا إلا نبي وكتاب، وأما المعنى الخاص فهو عدم معرفة الكتابة، ولا ترتفع الأمية عن أحد حتى يعرف الكتابة (٤). والنبي صلى الله عليه وسلم ما مات إلا وقد رفع الأمية عن أمته بما يكفي لنقل هذا الدين كاملًا غير منقوص، من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، إلى يومنا هذا. فالمعنى الاصطلاحي موافق للمعنى اللغوي على المعنى الأول للمعنى الاصطلاحي، وعلى المعنى الثاني له يخص ببعض أجزاء المعنى اللغوي. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢/ ٢٢، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢٧/١. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣٥/١، تاج العروس، الزبيدي ٢٣٧/٣١. (٣) انظر: الكليات، الكفوي، ص ١٨٢. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ١/ ١٢٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨١٦. صَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٠٢ الأمية الأمية في الاستعمال القرآني وردت الأمية في القرآن (٦) مرات (١) . والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال المفرد ٢ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُنِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ. مَكْثُوبًا عِندَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الجمع ٤ ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ولم يخرج الاستعمال القرآني لكلمة الأمي عن مدلولها اللغوي، وهو: من لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وهو الباقي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٨١، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ١٨٠. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١/ ١٢٢، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٦٣. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الجهل: ١ الجهل لغة : ضد العلم، وتجاهل: أظهر الجهل وهو ليس بجاهل، واستجهله: عده جاهلًا واستخفه، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم، وجهلت الشيء: إذا لم تعرفه، والجاهل: ضد العاقل، والجهل: ضد الخبرة، والجاهلية: زمن الفترة، وهي حال العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبحانه ورسوله وشرائع الدين، وما كانوا عليه من المفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر وغير ذلك من الأخلاق المذمومة(١). الجهل اصطلاحًا: ((أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه))(٢). الصلة بين الجهل والأمية: الجهل عدم معرفة فرع من فروع العلوم الإنسانية أو الطبيعية؛ فالمهندس جاهل بعلوم الطب، والعكس صحيح، وهكذا، فالجهل نسبي يختلف من شخص لآخر. أما الأمية فهي قد تعني: أمية أبجدية، أو أمية ثقافية، أو أمية تقنية، وأكثرها أمية أبجدية، وهكذا. الفهم: ٢ الفهم لغة: العلم بالشيء ومعرفته(٣). وفي لسان العرب: الفهم معرفتك الشيء، وهو حسن تصور المعنى (٤). الفهم اصطلاحًا: هو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والقدرة على التفسير والشرح وإدراك المعلومات التي تعرض، أو إدراك ما يعنيه شخص بالقول أو بالعمل أو بالاستنباط(٥). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢٩/١١، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ٣٢٢/٣. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٢٠٩. (٣) انظر: المعجم العربي الأساسي، جماعة اللغويين العرب، ص ٩٥٣. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٥٩/١٢. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي، ١/ ٤٢٠. مَوَسُو ◌َةُ النَِّّ القرآن الكريم ٢٠٤ الأمية الصلة بين الفهم والأمية: ((ليس هناك علاقة ما بين الفهم والأمية، فربما تجد بعض الأميين أفهم من بعض المتعلمين، وأن القراءة والكتابة ليست هي الفيصل؛ لذلك تجد فلاحًا يعبر عن فهم ثقافي أكبر من إنسان حصل على شهادة عليا))(١). العلم: ٣ العلم لغةً: نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم (٢)، ويقال: ((علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته))(٣). العلم اصطلاحًا: عرفه الجرجاني: ((العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشيء في العقل))(٤). وأنكر ابن العربي تعريف العلم؛ لوضوحه وقال: ((العلم أبين من أن يبين))(٥)، وأنكر على من تصدى لتعريف العلم. الصلة بين العلم والأمية: العلم والأمية نقيضان، فالعلم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحدث منه أثر في نفس المتعلم، وعكسه الأمية تمامًا(٦). (١) انظر: أبعاد الشخصية المصرية بين الماضي والحاضر، طلعت رضوان، ص١١٢. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٤١٨/٢، لسان العرب، ابن منظور، ٣٠٨٣/٤. (٣) الصحاح، الجوهري، ١٩٩٠/٥. (٤) التعريفات، ص ١٩١. (٥) فتح الباري، ابن حجر، ١/ ١٤١. (٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٠٩/٤، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٤٤. www. modoee.com ٢٠٥ حرف الألف الأمية وخلق الإنسان ولد الإنسان أميّا لا يعلم شيئًا، ووهب الله تعالى الإنسان وسائل إدراك الحقائق ومعرفة الموجودات، وهي السمع والأبصار والأفئدة، وهذا أيضًا يحتاج إلى القراءة والتأمل والتفكير العميق. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَنِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. ركز الإسلام على العلم؛ ليتمكن المسلم من الوصول إلى سر الكون وما وراء الكون، وبعد ذلك إلى الإيمان بالله، من خلال ما تركه في هذا الكون من آيات دالة على وجوده جل جلاله . ثم ركز الله تعالى على الوعاء لهذا العلم ألا هو العقل فقد ذكره الله تعالى في مواضع متعددة من القرآن الكريم؛ إذ وصلت إلى أكثر من خمسين آية، ويمر الإنسان بمراحل متعددة حتى ينتقل من الأمية إلى العلم ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَنِتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. المرحلة الأولى: خروج الإنسان من بطن أمه: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَنِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨]. فالله هو من أخرجنا من بطون أمهاتنا، هو خروج الطفل من بطن أمه عن طريق ما جعل الله في جسم الأم من قدرة؛ لدفع مولودها إلى الخارج فيخرج من بطن أمه بحياة مستقلة عن أمه، فما أن يخرج المولود إلا ويستقل بحياة خاصة، فيتنفس باستقلالية عن أمه، ويهضم الطعام، وتعمل أجهزة جسمه باستقلالية عن التبعية التي كانت تعمل به وهو في بطن أمه؛ لأن الحق سبحانه أراد أن يخرجه خلقًا آخر، قال تعالى: ﴿ثُوَّ أَنشَأَنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤](١). وجاء لفظ الجلالة مبتدأ وخبره جملة فعلية، من باب الاختصاص، والله أخرجكم وحده من بطون أمهاتكم، وليس هناك من يفعل هذا غيره (٢). المرحلة الثانية: المكان الذي يخرج منه الإنسان: ذكر الله تعالى مكان الخروج هو ﴿مِّنُ بُطُونِ أُمَهَنِتِكُمْ﴾ والمقصود بالبطون: الأرحام؛ وذكر البطن؛ لأنه مكان الرحم، (١) انظر: تفسير الشعراوي، ٨١١٢/١٣. (٢) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي، ٢٧٢/٧. ٢٠٦ القرآن الكريم الأمية ويصدق على المولود أنه خرج من رحم أمه علم عند هذا المولود(٣). فالمولود يكون في غفلة عن كل شيء أو خرج من بطنها. حتى عن نفسه التي بين جنبيه، إلا أن مسألة فالأم هي من ولدت، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ ﴾، وقال تعالى: إدراك الحقائق تكمن فينا بصورة القوة ﴿إِنَّ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا أَلَِّى وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: لا الفعل، وبالتدريج تحصل لأعيننا قوة النظر ولآذاننا قوة السمع، ولعقولنا القدرة ٢](١). على الإدراك والتجزئة والتحليل، فننعم بهذه العطايا الإلهية الثلاث التي بواسطتها نستطيع أن ندرك كثيرًا من التصورات، ونودعها في العقل لكي ننشئ منها مفاهيم كلية، ومن ثم نصل إلى الحقائق العقلية. ((وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة: (إمهاتکم) هنا وفي والزمر والنجم، بکسر الهمزة والميم. وأما الكسائي فكسر الهمزة وفتح المیم؛ وإنما كان هذا للإتباع، الباقون بضم الهمزة وفتح الميم على الأصل، وأصل الأمهات: أمات، فزيدت الهاء تأكيدًا، كما زادوا هاء في أهرقت الماء، وأصله: أرقت))(٢). المرحلة الثالثة: الإدراك عند الإنسان: يولد الإنسان لا يدرك شيئًا، وكل ما يدركه إنما هو بعد الولادة بواسطة الحواس التي منحه الله إياها، قال تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ حال من الضمير في أخرجكم، فالمولود عند خروجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وما يفعله المولود من الصراخ ومصه اللبن من ثدي أمه، إنما هذا من الفطرة لا من العلم؛ لأن العلم کسبي؛ لأنه لا علم إلا بتعلم، و﴿شَيْئًا﴾ يدل على النفي العام لأي (١) انظر: تفسير الشعراوي، ٨١١٢/١٣. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/ ٠١٣٧ قال القرطبي: ((لا تعلمون شيئا مما أخذ علیکم من الميثاق في أصلاب آبائکم، أو لا تعلمون شيئًا مما قضي عليكم من السعادة والشقاء، أو لا تعلمون شيئًا من منافعكم)) (٤). المرحلة الرابعة: وسائل المعرفة: إن رسم صورة الشيء الخارجي المراد في الذهن وبواسطة الوسائل المعينة لذلك، وعليه فمعرفتنا بالعالم الخارجي تكون عن طريق أجهزة خاصة هي السمع والبصر والفؤاد. لذلك بينت الآية مسألة عدم علم الإنسان المطلق حين الولادة، ثم جعل الله تبارك وتعالى: ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ (٣) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي، ٢٧١/٧. (٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٣٧/١٠. www. modoee.com ٢٠٧ حرف الألف وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لكي تحصلوا على حقائق الوجود وتدرکوها. ونشاهد تقديم ذكر السمع على البصر في الآية مع ما للعين من عمل أوسع من السمع، ولعل ذلك؛ لسبق الأذن في العمل على العين بعد الولادة، حيث إن العين كانت في ظلام دامس في رحم الأم، ونتيجة لشدة أشعة بعد الولادة فإنها لا تستطيع العمل مباشرة بسبب حساسيتها، وإنما تتدرج في اعتيادها على مواجهة حتى تصل للحالة الطبيعية المعتادة، ولذا نجد الوليد في بداية أيامه الأولى مغلق العين. أما بخصوص الأذن، فئمة من يعتقد بأن لها القدرة على السماع قليلًا أو كثيرًا وهي في عالم الأجنة، وأنها تسمع دقات قلب الأم وتعتاد عليها (١). أضف إلى ذلك أن الإنسان إنما يرى بعينه الأشياء الحسية فقط، في حين أن الأذن تعتبر وسيلة للتربية والتعليم في جميع المجالات، فالإنسان يصل بواسطة سماع الكلمات إلى معرفة جميع الحقائق، سواء ما كان منها في دائرة الحس أو ما کان خارجها، وليس للعين هذه السعة، وصحيح أن الإنسان يمكنه تحصيل العلم بواسطة القراءة، إلا أن القراءة ليست عامة لكل الناس، وسماع الكلمات أمر عام(٢). (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، ٩ / ١١٦٦. (٢) انظر: التفسير البياني لما في سورة النحل من والفؤاد جاءت هنا بمعنى: القلب والعقل الذي يعيش حالة التوقد، وبعبارة أخرى: يعيش حالة التفسير والتحليل والابتكار. يقول الراغب الأصفهاني: ((الفؤاد كالقلب، لكن يقال له فؤاد: إذا اعتبر فيه معنى التفؤد. أي: التوقد))(٣). المرحلة الخامسة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: تعتبر نعمة أجهزة تحصيل العلم من أفضل النعم التي وهبها الله للإنسان، فلا يقتصر دور العين والأذن مثلًا على النظر إلى آثار الله في خلقه، والاستماع إلى كتاب الله تعالى وأحاديث النبي صلى الله علیه وسلم، وتفهم ذلك وتدركه بالتحليل والاستنتاج، بل إن كل خطوة نحو التكامل والتقدم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذه الوسائل الثلاثة. وغاية إعطاء هذه الوسائل إنما تستوجب شكر الواهب؛ لأنه من خلالها يمكن الحصول على العلم والمعرفة اللذين بهما امتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات (٤). قال القرطبي: ((لعلكم تشكرون فيه تأويلان: أحدهما: تشكرون نعمه. دقائق المعاني، سامي القدومي، ١ / ١٥٧. (٣) المفردات، ص٦٤٦. (٤) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيرازي، ٨/ ٢٧٥. ٢٠٨ مُوس ◌َةُ النَّ جونيو القرآن الكريم الأمية الثاني: يعني: تبصرون آثار صنعته؛ لأن إبصارها يؤدي إلى الشكر))(١). وختمت هذه الآية التي تتحدث عن السمع الأبصار والأفئدة باستحقاق الشكر لله؛ لأنها نعم نستخدمها في كل لحظة، فهي لا تفارقنا في اللیل ولا في النهار، فهي أدعى أن تذكرنا بشكر خالقنا على ما أنعم علينا، فالآيات الأخرى التي تتكلم عن هذه النعم، تدعونا إلى شكر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ لَكٌ قال تعالى: السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّسَوَّنِهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنٍ زُّوحِيّةُ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَنِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىَ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]. (١) الجامع لأحكام القرآن، ١٣٧/١٠. الرسول الكريم والأمية تعددت الآيات القرآنية التي تثبت أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترد على الذین یدعون أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قد تعلم هذا القرآن من قراءته في کتب الأولین. ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَابَيْهِ. وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلُ لَفِى صَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ، وَيُّبِتٌ فَشَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأَبِيِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال ابن عباس: ((كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميًا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب»(٢). أولًا: الأمية وصف كمال للرسول الكريم: ومن أساليب المدح ذكره صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل كما في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُنِىَّ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٩٨/٧. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الألف الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرََةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. لذا جاء الأمر بالإيمان به في قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُِيِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. تَهْتَدُونَ وقد خصه السیاق بالأمیة مدحًا، ((والأمية وصف خص الله به من رسله محمدًا صلی الله عليه وسلم، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان ... صارت أمیته آیة علی کون ما حصل له إنما هو من عند الله تعالى)) (١). كما قال الله في آية أخرى: ﴿وَمَا كُنتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ وَلَا تَخْطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. ويعلق الزمخشري على هذه الآية قائلًا: ((أنت أميّ ما عرفك أحدٌ قط بتلاوة کتاب ولا خطٍ. ﴿إِذَا﴾ لو كان شيء من ذلك، أي: من التلاوة والخط. ﴿لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ من أهل الكتاب، وقالوا: الذي نجده في كتبنا أميٌّ لا يكتب ولا يقرأ ... أو لارتاب مشركو مكة، وقالوا: لعله تعلمه أو كتبه بيده)»(٢). وصف الله تعالی نبیه محمدًا صلى الله (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٩/ ١٣٣. (٢) الكشاف، ٣/ ٤٦٢. عليه وسلم بأنه أمي، وهذا الوصف جاء في معرض إقامة الحجة على أهل الكتاب ومطالبتهم باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا معناه: أن أميته لا تقدح إطلاقًا في رسالته، بل قد ذكرها الله لهم ليقول لهم: إني تقصدت أن یکون رسولي إلیکم أمیًا، وأنا آمرکم أن تتبعوه؛ لأنه رسول ولأنه نبي ولأنه أمي. وبالتالى فالأمية هى وصف اختاره الله تعالی في نبيه صلی الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون هذا الوصف من كماله صلى الله عليه وسلم . قال أحمد شوقي (٣). يا أيها الأمي حسبك رتبةً في العلم أن دانت بك العلماء الذکر آية ربك الكبرى التي فيها لباغي المعجزات غناء صدر البيان له إذا التقت اللغى وتقدم البلغاء والفصحاء ثانيًا: حكمة كون النبي أميًّا: تجلت الحكمة الإلهية في اختيار النبي محمد صلى الله عليه وسلم أميًا لا يحسن القراءة والكتابة، فمن هذه الحكم: ١. إثبات صدق الرسالة، وأنها من عند الله تعالی. (٣) ديوان أحمد شوقي، ١/ ٧. ٢١٠ مُوسُو ◌َةُ النفسية بوبيـ القرآن الكريم الأمية محمد صلى الله عليه وسلم أمي ومعنی ذلك: أن ثقافته غیر ثقافات البشر، علمه من رب البشر، فهو منزه عن أي علم أرضي يتفاخر به الناس فيما بينهم، وإنما تلقى علمه وأدبه وثقافته من خالق البشر جل جلاله، كما أخبر الله تعالى عنه في كتابه الكريم حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ اُلْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. والمتأمل في أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْعِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ليجد أنها تعالج قضية أمية النبي صلى الله عليه وسلم وتقضي على أي أثر سلبي ـها. فعندما سمع المصطفى صلى الله عليه وسلم خطاب الله له بـ ﴿اقْرَأ﴾ أجاب عليه الصلاة والسلام وبما يتناسب مع قدراته فقال: (ما أنا بقارئ!)، أي: لا أحسن القراءة، فقراءة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي باسم الذي علم بالقلم، وليست بتعليم أحد من أهل الأرض، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم هو المختار من قبل الله تعالى لحمل منهج الله، كانت أميته صلى الله عليه وسلم صونًا وحفظًا من الله تعالى لهذا المنهج ومن أي تدخل أرضي بشري (١). فکانت أمية رسول الله صلی الله عليه وسلم دليلًا من أدلة صدقه ونبوته. ٢. التحدي والإعجاز. أرسل الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا، وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه، ومن أبرز هذه المعجزات أمية رسول الله صلى الله علیه وسلم . فمن الثابت تاریخیًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد أميّا، وظل على ذلك إلى أن بعثه الله للعالمين وهو أمي، وهذا کمالٌ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته الشريفة. يقول عنها ابن تيمية: ((بين سبحانه من حاله ما يعلمه العامة والخاصة، وهو معلومٌ لجمیع قومه الذين شاهدوه، متواترٌ عند من غاب عنه وبلغته أخباره من جميع الناس -أنه كان أمیًا لا يقرأ كتابًا، ولا يحفظ كتابًا من الكتب؛ لا المنزلة ولا غيرها، ولا یکتب بیمینہ کتابًا، ولا ینسخ شيئًا من کتب الناس، المنزلة ولا غيرها))(٢). إن الأمية بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ((وصف خص الله به من رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم ؛ إتمامًا (١) انظر: الجواب الصحيح، ابن تيمية، ٣٣٨/٥. (٢) المصدر السابق. www. modoee.com ٢١١ حرف الألف للإعجاز العلمي العقلي الذى أيده الله وتنقيحه. به، فجعل الأمية وصفًا ذاتيًا له؛ ليتم بها وصفه الذاتي وهو الرسالة؛ ليظهر أن كماله النفساني كمال لدني إلهي، لا واسطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، وبذلك كانت الأمية وصف كمال فيه مع أنها في غيره وصف نقصان))(١). ولما تحقق المنهج وسلم من أي نسبة بشرية أرضية، كان من الطبيعي أن يتحدى الله تعالی البشر جميعًا أن يأتوا بمثله، بل بسورة من مثله، وكان من الطبيعي أن یکون صالحًا لكل زمان ومكان. ٣. القضاء على الشبهات. كما أن أمية النبي صلى الله عليه وسلم تقضي على أي شبهة كان سيتمسك بها المشركون فيما لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن القراءة والكتابة، هذه الشبهة قد ذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز حيث قال: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْكِنَبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِمِينِكَ إِذَا لَّأَ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. أي: لو كنت تتلو من قبل القرآن من كتاب، أو كنت كاتبًا تخط الكتاب بيمينك، لشكك المبطلون في صدق دعواك أن القرآن من عند الله تعالى، ولقالوا: نقله محمد من الكتب السابقة، أو جلس على تأليفه وجمعه (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٣٣/٩. قال النحاس: ((وذلك دليل على نبوته؛ لأنه لا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم وزالت الريبة والشك»(٢). لكن هذا لم يتم لهم؛ لأن الله تعالى الذي اختار نبيه أن يكون أميًا عن ثقافاتهم الأرضية، وهذا كان حجة دامغة عليهم؛ إذ كيف يكون القرآن وهو بهذا المستوى من العظمة والفصاحة والبلاغة والبيان، مع ما حوى من علوم ومعارف وتشريعات وقصص وعبر ومواعظ، كيف يكون من تأليف رجل أمي لا يحسن القراءة والكتابة؟ يقول ابن عاشور: ((أفلا تعقلون أن مثل هذا الحال -من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه- لا یکون إلا حال من أفاض الله علیه رسالته؛ إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحدٍ))(٣). ثانيًا: شبهات وردود حول أميته عليه السلام: حاول بعض المشككين أن ينفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة الأمية؛ لأن ورود القرآن الكريم مصدقًا لما جاء في كتبهم من أخبار ونبوءات، (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٥١/١٣. (٣) التحرير والتنوير، ١٢٣/١١. ٢١٢ مَوَسُو ◌َرُ النفسية الوضوء لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمية وتنبؤه بالعديد من الأحداث المستقبلية -کهزيمة الفرس، وغير ذلك- دون تعلیم، إنما يعد معجزةً عقليةً باهرةً لا ينكرها إلا المكابرون، وهؤلاء المكابرون يعلمون جيدًا أن أمية النبي صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة والإنجيل؛ مصداقًا لقول الله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُنِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِىِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. كما قال الله تبارك وتعالى في آية أخرى: يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمٌ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠]. تشهدون أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم في کتابکم، ثم تكفرون به وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ كَلِمَتِهِ،﴾ (١). وبالرغم من شهادة تاريخ الحجاز في العصر الجاهلي، ومحيطه البدوي على أمية النبي وعشيرته وأقربائه، نجد المغالطات والتشکیکات أثيرت حول أمية النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه بعض الشبهات والرد عليها: الشبهة الأولى: قال الحداد: ((محمد لم يكن أميًا بل تاجرًا دوليًا ومثقفًا ومطلعًا وبحاثة دینیًا)). (١) جامع البيان، الطبري، ٦/ ٥٠٣. واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَبٍ وَلَا تَخْطُهُ، سِمِينِكَ إِذَا لَأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨](٢). فلو نظر العاقل إلى كلمة الكتاب فإنها جاءت نكرة، فنفت جميع الكتب السماوية وغيرها، لم يشير باللام إلى الكتاب أو الكتب المعهودة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ نَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَّطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال عز شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانِيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِّ وَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧]. ترى أنه سبحانه عندما يشير إلى هذه الكتب المعهودة عرفها باللام إشارة إلى معهودیتها، فالآية فيها دلیل علی أن الهدف منها هو نفي مطلق التلاوة والكتابة عنه حيث عطف على الجملة الأولى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَشْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ﴾ قوله: ﴿وَلَا تَخُُهُ. بِيَمِنِكٌ﴾(٣). ثم إن التجارة لا ترتبط بالقراءة والكتابة، فكم من أمي برع في فنون التجارة، بالإضافة إلى أن العرب لم يكونوا يديرون تجارتهم بكتابة العقود، وتوثيقها، وإنما كانت تجارة (٢) القرآن والكتاب، ص ٤١٠. (٣) انظر: مفاهيم القرآن، السبحاني، ٣٠١/٣. www. modoee.com ٢١٣ حرف الألف الرحلات تجارة مقايضة وتبادل البضائع، لكانت النسبة إليها القروي لا الأمي. ربيع بالثمن العاجل. الشبهة الثانية: قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَِّّ الْأُمِيّ﴾ قالوا: الأمي منسوب إلى مكة المكرمة باعتبارها أم القرى، وهي علم من أعلام مكة، كما يدل عليه قوله ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا سبحانه: لِتْنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهًا﴾ [الشورى: ٧]. وعلى ذلك فالمراد من الأمي: أنه مكي(١). وهذا كلام الأمي: مردود؛ لأن أم القرى كل مدينة هي أم ما حولها من القرى (٢)، فیعلم من ذلك أن أم القرى مفهوم کلي يصح إطلاقه على أية بلدة تتصل بها قرى كثيرة بالتبعية، وهذه القرى تعتمد عليها في أمور حياتها، ويعاضد ما ذكرناه (كون أم القرى كليًا) قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ اَلْقُرَى حَقَّ يَبْعَثَ فِيَ أُمِّهَا رَسُولًا ﴾ [القصص: ٥٩]. إلى القرى- صريحة في أنها ليست علمًا لموضع خاص؛ لأن مشيئته تعم الأمم في هذا الأمر. ولو صح قولهم فالصحيح عن النسبة (١) انظر: المصدر السابق. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٣/١. ثم إن الله وصف نبيه في الآية بصفات تناسب موضوع النبوة، فلو كان الأمي فيها بالمعنى الذي ذكروه، لكان الإتيان به في ثنايا تلك الأوصاف والخصال إقحامًا لها. الشبهة الثالثة: استدلوا بحديث جاء في معاني الأخبار عن جعفر بن محمد الصوفي قال: ((سألت أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا فقلت: يا ابن رسول الله، لم سمي النبي الأمي؟ فقال: ما يقول الناس؟ قلت: يزعمون أنه سمي الأمي؛ لأنه لا يحسن أن يكتب، فقال: كذبوا، عليهم لعنة الله في ذلك، والله يقول في محكم كتابه: ﴿مُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِيِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن، والله لقد كان رسول الله يقرأ ويكتب باثنين وسبعين أو قال: بثلاثة وسبعين لسانًا، فالآية - بحكم رجوع الضمير في أمها وإنما سمي الأمي؛ لأنه كان من أهل مكة، ومكة من أمهات القرى، وذلك قول الله عز وجل: ﴿وَلِثُنذِرَأُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢]»(٣). أولًا: الحديث النبوي وما ينسب لأئمة أهل البيت لا يؤخذ من الشيعة؛ لأنهم لا (٣) معاني الأخبار، الصدوق، ص٥٤. ٢١٤ مَوَسُوبَةُ التفسير القرآن الكريم الأمية يتبعون منهجًا علميًا في رواية الحديث رسالته وفي رحاب دعوته، يعني أنه كان يقرأ ویکتب(٤). كمنهج أهل السنة (١). ثانيًا: الشيعة نسبوا لأئمتهم ما هو أكبر من هذا مثل: أن الله علمهم علم ما كان وما بقي، وأن الأئمة يتحكمون في الكون(٢). قال د. موسى الموسوي: ((والأدهى من ذلك - يقصد ادعاء عصمة الأئمة - أن بعض علمائنا ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا: إن الإمام يعلم كل شيء، وله معرفةٌ بكل العلوم والفنون، ولست أدري أي فضيلة بالنسبة إليه أن يكون مهندسًا أو ميكانيكيًا أو عالمًا باللغة اليابانية؟ إنما الفضيلة بالنسبة للإمام أن يكون فقيهًا ورعًا وعالمًا ربانيًا في شئون الدين، وفي هذا كل الفضل)»(٣). ثالثًا: قوله: «إن النبي يقرأ ويكتب باثنین وسبعين لسانًا)) يعني: أنه كان مشغولاً بالقراءة والكتابة طيلة حياته، وهذا يخالف الروايات الصحيحة التي نقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم. الشبهة الرابعة: استدل الدكتور عبد اللطيف الهندي بقوله سبحانه: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً ث فِيَهَا كُنُبُّ قَيِّمَةَ﴾ [البينة: ٢-٣]. قال: هذا يدل على تحقق التلاوة منه أيام (١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٥٨/١٣. (٢) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، ٢٦/ ١١١. (٣) الشيعة والتصحيح، ص٨٢ قبل الرد على هذه الشبهة لابد أن نتعرف على تعريف التلاوة فى اللغة: فيتلو في اللغة من الفعل تلا تلاوة أي: قرأه، وتلا الكتاب والسنة: اتبع ما فيهما (٥). بذلك يتضح لنا جليًا أن التفسير الذي فسروه لا علاقة له بالمعنى اللغوي، فالقراءة والإتباع غير الكتابة، ثم إن القرآن الكريم أثبت في غير ما موضع أمية النبي صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَاكُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِثَبٍ وَلَا تَخُّهُ بِسَمِينِكَ إِذَا لَأَزْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. فالتلاوة كما تصدق على التلاوة عن الكتاب، تصدق على التلاوة عن ظهر القلب، ويؤيده قوله سبحانه: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنْسَ ١) إِلَّا مَا شَآءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٧-٨]. إذ معناه: سنقرأ عليك القرآن فلا تنساه، ونجعلك قارئًا بإذن منه فلا تنسى ما تتلقاه من أمین الوحي، إلا بمشيئة منه سبحانه؛ فإن الإقراء والإنساء كليهما بيده سبحانه، فلا يدل إلا على تلاوة القرآن وقراءته عن ظهر القلب فقط، كما كان هو دأب النبي في تلاوة کل ما أوحي إليه. (٤) انظر: مفاهيم القرآن، السبحاني، ٣٢٤/٣. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٥١/١. www. modoee.com ٢١٥ حرف الألف قال الزمخشري: ((بشر الله تعالى بإعطاء نفيًا للقراءة، مستدلين بما توهموه من عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم أميته، وإلا فما وجه استفهامه عن المقروء؟ آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ علیه من الوحي، وهو أمي لا یکتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه»(١). منزهةً عن الباطل عن ظهر قلب؛ لأن النبي صلی الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا یکتب، قال القرطبي: أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب، يتلوها عن ظهر قلبه لا عن كتاب؛ لأنه عليه السلام كان أميًا لا يكتب ولا يقرأ))(٢). فتلاوة القرآن تكون بالنظر وعن ظهر قلب، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو عليهم الصحف المطهرة عن ظهر قلب. فهذه الآية قاطعة الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًا، ففهم المشککین حول الآیة یعتبر فهمًا خاطئًا. الشبهة الخامسة: استدلوا برواية بدء الوحي على إنكار أمية النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إنها تدل على تعلم النبي صلی الله عليه وسلم، والصحيح أنها من الأدلة القوية على أميته عليه السلام؛ إذ جعلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم للملك -الذي كان يطلب منه القراءة- (ما أقرأ) استفهامًا عن المقروء، لا (١) الكشاف، ٧٣٨/٤. (٢) صفوة التفاسير، الصابوني، ٥٨٧/٣. حيث اقتطعوا من كتاب السيرة النبوية قال الصابوني: ((أي: يقرأ عليهم صحفًا لفظة: (ما أقرأ) ولم يكملوا النص الذي نص صراحة على الأمية؛ إذ ورد فيها مباشرة بعد العبارة التي اقتطعوها قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي)(٣). إن المنهج الذي اعتمدوه في بحث هذه المسألة منهج بعيد عن منهج البحث العلمي؛ لأنهم لم يعطوا أي قيمة للروايات الصحيحة التي تنص صراحة على الأمية؛ فقوله عليه السلام: (ما أنا بقارئ) (٤) تدل على أنه أمي. ودليلهم على أن قوله: (ما أقرأ؟) استفهام صحیح، ولکن في الوقت نفسه يعتبر دليلاً على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ؛ ذلك؛ لأنه قد أوضح بنفسه أن طلبه من الملك تعيين ما يطلب منه قراءته لم يكن إلا لخوفه من أن يعود إلى ضمه، کما حدث في كل مرة نفى فيها معرفته للقراءة قبل ذلك(٥). (٣) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ١٤٩/١. (٤) أخرجه البخاري، في كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي، رقم ٦٩٨٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله، رقم ١٦٠. (٥) انظر: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في ٢١٦ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الأمية قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ولم يقل: (اقرأ اسم ربك)، فهذه الباء الدقيقة اللطيفة حلت الإشكال وأفهمتنا أن المراد ليس قراءة أحرف وكلمات؛ ولكن قراءة شيء ما مستعينًا باسم ربك. وهذا يعني أن القراءة لا تعني أن يقرأ من مکتوب بل قد يقرأ من محفوظ. واختار الله تعالى بدء رسالته لهذه الأمة بكلمة (اقرأ)؛ لأن دعوة الإسلام هي دعوة إلى تنوير العقول، وشفاء الصدور، والخروج من ظلمات الأمية إلى نور العلم، وهي دعوة إلى إعمار الكون، وإقامة الحق والعدل فيه. الشبهة السادسة: أن النبي صلی الله عليه وسلم كان عالمًا وتعلم على أيدي أشخاص من أهل الكتاب، مثل: عبدالله بن سلام وجبر الرومي وغيرهم. لقد رد الله تعالى عليهم فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ◌ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيٌّ تُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. فكيف لمن في لسانه أعجمي أن يعلم الفكر الاستشراقي المعاصر، لخضر شايب، ص٣٩٩. النبي هذا الكتاب العربي المبين الذي عجز العرب عن الإتيان بمثله؟ والقرآن يحتوي على حقائق علمية لا يوجد مثلها في الكتب السابقة المليئة بالأخطاء المخالفة للعلم صراحة بمقياس العلم الحديث(١). والقرآن فصل من أمور الغيبيات مثل: البعث والنشور والحشر والحساب والجنة والنار ما لا يوجد مثله في الكتب السابقة، ولم يسمع بها أهل الكتاب أنفسهم، مثل: خبر السامري، ومصیر المسيح. (١) انظر: التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، موريس بو کاي، ص١٧٤ . www. modoee.com ٢١٧ حرف الألف شبهات حول الأحاديث النبوية التي استشهدوا فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف القراءة والكتابة: الحديث الأول: عن ابن عباسٍ رضى الله عنهما قال لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هلم أكتب لکم کتابًا لا تضلوا بعده)، فقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع وعندکم القرآن، حسبنا کتاب الله !! فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم کتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلی الله علیه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا). قال عبيد الله: فكان ابن عباسٍ يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله علیه وسلم وبین أن یکتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (١). فهم البعض أن قوله: (أُکتب لکم کتابًا) دلیلٌ أنه يقرأ ويكتب. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب قول المريض قوموا عني ٧/ ١٢٠، رقم ٥٦٦٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية ٣ / ١٤١٠، رقم ١٧٨٣. وهذا غير صحيح، فنداء النبي لهم دليلٌ أنه کان کالعادة سیملي علیھم وهم یکتبون، وإلا لكتب بنفسه خصوصًا بعد أن قال لهم: (قوموا)، ومعلومٌ أن هذه الوصية لم تكتب. الحديث الثاني: احتج البعض أنه يعرف القراءة والكتابة بما حدث في صلح الحديبية عن البراء بن عازب: (فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله)(٢). وقد ردابن كثير على ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ وَلَا تَخُّهُ بِسَمِنِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. فقال: ((ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية: ((هذا ما قاضی علیه محمد بن عبدالله)) فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري ((ثم أخذ فكتب)»، وهذه محمولةٌ على الرواية الأخری اثم أمر فکتب»، ولهذا اشتد النكير من فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل - أعني الباجي - فيما يظهر عنه أنه (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا، ٣/ ١٨٤، رقم ٢٦٩٩. مَوَسُوبَةُ النَّسيد القرآن الكريم ٢١٨ الأمية كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة)) (١). الحدیث الثالث: احتج البعض بإخبار النبي عن الدجال بأنه: (مكتوبٌ بين عينيه كافر)(٢)، وفي رواية: (ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن) بأنه يعرف القراءة والكتابة. وهذا غیر دلیل، فالذي أوحى له الحروف المقطعة (الم) (حم) (عسق) (كهيعص). أوحى له(ك ف ر). الحديث الرابع: وما أورده بعضهم من الحديث: أنه لم يمت عليه السلام حتى تعلم الكتابة، فضعيفٌ لا أصل له، ولا يوجد حديث صحيح واحد يدل أنه عليه السلام تعلم القراءة والكتابة (٣) ٠ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٨٦/٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب الجعد، ٧/ ١٦٢، رقم ٥٩١٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ٤ / ٢٢٤٨، رقم ٢٩٣٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٨٦/٦. الأمية والرسالة أولًا: حكمة إرسال الرسول إلى الأميين: هناك حكم كثيرة لاختيار بلاد الأميين لتكون مهد الرسالات السماوية فيهم، فمن هذه الحكم على سبيل المثال حكم خلقية، وحكم علمية، وحكم فكرية ثقافية، ومنها أيضًا حكم سياسية وجغرافية، وأخرى اجتماعية؛ وهناك حكم نفسية وعقلية. والباحثون اكتشفوا أخيرًا دقة خط مكة المكرمة وأنها وسط العالم. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: ١٤٣]. فمعنى قوله: ﴿وَسَطًا﴾؛ أي: وسطًا في المكان، وسطًا في الخلقة، وسطًا في المشاعر والأحاسيس، وسطًا في الأخلاق، بل وسطًا في الدعوة إليه سبحانه وتعالى ووسطًا في كل شيء (٤). هذه الوسطية تكتشف الاختيار الإلهي؛ لظهور الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدين الجديد، في هذا الموضع من الأرض في هذا الزمان، إن هنالك نظامًا مقدورًا أو قصدا مقصودًا، وتدبيرًا معينًا، وترتيبًا موضوعيًا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت؛ كي تؤدي دورًا معينًا أقل نتائجه (٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٣١/١. www. modoee.com ٢١٩ حرف الألف تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور على هذا الوضع الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد(١). والنبي صلى الله عليه وسلم نشأ في تلك البيئة الجاهلية، وأنه عليه الصلاة والسلام كان أميّا، ككثير من أبناء قريش؛ ولكنه لم يمارس ما مارسوه، وتربوا عليه حال كونه أميًا في بيئة جاهلية، وهذا ما يدعو للعجب والدهشة. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَدُهُمْ رَكَّعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنَا سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنْجِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطَهُ، فَازَرَهُ. فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَُّّعَ ◌ِيَغِيَظَ بِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. قال الضحاك في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ اَلْأُمِنْعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، قال: هو محمد، ﴿يَتْلُواْعَلَيْهِمْ ءَايَئِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، قال: القرآن؛ ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَّلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] قال الشرك (٢). فبيئة الأميين بعيدة عن الأفكار الهدامة (١) انظر: في التاريخ فكرة ومنهاج، سيد قطب، ص٤٩. (٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي، ٦/ ٣٥٠. المبتكرة عقديًا، وتنعم بتلك الأفكار السطحية، فقد ظلت الجزيرة العربية، وكأنها واحة حصينة آمنة من الغزو، إلا في بعض أطرافها، آمنة من انتشار الدعوات الدينية، نصرانية أو مجوسية، إلا في قليل من قبائلها، وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها، وفى أخلاقهم وميولهم (٣) ونزعاتهم (٣). كان الأميون يعيشون في ظلمة من الجهالة البسيطة والحالة الفطرية الأولى، فكان يغلب عليهم بسبب ذلك أن يضلوا الطريق إلى تلك القيم الإنسانية، فيقتلوا الأولاد بدافع الشرف والعفة، ويتلفوا الأموال الضروریة بدافع الکرم، ویثیروا فيما بينهم المعارك بدافع الإباء والنجدة. وهذه الحالة هي التي عبر الله عز وجل عنها بالضلال حينما وصفهم بقوله: ﴿وَإِن كُنْتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ومن المعلوم أن الله عز وجل قد جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وجعله أول بيت وضع للناس للعبادة وإقامة الشعائر الدينية، وحقق في ذلك الوادي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن (٣) انظر: حیاة محمد، هیکل، ص ٧٢. الوضوء مَوَسُوبَةُ النَِّ القرآن الكريم ٢٢٠