النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الأمر
عناصر الموضوع
مفهوم الأمر
٦٢
الأمر في الاستعمال القرآني
٦٣
الألفاظ ذات الصلة
٦٤
٦٦
الأمر الإلهي في القرآن
٧٦
التعامل مع الأمر الإلهي وجزاؤه
٩٣
الأمر الإنساني وجزاء اتباعه
١٠٦
جزاء اتباع الأمر الإنساني
١١١
أوامر إبليس وذريته
المُجَلَّدَ الخَامِسْ

حرف الألف
مفهوم الأمر
أولًا: المعنى اللغوي:
الأمر: الشأن، وجمعه أمور، ومصدر أمرته: إذا كلفته أن يفعل شيئًا، وهو لفظ عام
للأفعال والأقوال كله (١)؛ يقال: أمر فلانٍ مستقيمٌ وأموره مستقيمةٌ، وإذا أمرت من أمر قلت:
مر، وأصله أؤمر، فلما اجتمعت همزتان، وكثر استعمال الكلمة حذفت الهمزة الأصلية فزال
الساكن فاستغني عن الهمزة الزائدة، والهمزة والميم والراء أصولٌ خمسةٌ: الأمر من الأمور،
والأمر ضد النهي، والأمر النماء والبركة بفتح الميم، والمعلم، والعجب(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الأمر في الاصطلاح: طلب الفعل على جهة الاستعلاء، أو هو: ((طلب الفعل بالقول على
سبيل الاستعلاء))(٣)، وعرف الجرجاني الأمر بقوله: ((قول القائل لمن دونه: افعل)) (٤).
ومن خلال ما سبق يتضح أن العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي هي علاقة العموم
والخصوص، فالأمر في اللغة ينصرف على عدة معانٍ متباينة، أما الأمر في الاصطلاح فقد
أتی بمعنی اصطلاحي يقتصر علیه.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٨٨.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ١٣٧، لسان العرب، ابن منظور، ٤/ ٢٧.
(٣) المحصول، الرازي، ١٧/٣، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، ١٤٠/٢.
(٤) التعريفات، ص ٣٧.
القرآن الكريم
٦٢

الأمر
الأمر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أمر) في القرآن (٢٤٨) مرة، يخص موضوعنا منها (٨٨) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]
الفعل المضارع
٤٠
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا
يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾[هود: ٨٧]
فعل الأمر
٥
[الأعراف: ١٩٩]
﴿الَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ
[التوبة: ١١٢]
اسم الفاعل
١
وَمَآ أُبَّرِىُّ نَفْسِىٌّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءِ إِلََّ مَا رَحِمَ
صيغة المبالغة
١
رَبِِّ﴾ [يوسف: ٥٣]
المصدر
٧
﴿وَلَوْ أَنَزَلْنَا مَلَكًا لَّقْضِىَ اٌلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظُرُونَ
٨
[الأنعام: ٨]
وجاء الأمر الذي جمعه أوامر في الاستعمال القرآني بمعنى: استدعاء الفعل بالقول
من الأعلى إلى الأدنى(٢). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ أَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[النساء: ٥٨].
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي ص٧٨-٧٩.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ١٧٢.
www. modoee.com
٦٣
خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِينَ
ء

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
النهي:
١
النهي لغة:
النهي ضد الأمر، ونهاه عن كذا ينهاه نهيًا، أي: كف ... ، ونهى صديقه عن الخيانة، منعه
وحذره منها (١).
النهي اصطلاحًا:
النهي: ضد الأمر وهو: اللفظ المستعمل لطلب الترك على وجه الاستعلاء (٢).
الصلة بين الأمر والنهي:
أن النهي يشترك مع الأمر في الدلالة على الطلب، إلا أن الأمر يراد منه طلب الفعل
والإتيان به، أما النهي فيراد منه النهي عن الفعل والزجر عنه، فالنهي باعتبار اشتمال متعلقه
على مفسدة كان مطلوب الترك، والأمر باعتبار اشتمال متعلقه على مصلحة كان مطلوب
الفعل.
الخبر:
٢
الخبر لغة:
قال ابن فارس: الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لينٍ ورخاوةٍ
وغزر(٣).
الخبر اصطلاحًا:
الخبر: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، والخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة
الخبر، وفي الاصطلاح القرآني: ما يعبر به عن واقعة معينة (٤).
الصلة بين الأمر والخبر:
الأمر: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، والخبر: الكلام المحتمل للصدق والكذب،
ونلاحظ أن هناك علاقة مترابطة بين المصطلحين، فالخبر يتضمن الأمر، والأمر يشمل الخبر
وغيره.
(١) انظر: المفردات، الراغب، ٨٢٧/١، المصباح المنير، الفيومي، ٦٢٩/٣.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني، ٢٤٨/١.
(٣) مقاييس اللغة، ٢/ ٢٣٩.
(٤) انظر، المفردات، الراغب، ٢٧٣ التعريفات، الجرجاني، ١ / ٩٦.
مَوَسُوبَةُ الْبَ
القرآن الكريم
٦٤

الأمن
الدعاء:
٣
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة (دع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون
منك، ومن هذا الأصل الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل
من ذلك دعا يدعو، والمصدر الدعاء والدعوى (١).
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
وقيل: طلب الأدنى من الأعلى تحصيل الشيء(٢).
الصلة بين الدعاء والأمر:
الفرق بين الدعاء والأمر أن في الأمر ترغيبًا في الفعل، وزجرًا عن تركه، وله صيغة تنبئ
عنه، وليس كذلك الدعاء، وكلاهما طلب، وأيضًا فإن الأمر يقتضي أن يكون المأمور دون
الآمر في الرتبة (٣).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٣٧، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٨٠.
(٢) انظر، نزهة الأعين، ابن الجوزي ٢٩٢/١.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري، ص٢٣١.
www. modoee.com
٦٥

حرف الألف
الأمر الإلهي في القرآن
بين القرآن الكريم أنواع الأمر الإلهي،
وتفرد الله تعالى بالخلق والأمر، وسوف
یتناول البحث ذلك بالبیان فیما یآتي:
أولًا: الله سبحانه وتعالى له الخلق
والأمر:
إن العقل السليم قاضٍ لا محالة بأن
الموجود لابد له من موجد ﴿أَمّ خُلِقُواْ مِنْ غَيِ
شَىْءٍ أَمَّ هُمُ الْخَلِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
وأن المخلوق لابد له من خالق، وأن
الكون لابد له من مدبر، ولا محالة بأن
يكون الخالق غير المخلوق في صفاته وذاته
وأفعاله، وأن هذا الخالق من مقتضيات
ألوهيته وربوبيته أنه له الخلق والأمر، الإيجاد
والتدبير والحساب والجزاء، فهو سبحانه
المتحكم في الأكوان والعقول والقلوب
وسائر الموجودات والأشياء، وبالجملة
فإنه ﴿لَّهُ مَقَالِيهُ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضُِ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾
[الزمر: ٦٣].
فالله سبحانه خالق الكون ومدبره.
قال تعالى: ﴿أَلَا لَّهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْهُ﴾
[الأعراف: ٥٤].
والخلق: إيجاد الشيء من العدم، والأمر:
التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما
خلقه، فهو سبحانه الخالق والمدبر للعالم
على حسب إرادته وحكمته، لا شريك له
في ذلك، فهو سبحانه هو الذي خلق الأشياء
كلها، ويدخل في ذلك السموات والأرض
وغيرهما، وهو الذي دبر هذا الكون على
حسب إرادته(١).
يقول الإمام ابن عاشور: ((والتعريف في
الخلق والأمر تعريف الجنس، فتفيد الجملة
قصر جنس الخلق وجنس الأمر على الكون
في ملك الله تعالی، فليس لغيره شيء من
هذا الجنس، وهو قصر إضافي معناه: ليس
لآلهتهم شيء من الخلق ولا من الأمر، وأما
قصر الجنس في الواقع على الكون في ملك
الله تعالى فذلك يرجع فيه إلى القرائن،
فالخلق مقصور حقيقة على الكون في ملكه
تعالى، وأما الأمر فهو مقصور على الكون
في ملك الله قصرًا ادعائيًا؛ لأن لكثير من
الموجودات تدبير أمور كثيرة، ولكن لما
كان المدبر مخلوقًا لله تعالى كان تدبيره
راجعًا إلى تدبير الله))(٢).
ففي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله
عز وجل، ففيه رد على من يقول: إن للشمس
والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم،
فأخبر الله أنه هو الخالق المدبر لهذا العالم
لا الشمس والقمر والكواكب، وله الأمر
المطلق، وليس لأحد أمر غيره، فهو الآمر
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٦٩/٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٩/٨.
٦٦
القرآن الكريمِ

الأمن
والناهي الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد كمالهم من عبادته وشكره؛ وبذلك تصلح
لا اعتراض لأحد من خلقه عليه، ويدخل في
ذلك السماوات والأرض والشمس والقمر
والليل والنهار دخولًا أوليًا، فهو الذي دبرها
وصرفها على حسب إرادته(١).
فقوله: ﴿أَلَا لَهُ اَلْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:
٥٤].
فيه ما يسمى (إيجاز قصر) وهو جمع
المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، فالآية
أرشدت أن الله عز وجل هو المنفرد بقدرة
الإيجاد، وخالق السماوات والأرض، فهو
الذي یجب أن یعبد؛ ولهذا عندما سئل
المشركون عن المدبر والخالق لهذا الكون
بما يحويه من سماء وأرض ونجوم وجبال
وشجر، فكان الجواب بدون تردد بأنه هو
الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْمِّنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ
وَمَنْ يُدَبِرُ الْأَمْنَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
[يونس: ٢١](٢).
فهو يدبر أمر ملكه بما اقتضاه علمه من
النظام، واقتضته حكمته من الإحكام، ولا
يستنكر من رب هذا الخلق المدبر لأمور
عباده أن يفيض ما شاء من علمه على من
اصطفى من خلقه، ما يهديهم به لما فيه
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٣٠/٣.
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٠٩/٢.
أنفسهم، وتطهر قلوبهم، وتستنير أفئدتهم؛
لتتم لهم بذلك الحياة السعيدة في الدنيا،
والنعيم المقيم في الآخرة، كما لا يستنكر
أن هذا الوحي منه عز وجل إذ هو من كمال
تقديره وتدبيره، ولا يقدر عليه سواه(٣)
فالخالق المدبر له ﴿الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ
بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
يقضي في خلقه ما يشاء، ویحکم ما یرید،
ويظهر من شاء منهم على من أحب إظهاره
عليه، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فإياك أن
تظن أن انتصار الباطل جاء غصبًا عن إرادة
الله، أو خارجًا عن مراده، إنما أراده الله
وقصده لحكمة، يعني: إياكم أن تفهموا أن
انتصار الفرس على الروم، أو انتصار الروم
على الفرس خارج عن مرادات الله، فلله
الأمر من قبل الغلب، ولله الأمر من بعد
الغلب، فحین غلبت الروم لله الأمر، وحین
انتصرت الفرس لله الأمر؛ لأن الحق سبحانه
يهيج أصحاب الخير بأن يغلب أصحاب
الشر، ويحرك حميتهم، ويوقظ بأعدائهم
مشاعرهم، وينبههم إلى أن الأعداء لا ينبغي
أن يكونوا أحسن منهم(٤).
فقوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ اَلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ
بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
(٣) تفسير المراغي ١١/ ٦٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٦٦.
www. modoee.com
٦٧

حرف الألف
جملة معترضة لبيان قدرة الله تعالى المخلوقات العظيمة لا يعجزه أن يعيدكم
إلى الحياة بعد موتكم؛ لكي يحاسبكم على
وجود الأسباب، وإنما هي لابد أن يقترن بها أعمالكم (٣).
التامة النافذة، فليس الغلبة والنصر لمجرد
القضاء والقدر (١).
قال ابن كثير: ((وقد كانت نصرة الروم
على فارس يوم وقعة بدر، في قول طائفة
كبيرة من العلماء ... ، فلما انتصرت الروم
على فارس فرح المؤمنون بذلك؛ لأن
الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب
إلى المؤمنين من المجوس، والعبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو عند
جمهور المفسرين)»(٢).
فالحق سبحانه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بُفَصِّلُ الْآَيَتِ
لَعَلَّكُمْ بِلِقَلِرَيَّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢].
فالتدبير والتفصيل متجدد متكرر بتجدد
تعلق القدرة بالمقدورات، وتدبير الأمر:
تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها
وأكملها، والآيات: جمع آية، والمراد بها
هنا: ما يشمل الآيات القرآنية، والبراهين
الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته سبحانه.
أي: أنه سبحانه یقضی ویقدر ويتصرف
في أمر خلقه على أكمل الوجوه، ومن تدبيره
الأمور خلقه، ومن تفصيله للآيات لعلكم
عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق توقنون
بلقائه، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٠/٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣٠٣/٦ .
فالحق يوضح الآيات والدلالات الدالة
على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا
شاء كما بدأه، فالله سبحانه وتعالى تصير
إليه جميع الأمور ﴿وَ إِلَى اللَّهِ تُتُجَعُ الْأُمُورُ﴾
[البقرة: ٢١٠].
﴿وَإِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِِّ وَإِلَى
اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٩].
وهو المجازي على الأعمال بالثواب
والعقاب.
ففيه دليل على كمال القدرة والرحمة؛
لأن جميع العالم محتاجون إلى تدبيره
ورحمته، داخلون تحت قهره وقضائه
وقدرته ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [الرعد: ٢].
يعني: أنه تعالى يبين الآيات الدالة على
وحدانيته وكمال قدرته، ومنها الموجودات
المشاهدة، وهي خلق السماوات والأرض
وما فيهما من العجائب، وأحوال الشمس
والقمر وسائر النجوم والموجودات الحادثة
في العالم، وهي الموت بعد الحياة، والفقر
بعد الغنى، والضعف بعد القوة، إلى غير
ذلك من أحوال هذا العالم، و کل ذلك مما
يدل على وجود الصانع، وكمال قدرته (٤).
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٧ / ٤٤٠.
(٤) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤/٣.
٦٨
مَوَسُوبَةُ اللَّهِمْ
القرآن الكريم

الأمر
فله تعالى القدرة المطلقة ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا
سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ اَلْأَرْضُ أَوْ كُلِمَ بِهِ
اَلْمَوْقَى بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١].
أي: لو ثبت أن قرآنًا يقرأ ويتلى سيرت
به الجبال، فانتقلت من أماكنها، وانفسحت
عن شعابها لتتسع رقعة للزرع والغراس، أو
قطعت الأرض فتشققت، لا تکون منها بحار
تجري فيها المياه، أو یکلم به الموتی بمعنی
أنه یحییھا، ثم یکلمها، ولکن الكلام لا یسیر
الجبال، ومع ذلك فهو أقوى تأثيرًا، وكان
یمکن أن يؤثر في قلوب المشرکین بأشد من
ذلك، لولا أن عنادهم حجر قلوبهم، وكما
قال سبحانه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ
لَرَأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾
[الحشر: ٢١] ولكن القلوب التي سكنها الشرك
والكفر، وهي كالحجارة أو أشد قسوة، بل
لله الأمر جميعًا، الإضراب للانتقال بين
هذا إلى بيان أن اختيار المعجزات من أمر
الله، وله وحده كل الأمر، أي: أن الإضراب
متوجه إلى ما يؤدي إليه كون الأمر لله
سبحانه، ويستلزمه من توقف الأمر على ما
تقتضیه حکمته ومشيئته(١).
فمما لا يشك فيه شاك، ولا يرتاب فيه
مرتاب بأن ﴿اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران:
١٥٤].
فالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٩٥٢/٨.
بید الله، وجمیع الأمور لله سبحانه وتعالى،
فالحكم والشأن المتعلق بعموم ما يكون وما
کان کله لله، مستند إليه أولًا، وبالذات بلا
رؤية الأسباب والوسائل(٢).
وبهذه الآيات وغيرها يثبت أن الخالق
المدبر الموجد لجميع العوالم هو الحق
سبحانه وتعالى القادر المقتدر، بيده الخير
كله، وإليه يرجع الأمر، والله وأعلم.
ثانيًا: أنواع الأمر الإلهي:
١. الأمر القدري الكوني.
يتمثل في أمر الإنشاء والتكوين والإيجاد.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُحِي، وَيُمِيثٌ فَإِذَا
قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨].
يعني: فإذا قضى وقدر أمرًا يريد إنفاذه
وإيجاده وإنشاءه، وإخراج المخلوق من
العدم، فإنما يقول له: كن فيكون، ويوجد
من غير توقف على شيء آخر، ولا معاناة
ولا كلفة، أي: إن كل مخلوق يوجد بإرادة
الله وحده، مما يدل على وجوده سبحانه،
وبهذا يتبين أن إيجاد المخلوق يعتمد على
أمرين: الأمر الإلهي بالإيجاد (أي الأمر
القدري الكوني) وتلبس القدرة الإلهية
بإيجاده وإظهاره، لا قبل ذلك، ففي حال
العدم لا يظهر الشيء؛ إذ لا يوجد الأمر، ولا
شيء بعد الإيجاد؛ لأن ما هو كائن لا يقال
(٢) الفواتح الإلهية، الشيخ علوان ١/ ١٣٠.
www. modoee.com
٦٩

حرف الألف
له: كن (١).
إِذَآ أَرَادَ
﴿إِنَّمَا أَمْرُهَدٍ
وقال عز من قائل:
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ,كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٣٦].
فالمراد من الأمر هنا الأمر التكويني.
أي: إنما شأنه تعالى في إيجاد الأشياء
أن يقول لما يريد إيجاده: تكون فيتكون،
ویحدث فورًا بلا تأخیر (٢).
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول:
یا عبادي، کلکم مذنب إلا من عافیت،
فاستغفروني أغفر لكم ... ، وكلكم فقير
إلا من أغنيت، فاسألوني أغنكم ... ، كذلك
لا ينقص من ملکي، ذلك بأني جواد ماجد
صمد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا
أردت شيئًا فإنما أقول له: كن، فيكون)(٣).
فالآيتان تنبهان على قدرة الله في
الإحياء والإماتة، وعلى سرعة إنجاز الخلق
والتكوين بمجرد إرادة الله الفعل.
٢. الأمر الشرعي الديني.
يتمثل الأمر الشرعي الديني في أمر الحق
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي ٢٢٨٤/٣.
(٢) تفسير المراغي ٣٩/٢٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٩٤/٣٥، رقم
٢١٣٦٧، والترمذي في سننه، أبواب صفة
القيامة والرقائق والورع، ٢٣٨/٤، رقم
٢٤٩٥، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد،
باب ذكر التوبة، ٢/ ١٤٢٢، رقم ٤٢٥٧.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ٢/ ٩٣٤،
رقم ٦٤٣٧.
سبحانه وتعالى، وكذلك أمر النبي صلى
الله عليه وسلم للعباد بالإيمان، والتوحيد،
وأداء العبادات، والتكاليف الشرعية، والأمر
بالتمسك بالأخلاق والقيم، فالأمر الشرعي
الديني يشمل الأمر العلمي (الاعتقادي)
والعملي (التكليفي) والتهذيبي (الأخلاقي).
وبالجملة يشمل كل ما هو مطلوب
من العباد في جميع المجالات، وعلى كل
الأصعدة، أي سواء أكانت تلك الأوامر
متعلقة بمطلوب يتعلق بعلاقة العبد بربه،
أو علاقته بغيره من البشر، أو علاقته بنفسه
وذاته التي بین جنبیه، أم غير ذلك، فکل ما
هو مطلوب من العبد يدخل تحت الأمر
(٤).
الشرعي (٤).
قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّ لِيَعْبُدُوا
إِلَهَا وَحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ.
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
بيان لما أمر به اليهود والنصارى من
التوحيد والإخلاص لله بعد أن ﴿ أَتَّخَذُوّا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ
اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١].
وبين الحق ما أمر به النبي من قبل الحق
سبحانه وتعالى ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا
لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١].
(٤) ويدخل في هذا النوع كل الأوامر في القرآن
والتي يطلب الحق، سبحانه وتعالى، من عباده
الإتيان بها سواء أكانت بلفظ الأمر ومشتقاته
أو بأي صيغة أخرى تدل على طلب الفعل.
٧٠
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأمن
فأمر النبي بعبادة الله، والإخلاص له، آمنوا معه برحمة عظيمة كائنة منا(٢).
وهذا الأمر تدخل فيه الأمة المحمدية أيضًا،
فهذا أمر شرعي ديني علمي أو اعتقادي،
وقال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَِّرُ
عَلَيْهَا لَا تَتَلُكَ رِزْقًا نَّعْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ
لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
فهنا أمرٌ للنبي بأمر أهله بالصلاة والصبر
عليها، والصلاة من التكاليف العملية، فهذا
أمر شرعي ديني تكليفي.
٣. الأمر الجزائي.
يتمثل في الجزاء المترتب على اتباع
الأمر أو مخالفته، سواء أكان الجزاء دنیویًا
أو أخرويًا، أي: حاضرًا أو مؤجلًا.
ومنه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ
شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ
يُكَبِثُهُم ◌ِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
أي: إنما أمرهم إلى الله يتولى جزاءهم،
ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون بالعقاب، إذا
وردوا للقيامة (١).
ومثله: ﴿ فَلَمَا جَآءَ أَقْرُنَا نَجَيْنَا صَالِحًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ [هود:
٦٦].
من خلال تتبع النصوص التي بينت الأمر
أي: فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم الإلهي نجد أنه يتميز بعدة صفات أساسية:
في الوقت المحدد نجينا صالحًا والذين
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢١٠/٣، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٩١.
فأمر الله تمثل في الجزاء الذي لحق
بهم، وهو الهلاك والدمار لعدم إيمانهم بالله
ورسوله، والأمر الجزائي قد يكون أخرويًا
کما في المثال الأول، وقد یکون دنيويًا كما
في الثاني.
هذا عن مخالفة الأمر الإلهي، أما اتباع
الأمر الإلهي فيكون له جزاء (إيجابي) هو
الآخر كنتيجة طبيعية لتنفيذه، قال تعالى:
﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
◌ِالْمَغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
يعني: ﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ الداعون إلى الخير،
الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر
﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فمقتضى القيام بحق
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه
يؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، ففي
النص قصر، أي: نفي وإثبات، فهو يثبت
الفلاح لهم، وينفي الفلاح عن غيرهم ممن
لم يقم بهذا الواجب المقدس (٣).
ثالثًا: صفات الأمر الإلهي:
(٢) انظر: الوسيط، طنطاوي ٢٣٦/٧.
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٣٤٨/٣.
www. modoee.com
٧١

حرف الألف
١ . القسط.
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَمَرَ رَقِّ
بِالْقِسْطِ ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وهذا بيانٌ للمأمور به، وهو العدل، يقول
تعالی ذکره لنبيه: ﴿ قُلٌ﴾یا محمد لهؤلاء
الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء
کذبًا على الله: ما أمر ربي بما تقولون، بل
﴿أَمَّىَ رَّ بِالْقِسْطِ﴾ يعني: بالعدل، هو
الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي
الإفراط والتفريط (١) ولهذا فـ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢، الحجرات: ٩،
الممتحنة: ٨].
وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل لا كما
زعم المشركون والكفار من أن الله أمرهم
بالفحشاء، أي: قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه
واتبعوه، فالحق سبحانه وتعالى من صفات
أمره أنه يأمر عباده في هذا القرآن بالعدل
والإنصاف، فيجب أن نكون نحن -من
جانبنا- من العادلين في حقه بتوحيده، وعدم
الإشراك به، قال أبو سليمان: العدل في
كلام العرب: الإنصاف، وأعظم الإنصاف:
الاعتراف للمنعم بنعمته، وفي حق عباده
بإعطاء كل ذي حق حقه(٢).
فالله أمر بالفضائل، وبما تشهد العقول
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٣٧٩، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٣ /١٠.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٥٧٩/٣.
السليمة أنه صلاح محض، وأنه حسن
مستقيم، فالقصاص من القاتل عدل بين
إحلال الدماء وبين قتل الجماعة من قبيلة
القاتل لأجل جناية واحد من القبيلة لم
يقدر عليه، وأمر الله بالإحسان وهو عدل
بين الشح والإسراف، فالقسط صفة للفعل
في ذاته بأن يكون ملائمًا للصلاح عاجلًا
وآجلا، أي: سالمًا من عواقب الفساد (٣).
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاْإِحْسَنِ وَإِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْبَ﴾ [النحل:
٩٠].
وإيثار صيغة المضارع في قوله: ﴿إِنَّ
اللهَ يَأْمُرُ﴾ لإفادة التجدد والاستمرار، ولم
يذكر سبحانه متعلقات العدل والإحسان؛
لیعم الأمر جميع ما يعدل فیه، وجميع ما
يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال،
وجميع ما ينبغي أن تحسن إلیه من إنسان أو
حيوان أو غيرهما (٤).
٢. الظهور.
ويوضحه قوله تعالى: ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْا
اُلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ
حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ
كَرِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨].
قال ابن كثير: «لما قدم النبي صلى الله
عليه وسلم المدينة رمته العرب عن قوس
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٦/٨.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٨/ ٢٢٠.
٧٢
جَوَسُولَة النفسي
القرآن الكريم

الأمن
واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها،
فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته،
قال ابن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه
-أي أقبل- فدخلوا في الإسلام ظاهرًا، ثم
كلما أعز الله الإسلام وأهله أغاظهم ذلك
وساءهم))(١).
فالمنافقون والمشركون يكيدون
المكائد، ويدبرون المؤامرات ویحیکونها
ضد النبي صلی الله عليه وسلم ومن معه،
إلى غاية هي مجيء الحق، وهو النصر لك
والتأیید، وظهر أمر الله بإعزاز دينه، وإعلاء
شرعه، وقهر أعدائه، وقيل: الحق القرآن،
وهم کارهون، أي: والحال أنهم كارهون
لمجيء الحق، وظهور أمر الله، ولکن کان
ذلك علی رغم منهم، فلن تفلح مكائد البشر
من منافقین ویهود ومشرکین وغيرهم، ولن
تقف أي قوة في الدنيا أمام إرادة الله القاهرة
لإعلاء دينه، وغلبة شرعه، ونصرة نبيه صلى
(٢)
الله عليه وسلم
٣. النفاذ.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
مَامِنُواْ بِمَا نَزَلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَنْ
نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ تَلْعَنَهُمْ
كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا ﴾
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ١٦١/٤.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤١٩/٢، التفسير
المنير، الزحيلي ١٠/ ٢٤٠.
[النساء: ٤٧]
فهنالك وعيد لليهود، ونذير راصد لهم
باللعنة من عند الله، إن لم يؤمنوا بمحمد،
وبما أنزل الله عليه، وقد وصفهم القرآن
بأنهم أوتوا الكتاب مع أنهم ضیعوا جزءًا منه،
وحرفوا جزءًا آخر تسجيلًا عليهم بالتقصير،
واستحقاق العقاب، فهم يظنون أن الله
مخلف وعیدہ لھم؛ لأنهم - کما زعموا-
أبناء الله وأحباؤه، وكيف وقد وقع هذا
العقاب بآبائهم وأخذهم الله به؟ أم يظنون
أن الله إذا أراد أمرًا بهم، وساق شرًا إليهم
أهناك من يدفع ما أراده الله بهم؟ فلينتظروا،
وسوف یرون ما الله فاعل بهم(٣).
و کان أمر الله بإيقاع شيء أو وعیده، أو
ما حکم به وقضاه مفعولًا نافذًا و كائنًا، فیقع
لا محالة ما أوعد وقضى به، فقوله: ﴿وَكَانَ
أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ معناه: أنه كان وما زال
جميع ما أمر الله به وقضاه نافذًا لا محالة؛
لأنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا
في السماء.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد
هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى
رشدهم، ويدخلوا في صفوف المؤمنين (٤).
فالمراد من الأمر: الأمر التكويني المعبر
عنه بقوله عز من قائل: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٨١١/٣.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٧٧/٣.
www. modoee.com
٧٣

حرف الألف
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
أي: إنما أمره بإيقاع شيء ما (١) لابد من
وقوعه، أي: ولابد أن يحدث.
٤. أمر الله له الغلبة.
ويشير إلى ذلك قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١].
قيل: الهاء في ﴿أَمْرِهِ﴾ كناية عن الله
تعالى، يقول: إن الله غالب على أمره يفعل
ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا یرد حکمه راد،
يعني: غالبٌ علی ما أراد من قضائه، لا یغلب
غالبٌ على أمره، ولا يبطل إرادته منازٌ.
فهو غالب على أمر نفسه فيما يريده ﴿أَن
يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد ولا يمانع ولا
يخالف، بل هو الغالب لما سواه، ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
أن الأمر كذلك فيما يأتون ويذرون
زعمًا منهم أن لهم من الأمر شيئا، وأنی لهم
ذلك؟! وأن الأمر كله لله عز وجل، أو لا
یعلمون لطائف صنعه، وخفايا فضله(٢).
ويقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذَا
فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا
◌ِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَدِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ
مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٨].
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٤٠/١٠،
تفسير المراغي ٦٥/٥.
(٢) انظر: الوجيز، الواحدي ١/ ٥٤٢، معالم
التنزيل، البغوي ٢٢٦/٤.
يبين القرآن الكريم ما يفتري به هؤلاء
المشركين على الحق سبحانه وتعالى،
ونسبتهم إليه الأحكام والشرائع الباطلة،
فيقول: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا
ءَابَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ قال الطبري: ((كانوا
يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما
ولدتنا أمهاتنا فتضع المرأة على قبلها النسعة
أو الشيء)) (٣).
وقيل: كان قبيلة من العرب من أهل
اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل: لم
تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا،
والله أمرنا بها.
فتأويل الكلام إذًا: وإذا فعل الذين لا
يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم
أولياء، قبيحًا من الفعل، وهو الفاحشة (٤)،
وذلك تعريهم للطواف بالبيت، وتجردهم
له، فعذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم،
وعوتبوا عليه، قالوا: ((وجدنا على مثل
ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا
يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستن بسنتهم،
والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فیه».
فيقول الله -جل ذكره- لنبيه محمد صلى
الله عليه وسلم: ﴿قُلٌ﴾ يا محمد لهم: ﴿قُلّ
إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ﴾ خلقه ﴿بَلْفَحْشَاءِ﴾ بقبائح
الأفعال ومساويها ﴿أَتَقُولُونَ﴾ أيها الناس
(٣) جامع البيان ٣٧٩/١٨.
(٤) انظر: تفسير الخازن ٢/ ١٩٢.
مَوَسُولَهُ النَّسيد
القرآن الكريم
٧٤

الأمن
﴿عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أتروون
على الله أنه أمركم بالتعري والتجرد من
الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون
أنه أمركم بذلك؟
فإنکم لم تسمعوا كلام الله تعالى ابتداء
من غير واسطة، ولا أخذتموه عن الأنبياء
الذین هم وسائط بین الله تعالی وبین عباده
في تبليغ أوامره ونواهيه وأحكامه؛ لأنكم
تنكرون نبوة الأنبياء، فكيف تقولون على
الله ما لا تعلمون؟
هذه الأفعال التي كان أهل الجاهلية
يفعلونها هي في أنفسها قبيحة منكرة، فكيف
یأمر الله تعالی بها، والله لا یأمر بالفحشاء،
بل يأمر بما فيه مصالح العباد؛ لأن عادته
سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن
الأفعال، والحث علی مکارم الخصال(١).
يقول الإمام الرازي: ((اعلم أنه ليس
المراد منه أن القوم كانوا يسلمون كون
تلك الأفعال فواحش، ثم کانوا یزعمون أن
الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل،
بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها
فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات،
وأن الله أمرهم بها، ثم إنه تعالی حکی عنهم
أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك
الفواحش بأمرين، أحدهما: إنا وجدنا عليها
آباءنا، والثاني: إن الله أمرنا بها.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٥/٨.
أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها
جوابًا؛ لأنها إشارة إلى محض التقلید، وقد
تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة؛ لأن
التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو
كان التقليد طريقًا حقًا للزم الحكم بكون
كل واحد من المتناقضين حقًّا، ومعلوم أنه
باطل، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرًا
جليًا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب
عنه.
وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: ﴿وَاللَّهُ
أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨].
فقد أجاب عنه بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ
اَللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ﴾ والمعنى: أنه ثبت
على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال
منكرة قبيحة، فكيف يمكن القول بأن الله
تعالى أمرنا بها؟» (٢).
وبهذا الرد القرآني دحضت أقوالهم،
وتبين أن الله تعالى منزه عن الأمر بالفحشاء
والمنكر والمعاصي.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٢٥ .
www. modoee.com
٧٥

حرف الألف
التعامل مع الأمر الإلهي وجزاؤه
بين القرآن أصناف الخلق في التعامل مع
الأمر الإلهي، سواء كانوا ملائكة، أو رسلًا،
أو مؤمنین، أو کافرین، أو منافقین، وسوف
نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
أولًا: تعامل الملائكة مع الأمر الإلهي:
تعامل الملائكة مع الأمر الإلهي يتضح
فيما يلي:
١. الطاعة والامتثال.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنْفُسَكُوْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَكَتَكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]
يقول الإمام الطبري: ((يعني: على هذه
النار ملائكة من ملائكة الله، غلاظ على
أهل النار، شداد عليهم، لا يخالفون الله
في أمره الذي یأمرهم به، وینتهون إلى ما
يأمرهم به ربهم، فليست الجملتان في معنى
واحد؛ إذ معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره
ويلتزمونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما
يؤمرون به، ولا يتناقلون علیه، ولا يتوانون
فيه))(١).
وقال الألوسي: «فإن الأولى لبيان القبول
باطنًا؛ فإن العصيان أصله المنع والإباء،
وعصيان الأمر صفة الباطن بالحقيقة؛ لأن
الإتیان بالمأمور إنما يعد طاعة إذا كان بقصد
الامتثال، فإذا نفي العصيان عنهم دل على
قبولهم، وعدم إبائهم باطنًا، والثانية لأداء
المأمور به من غير تثاقل وتوانٍ على ما يشعر
به الاستمرار المستفاد من ﴿وَيَفْعَلُونَ ﴾ فلا
تکرار، وفي الحصول لا يعصون فيما مضى،
على أن المضارع لحكاية الحال الماضية
﴿وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ في الآتي، وجوز أن
یکون ذلك من باب الطرد والعكس، وهو
كل كلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم
الثاني وبالعكس، مبالغة في أنهم لا تأخذهم
رأفة في تنفيذ أوامر الله عز وجل والغضب
له سبحانه))(٢).
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَّ
الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَتَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُكَّمُونَ
﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ.
يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
فالله تعالی یثني على ملائكته الذين زعم
فريق من المشركين أنهم بنات الله، فيقول:
إنهم عباد أكرمهم الله واصطفاهم، يتبعون
قوله، فلا يقولون شيئًا حتى يقوله تعالى،
أو يأمرهم به كما هو شأن العبيد المؤدبين
﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ فلا يعصونه في
أمر، إشارة إلى مراعاتهم في أدب العبودية
(٢) روح المعاني، الألوسي ٣٥٢/١٤.
(١) جامع البيان، ٢٣/ ٤٩٢.
جَوُور
القرآن الكريم
٧٦

الآمن
في الأفعال أيضًا كالأقوال (١).
ويؤكده قوله: ﴿وَمَانَتَغَزَّلُ إِلََّ بِأَمْرِرَبِّكَ لَهُ.
مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ
رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم ٦٤].
٢. تقسيم أمره بين الخلائق.
قال تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:
٤].
والمراد بالمقسمات: الملائكة، فإنهم
يقسمون أرزاق العباد وأمورهم وشؤونهم
على حسب ما يكلفهم الله تعالى به
من شؤون مختلفة، و﴿أَمْرًا﴾ مفعول به
الوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد
أريد به الجمع، أي: المقسمات لأمور العباد
بأمر الله تعالى وإرادته (٢).
فعن أبي الطفيل أنه سمع عليا رضي الله
عنه يقول وهو على منبر الكوفة: لا تسألوني
عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة رسول
الله، إلا أنبأتكم بذلك، فقام إليه ابن الكواء
فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى:
﴿وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١]؟ قال:
الريح. ﴿فَلْحَمِلَتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢]. قال:
السحاب. ﴿فَلْجَرِيَتِ يُسْرً﴾ [الذاريات: ٣]؟
قال: السفن ﴿فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:
٤]؟ قال: الملائكة(٣).
(١) محاسن التأويل، القاسمي ١٨٩/٧.
(٢) الوسيط، طنطاوي ١٤/ ١٠.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢/ ٣٩٢.
وهناك فريق من العلماء من يرى أن
هذا اللفظ راجع للرياح، ومن هؤلاء الإمام
الرازي، حيث قال: «هذه صفات أربع
للرياح، فالذاريات: هي الرياح التي تنشئ
السحاب أولًا، والحاملات: هي الرياح
التي تحمل السحب التي هي بخار الماء.
. .، والجاريات: هي الرياح التي تجرى
بالسحب بعد حملها، والمقسمات: هي
الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار)) (٤).
قال الألوسي محاولًا الجمع بين
الرأيين: ((ثم إذا حملت هذه الصفات على
أمور مختلفة متغايرة بالذات - كما هو الرأي
المعول عليه- فالفاء للترتيب في الأقسام
ذكرًا ورتبة، باعتبار تفاوت مراتبها فى الدلالة
على كمال قدرته عز وجل، وهذا التفاوت
إما على الترقي أو التنزل؛ لما في كل منها
من الصفات التي تجعلها أعلى من وجه،
وأدنى من آخر، وإن حملت على واحد وهو
الرياح، فهي لترتيب الأفعال والصفات؛ إذ
الريح تذرو الأبخرة إلى الجو أولًا، حتى
تنعقد سحابًا، فتحمله ثانیًا، وتجری به ثالثًا
ناشرة وسائقة له إلى حيث أمرها الله تعالى،
ثم تقسم أمطاره))(٥).
يقول صاحب تفسير الوسيط: ((ومع
وجاهة رأى الإمام الرازي في هذه المسألة
(٤) مفاتيح الغيب ٦٢٨/٧.
(٥) روح المعاني ٧/ ٣٩١.
www. modoee.com
٧٧

حرف الألف
إلا أننا نؤثر عليه الرأي السابق؛ لأنه ثابت القشيري: أجمعوا على أن المراد: الملائكة،
قال الجمل: اختلفت عبارات المفسرين في
عن بعض الصحابة؛ ولأن كون هذه الألفاظ
الأربعة لها معانٍ مختلفة أدل على قدرة الله
تعالى وعلى فضله على عباده))(١).
هذه الكلمات، هل هي صفات لشيء واحد
أو لأشياء مختلفة؟ على أوجه:
وإنما ذكرهم بالمقسمات لأن الإنسان
في الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفًا
بینّاً، فإن لكل أحد رأسًا ورجلا، والناس
متقاربة في الأعداد والأقدار، لكن التفاوت
الكثير في النفوس، فإن الشريفة والخسيسة
بينهما غاية الخلاف، وتلك القسمة المتفاوتة
تتقسم بمقسم مختار ومأمور مختار، فقال:
﴿فَالْمُقَسَِّتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤](٢).
قال ابن السائب: والمقسمات أربعة:
جبريل، وهو صاحب الوحي والغلظة،
وميكائيل، وهو صاحب الرزق والرحمة،
وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح،
وعزرائيل وهو قابض الأرواح، وإنما أقسم
بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه
وقدرته(٣).
٣. تدبير الأمر بين الخلائق.
قال تعالى: ﴿فَلَّمُدَّاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات:
٥].
يقول الإمام الطبري: يعني: فالملائكة
المدبرة ما أمرت به من أمر الله، قال
(١) انظر: الوسيط، طنطاوي ١٤ / ١١.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦١/٢٨.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٦٧.
واتفقوا على أن المراد بقوله: ﴿فَالْمُدََّتِ
أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، وصف لشيء واحد،
وهم الملائكة (٤).
فقوله: ﴿فَالْمُدََِّّتِ أَمْرًا﴾ المقصود به
طائفة من الملائكة، من وظائفهم تدبير
شأن الخلائق، وتنظيم أحوالهم بالطريقة
التي يأمرهم سبحانه بها، فنسبة التدبير إليهم
إنما هي على سبيل المجاز؛ لأن كل شيء
في هذا الكون إنما هو بقضاء الله وتقديره
و تدبيره(٥).
قال ابن عباس رضي الله عنه: هم
الملائکة، و کلوا بأمور عرفهم الله عز وجل
العمل بها، وقال عبد الرحمن بن سابط:
يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك: جبريل،
وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت،
واسمه عزرائيل، فأما جبريل فموكل بالرياح
والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر
والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض
الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم
بالأمر من الله تعالى، وأقسم الله تعالى بهذه
الأشياء لشرفها ...
(٤) حاشية الجمل ٤ / ٤٧٧.
(٥) الوسيط، طنطاوي ١٢٦/٢٠.
٧٨
مُوَسُولَةُ النَّفسيد
جوسى
القرآن الكريم

الأمن
أَقْرًا﴾ ولم يقل: أمورًا، فإنهم يدبرون
أمورًا كثيرة لا أمرًا واحدًا؟ والجواب: أن
المراد به الجنس، وإذا كان كذلك قام مقام
الجمع))(١).
ثانيًا: تعامل الرسل مع الأمر الإلهي:
يتمثل تعامل الرسل مع أمر الحق سبحانه
وتعالى كما يلي:
١. الطاعة والامتثال.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
يَبُنَىَّ إِّ أَرَىْ فِىِ الْمَنَامِ أَنْ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِيٌ إِن شَآءَ
اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات : !
قال مجاهد عن ابن عباس -رضي الله
عنهما -: لما شب حتى بلغ سعيه سعي
إبراهيم، والمعنى أن ينصرف معه ويعينه
في علمه، اختبر إبراهيم فيه برؤية رآها، قال
إبراهيم: يا بني إني أرى في المنام وحيًا من
الله يطلب مني ذبحك، فانظر ماذا ترى؟
فقد امتثل لأمر الله سبحانه وتعالى وقال
إسماعیل صابرا محتسبا، مرضیًا لربه، وبارًا
بوالده: ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:
١٠٢ ].
أي: امض لما أمرك الله؛ لأني لا أتهمك
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/٣١، مدارك
التنزيل، النسفي ٣٩١/٤.
وقال الإمام الرازي: ((لم قال: ﴿فَلَّمُدَِّتِ في شفقتك، وحسن نظرك، ولا أتهم الله
في قضائه، ثم قال: ﴿سَتَجِدُِّ إِن شَآءَ اللَّهُ
مِنَ الصَّبِينَ ﴾ فأخبر أباه أنه موطن نفسه
على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى؛
لأنه لا یکون شيء بدون مشيئة الله تعالى،
وإنما علق المشيئة لله تعالى على سبيل
التبرك والتيمن، فإنه لا حول عن معصية الله
إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا
بتوفيق الله(٢).
٢. الاتباع.
قال تعالى: ﴿مَاقُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَا أَمْتَنِى بِه
أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا.
دُمْتُ فِهِمٌّ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
قال الإمام الرازي: قال تعالى حكاية
عن عيسى: ﴿مَاقُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَّا أَمَرْتَنِى بِ=َ أَنِ
أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَّ وَرَبَّكُمْ﴾ أن مفسرة، والمفسر
هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به،
والمعنى: ما قلت لهم إلا قولًا أمرتني به؛
وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله
ربي وربكم، واعلم أنه كان الأصل أن يقال:
ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، إلا أنه وضع
القول موضع الأمر، نزولًا على موجب
الأدب الحسن؛ لئلا يجعل نفسه وربه أمرين
(٢) انظر: اللباب في بيان الكتاب، ابن عادل
١٦/ ٣٣٠، نظم الدرر، البقاعي ٢٦٤/١٦،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٠٥.
www. modoee.com
٧٩

حرف الألف
معًا، ودل على الأصل بذكر أن المفسرة، إذا ترافعوا إليه، والثاني- في تبليغ الرسالة،
وقال البيضاوي: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْتَكُمُ﴾
أي: في تبليغ الشرائع والحكومات(٢).
ثم قال تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا هُمْتُ
فهم﴾ أي: كنت أشهد على ما يفعلون ما
دمت مقيمًا فيهم، فلما توفيتني والمراد
منه: وفاة الرفع إلى السماء، من قوله: ﴿إنّ
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعَكَ إِلَىَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قال الزجاج:
الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم ﴿وَأَنتَ
عَلَ كُلِّ شَىْ ءٍ شَهِيدٌ﴾ من قولي وفعلي، وقولهم
وفعلهم(١).
٣. التبليغ.
قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ
رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمَّ
لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَاْ وَإِلَيْهِ
اَلْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].
قال الضحاك: وفي قوله: ﴿وَأُمِرْتُ
لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ وجهان: أحدهما في
الأحكام، الثاني في التبليغ.
وقال الإمام أبو الفرج: في ما أمر أن
يعدل فيه قولان: أحدهما- في الأحكام
(١) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٢٢٣/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٢/ ٤٦٦، مدارك التنزيل،
النسفي ١ / ٤٨٧.
والمعنى: أمرني ربي أن أعدل بينكم؛
وذلك بتبليغ الشرائع والأحكام، وفصل
القضايا عند المحاكمة والخصام، وقيل:
معناه لأسوي بيني وبينكم، ولا آمركم بما لا
أعمله، ولا أخالفکم إلی ما أنهاکم عنه، ولا
أفرق بين أكابركم وأصاغركم(٣).
وعلى المعنى الآخر، قال الطبري: أي:
قل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل
وفي ذلك دليل واضح على شدة الاتباع
لأمر الحق من قبل سيدنا عيسى عليه السلام بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعًا
فيما أمره الله به من عباده من الدعوة إلى بالحق الذي أمرني به، وبعثني بالدعاء
توحید الله وعبادته.
إليه (٤).
٤. طلب التیسیر.
قال تعالى: ﴿وَبَيْرٌ لِيِ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٦].
قال الطبري: يعني: وسهل علي القيام
بما تكلفني من الرسالة، وتحملني من
الطاعة، أي: سهل علي ما بعثتني له، ففيها
طلب الإعانة لتبليغ الرسالة؛ وذلك لأن كل
ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال
والحركات والسكنات فما لم يصر العبد
مريدًا له استحال أن يصير فاعلًا له، فهذه
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٩٩/٥،
زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٦٢، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٧٩/٥.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٧/٨.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥١٦.
٨٠
صَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم