النص المفهرس

صفحات 21-40

الأمثال
شبه بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون،
سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا
یمکنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في
عذاب.
والموحد لما كان يعبد الله وحده لا
شريك له فمثله کمثل عبد لرجل واحد، قد
سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى
رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء
فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من
غیر تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته
له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه
لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟
والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا (١).
والمقصود أن الله تعالى يضرب الأمثال
في كتابه من أجل بيان التوحيد، أو من أجل
ضَرَ
بيان أعداء التوحيد، كما قال الله:
اللَّهُ مَثَلًاٌ لِّلَذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ
لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ
فَضَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا
وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّاِخِلِينَ﴾ [التحريم:
١٠].
فالله جعل حالة هاتين المرأتين عظة،
وتنبيهًا للذين كفروا، أي: لیذکرهم بأن الله
لا یصرفه عن وعیده صارف، فلا یحسبون
أن لهم شفعاء عند الله، ولا أن مکانھم من
(١) انظر: نور التوحيد وظلمات الشرك، سعيد
القحطاني ص١٨.
جوار بيته، وعمارة مسجده، وسقاية حجيجه
تصرف غضب الله عنهم، فإن هم أقلعوا عن
هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة
من وعيده بالنظر في دلائل دعوة القرآن،
وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو
كان صارف يصرف الله عن غضبه لكان
أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين
من زوجيهما رسولي رب العالمين (٢).
أو يضرب الأمثال في كتابه في الذين
ثبتوا على مبدأ التوحيد، كما قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَقْرَأَتَ
فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى
الْجَنَّةِ وَجِ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَتَجِّى مِنَ
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١].
فلما ضرب المثل للذين كفروا أعقب
بضرب مثل للذين آمنوا؛ لتحصل المقابلة،
فيتضح مقصود المثلين معًا، وجريًا على
عادة القرآن في إتباع الترهيب بالترغيب،
وجعل المثل للذين آمنوا بحال امرأتين
لتحصل المقابلة للمثلين السابقين، فهذا
مراعاة النظير في المثلين، وجاء أحد المثلين
للذين آمنوا لإخلاص الإيمان، والمثل
الثاني لشدة التقوى، فكانت امرأة فرعون
مثلًا لمتانة المؤمنين، ومريم مثلًا للقانتين؛
لأن المؤمنين تبرءوا من ذوي قرابتهم الذين
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨/ ٣٧٤.
www. modoee.com
٢٧

حرف الألف
بقوا على الكفر بمكة (١).
ومن ضرب الأمثال في ميدان العقيدة:
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا
يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا
فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًَّ وَجَهْرًاٌ هَلْ يَسْتَوُنَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:
٧٥].
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ اَلْفَرِيقَيْنِ
كَاَلْأَعْنَى وَالْأَصَّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًاً أَفَلَا نَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى
أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اَللَّهُ
يُورِهِمْ وَتَرَكَّهُمْ فِ تُلُمَتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:
١٧].
وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ
أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن
شُرَكَآءَ فِىِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءُ
تَّخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
كَمَثَلِ الَّذِى يَتْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّ دُعَاءُ وَنِدَاءُ صُّ
بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ
كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
وهي أمثال غاية في البلاغة والتأثير،
وغاية فيما تحويه من نهاية في العظة
والعبرة، ونهايةٍ في البلاغة، وإيجاز اللفظ،
وحسن التشبيه، وقوة الكناية.
ثانيًا: ميدان الأعمال:
ومن المجالات المهمة التي تناولتها
الأمثال القرآنية مجال الأعمال؛ أعمال
المؤمنين، وأعمال الكافرين.
فكثرت الأمثال التي توضح بطلان
أعمال الکافرین، وتجسم أعمالهم بالرماد
المتجمع بعضه فوق بعض، ثم تذروه
الرياح، فتتناثر ذراته في كل اتجاه.
يقول تعالى: ﴿قَشَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَدَّتْ يِهِ اُلُِّ فِي
يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٌ
ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ اَلْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
فيصور الله في هذا المثل أعمال الكفار
في مقاومة رسل الله، ومحاربة دينه، بالرماد
المتجمع في مكان ما، لكن لا تماسك بين
ذراته، وهو خفيف جدًا، فاشتدت به الريح
في يوم عاصف، فنسفت ذلك الرماد،
وبددته في کل مکان، حتی لم يعد له وجود
حقيقي، كذلك أعمال الكافرين في مواجهة
الرسول، وأولياء الله، فهي كالرماد متفرقة
مشتتة في كل مكان، ويوم القيامة يجعل
تلك الأعمال هباء منثورا، وهي كناية عن أن
أعمال الكافرين لا تقوى على مقاومة قدرة
(١) انظر: المصدر السابق.
مَوَسُوبَةُ الْبَقِيَة
القرآن الكْرِيْمِ
٢٨

الأمثال
الله وقوته.
وفي مثلٍ آخر يتخذ من (الريح) أيضًا
أداة التدمير، كما كانت في المثل السابق أداة
البعثرة للرماد، ونثره في كل مكان، فيقول
الله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِىِ هَذِهِ الْحَيَوِ
اُلُّنْيَا كَمَثَّلِ رِيحِ فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ
ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧].
فيصور الله لنا أعمال أهل الكفر التي
يظنون أنها تفيدهم بأنها مثل السراب في
صحراء قاحلة، تظهر من بعيد للظمآن ماء،
لكنه إذا اقترب منه لم يجده شيئًا، فينخدع
من بعيد، وعند الحاجة تنكشف له الحقيقة،
بأنه مجرد سراب لا يسمن ولا يغني من
جوع، كذلك الكفار يظنون أن أعمالهم
في الدنیا تغنيهم شيئًا يوم القيامة، لكن هذا
الزعم الخادع ينكشف لهم يوم القيامة.
فالمثلان مترابطان في بيان ضياع أعمال ولبيان تلك الحياة التي عاشها الكافر
الكافرين، والتركيز فيهما على أعمالهم لا في وهم وظنون وخداع، حتى جاء اليوم
الموعود في الحساب والجزاء.
على ذواتهم، كما يلاحظ اتحاد المثلين في
الإفناء والضياع.
ولكن القرآن الکریم یرکز في مثلٍ آخر
على شخصية الكافر وآماله بما يتناسب مع
السياق، مع تغييرٍ في البنية الأسلوبية، ففي
المثلين السابقين كان التركيز على الرماد
والزروع والنبات والرياح، وفي المثل الآتي
يتم التركيز على بنية أسلوبية جديدة، مادتها
الماء والسراب والظلام، فيقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ
اُلَّمْثَانُ مَآءُ حَقَّى إِذَا جَاءَهُ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ
اللّهَ عِنْدَهُ، فَوَقَّنُهُ حِسَابَهُ، وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
٦ أَوْ كُظُلُّمَتٍ فِ تَجْرٍ لُّبِيِّ يَغْشَنَهُ مَوْجُ مِّن
فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَتُ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجُ بَدَهُ، لَمْ يَكَدْ يَهَا وَمَنْ أَزْ يَجْعَلِ
اللّهُ لَهُنُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [: ٣٩ -٤٠].
فالمثل هنا يجمع بين الأعمال وأصحابها
في الضياع؛ إذ نلحظ التركيز أيضًا على
شخصية الكافر في المثل المعروض إلى
جانب أعماله، فأعماله سراب خادع، وهو
ظمآنٌ يظنه ماء، فيجري وراء ظنه، فيكتشف
حقيقة السراب الخادع، وجاء التعقيب
هذه المرة بقوله: ﴿وَوَجَدَ اَللَّهُ عِنْدَهُ، فَوَقَّنُ
حِسَابَهُ﴾[: ٣٩].
لإبراز الغرض الديني من تصوير المثل؛
ثم عقب على هذا المثل بمثل آخر زيادةً
في الإيضاح والتنويع في البنى الأسلوبية،
ففي المثل الثاني يركز على الصحراء وما
يتراءى فيها من سراب خادع، والمثل الثاني
يركز على ظلمات البحر تتلاطم أمواجه،
وتغطیه السحب الكثيفة، کما تغطيه ظلمات
الليل، فتنعدم الرؤية البصرية في هذه
www. modoee.com
٢٩

حرف الألف
الظلمات المركبة المتراكمة، ويبرز التقابل
في المثلين بين عناصر التعبير والتصوير؛
لاستيفاء تفصيلات المعاني الدينية
المطلوبة، فالسراب في المثل الأول يوحي
بالأوهام والخراب، والكافر يجري وراء
السراب والأوهام، والظلمات المتراكمة
من البحر والسحاب وظلمات الليل توحي
بانعدام الرؤية، والكفر ظلمات یحجب ما
أنفقته ید الخیر فلا تفید صاحبها شيئًا.
ويأتي التعقيب متناسقًا مع جو الليل
والظلمات: ﴿وَمَنْ أَّْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُهُ نُورًا فَمَا لَهُمِن
[: ٤٠].
ویبرز نور الله من خلال ذلك هو الوحيد
الذي ينير للإنسان طريقه في ظلمات الحياة
المتراكمة.
وفي الجانب الآخر يضرب الله تعالى
الأمثال لأعمال المؤمنين الصالحة، فيقول:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُبُلَةٍ
مائَةُ حَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ وَاسِعُ
عَلِيمُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
فشبه سبحانه إنفاق المنفق في سبيله
سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل
الخیر من کل بر بمن بذر بذرًا فأنبتت كل
حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على
مائة حبة، والله يضاعف بحسب حال
المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونفع
نفقته وقدرها ووقوعها موقعها، فإن ثواب
الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من
الإيمان والإخلاص والتثبت عند النفقة،
وهو إخراج المال بقلب ثابت، قد انشرح
صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج
من قلبه قبل خروجه من يده، فھو ثابت
القلب عند إخراجه غير جزع ولا هلع، ولا
متبعه نفسه، ترجف يده وفؤاده، ويتفاوت
بحسب نفع الإنفاق ومصارفه، وبحسب
طيب المنفق ونیته(١).
ونظير المثل السابق قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ
اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَِّ بِرَبْوَقٍ
أَصَابَهَا وَابِلٌ فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ
يُصِبْهَا وَائِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[البقرة: ٢٦٥].
وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه
شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله الطيب لله
لا لغيره يبذر ماله في أرض زكية، فمغله(٢)
بحسب بذره، وطیب أرضه، وتعاهد البذر
بالسقي، ونفي الدغل والنبات الغريب عنه،
فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع
نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال،
(١) التفسير القيم، ابن القيم: ١٥٢.
(٢) الغلة والمغل: الدخل، من كراء دار، وأجر
غلام، وفائدة أرض، وأغلت الضيعة: أعطت
الغلة.
انظر: المحکم، ابن سیده ٣٨٩/٢.
٣٠
القرآن الكريم

الأمثال
وكان مثله كمثل جنة بربوة، وهي المكان الخفيف، فشبه سبحانه في التمثيل السابق
عمل المنفق لمرضاة الله تبارك وتعالى بجنة
خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة،
تستقبل النسيم الطلق، والمطر الكثير النافع،
وقيد المشبه به ببستان مرتفع عن الأرض؛
لأن تأثیر الشمس والهواء فيه أكمل، فيكون
أحسن منظرًا، وأزكى ثمرًا، أما الأماكن
المنخفضة التي لا تصيبها الشمس في
الغالب إلا قليلا فلا تكون كذلك.
فیہ نصب الشمس والرياح، فتربى الأشجار
هناك أتم تربية، فنزل عليها من السماء مطر
عظيم القطر متتابع فرواها ونماها، فآتت
أكلها ضعفي ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك
الوابل، وإن لم يصبها وابل فطل، والطل:
مطر صغير القطر، يکفيها لکرم منبتها تزكو
على الطل، وتنمی علیه، مع أن في ذكر
نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق
الكثير والقليل، فمن الناس من يكون إنفاقه
وابلًا، ومنهم من یکون إنفاقه طلًا، والله لا
يضيع مثقال ذرة(١).
ثالثًا: ميدان الأخلاق:
جاءت الأمثال القرآنية ترغب في كثير
من الأخلاق والسلوكيات الحسنة، وتحذر
من غيرها، مستعينة بالترغيب والترهيب
والإقناع العقلي.
ففي جانب الأخلاق الحسنة، قال تعالى
-وهو يشبه حال المخلص في النفقة في
سبيل الله -: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ
أَبْتِغَاءُ مَرْضَاتٍ اَللَّهِ وَتَقْبِيْتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ
كَمَثَلِ جَنَِّ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ
أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ
وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
والربوة: هي التل المرتفع، والطل: المطر
(١) الأمثال في القرآن الكريم، ابن القيم ص٥١.
ووجه التمثيل في هذا المثل أن المنفق
ابتغاء مرضاة الله هو في إخلاصه وسخاء
نفسه وإخلاص قلبه كالجنة الجيدة التربة
الملتفة الشجر، العظيمة الخصب في كثرة
بره وحسنه، فهو يجود بقدر سعته، فإن
أصابه خير كثير أغدق ووسع في الإنفاق
على ذوي الحاجات، وإن أصابه خير قليل
أنفق منه بقدره، فخیرہ دائم، وبره لا ينقطع؛
لأن الباعث عليه ذاتي لا عرضي كأهل
الرياء، وأصحاب المن والإيذاء، فـ(الوابل)
و(الطل) على هذا عبارة عن سعة الرزق،
وما دون السعة.
ولك أن تقول: إن وجه التمثيل هنا أن
النية الصالحة في الإنفاق كالوابل للجنة،
فبها تكون النفقة نافعة للناس؛ لأن أصحابها
يتحرون مواضعها، فيضعون نفقتهم موضع
الحاجة، لا يبذرون بغير روية، وأن أمثال
هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم؛ لأن
www. modoee.com
٣١

حرف الألف
رحمة قلوبهم لا يغور معينها، فإن لم تصبه ذكر مثلهم في الإنجيل، فهم موصوفون
فيه بوصف آخر، فهم في كمالهم وتعاونهم
بوابل من عطائها لم يفته طله، فهم كالجنة
التي لا يخشى عليها اليبس والزوال.
﴿كَزَرِعْ أَخْرَجَ سَطْكَهُ، فَازَرَهُ﴾ أي: أخرج
فراخه، فوازرته فراخه في الشباب
وهذا التمثیل یفید أن إنفاق المؤمن قد
یکون إنفاقًا کثیرًا مثل المطر الغزير، وقد
يكون إنفاقًا قليلًا مثل المطر القليل، وفي
كل خير، وهو يعبر عن اهتمام المؤمن بغيره،
والعمل على النهوض بأمته قدر استطاعته،
وبحسب إمكاناته.
والاستواء، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ذلك الزرع، أي:
قوي وغلظ ﴿فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،﴾: جمع
ساق، ﴿يُعْجِبُ الزَُّّعَ﴾ من كماله واستوائه
وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله
عنهم هم کالزرع في نفعهم للخلق، واحتياج
الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة
قوة عروق الزرع وسوقه، وكون الصغير
والمتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق
وآزره وعاونه على ما هو عليه من إقامة
دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج
شطأه فآزره فاستغلظ؛ ولهذا قال: ﴿لِيَغِيظَ
بهمالكفار﴾ حین یرون اجتماعهم وشدتهم
على دينهم، وحين يتصادمون معهم في
معارك النزال ومعامع القتال(١).
وضرب الله تعالى مثلًا في الإنجيل
لعباده المؤمنين أنهم كالزرع، يظهر في أول
أمره رقيقًا ضعيفًا متفرقًا، ثم ينبت بعضه
حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى
ويشتد، وتعجب جودته أصحاب الزراعة
العارفين بها؛ فكذلك النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه کانوا في أول الأمر في قلة
وضعف، ثم لم یزالوا یکثرون ويزدادون
قوة، فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ
مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَدُ بَيْنَهُمَّ تَرَنَّهُمْ رَكْمًا
سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا سِيمَاهُمْ فِ
وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ
وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنْجِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَْهُ، فَزَرَهُ.
فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَُّّاعَ
◌ِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَارُ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:
٢٩].
إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم
بأسلوبه البديع، صورة مؤلفة من عدة لقطات
لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة،
حالاتها الظاهرة والمضمرة، فلقطة تصور
حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ولقطة تصور هيئتهم
في عبادتهم ﴿تَرَّهُمْ رُكْمَا سُجَّدًا﴾ ولقطة
تصور قلوبهم، وما يشغلها ویجیش بها
فبعد أن ذكر الله وصفهم في التوارة
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٥.
٣٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأمثال
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ ولقطة تصور
أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم
وسحنتهم وسماتهم ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُومِهِم
مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ﴾ وهذه
صفتهم فيها، ولقطات متتابعة تصورهم كما
هم في الإنجيل(١).
وفي جانب الأخلاق السيئة:
ضرب الله مثلاً لحال المنفق رياءً
حيث لا يحصل من إنفاقه على شيءٍ من
الثواب، فقال تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم
بِأَلْمَنِ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِينَآءَ النَّاسِ وَلَا
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ
عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلَّدًّا لََّ
يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُواْ﴾ [البقرة:
٢٦٤].
فقد مثل حال المرائي في إنفاقه بحال
الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبه
مطر غزير، فيذهب بما عليه من تراب،
فأعمال المرائي مثل التراب الذي كان على
الحجر، فإنها تذهب هباء، ولا يجد لها
ثوابًا، وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي
على وجه أبلغ ما یکون.
ومن ذلك تشبيه المنتكس بالكلب في
کثرة مساوئه:
حيث ضرب الله مثلاً لحال العالم
المنحط في أهوائه بحال الكلب الذي هو
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٤٨٦.
أخبث الحيوانات وأخسها نفسًا؛ ذلك
أن المنحط في أهوائه شديد اللهف على
الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف
الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه، فقال:
﴿ وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ تَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَدِنَا فَأَنْسَلَخَ
مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ
١٧٥
وَلَوْ شِئْنَا لَوَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَ إِلَى
اَلْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ ذَلِكَ
مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَئِنَاْ فَأَقْصُصِ
اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥
- ١٧٦]. وهذه الآيات وإن نزلت بسبب
رجل من بني إسرائيل(٢) إلا أنه كما يقول
المحققون من أهل العلم: العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب، والله أمر رسوله
صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا ويقول:
﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أخبر أمتك يا محمد! بنبأ
ذلك الرجل الذي آتيناه آياتنا؛ آتيناه العلم،
وآتيناه الآيات والدلالات الواضحات على
عظمة الله، فبدل أن يعمل بها ويستمر عليها،
انسلخ منها، والانسلاخ عن الشيء هو: تركه
مع عدم الرغبة في العودة إليه، أي: انسلخ
منها كما تنسلخ الحية من جلدها، والمراد
أنه خرج منه بالكلية، بأن کفر بها، ونبذها
وراء ظهره، ولم ينتفع بما اشتملت عليه من
عظات وإرشادات، وحقيقة السلخ: كشط
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٠٩/٣.
www. modoee.com
٣٣

حرف الألف
الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، وكنت أرى من جند إبليس فارتقى
بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي کنت أدركت بعده
ويقال لكل شيء فارق شيئًا على أتم وجه:
انسلخ منه، وفی التعبير به ما لا یخفی من
المبالغة (١).
فالانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان
من جلده حينما يسلخ عنه جلده، والسلخ:
إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده،
واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو
ترك التلبس بالشيء، أو عدم العمل به،
ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع عن
العمل بما تقتضيه؛ وذلك أن الآيات أعلمته
بفساد دين الجاهلية (٢).
وقوله: ﴿فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف
أي: فلحقه الشيطان وأدرکه فصار هذا
الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين
الراسخين في الغواية، مع أنه قبل ذلك كان
من المهتدين، وفى التعبير بقوله: ﴿فَأَتَبَعَهُ
الشَّيْطَانُ﴾ مبالغة في ذم هذا الإنسان
وتحقيره، جعل كأنه إمام للشيطان، والشيطان
یتبعه، فهو على حد قول الشاعر(٣):
(١) الوسيط، سيد طنطاوي ١٧٣٩/١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٧٣/١.
(٣) البيتان في ديوان محمد بن إسماعيل الأمير
الصنعاني ص ١٣١ من قصيدته الدالية التي
مطلعها:
سلامي علی نجد ومن حل في نجد
وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
دقائق کفر لیس یدر کھا بعدي
ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون
من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها
في الحصول، فإنه لما عائد ولم يعمل
بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة
شيطانية، مكنت الشيطان من استخدامه
وإدامة إضلاله، فالانسلاخ عن الآيات
أثر من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء
الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده، فسخره
وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بـ (أتبعه)
فصار بذلك فى زمرة الغواة المتمكنين من
الغواية (٤).
وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾
[الأعراف: ١٧٦].
أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سببًا
للهداية والتزكية لو شاء الله له التوفيق،
وعصمه من كيد الشيطان وفتنته، فلم ينسلخ
عنها، وهذه عبرة للموفقين؛ ليعلموا فضل
الله عليهم في توفيقهم، فما ألطف نسبة
إتيان الآيات والرفع إليه تعالى، ونسبة
الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل
من الله تعالى؛ إذ فيه من تعليم العباد حسن
الأدب ما فيه.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٧٦.
موسوعة النفسية الوصف
القرآن الكريم
٣٤

الأمثال
فالمعنى: ولو شئنا لزاد في العمل الدنيا المعرض عن الآيات بعد إيتائها إن
وعظته فهو لإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل
الوعظ، وإن ترکت وعظه فهو حریص أيضًا
على الدنيا وشهواتها.
بما آتيناه من الآيات، فلرفعه الله بعمله،
والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها؛
لأن الصفات الحميدة تخيل صاحبها مرتفعًا
على من دونه، أي: ولو شئنا لاكتسب بعمله
بالآيات فضلًا وزکاء وتميزًا بالفضل، فمعنى
﴿َرَفَعْنَهُ ﴾ ليسرنا له العمل بها الذي يشرف
به، وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله:
﴿ وَلَوْ شِئْنَالَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٦].
بذكر ما يناقض تلك المشيئة الممتنعة،
وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله، فأخلد
إلى الأرض، أي: ركن ومال إلى الأرض،
والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص
والكفر بعد الإيمان والتقوى بحال من
كان مرتفعًا عن الأرض فنزل من اعتلاء
إلى أسفل، فبذكر الأرض علم أن الإخلاد
هنا رکون إلی السفل، أي: تلبس بالنقائص
والمفاسد، واتباع الهوى ترجيح ما يحسن
لدى النفس من النقائص المحبوبة على ما
يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار
للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة
المذمومة الخاسرة عاقبتها(١).
وقوله: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
فھو دائم اللهث في الحالین؛ لأن اللهٹ
طبيعة فيه، وكذلك حال الحريص على
(١) المصدر السابق ٩/ ١٧٧.
فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين
الصالح، وصار يطلبه في حين كان غير
مكلف بذلك في زمن الفترة، فلقي من
ذلك نصبًا وعناء، فلما حان حين اتباع الحق
ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم تحمل
مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان
جديرًا فيه بأن يستريح من عنائه لحصول
طلبته، فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب
الموصوف باللهث، فهو يلهث في حالة
وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب
والمشقة، وهي حالة الحمل عليه، وفي حالة
الخلو عن ذلك السبب، وهي حالة تركه في
دعة ومسالمة، والذي ينبه على هذا المعنى
هو قوله: ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَك﴾.
ونلحظ أنه ليس لشيء من الحیوان حالة
للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب
اللاهث؛ لأنه يلهث إذا أتعب وإذا كان في
دعة، فاللهث في أصل خلقته، وهذا التمثيل
من بلاغة القرآن، فإن اللهث حالة تؤذن
بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن
اضطراب باطنه، وإن لم يكن لاضطراب
باطنه سبب آتٍ من غيره، فمعنى ﴿إِن تَحْمِلْ
عَلَيْهِ﴾ إن تطارده وتهاجمه.
www. modoee.com
٣٥

حرف الألف
فهذا تشبيه تمثيل مركب منتزعة فيه الأسد بفريسته ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾
العاملين بخلاف علمهم، الذين يعرفون
الحق ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.
الحالة المشبهة والحالة المشبه بها من
متعدد، ولما ذکر ﴿إِن تَحِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ في شق الحالة المشبه بها
تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة،
وتتقابل أجزاء هذا التمثيل بأن يشبه الضال
بالكلب، ويشبه شقاؤه واضطراب أمره في
مدة البحث عن الدين بلهث الكلب في حالة
ترکه في دعة تشبيه المعقول بالمحسوس،
ويشبه شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق
عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده
وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس(١).
وتأمل ما في هذا المثل من الحكم
والمعاني، فمنها قوله: ﴿ءَاتَيْنَهُ ءَايَئِنَا﴾
فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها
نعمة، والله هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها
إلى نفسه، ثم قال: ﴿فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي:
خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها،
وفارقها فراق الجلد یسلخ عن اللحم، ولم
يقل: فسلخناه منها؛ لأنه هو الذي تسبب
إلى انسلاخه منها باتباع هواه، ومنها قوله
سبحانه: ﴿فَتَبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقه
وأدركه ... ، وكان محفوظًا محروسًا بآيات
الله، محمي الجانب بها من الشيطان، لا
ينال منه شيئًا إلا على غرة وخطفة، فلما
انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر
(١) انظر: المصدر السابق.
جَوَسُوبَةُ التفسير
القرآن الكريمِ
ومنها: أنه سبحانه قال: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا
لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾ فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده
ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من
العلماء، وإنما هي باتباع الحق، وإيثاره
وقصد مرضاة الله، فإن هذا كان من أعلم
أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه، ولم ينفعه
به، فنعوذ بالله من علم لا ينفع، وأخبر
سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما
آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع
لا یرفع أحد به رأسًا، فإن الخافض الرافع هو
سبحانه، والمعنى: لو شئنا فضلناه وشرفناه
ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾
المخلد من الرجال هو الذي يبطئ مشيته،
ومن الدواب التي تبقى ثناياها إلى أن تخرج
رباعیتھا (٢).
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤٤٥.
٣٦

الأمثال
مقاصد ضرب المثل
مقاصد ضرب الأمثال في القرآن لا
تنحصر، لكنها ترد في جملتها إلى مقصد
واحد، وهو بيان الحق الذي جاءت به
الرسل لهداية الخلق، ودعوتهم إلى عبادة
الله وحده، والانقياد لطاعته؛ وذلك بوضع
منهج متكامل روعيت فيه مصالح العباد في
العاجل والآجل(١).
وقد جمع الزركشي عددًا من فوائد
ضرب الأمثال في القرآن فذكر: التذكير،
والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار،
وترتيب المراد للعقل، وبيان تفاوت الأجر،
والمدح والذم، والثواب والعقاب، وعلى
تفخيم أمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو
إبطاله، فامتن الله علينا بذلك لما تضمنت
هذه الفوائد، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا
لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:
٥٨].
((ومن حكمته تعليم البيان، وهو من
خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء
على البيان))(٢).
وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان
تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى
الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر
(١) انظر: دراسات في علوم القرآن، محمد بكر
إسماعيل ص ٣٥٤،٣٦١.
(٢) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ١/ ٤٨٧.
وتحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله.
وإذا كان العلماء قد أظهروا أهمية
المثل البيانية والفنية الإبداعية، وأثر ذلك
في النفس وفاعليته، فإن هناك أمورًا أخرى
شرعية تستفاد من ضرب الأمثال في القرآن،
وقد ذكر الإمام الماوردي أن ((من أعظم علم
القرآن علم أمثاله، والناس في غفلة عنه؛
لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات،
والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام، والناقة
بلا زمام)» (٣)
فالأمثال القرآنية جاءت شاملة متضمنة
كل ما تقدم، ولها من القدرة ما يمكنها من
تحقيق أغراضها وغاياتها عبر صور بيانية،
ومشاهد فنية، تلقي بظلالها وآثارها الفاعلة
في النفس البشرية، والتي ما سيقت هذه
الأمثال إلا لها ومن أجلها؛ بغية خيرها
وصلاحها في حالها ومآلها.
وعلى هذا يمكننا القول: إن الأمثال
القرآنية تعد مقاييس عقلية، وقواعد عامة،
وكليات شاملة، وعلامات هادية شاخصة
ومنتصبة، تصلح أن يقاس عليها ما يؤكد
علوها على الحصر، مما يمكن أن يكون
حسيًا أو عقليًا أو نفسيًا، حقيقة أو مجازًا،
وهي تدور حول محور واحد، متمثل في
هذا الإنسان بعناصره المختلفة، وأبعاده
المتجاورة والمتآلفة: العقل، والروح،
(٣) الإتقان في علوم القرآن، السيوطي ١٠٤١/٢.
www. modoee.com
٣٧

حرف الألف
والحس، والوجدان، تحقيقًا لتطلعاته إلى
سعادته في معاشه ومعاده.
وعلى هدي هذا المفهوم للمثل القرآني
نستطيع الوقوف على معنى قوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا
يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ
فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ﴾
[الزمر: ٢٧].
أولًا: التوضيح والتقريب:
التوضيح والتقريب أبرز مقاصد الأمثال.
فيقرب صورة المُمَثَل له إلى ذهن
المخاطب؛ وذلك بأن يكون المخاطب
جاهلًا بحقيقة الشيء الممثل له فيأتي
المثل القرآني لرفع هذه الجهالة، وإزالة هذا
الغموض.
قال ابن القيم: ((وقد ضرب الله
ورسوله الأمثال للناس؛ لتقريب المراد،
وتفھیم المعنی، وإيصاله إلى ذهن السامع،
وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي
مثل به، فقد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه
وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره،
فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه، وتنفر من
الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال
من تأنيس النفس، وسرعة قبولها، وانقيادها
لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده
أحد، ولا ینکره، و کلما ظهرت الأمثال ازداد
المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد
المعنى المراد، وهي خاصية العقل ولبه
وثمرته))(١).
ويقول رحمه الله: ((إن النفس تأنس
بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من
الغربة والوحدة وعدم النظير، وبالأمثال
يزداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال
شواهد المعنى المراد، ومزکیة له، فھي کزرع
أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على
سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته))(٢).
وقد أشار الزمخشري أيضًا إلى هذا
المقصد من الأمثال، حيث قال: ((ولضرب
العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل
والنظائر شأنٌ لیس بالخفي في إبراز خبيات
المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق،
حتى تريك المتخيل في صورة المحقق،
والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه
مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمعٌ
لسورة الجامح الأبي، ولأمرٍ ما أكثر الله في
كتابه المبين وسائر كتبه أمثاله» (٣).
وقال أبو السعود: ((إن التمثيل ليس
إلا إبراز المعنى المقصود في معرض
الأمر المشهور، وتحلية المعقول بحلية
المحسوس، وتصوير أوابد المعاني بهيئة
(١) أعلام الموقعين ١/ ٢٩١.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢٤٠.
(٣) الكشاف، الزمخشري ١٩٥/١.
٣٨
القرآن الكريم

الأمثال
المأنوس لاستمالة الوهم واستنزاله عن
معارضته للعقل، واستعصائه عليه في
إدراك الحقائق الخفية، وفهم الدقائق الأبية؛
کي پتابعه فیما يقتضيه، ویشایعه إلى ما لا
يرتضيه؛ ولذلك شاعت الأمثال في الكتب
الإلهية، والكلمات النبوية، وذاعت في
عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء ... ،
فالتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم
للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء علیه،
وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي،
وقمع سورة الجامح الأبي، کیف لا وهو
رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية،
وإبرازها لها في معرض المحسوسات
الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف،
وإظهار للوحشي في هيئة المألوف))(١).
هكذا يأتي المثل لزيادة الإفهام
والتوضيح والتذكير؛ ولتصوير المعنوي
بالمحسوس والمشهد بالغائب، فيكون
وقعه بذلك أمكن في النفوس، وأشد علقة
بالقلوب، وهذا من شأنه أن يبعد الحيرة
والشكل عن المترددين، وضعاف الإرادة.
ومن الأمثلة القرآنية التي جاءت لهذا
الغرض -وهو التوضيح والتقريب -: ما
ضربه الله تعالى من مثلٍ لحال الدنيا،
وركون الناس إليها، والإعراض عن الآخرة،
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَاءِ
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ٧٢.
أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَدِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا
يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا
وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا
أَتَنُهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا
كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].
فالمثل المضروب هنا لتقريب وتوضيح
حال الدنيا، وهو مثل قصير موجز، يتناسق
مع حال الدنيا في سرعة زوالها، وقد
أسهمت البنية الأسلوبية له في إلقاء ظل
الفناء في حس الإنسان وذهنه، وهو يتابع
الماء النازل بسرعة ممتزجًا بنبات الأرض،
ثم يغدو هشيمًا تذروه الرياح من غير
تصوير للنبات النامي بثماره وأزهاره، فیبقی
الإنسان مشدودًا إلى صورة النهاية للحياة لا
إلی بهجتها ولذاتها.
يقول ابن القيم معلقًا على هذا المثل:
(شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في
عین الناظر، فتروقه بزینتها، وتعجبه فیمیل
إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه
مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان
إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض
التي ينزل الغيث عليها فتعشب، ويحسن
نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغتر به،
ويظن أنه قادر عليها، مالك لها، فيأتيها أمر
الله، فتدرك نباتها الآفة بغتة، فتصبح كأن لم
تکن قبل، فیخیب ظنه، وتصبح يداه صفرًا
www. modoee.com
٣٩

حرف الألف
منها، فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء، نفسه في تحصيلها، فإذا مات وفاته كل ما
وهذا من أبلغ التشبيه والقياس))(١).
وتشبيه الحياة الدنيا بالنبات يحتمل
وجوهًا:
أحدها: أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها
المرء في هذه الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي
حین عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس
منه؛ لأن المتمسك بالدنيا إذا عظمت رغبته
فيها يأتيه الموت، وهو معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا
فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْلَخَذْنَهُمْ بَغْتَةٌ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وثانيها: أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل
لذلك الزرع عاقبةٌ تحمد، فكذلك المغتر
بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.
وثالثها: أن هذا التشبيه كقوله تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَّى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنشُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
أي: لما صار سعي هذا الزرع باطلًا
بسبب حدوث المهلك فكذلك سعي المغتر
بالدنيا.
ورابعها: أن مالك هذا البستان لما أتعب
نفسه في عمارته، وكذلك الروح، وعلق قلبه
بالانتفاع به، فإذا حدث السبب المهلك صار
العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببًا
لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل،
وهو ما يحصل في قلبه من الحسرات.
فکذلك حال من أحب الدنیا، وأتعب
(١) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤٧٠.
نال صار العناء الذي تحمله في تحصيل
الدنيا سببًا لحصول الشقاء العظيم له في
الآخرة.
وخامسها: لعله تعالى إنما ضرب هذا
المثل لمن لا يؤمن بالمعاد؛ لأنا نرى الزرع
الذي انتهى إلى الغاية في الحسن، ثم إن
ذلك الحسن يزول بالكلية، ثم تصير تلك
الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى،
فذكر تعالى هذا المثال؛ ليدل على أن من
قدر علی ذلك كان قادرًا على إعادة الأحياء
في الآخرة؛ ليجازيهم على أعمالهم(٢).
وقد قامت (الفاء العاطفة) في قوله:
﴿فَأَخْتَلَطَ بِدِمنَبَاتُ اَلْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤].
في تسريع حركة التصوير الأطوار النبات
التي هي في حقيقتها أطوار الحياة، وجاء
التعقيب على المثل في الآية الأخرى بقوله:
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]؛
لترسيخ معنى القدرة الإلهية على الإحياء
بعد الإماتة، كي لا تكون صورة الفناء
هي الصورة النهائية للإنسان بعد المثل
المضروب.
﴿فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾
و قوله:
[يونس: ٢٤].
فلو قلنا: بأن الباء للمصاحبة يكون معناه
أي: اختلط مع ذلك الماء نبات الأرض؛ لأن
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٨/ ٤٥١.
مَوَسُورُ التَّقِين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٠

الأمثال
المطر ینفد في خلل النبات، وإن كانت الباء
للسببية يكون المراد أنه اختلط بسبب الماء
بعض النبات ببعض، حيث إن الماء صار
سببًا لرشده، والتفاف بعضه ببعض.
﴿إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا
وقوله:
وَأَزَّيَّكَتْ﴾ [يونس: ٢٤].
تعبير رائع حيث جعلت الأرض آخذة
زخرفها على التمثيل بالعروس؛ إذا أخذت
الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها
وتزينت بغيرها من ألوان الزينة، وقوله:
﴿قَدِرُونَ عَلَيَّهَا﴾ [يونس: ٢٤].
أي: متمكنون من استثمارها والانتفاع
بثبوتها، وقوله: ﴿أَتَنِهَاَ أَمَُّنَا﴾ [يونس: ٢٤].
كناية عن نزول بعض الآفات على الجنات
والمزارع حیث یجعلها ﴿حَصِيدًا ﴾ شبيهًا
بما يحصد من الزرع في استئصاله.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ﴾ [يونس: ٢٤]
بمنزلة قوله: كأن لم ينبت زرعها، على وجه
يلتف بعضه ببعض، يروق الإنسان منظره،
فلم يزل على تلك الحال إلى أن ينتقل إلى
حالة لا نجد فيها غضاضة، وهذا ما يعبر عنه
القرآن بقوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ [الكهف:
٤٥].
أي: کثیرًا مفتًا، تذروه الرياح، فتنقله من
موضعه إلى موضع، فانقلاب الدنیا کانقلاب
هذا النبات.
ثانيًا: الترغيب:
ومن مقاصد ضرب المثل في القرآن
الترغيب بالأعمال الصالحة والأخلاق
الحسنة التي تهذب النفوس وترقق الطباع.
فنجد المثل القرآني يحث النفس
الجموح على إنفاق المال في سبيل الله،
ويعد المتقين وعدًا حسنًا على ذلك،
ويضاعف لهم الأجر في صورة اعتمد فيها
التشبيه صيغة تهيئ المناخ النفسي للبر
بتفاعلها مع الجو الداخلي عند الإنسان،
حیث یجد إنفاقه مضاعفًا بإمدادٍ غیر مترقب
مما يدفعه عن طيب خاطر، وتسليم لأمر
الله إلى الإنفاق بيد مبسوطة، يقول تعالى:
﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ
مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ وَاسِعُ
عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقد يطنب المثل القرآني في الأمور
الترغيبية، ويوالي ضرب الأمثال لها، ويحذر
من مخالفتها، ويريدها خالصة لله وحده،
ويستقصي المعاني على أكمل وجه، ويأتي
بجميع لوازمها ومتعلقاتها، وهو ما يسمى
عند البلاغيين (الاستقصاء)، وهو نوع من
أنواع الإطناب بذكر محاسن ما يرغب فيه،
كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا
ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِ السَّمَآِ لْ تُوْنِ أُكُلَهَا
كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ
www. modoee.com
٤١

حرف الألف
وَمَثَلُ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِئَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ
الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٦].
يقول الرازي: ((إن المقصود من ضرب
الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره
وصف الشيء في نفسه؛ وذلك لأن الغرض
في المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب
بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته،
ويصير الحس مطابقًا للعقل، وذلك في نهاية
الإيضاح، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في
الإيمان مجردًا عن ضرب مثل له لم يتأكد
وقوعه في القلب کما یتأكد وقوعه إذا مثل
ب، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم
یتأکد قبحه في العقول، کما یتأکد إذا مثل
بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور
وضرب مثله بنسج العنكبوت کان ذلك أبلغ
في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجردًا؛
ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين، وفي
سائر كتبه أمثاله، قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ
اٌلْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت:
٤٣]» (١).
واتخذها المربون وسيلة للترغيب،
ويستطيع معلم التربية الإسلامية أن يستخدم
ضرب الأمثال للترغيب ولتقريب المعاني
المجردة التي ترد في القرآن والسنة إلى
أذهان التلاميذ؛ ويمكنه أن يستخدم هذا
الأسلوب كوسيلة للتهذيب الخلقي من
حثه على الخير أو دفع للشر، فالأمثال بما
فيها من تجسيد للمعاني المجردة أقرب إلى
النفوس في إحداث الترغيب والترهيب من
الوعظ المباشر.
ومن الأمور التي رغب فيها المثل
القرآني: الجنة.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ اَلَتِ وُعِدَ
الْمُتَّقُونٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُّ أُكُلُهَا دَآَيٌِّ
وَظِلُهَأْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَعُقْىَ
الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]
والإشارة إلى الجنة بصفاتها بحيث
صارت كالمشاهدة ترغيبًا فيها، أي: صفة
الجنة التي وعد الله بها الذين يخشونه
أنها تجري من تحت أشجارها وقصورها
الأنهار، ثمرها لا ينقطع، وظلها لا يزول
ولا ينقص، تلك المثوبة بالجنة عاقبة الذين
خافوا الله، فاجتنبوا معاصیه، وأدوا فرائضه،
وعاقبة الكافرین بالله النار.
ونظيره: ﴿مََّلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا
أَرٌ مِن ◌ٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لََّنٍ لَّمْ يَنَغَرْ طَعْمُهُ.
وَتْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَّرِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفَىّ
وَهْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ زَّبِّهِمَّ كُمَنْ هُوَ
خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُواْ مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمَّعَلَهُمْ﴾
[محمد: ١٥].
فهذا المتاع والاسترواح، ومشهد الظل
الدائم، والثمر الدائم، والأنهار المتنوعة،
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٥/١.
مَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
٤٢

الأمثال
مشهدٌ تطمئن له النفس وتستريح وترغب، ثالثًا: التنفير:
وتشتاق إليه.
ومن الأمور التي رغب فيها المثل
القرآني: الإيمان والإسلام.
قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِ فِىِ النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ
فِ اُلُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فقد جاء هذا التشبيه بديعًا مشوقًا؛ إذ
جعل حال المسلم بعد أن صار إلى الإسلام
بحال من كان عديم الخير عديم الإفادة،
كالميت، فإن الشرك يحول دون التمييز بين
الحق والباطل، ويصرف صاحبه عن السعي
إلى ما فيه خيره ونجاته، وهو في ظلمة لو
أفاق لم يعرف أين ينصرف؟ فإذا هداه الله
إلى الإسلام تغير حاله فصار يميز بين الحق
والباطل، ويعلم الصالح من الفاسد، فصار
کالحي، وصار يسعى إلى ما فيه الصلاح،
ويتنكب عن سبيل الفساد فصار في نور
يمشي به في الناس(١).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥/٨.
ومن مقاصد ضرب المثل في القرآن
التنفير من الأعمال السيئة والأخلاق
القبيحة، كقوله تعالى: ﴿وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ
الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَدِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ
الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ () وَلَوْشِئْنَا
لَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ
هَوَنَةُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ
يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِنَايَئِنَاً فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
يكشف هذا المثل الأبعاد النفسية التي
اشتملت عليها شخصية الذي يتخلى
تمامًا عن آيات الله، ويعرض عنها ابتغاء
عرض زائل، ومتاع قليل، وقد استعار كلمة
(انسلخ) وعبر بها تعبيرًا دقيقًا عن مدى
التصميم في الإعراض والتخلي، وصور
بذلك حالة النزاع الشديد في مفارقتها، فهذا
التجرد من عناصر الخير يوحي بكيفية تجرد
الشاة عن أهابها، ونزعها لردائها أثناء السلخ
في مشهد أليم، حتى عادت سنحًا آخر في
الهيكل والصورة والتحول، وكذلك أمر هذا
الرجل؛ إذ استحال إلى حقيقة أخرى، جوفاء
مترهلة، وتأتي الصور متقاطرة العبارات
والعبائر، مجلجلة الوقع، فيعقب صورة
الانسلاخ صورة الكلب اللاهث في حالتیه،
وإخلاده إلى الأرض، وهي شديدة الأثر في
www. modoee.com
٤٣

حرف الألف
تحقيرها لشأن المشبه، وإظهارها لضياعه،
وتشرده وضلاله.
فقد ضرب الله عز وجل هذا المثل لمن
لا يعمل بعلمه على سبيل التبكيت والتشنيع
والتنفير؛ حتى لا يصير الإنسان مثل الحمار
حینما یکون له علم ولا يعمل به.
وكقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِّبُواْ لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسَِّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوَأْ
وَأَحَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْ فَمَن ◌َجَةُ، مَوْعِظَةٌ مِّن
رَّبِّهِ، فَانْتَهَى فَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ: إِلَى اَللَّهِ وَمَنْ
عَادَةَأَوْلَتَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾
[البقرة: ٢٧٥].
تعاطي الربا، بعد الترغيب في بذل الصدقة
لمستحقيها.
والآية الكريمة تصور المرابي بتلك
الصورة المرعبة المفزعة التي تحمل كل
عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها
رائحة الربا، وهنا ينبغي توضيح أمرين:
الأول: أن جمهور المفسرين يرون أن
هذا القيام المفزع للمرابین یکون يوم القيامة،
حين يبعثون من قبورهم، فقيام المرابي يوم
القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، وهو مما
لا يحيله العقل ولا يمنعه؛ ولعل الله تعالى
جعل ذلك علامة له یعرف بها يوم الجمع
الأعظم عقوبة له.
أو يكون المراد: تشبيه المرابي في حرصه
وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط
المصروع، كما يقال لمن يسرع بحركات
مختلفة: قد جن، ولا يخفى أن هذا تأويل
مصادم لما عليه سلف الأمة؛ ولما روي عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير
داع، سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل
هذه المقامات.
والصواب: أنه لا مانع من أن تكون الآية
تصور حال المرابين في الدنيا والآخرة،
فهم في الدنيا في قلق مستمر، وانزعاج
دائم، واضطراب ظاهر، بسبب جشعهم
وشرههم في جمع المال، ووساوسهم التي
ضرب الله هذا المثل للتنفير من لا تكاد تفارقهم، وهم يفكرون في مصير
أموالهم، ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين
بالربا يراهم أشبه بالمجانين في أقوالهم
وحركاتهم، أما في الآخرة فقد توعدهم الله
تعالى بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم (١).
وجمهور المفسرين يرون أيضًا أن التشبيه
في الآية الكريمة على الحقيقة، بمعنى أن
الآية تشبه حاله بحال المجنون الذي مسه
الشيطان؛ لأن الشيطان قد يمس الإنسان
فيصيبه بالصرع والجنون، ولا عبرة بمن
أنكر ذلك، قال القرطبي: ((وفي هذه الآية
دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من
جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن
(١) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٥١٠.
٤٤
القرآن الكريم

الأمثال
الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع
أوقاته، وظن أنه لا یزال فیھا سائر أيامه؛ إذ
منه مس»(١)، فالذي عليه جمهور العلماء
من أن التشبيه على الحقيقة هو الحق؛ لأن
الشيطان قد یمس الإنسان فيصيبه بالجنون.
أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه
سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش
قلبه من الآلام، وفارق شبابه وقوته وماله،
وكذلك ضرب الله مثلاً للتنفير من
الركون إلى الدنيا فقال تعالى: ﴿ وَاُضْرِبٌّ ◌َم
مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءِ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ
بِهِ، نَبَاثُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُوهُ الرَّحُ
وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
وانفرد بصالح أو سيئ أعماله، هنالك بعض
الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو
عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا لا ليستكمل
الشهوات بل ليستدرك ما فرط منه من
الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات،
فالعاقل الجازم الموفق يعرض على نفسه
هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قدمت
ولابد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارین؟
الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها
كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل لدار
أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس
وتلذ الأعين !! فبهذا يعرف توفيق العبد من
خذلانه، وربحه من خسرانه(٢).
يقول تعالى لنبيه صلی الله عليه وسلم
أصلًا ولمن قام بوراثته بعده تبعًا -: اضرب
للناس مثل الحياة الدنيا؛ ليتصوروها حق
التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا
بینھا وبین الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى
بالإيثار، وأن مثل هذه الحياة الدنيا كمثل
المطر ينزل على الأرض فيختلط نباتها،
تنبت من کل زوج بھیج، فبينا زهرتها
وزخرفها تسر الناظرين وتفرح المتفرجين،
وتأخذ بعيون الغافلين إذ أصبحت هشيمًا
تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر،
والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت
الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر،
وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب،
کذلك هذه الدنیا، بينما صاحبها قد أعجب
بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه،
وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٥/٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧٨.
www. modoee.com
٤٥

حرف الألف
آثار ضرب الأمثال
لضرب الأمثال آثار تربوية، وآثار دعوية،
وآثار جمالية وفنية، نبينها فيما يأتي:
أولًا: آثار تربوية:
ضرب الأمثال أسلوب من أساليب
التربية يحث النفوس على فعل الخير،
ويحضها على البر، ويدفعها إلى الفضيلة،
ويمنعها عن المعصية والإثم، وهو في نفس
الوقت يربي العقل على التفكير الصحيح،
والقياس المنطقي السليم؛ لما فيه من تقريب
وتسهيل للمعاني البعيدة، أو الغامضة
عن طريق عرض أمثالها، وما يشابهها من
المعاني المحسوسة والواضحة.
فالأمثال أوقع في النفس، وأبلغ
في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوى
في الإقناع، ولأهمية الأمثال وفعاليتها
استخدمها القرآن الكريم في مواضع كثيرة،
وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يعقلها ولا
يعيها إلا العالمون، فقال تعالى: ﴿ وَتَّكَ
الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَاْ إِلَّا
اَلْعَلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
فالأمثال القرآنية ذات مدلولاتٍ تربويةٍ
عميقة التأثير، عظيمة الفائدة، تتضافر مع
غيرها من وسائل التربية القرآنية، كالقصة،
والحوار، وأساليب الإقناع وغيرها في
تكوين النظرية التربوية الإسلامية الرائدة،
يقول عبد الرحمن النحلاوي ما ملخصه:
(لم تكن الأمثال القرآنية والنبوية مجرد
عمل فني يقصد من ورائه الرونق البلاغي
فحسب، بل إن لها غايات نفسية تربوية،
حققتها نتيجة لنبل المعنى، وسمو الغرض،
بالإضافة إلى الإعجاز البلاغي، وتأثير
الأداء))(١).
وهناك آثار تربوية عديدة للأمثال، منها:
١. شحذ الذهن واستثارته للتفكير والقياس
والتأمل.
وغير ذلك من العمليات الفكرية
والذهنية التي يثيرها المثل، بقصد الإقناع
بصحة رسالة الإسلام وصدق الرسول صلى
الله عليه وسلم، حيث تنطوي معظم الأمثال
على قياس تذكر مقدماته ويطلب من العقل
أن يتوصل إلى النتيجة التي لا يصرح القرآن
بها في کثیر من الأحيان، بل يشير إليها ويترك
للعقل معرفتها.
ونذكر منها على سبيل المثال: المعنى
الذي ضربه الله مثلًا للحق والباطل، في
قوله تعالى: ﴿أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَالَتْ
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَاً وَمِمَا
يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَيَدٌ مِثْلُ.
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَّا الزََّدُ فَيَذْهَبُ
جُفََّةٍ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَتْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
(١) التربية بضرب الأمثال، النحلاوي ص ٢٠.
صَوْسَبُوالَهُ النَّهـ
القرآن الكريم
٤٦