النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
دَ
الأَقْصَـ
عناصر الموضوع
مفهوم الاقتصاد
٩٨
الألفاظ ذات الصلة
٩٩
الموارد الاقتصادية
١٠٣
الإنتاج
١١٤
المبادئ الاقتصادية
١٢٢
حماية الاقتصاد من عوامل الفساد
١٣٤
الاقتصاد والأخلاق
١٤٠
المُجَلَدَ الرّابع

حرف الألف
مفهوم الاقتصاد
أولًا: المعنى اللغوي:
الاقتصاد افتعال من قصد.
ذكر ابن فاس أن أصل مادة (قصد) تدل على ثلاثة معانٍ: إتيان شيء وأمه، وكسر الشيء،
والناقة القصيد: المكتنزة لحمًا (١).
وقال الراغب: ((القصد: استقامة الطريق، يقال: قصدت قصده، أي: نحوت نحوه، ومنه:
الاقتصاد))(٢)، فهو يعود إلى الأصل الأول الذي ذكره ابن فارس، كأنه لصحة قصده للشيء
فهو يسير في خط مستقيم إليه، لا يلتفت إلى غيره، واستعير هذا المعنى للقصد بالاستقامة
في التوسط والاعتدال في الشيء، أي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال في المعجم الوسيط: (((الاقتصاد) علم يبحث في الظواهر الخاصة بالإنتاج
والتوزيع)) (٤).
وفي المعجم الاقتصادي: ((الاقتصاد علم يبحث في كل ما يتعلق بالثروة، والمال،
والتكسب، والتملك، والإنفاق، والاقتصاد يبحث أيضًا في مسائل الإنتاج والاستثمار،
ومسائل الانتفاع والخدمات، ومسائل التوفير والادخار، ومسائل الغنى والفقر))(٥).
وعرفه الدكتور عناية: ((بأنه مجموعة الأصول والمبادئ العامة الاقتصادية الثابتة
والمستخرجة من القرآن، والسنة، ومجموعة التطبيقات، والحلول الاجتماعية المتغيرة،
والإجراءات الشرعية والسياسات الاقتصادية المستندة إلى تلك الأصول والمبادئ العامة،
والتي تحكم وتنظم الحياة الاقتصادية للمجتمع الإسلامي)) (٦).
ولم يرد لفظ (الاقتصاد) في القرآن الکریم، وإن کان تحدث عن قضايا تتعلق به، كما
سيأتي بيانه في هذا البحث إن شاء الله.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٩٥،٩٦/٥.
(٢) المفردات، الأصفهاني ص ٦٧٢.
(٣) انظر: مجمع بحار الأنوار، الفتني ٤/ ٢٧٧.
(٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧٣٨.
(٥) المعجم الاقتصادي الإسلامي، الشرباصي ص ٣٦.
(٦) الأصول العامة للاقتصاد الإسلامي، غازي عناية ص ٣٥.
٩٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الاقتصاد
الألفاظ ذات الصلة
القناعة:
١
القناعة لغة:
(الرضا بالقسم)) (١)، وقال الراغب: ((القناعة: الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج
إليها. يقال: قنع يقنع قناعةً وقنعانًا: إذا رضي، وقنع يقنع قنوعًا: إذا سأل. قال تعالى:
﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتََّّ﴾ [الحج: ٣٦].
قال بعضهم: القانع هو السائل الذي لا يلح في السؤال، ويرضى بما يأتيه عفوًا ... وأقنع
رأسه: رفعه. قال تعالى: ﴿مُقْنِ رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
وقال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناع، وهو ما يغطى به الرأس، فقنع، أي: لبس القناع
ساترًا لفقره كقولهم: خفي، أي: لبس الخفاء، وقنع: إذا رفع قناعه كاشفًا رأسه بالسؤال نحو
خفى إذا رفع الخفاء)»(٢)، وقال المناوي: ((القناعة: لغة: الرضى بالقسمة. وعرفًا: الإقصار
على الكفاف. ويقال: الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج إليها))(٣).
القناعة اصطلاحًا:
هي الرضا بما أعطى الله (٤).
وقال السيوطي: القناعة: الرضا بما دون الكفاية، وترك التشوف إلى المفقود، والاستغناء
بالموجود (٥).
الصلة بين القناعة والقصد:
((أن القصد هو ترك الإسراف والتقتير جميعًا، والقناعة الاقتصار على القليل والتقتير،
ألا ترى أنه لا يقال: هو قنوع، إلا إذا استعمل دون ما يحتاج إليه، ومقتصد لمن لا يتجاوز
الحاجة ولا يقصر دونها، وترك الاقتصاد مع الغنى ذم، وترك القناعة معه ليس بذم، وذلك أن
نقيض الاقتصاد الإسراف، وقيل: الاقتصاد من أعمال الجوارح؛ لأنه نقيض الإسراف، وهو
من أعمال الجوارح والقناعة من أعمال القلوب))(٦).
(١) الصحاح، الجوهري ١٢٧٣/٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٨٥.
(٣) التوقيف، المناوي ص ٢٧٥.
(٤) مشارق الأنوار، القاضي عياض ٢/ ١٨٧.
(٥) مقاليد العلوم، السيوطي ص ٢٠٥.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٣٠.
www. modoee.com
٩٩

حرف الألف
الوسط:
٢
الوسط لغة:
قال ابن فارس: ((الواو والسين والطاء: بناءٌ صحيحٌ يدل على العدل والنصف. وأعدل
الشيء: أوسطه ووسطه (١)، وفي لسان العرب: ((وسط الشيء ما بين طرفيه))(٢).
الوسط اصطلاحًا:
قال المناوي: ((الوسط: ما له طرفان متساويا القدر)) (٣) وقال الكفوي: «ثم استعير للخصال
المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾﴾ [البقرة: ١٤٣].
يعني متباعدين عن طرفي الإفراط في كل الأمور والتفريط»(٤).
قال أبو السعود عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
((أي من أقصده في النوع أو المقدار))(٥).
الصلة بين الوسط والقصد:
وعليه أن الوسط يقارب معنى الاقتصاد، وهو بمعنى الاعتدال أو ما بين طرفي الإفراط
والتفريط، أو ما بين البخل والسرف.
الإسراف :
٣
الإسراف لغة:
قال ابن فارس: ((السين والراء والفاء أصل واحد يدل على تعدي الحد، والإغفال أيضًا
للشيء، تقول: في الأمر سرف، أي: مجاوزة القدر)»(٦).
الإسراف اصطلاحًا:
تعريف الراغب الأصفهاني: ((السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان)»(٧)، وعرفه
الطاهر ابن عاشور بقوله: (( والإسراف: الإفراط والإكثار في شيءٍ غير محمودٍ)) (٨).
(١) مقاييس اللغة، ١٠٨/٦.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٤٢٦/٧.
(٣) التوقيف ص ٣٣٧.
(٤) الكليات، الكفوي ص ٩٣٨.
(٥) إرشاد العقل السليم ٣/ ٧٤.
(٦) مقاييس اللغة، ١٥٣/٣.
(٧) المفردات، ص٤٠٧.
(٨) التحرير والتنوير، ١١/ ١١٢.
١٠٠
مَوَسُوبَةُ النَفسِد
القرآن الكريم

الاقتصاد
الصلة بين الإسراف والقصد:
أن الاقتصاد يعني التوسط بين الإسراف والتقتير.
التبذير:
٤
التبذير لغة:
من بذر، أي: أفسد وأنفق في السرف، وكل ما فرقته وأفسدته، فقد بذرته، والتبذير: إفساد
المال وإنفاقه في السرف (١).
التبذير اصطلاحًا:
حكى الإمام القرطبي عن الإمام الشافعي بأن التبذير هو: ((إنفاق المال في غير حقه، ولا
تبذير في عمل الخير)).
قال القرطبي تعليقًا على قول الإمام الشافعي: ((وهذا قول الجمهور))، وحكى القرطبي
أيضًا عن أشهب، عن الإمام مالكٍ: ((أن التبذير هو أخذ المال من حقه، ووضعه في غير
حقه)»(٢).
الصلة بين التبذير والقصد:
أن الاقتصاد يعني التوسط بين التبذير والبخل.
البخل :
٥
البخل لغة:
مادة (ب خ ل) تدل على: ((ضد الكرم)) (٣). وحد البخل الزبيدي رحمه الله تعالى بقوله:
((إمساك المقتنيات عما لا يحل حبسها عنه)) (٤).
البخل اصطلاحًا :
إمساك المال وعدم صرفه، حرصًا على بقائه وزيادته، وخوفًا من نفاده(٥).
الصلة بين البخل والقصد:
الظاهر أن البخل لفظ يدل على الإمساك، وهو مقابل للاقتصاد الذي يعني التوسط
والاعتدال.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤ / ٥٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ١٠/ ٢٤٧.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٠٧.
(٤) تاج العروس، ٢٨/ ٦٣،٦٢.
(٥) انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض ٢/ ٢٤٥.
www. modoee.com
١٠١

حرف الألف
الشح:
٦
الشح لغة:
(«هو البخل مع حرصٍ. ويقال تشاح الرجلان على الأمر، إذا أراد كل واحدٍ منهما الفوز
به ومنعه من صاحبه. قال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[التغابن: ١٦]))(١)، وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ((الشح أشد البخل، وهو أبلغ في المنع
من البخل، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح
بالمال والمعروف»(٢).
الشح اصطلاحًا:
قال المناوي: ((الشح: بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة))(٣). وقال الجرجاني رحمه
الله تعالى: ((بخل الرجل من مال غيره)»(٤).
الصلة بين الشح والقصد:
الظاهر أن الشح لفظ يدل على شدة المنع، أو البخل بمال الغير، وهو مقابل للاقتصاد
الذي يعني التوسط والاعتدال.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٨/٣.
(٢) لسان العرب، ٢/ ٤٩٥.
(٣) التوقيف، ص ٢٠٢.
(٤) التعريفات، ص ٤٢.
١٠٢
مُوسُو ◌َرُ النَّ
القرآن الكريمِ

الاقتصاد
الموارد الاقتصادية
استخلف المولى سبحانه وتعالى الإنسان
في الأرض لعمارتها واستثمار خيراتها
ومواردها، وسخر له كل ما في الكون من
سماء وأرض وما بينهما، وأغدق علیه نعمه،
ليتمكن من القيام بواجب الاستخلاف،
وسنوضح ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الموارد الاقتصادية نعمة إلهية:
من كمال ربوبية الله تعالى لعباده وقيوميته
عليهم أنه سخر لهم ما في السماوات وما في
الأرض، وخلق لهم جميع ما يحتاجونه في
هذه الحياة الدنيا من مستلزمات.
وقد حمد ربنا جل وعلا ذاته العلية على
ذلك في قوله: ﴿اَلْعَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ﴾
[الفاتحة: ٢].
أي: هو تعالى المربي جميع العالمين،
بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه
عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم
يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة، فمنه
تعالى، وهو معنى ربوبيته العامة لخلقه(١).
وربوبية الله تعالى لخلقه ليست مادية
فقط، بل هي ربوبية عامة تشمل الأمور
المعنوية أيضًا، ومن ذلك إرساله الرسل،
وإنزاله الكتب، وأنه فطر عباده على معرفته.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٩.
قال تعالى: ﴿الَْهْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ
اُلْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً ﴾ [الكهف: ١](٢).
ومن تلك المستلزمات الحياتية التي
أنعم الله بها على عباده الموارد الاقتصادية،
من الغذاء واللباس والمعادن والصخور
والأخشاب والتراب وغيرها من مقومات
الحياة والبناء والصناعة والعمل، وقد امتن
الله تعالى على عباده بذلك في آيات كثيرة.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ
مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا
تُخْصُوهَا إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾
[إبراهيم: ٣٤].
أي: خلق لعباده كل شيء مما يحتاجون
إليه في ليلهم و نهارهم، وحضرهم وسفرهم،
وفي جميع أحوالهم(٣)، و(ما) في قوله: ﴿مَا
سَأَلْتُمُوهُ﴾ هي (ما) الموصولة، والتقدير:
آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إلیه ولم تصلح
أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه
أو طلبتموه بلسان الحال(٤).
وذلك من عظيم نعمة الله تعالى على
عباده، أن هيأ لهم جميع ما يحتاجون إليه
ويطلبونہ لتقوم أمور حیاتھم، ولذلك ذیل
تعالى الآية بقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ
لَا تُمْسُوهَآ﴾، ومن تلك النعم التي يحتاجها
الإنسان فى حياته ويسأل عنها الغذاء من
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ١٤ / ٨٨٣٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٦/٣.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩ / ٩٩.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الألف
الطعام والشراب، فهو قوت الإنسان الذي في حياته ويسأل عنها: الأصواف والأوبار
والقطن مما يحتاجه فى لباسه، ووقاية جسده
من الحر والبرد، وتزيين منظره وتحسينه،
وقد امتن تعالى بذلك على عباده في قوله:
﴿يَفِىَّ ءَادَمَ قَدْ أَنزَ لْنَا عَلَيْكُوْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ تِكُمْ
وَرِيشَاً وَرِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ
ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَّذِّبَانٍ ﴾ [الرحمن: ١٣].
اَللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٦].
ينمو به ويعيش عليه، وقد امتن الله تعالى
به على عباده في قوله: ﴿وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا
لِلْأَنَامِ ن فِيهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْعَامِ
وَلٌلْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّتْحَانُ ◌َ فَأَتِّ
١١
كما أقسم ببعض أنواعه في قوله: ﴿وآلئِّنِ
وَالزَّبُونِ﴾ [التين: ١].
وذلك تنبيهًا لعباده على أهمية هذه
الأنواع، و کونها آیة من آياته، وقال تعالى:
﴿اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ
رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ
فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ.ٌ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾
[إبراهيم: ٣٢].
فامتن تعالی بمورد عزیز على الإنسان،
هو الماء، الذي أنزله تبارك وتعالى من
السحب، فأخرج لهم به من الثمرات
المختلفة الأشكال والألوان، والطعوم
والروائح والمنافع، وجعل من هذا الماء
بحارًا تحمل السفن العظيمة وتنقلها
المسافات البعيدة، وجعل منه الأنهار التي
تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقًا للعباد؛
ليشربوا ويسقوا زروعهم وأنعامهم وغير
ذلك من أنواع المنافع(١).
ومن تلك الموارد التي يحتاجها الإنسان
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١١/٤.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ
تَفِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ
كَذَلِكَ يُنِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١].
والسرابيل الأولى في الآية: هي
الثياب من القطن والكتان والصوف، وأما
السرابيل الثانية في قوله: ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بَأَسَكُمْ﴾ فهي الدروع من الحديد
المصفح والزرد وغير ذلك، ثم قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ يُنُِّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي: هكذا
یجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما
تحتاجون إليه، ليكون عونًا لكم على طاعته
وعبادته(٢).
وقال تعالى في بيان ما أنعمه على عباده
من موارد الأرض الباطنة كالمعادن وغيرها:
﴿وَأَنْزَلْنَا لَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُ، وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ
قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٧٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٥٩١/٤.
مُوسُوبَة النشـ
القرآن الكريم
١٠٤

الاقتصاد
لعباده، ((لتكون منه السيوف والرماح
والدروع والسفن البحرية وما أشبه ذلك،
وفيها القوة التي ترغم أنف الظالم، وتحمي
المظلوم))(١)، وفيه منافع للناس ((وهو
ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات
والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى
إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى
الحديد»(٢).
وقد ذكر الفخر الرازي كلامًا نفيسًا في
منافع الحديد وفوائده.
قال رحمه الله: «وأما الحدید فقیہ الباس
الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه،
وفيه أيضًا منافع كثيرة، منها قوله تعالى:
﴿وَعَلَتْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ
مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
ومنها أن مصالح العالم، إما أصول،
وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة،
والحياكة، وبناء البيوت، والسلطنة، وذلك
لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله، وثوب
يلبسه، وبناء يجلس فيه، والإنسان مدني
بالطبع، فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع
جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم
بمهم خاص، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح
الكل، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى
(١) تفسير المراغي ٢٧/ ١٨٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٤٢.
أي: خلق الله تعالى الحديد وأوجده المزاحمة، ولا بد من شخص يدفع ضرر
البعض عن البعض، وذلك هو السلطان،
فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه
الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجة إلى
الحدید، وذلك في کرب الأراضي وحفرها،
ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بدمن
خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد، ...
وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في
آلات الحياكة إلى الحديد، ثم يحتاج في
قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، وأما
البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل
إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنة فمعلوم
أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد، وعند
هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا
بالحديد، ويظهر أيضًا أن الذهب لا يقوم
مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو
لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء
من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد
لاختل جمیع مصالح الدنيا.
ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه
شديدة، جعله سهل الوجدان، کثیر الوجود،
والذهب لما قلَت الحاجة إليه جعله عزيز
الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله
تعالى ورحمته على عبيده)» (٣).
قال تعالى: ﴿وَ إِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا
خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾
(٣) مفاتيح الغيب، ٢٩/ ٤٧١، بتصرف.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الألف
[الحجر: ٢١].
فبين تعالى أنه مالك كل شيء، وأن جميع
خزائن الأشياء بمختلف أجناسها وأنواعها
عنده، «أي: في أمره وحكمه وتدبيره»(١).
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي:
«حسب ما تقضی حکمته، مما يصلح به أمر
الناس وتعمر الأرض))(٢).
فالله تعالی ینزل لعباده ما يحتاجون إليه
في هذه الحياة بالقدر الذي يحتاجونه، فإذا
زادت حاجاتهم من ذلك فتح الله تعالى
لهم من خزائنه ويسر أبوابًا جديدة في العلم
والإنتاج ما يكفل لهم ذلك الاحتياج، فمثلاً
في الوقود، كان الناس قديمًا يستعملون
الحطب وخشب الشجر في تحصيله.
قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ النَّارَ
ءَأَنتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ
الَّتِى تُورُونَ {
الْمُنشِئُونَ (٣)﴾ [الواقعة: ٧١-٧٢].
ثم لما اتسعت حاجات البشرية منه،
فتح الله تعالى لهم بابًا جديدًا في إيجاده
وتحصيله، فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله
نباتًا مطمورًا أو حيوانًا مطمورًا في الأرض؛
ثم اكتشف البترول والغاز.
وقد أعد سبحانه وتعالى كل شيء في
الأرض، وقدر فيها الأقوات من قبل أن
ینزل آدم عليه السلام إلى الأرض ليعمرها،
(١) البسيط، الواحدي ١٢ / ٥٧٤.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٢٢٧/٧.
ويكون خليفة فيها، هو وذريته إلى أن تقوم
الساعة، فإذا اشتكى العالم من نقص في
احتياجاته، فإنما مرجعه إلى التكاسل وعدم
حسن استثمار ما خلقه الله و قدره من أرزاق
في الأرض.
ونرى التعاسة في كوكب الأرض رغم
التقدم العلمي والتقني؛ ذلك أننا نستخدم ما
کنزہ الحق سبحانه لیکون مجال سعادة لنا
في الحروب والتنافر. ولو أن ما يصرف على
الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات
المختلفة لعاش الجميع في وفرة حقيقية.
ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي
نقوم به نحن البشر هو المسبب الأول لتعاسة
الإنسان في الأرض(٣).
وهكذا يبين الله تعالى لعباده ما أنعمه
عليهم من موارد اقتصادية ومستلزمات
الحیاة، دون سؤال منهم أو طلب، بل إنعام
منه وكرم، ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا إِنَّ
اَلْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فهذه الآية وغيرها من الآيات التي بينت
تلك الموارد والثروات دليل على تحقق
کفایة حاجة الإنسان من تلك الموارد.
فالمشكلات الاقتصادية التي تحدث
أحيانًا ليس سببها ندرة الموارد، وبخل
الطبيعة، كما تصوره المذاهب الاقتصادية
(٣) انظر: تفسير الشعراوي، ١٢/ ٧٦٧١.
١٠٦
مُوسُوبَة البقية
القرآن الكريم

الاقتصاد
المنحرفة الأخرى؛ كالرأسمالية والشيوعية يهبط النعيم من السماء دون سعي الإنسان.
وغيرها.
وإنما سبب ذلك هو الإنسان نفسه، کما
تقرره هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿إنّ
الإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ فظلم الإنسان
في توزيع الثروات، وكفرانه للنعمة بعدم
استغلال جميع المصادر التي تفضل الله
بها عليه الاستغلال الأمثل، هما السببان
المزدوجان للمشكلة التي يعيشها الإنسان.
وبمجرد تفسير المشكلة على هذا
الأساس الذي دل عليه القرآن، يصبح
بالإمكان التغلب عليها، والقضاء على الظلم
وکفران النعمة بإيجاد علاقات توزيع عادلة،
وتعبئة كل القوى المادية لاستثمار الطبيعة،
واستكشاف کل کنوزها (١).
ثم إن ظلم الإنسان ليس مقصورًا على
سوء توزيع الثروات، بل يشمل أيضًا ظلمه
بترك الطاعات وارتكاب المعاصي، وإذا
کانت المعاصي سببًا في احتباس الرزق،
ورفع النعمة، فإن الاستغفار سبب في نزول
الغيث، وحصول الأرزاق(٢).
إن العالم طافح بالخيرات، مشحون
بالقوى بين يدي الإنسان، و تحت قدميه، غیر
أن سنة الله في الكون قضت أن على الإنسان
السعي، فإن الأرض لا تنشق عن خيرها ولا
(١) انظر: اقتصادنا، محمد باقر الصدر ٧٤٨/٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٦٥١.
فلا حصاد دون غرس، ولا وفرة في الإنتاج
دون كثرة في الجهود.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّافِى
الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
((وهذه الآية ترشد إلى أن مواطن هذا
النفع ليست خاصة بظواهر هذا الكون،
وإنما هي مبثوثة في ظاهره الذي نحصل
عليه بمجرد النظر، وفي باطنه الذي نحتاج
إلی قوة في اقتحامه، وخوض غماره، وفي
هذا إيحاء بالبحث عما استقر في باطن
الأرض وطبقات الجبال، وقاع البحار، وما
يحمل الماء والهواء من قوى الإنتاج، ومواد
الصناعة والتعمير))(٣).
ثانيًا: الموارد الاقتصادية:
١. الأرض.
ومن أهم الموارد الاقتصادية التي أنعم
الله بها على عباده: الأرض بما تحتويه من
ثروات وخيرات، کالمياه والمعادن والبترول
والأحجار، ويكونها صالحة للزراعة والبناء
وغير ذلك، وقد بين الله تعالى إنعامه على
عباده في تسخير الأرض وتذليلها لهم، وما
أودعه فيها من خيرات عظيمة في مواضع
كثيرة من كتابه العزيز.
قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
(٣) من توجيهات الإسلام، شلتوت، ص ١٣٦.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الألف
ذَلُولاً فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِ ◌ّ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ ﴾ [الملك: ١٥].
فأخبر تعالى أنه جعل الأرض ذلولًا، أي:
سهلة، من الذل وهو اللين وسهولة الانقياد.
أي: سهل تعالى الأرض وسخرها وذللها
لما يراد منها من مشى عليها، أو غرس فيها،
أو بناء فوقها، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع
بها(١).
وذلك من رحمته تعالى بخلقه أن ذلل
لهم هذه الأرض الكبيرة الواسعة لتتمشى
مع حياة الإنسان وسعيه فيها.
ولذلك قال سبحانه: ﴿فَمَشُواْ فِى مَنَاكِهَا
وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهٌِ وَإِلَيْهِ النُُّورُ﴾ أي: ((فسافروا
حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في
أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب
والتجارات))(٢).
وقد بين تعالى بعض أنواع هذا التذليل
والتسخير للأرض، کتثبيتها بالجبال لتستقر
وتثبت بمن عليها، وإلا لکثرت فيها الزلازل
والاضطرابات.
قال تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ
تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ
يَهْتَدُونَ﴾[الأنبياء: ٣١].
وكبسط الأرض ومدها.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ﴾
(١) انظر: البسيط، الواحدي ٢٢/ ٥٣، الوسيط،
سيد طنطاوي ١٨٣/٨،
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١١/٤.
[الرعد: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا
لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ﴾ [البقرة: ٢٢].
فبين تعالى أنه أنعم على عباده بجعله
الأرض مبسوطة لهم كالفراش والبساط،
تسهيلًا لحياتهم فيها وتيسيرًا لانتقالهم في
طرقها الواسعة للوصول إلى أغراضهم
وحاجاتهم، وقال تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا
لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
فالأرض كل الأرض موضوعة للأنام کل
الأنام، لكي يستغلوها ويسعوا فيها (٣).
ومن تذليل الله تعالى للأرض وتسخيرها
لعباده جعلها صالحة للزراعة بما جعله فيها
من مقومات الزراعة والإنبات، كالتربة
الخصبة الغنية بالأملاح والمواد العضوية
التي يتغذى النبات عليها وغير ذلك من
المقومات، ((ولو شاء الله تعالى لجعلها
حديدًا، ونحاسًا فلا يستطيع الإنسان أن
يحرث فيها، ولا يحفر ولا يبني، وإذا مات
لا يجد مدفنًا فيها)» (٤).
قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَا
زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [الرعد:٣].
وقال: ﴿فَبَِّنَا فِيهَا حَبًّا﴾﴾ [عبس: ٢٧].
(٣) انظر: تفسير الشعراوي، ١١٨٧/٢.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٨/٨.
مُوسُوبَةُ اللَّطية
القرآن الكريم
١٠٨

الاقتصاد
ومن تسخير الله تعالى الأرض لعباده: ومنها الدواء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع
المختلفة في الحلاوة والحموضة.
أن جعلها أجزاء وبقاع مختلفة.
قال تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَوِرَتٌ
وَجَنَّتْ مِنْ أَعْتَبٍ وَزَرْعٌ وَغِيِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيِّرُ
صِنْوَانِ يُسْقَى بِمَآٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى
بَعْضٍ فِ آلْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤].
فمنها أرض طيبة منبتة، وأخرى سبخة
لا تنبت، ومنها أرض رخوة وأخرى صلبة،
ومنها أرض صالحة للزرع لا الشجر،
وأخرى صالحة للشجر لا للزرع إلى غير
ذلك(١)، ﴿قِطَعٌ مُتَجَوِّرَتٌ﴾ أي: ((بقاع
متقاربات مختلفة الطبائع)»(٢)، وهو قول
يدل على الإعجاز؛ فعلى الرغم من أنها
متجاورات إلا أن كلا منها تناسب الطقس
الذي توجد فيه؛ فزراعة الذرة مثلا تحتاج
مناخًا معينًا؛ وكذلك زراعة الموز، وهكذا
كل منطقة هي مناسبة لما تنتجه، فالأرض
ليست عجينة واحدة، بل هي تربة مناسبة
للجو الذي توجد به(٣).
وهكذا يذلل الله تعالى الأرض لخدمة
الإنسان ومصالحه، فباختلاف الأرض في
أجزائها وبقاعها تتنوع الأشجار والنباتات،
فمنها قوت للبشر، ومنها قوت للبهائم،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣٧/٢، روح
المعاني، الألوسي ٧/ ٩٧.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٢٥٨/٦.
(٣) انظر: تفسير الشعراوي، ٧١٩٩/١٢.
ومن تسخير الله تعالى الأرض لعباده أنه
جعل لهم التمكين فيها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِى الْأَرْضِ
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَلِشَُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾
[الأعراف: ١٠].
فبين تعالى أنه مكن عباده في الأرض،
أي: أقدرهم على التصرف فيها (٤)، ومنحهم
القوة على استغلالها والانتفاع بمواردها،
وذلك بما هيأه لهم فيها من الأسباب؛
کتذلیل الأرض وتهيئتها للزراعة والبناء، وما
جعل لهم فيها مما يعيشون به («مما يخرج من
الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع
الصنائع والتجارات)»(٥)، وبما وهبهم من
العقل والعلم والقوة.
وكل ذلك من تمكينه سبحانه لعباده
وإنعامه عليهم ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: أن
أکثرهم مع هذا الإنعام لا يشكرونه علیه،
كما قال تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾
[سبأ: ١٣].
وقد بين تعالى احتواء الأرض على
الثروات والخيرات العظيمة في قوله: ﴿قُلّ
أَيِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَیْنِ
وَفْعَلُونَ لَهُوَ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ) وَحَعَلَ
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣/٨.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٨٤.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الألف
فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا
فى آَرْبَعَةِ آَيَّامِ سَوآءٌ لِلسَّآپِلِينَ ﴾ [فصلت :٩-
١٠].
فأخبر تعالى عن مدة خلقه الأرض
وتهيئتها لعباده، وهي أربعة أيام، يومان
للأرض، ويومان للبركة وتقدير الأقوات
فيها(١).
طبيعة المخلوق لا إلى قدرة الخالق، وإلى
أن هذا الزمن هو الذي قدره الخالق سبحانه
وتعالى لينضج فيه المخلوق، ويستوفى فيه
تمام خلقه، کالجنين في الرحم، حيث يتم
تكوينه في تسعة أشهر، في عالم الإنسان،
وفى زمن أقل أو أكثر في العوالم الأخرى
من الأحياء، فالزمن جزء من وجود كل
موجود، وفی تطوره من حال إلى حال،
سواء في هذا، الحيوان، والنبات، والجماد،
فقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فی یومینِ ﴾ إشارة
إلى الزمن الذي نضجت فيه الأرض، وتم
تكوينها، وتهيأت لاستقبال الحياة فيها)) (٢)
وقد أخبر الله تعالى أنه بارك فيها أي:
جعلها مباركة، بأن أكثر فيها خيرها، فجعلها
زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع، من الزروع
والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التي تخرج
من جوفها. والكنوز التي تحصل من باطنها.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٦/٧.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
١٢٩٠/١٢.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتهَا﴾، أي: أرزاق ساكنيها
ومعايشهم.
وقال قتادة: ((خلق فيها جبالها وأنهارها
ويحارها وشجرها، وساكنها من الدواب
كلها)) (٣).
وقيل: «خصائصها التي قسمها في البلاد
مما خص به كل إقليم، فيحتاج بعضها إلى
والنبات)» (٤).
و((هذا الزمن إنما هو منظور فيه إلى بعض في التقوت من الملابس والمطاعم
وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم،
فيعمر الكون، ويزيد الاتصال والتعارف فيما
بینھم.
والآية عامة فهي تعم جميع ما ذكر
مما يقتاته أهل الأرض ويحتاجونه في
معاشهم (٥)، ولذلك قال تعالى: ﴿سَوَآءُ
لِلِسَّآيِلِينَ﴾ أي: على وفق مراد من له حاجة،
فإن الله قدر له ما هو محتاج إليه، كما قال
تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾
[إبراهيم: ٣٤] (٦).
وهكذا يبين الله تعالى نعمته على عباده
في تسخير الأرض وتذليلها، وجعلها موردًا
من أهم موارد حیاتهم ومقوماتها، وقد عد
علماء الاقتصاد الأرض من أهم عوامل
الإنتاج والموارد الاقتصادية.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٣٥/٢١.
(٤) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٢٨٧.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٣٧.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٦/٧.
١١٠
جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِير
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الاقتصاد
٢. الإنسان.
ومن أهم الموارد الاقتصادية التي نوه
إليها القرآن الكريم هو الإنسان بما آتاه
الله تعالى من علم وعقل وقوة، وبما منحه
من طاقة جبارة تمكنه من عمارة الأرض
واستثمار خيراتها.
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
قال تعالى:
وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١].
فأخبر الله تعالى أنه خلق عباده من
الأرض، ومکنهم من عمارتها، واستثمار ما
فيها والانتفاع بخيرها (١).
قال أبو بكر الجصاص: ((وقوله:
﴿واستغمرگُ فِيهَا ﴾ يعني: أمرکم من عمارتها
بما تحتاجون إليه، وفيه الدلالة على
وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس
والأبنية))(٢)، وقال ابن كثير: ﴿وَأُسْتَعْمَرَكُ
فِيهَا﴾ أي: ((جعلكم فيها عمارًا تعمرونها
وتستغلونها)»(٣)
كما وجه النبي صلى الله عليه وسلم أمته
إلى عمارة الأرض وإصلاحها في أكثر من
حديث، كما جاء عن سعيد بن زيد رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(من أحيا أرضًا ميتةً فهي له) (٤).
(١) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ٣١٨.
(٢) أحكام القرآن، الجصاص ٣١٢/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٣٣١/٤.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والأرض الميتة أي: ((التي لم تعمر،
شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بفقد
الحياة، وإحياء الموات أن يعمد الشخص
لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد
فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء
فتصير بذلك ملکه سواء كانت فيما قرب من
العمران أم بعد سواء أذن له الإمام في ذلك
أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور)»(٥).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (ما
من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا،
فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له
به صدقة)(٦)، وغير ذلك من الأحاديث وهي
كثيرة.
((إن الله سبحانه استخلف البشر في
الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه
واستغلال كنوزه وثرواته، والناس في
ذلك شركاء، والمسلمون ينفذون أمر الله
ومقاصده.
والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، باب في القيامة، رقم ١٣٧٨،
٦٥٤/٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٥٩٧٦، ٠١٠٣٦/٢
(٥) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ١٨/٥.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا
أكل منه، رقم ٢٣٢٠، ١٠٣/٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب المساقاة، باب فضل الغرس
والزرع، رقم ١٥٥٣، ١١٨٩/٣.
www. modoee.com
١١١

حرف الألف
قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَاكُمْ مِنَ الأَرْضِ
وَأَسْتَعْمَرَّكُّ فِيَهَا﴾ [هود: ٦١].
والاستعمار: معناه التمكين والتسلط،
كما هو واضح من قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ
مَكَّنَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَيِشَُ
قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠].
وقوله عز شأنه: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا
فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣].
واللام في (لكم) تفيد الاختصاص
على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي أن ذلك
مختص بكم، مما يدل على أن الانتفاع
بجميع مخلوقات الأرض وما فيها من
خيرات مأذون فيه، بل مطلوب شرعًا،
واعتبر الفقهاء تعلم أصول الحراثة والزراعة
ونحوها مما تتم به المعايش التي بها قوام
الدين والدنيا من فروض الكفاية))(١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
فالله تعالى جعل الإنسان خليفة في
الأرض ليصلحها ويعمرها، ولذلك اختاره
على الملائكة في ذلك الاستخلاف.
قال المراغي: ((وفي استخلاف آدم
عليه السلام في الأرض معنى سام من
(١) الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي ٨/ ٦٣٨٧.
الحكمة الإلهية خفى على الملائكة، فإنه
لو استخلفهم فيها لما عرفوا أسرار هذا
الكون وما أودع فيه من الخواص، فإنهم
ليسوا بحاجة إلى شيء مما في الأرض، إذ
هم على حال يخالف حال الإنسان، فما
كانت الأرض لتزرع بمختلف الزروع، ولا
تستخرج المعادن من باطنها، ولا تعرف
خواصها الكيمائية والطبيعية، ولا تعرف
الأجرام الفلكية ولا المستحدثات الطبية،
ولا شيء من العلوم التي تفنى السنون ولا
يدرك الإنسان لها غاية)»(٢).
٣. العمل.
ومن أهم الموارد الاقتصادية التي نوه
القرآن الكريم إليها هو العمل والجد فيه،
فقد حث القرآن الکریم على العمل، ودعا
إليه في آيات عديدة.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرَّضَ
ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِّزْقِّ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَؤُةُ فَانْتَشِرُوا فِى
اُلْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠].
فقوله تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن
رِزْقِهِ﴾ هو دعوة من الله تعالى لعباده إلى
العمل في هذه الحياة، وإلى السعي في
الأرض، والضرب في وجوهها المختلفة،
١١٢
مُوسِو ◌َ النَّسيد
القرآن الكريم
(٢) تفسير المراغي ٨٥/١.

الاقتصاد
فالله سبحانه قد سخر للناس خيرات كثيرة الإسلامي سوقًا لمنتجاتهم، ويسهل عليهم
التدخل في الشؤون الداخلية للأقطاره،
في هذهالأرض، وعليهم أن يتحركوا في کل
وجه على هذا البساط، وأن يمدوا أيديهم
إلى كل شيء يقدرون عليه من هذا الخير.
ولذلك ينبغي على المسلمين أن يستغنوا عن
غيرهم، وأن يكونوا منتجين لا مستهلكين،
فإن من لا يملك قوته لا يملك قراره.
فإن هم لم يفعلوا، فقد بخسوا أنفسهم
حقها من الحياة الكريمة على هذه الأرض،
ومناكب الأرض، هي أجزاؤها العليا فيها،
أشبه بمنکبي الإنسان، وهما جانبا الكتفين،
وهذا يعنى أن يستدعي الإنسان قواه كلها
حتی یأخذ مکانًا متمكنًا من الأرض، يستطيع
به أن يستثمر قوى الطبيعة فيها.
فهذا هو مکان الإنسان الذي یعرف قدر
إنسانيته، إنه الخليفة على هذه الأرض،
ومقام الخلافة يقتضيه أن يأخذ مكان
الصدارة فيها، وأن يجلس مجلس السلطان
من رعیته، وفی تعدیة الفعل (امشوا) بحرف
الجر (في) بدلًا من (على) إشارة إلى أن
ينفذ الإنسان في أعماق هذه المناکب، وإلى
أن يعمل على كشف أسرارها، لا مجرد
اتخاذها طريقًا يمشى عليه (١).
ورغم كثرة الأدلة التي تحث المسلمين
علی أن يكونوا منتجین لا مستهلکین، إلا
أن العديد من الأقطار الإسلامية أصبحت
أسواقًا لمنتجات غير المسلمين، وهذا ما
يحرص عليه أعداء الإسلام حتى يبقى العالم
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١٥/ ١٠٦١.
إنه لمن الواجب على الأمة الإسلامية
أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها؛
لتستغني عن غيرها، فهي تحتاج إلى غيرها
بقدر ما تقصر في الإنتاج، إذ القدرة الإنتاجية
هي المتحكمة وذات السيادة الدولية. وقد
أعطى الله المؤمنين ما يؤهلهم للصدارة
واحتلال مكانهم، والمحافظة على مكانتهم،
وإشادة كيانهم بالدين والدنيا معًا(٢).
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِّ
فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
السّنِينَ وَالْحِسَابَ، وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾
[الإسراء: ١٢].
وقال: ﴿وَمِنْ رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].
وقال: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١].
فبين تعالى أنه خلق الكون على هذه
الکیفیة من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما
لتنتظم أوقات عباده وأعمالهم، فيعملون
ويكدون في النهار، ويرتاحون في الليل،
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٣٩/٨.
www. modoee.com
١١٣

حرف الألف
وفي ذلك بيان لمشروعية العمل وأن الله
أراده من عباده.
والعمل المطلوب من الأمة أفرادًا
وجماعات هو العمل الجاد والنشاط.
قال تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ
يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
فسمى الله تعالى السعي على الرزق
ضربًا في الأرض، وفي ذلك إعلام منه تعالی
لعباده أن العمل والكفاح في هذه الحياة
يجب أن يكون في منتهى القوة والجد (١).
قال الشعراوي: ((والضرب - كما
نعرف- هو انفعال الجارحة على شيء آخر
بعنف وقوة. وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيُمْ فِ الْأَرْضِ﴾
[النساء: ١٠١]. معناها أن الحياة كلها حركة
وانفعال، ولماذا الضرب في الأرض؟ لأن
الله أودع فيها كل أقوات الخلق، فحين
يحبون أن يخرجوا خيراتها؛ يقومون بحرثها
حتی یهیجوها، ويرموا البذور، وبعد ذلك
الري، ومن بعد ذلك تخرج الثمار، وهذه
هي عملية إثارة الأرض. إذن كل حركة
تحتاج إلى شدة ومكافحة، والحق سبحانه
يقول: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن
فَضّلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: ٢٠].
وما دامت المسألة ضربًا في الأرض فهي
تحتاج إلى عزم من الإنسان وإلى قوة))(٢).
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٢/ ١١٧٩.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ٤/ ٢٥٥٥.
الإنتاج
من رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان
أنه لما قضى باستخلافه في الأرض، هيأه
لهذه المهمة، وسخر له كل ما في الكون،
وعلمه أصول الإنتاج، ودله على العديد من
مجالاته، وسوف نبين ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: تعليم الله للإنسان أصول الإنتاج:
من نعم الله على عباده أن علمهم كيف
يعملون؟، و کیف ینتجون؟، حتى يقوموا بما
أراده منهم من عمارة الأرض وإصلاحها،
وحتى يوفروا حاجاتهم وضرورياتهم مما
يحتاجونه في هذه الحياة.
﴿وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ
قال تعالى:
مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا
تُخْصُوهَا إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
[إبراهيم: ٣٤].
فالله تعالى أنعم على الإنسان بأن
أوجد له كل ما يحتاجه من الأشياء ويسأل
عنه في حياته، وأنعم عليه بتعليمه كيف
يستخدم وينتج من تلك الأشياء أشياء أخرى
يحتاجها، فقوله: ﴿وَءَاتَنْكُم مِّن كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي: بإيجادها لكم مادة خامة،
أو بهدايتكم إلى إنتاجها، وقال تعالى لنبيه
صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرُ ))
الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ عَلََّ الإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَْ
[العلق: ٣-٥].
١١٤
مُوسُوبَةُ النَّشيد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الاقتصاد
فمن کرمه تعالی علی الإنسان أنه علمه
العلوم المختلفة بالقلم آلة الكتابة الذي
به تحفظ العلوم وتضبط الحقوق، بعد أن
كان لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر
والفؤاد، ويسر له أسباب العلم(١).
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُم مِّنْ بُطُونِ
أُمَّهَدِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[النحل: ٧٨].
وقال تعالى في بيان امتنانه على
خلقه بإيجاده ما يركبونه ويتنقلون عليه
من الدواب: ﴿وَأْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ
◌ِّكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: ٨].
((أي: وخلق الخيل والبغال والحمير
للحمل والركوب، وهي كذلك زينة وجمال،
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: ويخلق في
المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل
النقل الحديث: القاطرات، والسيارات،
والطائرات النفاثة وغيرها مما يجد به الزمان
وهو من تعلیم الله للإنسان))(٢) وهدايته إلى
ما يسد به حاجته، وییسر حياته، وهكذا كلما
اتسعت حاجة الإنسان فتح الله له بابًا جديدًا
من الرزق والعمل والاكتشاف والاختراع.
﴿وَإِنِ مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا
قال تعالى:
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩٣٠.
(٢) صفوة التفاسير، الصابوني ٢/ ١١١.
خَزَآئِنُّهُ وَمَا نُقَزِلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾
[الحجر: ٢١].
وقال تعالى وهو يعدد نعمه على عبده
ونبيه داود عليه السلام: ﴿وَعَلَتْنَهُ صَنْعَةً
لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
أي: «علم الله داود عليه السلام، صنعة
الدروع، فهو أول من صنعها وعلمها،
وسرت صناعته إلى من بعده، فألان الله له
الحديد، وعلمه كيف يسردها، والفائدة فيها
كبيرة، ﴿لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي: هي
وقاية لكم، وحفظ عند الحرب، واشتداد
البأس))(٣) .
فعلم الله تعالى نبيه داود عليه السلام
تلك الصنعة في عمل الدروع لينتفع بها
ومن جاء بعده في مهمتهم في خلافة
الأرض وإصلاحها، وهكذا الإنسان عمومًا
في حاجة دائمة إلى المعرفة والتعلم؛ لأنه
الخليفة في الأرض، ولن يؤدي هذه المهمة
إلا بحركة واسعة بين الناس، هذه الحركة
تحتاج إلى فهم ومعرفة وتفاعل وتبادل
معارف وثقافات (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ
بَأْسِكُمْ﴾ إشارة إلى الأمة المسلمة في كل
زمان ومكان، أن ترفع من دفاعاتها، وتتعلم
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٢٨.
(٤) انظر: تفسير الشعراوي ٩٦٠٩/١٥.
www. modoee.com
١١٥

حرف الألف
أمور حربها، وصناعة سلاحها، حتى لا
يطمع أعداؤها فيها وفي خيراتها.
فقد أوجب الله تعالى على الأمة اللَّهُ﴾؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك
الإسلامية أن تأخذ بأسباب القوة، من
تدريب للطاقات البشرية، وتخطيط، وإدارة،
وتصنيع.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وبذلك تحفظ الأمة الإسلامية لنفسها
كرامتها وعزتها.
ج
وقال تعالى في آية الدين: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمُ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلِ مُسَمَّى
فَأَكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ
وَلَا يَأْبَ كَاِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
فقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا
عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أي: إذا طلب ممن علمه الله
الكتابة أن یکتب بین متداینین کتاب الدين،
فلا يمتنع من كتابة ذلك.
قال ابن كثير: ((ولا يمتنع من يعرف
الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، ولا
ضرورة عليه في ذلك، فکما علمه الله ما
لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا
یحسن الكتابة ولیکتب»(١).
(١) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٧٢٤.
وفي الآية إشارة إلى ((أن الإنسان لا
يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ
عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا
يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله عز
وجل»(٢).
وهكذا يعلم الله تعالى عباده أصول
الصناعات والحرف، تفضلًا منه تعالى
عليهم، وكلما زادت احتياجاتهم فتح
لهم آفاقًا جديدة في العلم والمعرفة، كما
هو مشاهد في واقعنا اليوم، كلما زادت
البشرية في عددها واحتياجاتها، تقدم
العلم والتكنولوجيا تقدمًا عظيمًا يسد تلك
الحاجات.
ثانيًا: الأصل الإباحة في النشاط
الإنتاجي:
الأصل في النشاط الإنتاجي هو الإباحة،
وأما التحريم فيتوقف على نص شرعيٍ يبينه
ويخصصه.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى
الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّنُهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩].
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا
وقال:
فِ الْأَرْضِ جَميعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجائية: ١٣].
(٢) تفسير الفاتحة والبقرة، ابن العثيمين ٤١٤/٣.
١١٦
مَوَسُو ◌َ الْبَقِيَة العضـ
القرآن الكريم