النص المفهرس

صفحات 21-40

الأمانة
[الحج: ١٨] ... الآية))(١).
ويرى بعضهم أن العرض في هذه الآية أولى بالقبول؛ لأنه ما دام لم يوجد مانع يمنع
الکریمة من قبیل ضرب المثل، أو من قبیل
المجاز. قال القفال وغيره: العرض في
هذه الآية ضرب مثل، أي: أن السماوات
والأرض والجبال على كبر أجرامها لو
کانت بحیث یجوز تكليفها لثقل عليها تقلد
الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب.
أو يكون العرض على من فيها من
الملائكة. وقيل: عرضها على أهلها كلها
دون أعيانها، وهذا كقوله: ﴿وَسْئَلِ
اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
أي: أهلها (٢).
أو يكون المراد: المقابلة، أي: قابلنا
الأمانة بالسماوات فرجحت الأمانة،
والعرض أسهل من الفرض؛ ولهذا کفر
إیلیس بالإباء، ولم یکفر هؤلاء بالإباء؛ لأن
هناك استكبارًا، وهاهنا استصغارًا؛ بدليل
قوله: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ ... ، وإنما صير إلى
هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من
الجمادات، ولم يستبعده أهل البيان؛ لأن
المراد تصوير عظم الأمانة، وثقل حملها،
فمثلت حال التكليف في صعوبته، وثقل
محمله بحالة المتحملة المفروضة لو
عرضت على هذه الأجرام العظام(٣).
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١١٤/١٣.
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ١١/ ١٨٣.
(٣) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٦/ ٢٧٠.
والصواب: أن حمل الكلام على الحقيقة
منه فلا داعي لصرفه عن ذلك، ومما لا شك
فيه أن قدرة الله تعالى لا يعجزها أن تخلق
في السماوات والأرض والجبال إدراكًا
وتمییزًا ونطقًا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
قال في أضواء البيان: ((ذكر جل وعلا
في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة،
وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب
وعقاب على السماوات والأرض والجبال،
وأنهن أبين أن يحملنها، وأشفقن منها، أي:
خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من
ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض
والإباء والإشفاق كله حق، وقد خلق الله
السماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه
هو جل وعلا ونحن لا نعلمه، وبذلك
الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت
وأشفقت، أي: خافت)) (٤).
وسمى سبحانه ما كلفنا به أمانة؛ لأن هذه
التکالیف حقوق أمرنا سبحانه بها، وائتمننا
عليها، وأوجب علينا مراعاتها والمحافظة
عليها، وأداءها بدون إخلال بشيء منها.
و((عبر عن التكاليف الشرعية بالأمانة؛
لأنها حقوق مرعية أودعها الله المكلفين،
وانتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها
بحسن الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها،
(٤) أضواء البيان ٢٥٨/٦.
www. modoee.com
٣١١

حرف الألف
والمحافظة عليها، وأدائها من غير إخلال حملها، وأشفقن منها. والمراد بحمله
بشيء من حقوقها))(١).
و تخصیص
﴿السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
بالذكر من بين الموجودات؛ لأنهما أعظم
المعروف للناس من الموجودات، وعطف
﴿وَالْجِبَالِ﴾ على ﴿وَالْأَرْضِ﴾ وهي منها؛
لأن الجبال أعظم الأجزاء المعروفة من
ظاهر الأرض، وهي التي تشاهد الأبصار
عظمتها؛ إذ الأبصار لا ترى الكرة الأرضية،
كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى
جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّمًا مِنْ خَشْبَةِ
اللَّهُ﴾ [الحشر: ٢١](٢).
ولما عرضت الأمانة على هذه الأجرام
العظام من ﴿السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ أبين
أن يحملنها؛ لثقلها وضخامتها ﴿وَأَشْفَقْنَ
مِنْهَا﴾ أي: وخفن من عواقب حملها أن ينشأ
لهن من ذلك ما يؤدي بهن إلى عذاب الله
وسخطه؛ بسبب التقصير في أداء ما كلفن
بأدائه.
وفائدة هذا تعظيم أمر هذه الأمانة؛ إذ
بلغت أنه لا يطيق تحملها ما هو أعظم ما
يبصره الناس من أجناس الموجودات.
وقوله: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنُ﴾ أي: قبل
الإنسان حمل هذه الأمانة عند عرضها عليه،
بعد أن أبت السماوات والأرض والجبال
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ١١٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٥/٢٢.
إياها: تقبله لحمل هذه التكاليف والأوامر
والنواهي مع ثقلها وضخامتها، والإنسان
المعروضة عليه هذه الأمانة: إما أن يكون
آدم عليه السلام أو جنس الإنسان.
قال في التحرير: ((فحقيق بنا أن نقول:
إن هذا العرض كان في مبدأ تكوين العالم
ونوع الإنسان؛ لأنه لما ذكرت فيه السماوات
والأرض والجبال مع الإنسان علم أن المراد
بالإنسان نوعه؛ لأنه لو أريد بعض أفراده
-ولو في أول النشأة - لما كان في تحمل ذلك
الفرد الأمانة بتعذيب المنافقين والمشركين؛
ولما كان في تحمل بعض أفراده دون بعض
الأمانة حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى،
فتعريف الإنسان تعريف الجنس، أي: نوع
الإنسان))(٣).
فتكون اللام في ﴿اَلْإِنسَنُ﴾ للجنس،
وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في
صدقه على الجنس.
فلو قال قائل: لكن لو كانت الآية تعني
التكاليف -على ما قاله الجمهور- لذكر
الجن (الخلق المكلفين) ولو كانت تعني
الإيمان والاختيار، فالجن مشتركون معنا في
هذه الخاصية، وإن الآية فصلت حتى إنها
ذكرت الجبال رغم تابعية الجبال للأرض،
ثم إن الآية حددت من حمل الأمانة وهو
(٣) المصدر السابق.
مَوَسُوبَةُ التَّقسيد
القرآن الكريم
٣١٢

الأمانة
الإنسان، ولم تقل: الجان، فما التوجيه؟
والجواب: أنه لابد للناظر في کتاب الله
وفي سنة رسول الله صلی الله عليه وسلم
لأخذ العظة والعبرة منهما أن يكون صاحب
فهم ومعرفة، وعليه أن لا يقتصر على نصٍ
يستشكله ويترك نصوصًا أخرى.
فإذا لم تكن هذه الآية فيها بيان تكليف
الجن، فأين نحن من الآيات الأخرى التي
ذكر الله فيها أن الجن مكلفون؟ كقوله
سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ
فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ ، قَالُوا
يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ
مُسْتَقِيمٍ ﴿ يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ.
يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَتُجِرَّكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
(٢) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ اُلَّهِ فَلَيْسَ يِمُعْچٍِ فِي
اُلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ, مِن دُونِ= أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَلٍ
تُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩-٣٢].
وأيضًا أول الآيات في سورة الجن.
وأيضًا فلفظ ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنَّ﴾ ليس
من صيغ الحصر التي تعني أنه لا يوجد لها
متحمل إلا الإنسان، فلو قال: (ولم يحملها
إلا الإنسان) لكان لهذا الاستشكال حظ من
النظر حتى يبحث له عن جواب.
ثم إن الجن قد لا تکون عرضت علیھم
أصلًا بل حملوها بغير عرض، والله جل
وعلا له أن يكلف المخلوق قبل أن يأخذ
رأيه، فهو ﴿لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٣].
وقد يكون تخصيص الإنسان بالذكر مع
أن الجن مكلفون أيضًا وكذا الملائكة عليهم
السلام؛ لأنه لم يكن في ذلك كلفة عليهم؛
لأنه ليس فيه ما يخالف طباعهم (١).
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ أي:
إنه كان مفرطًا في ظلمه لنفسه، ومبالغة
في الجهل؛ لأن هذا الجنس من الناس لم
يلتزموا جميعًا بأداء ما كلفهم الله تعالى
بأدائه، وإنما منهم من أداها على وجهها
-وهم الأقلون-، ومنهم من لم يؤدها، وإنما
عصى ما أمره به ربه، وخان الأمانة التي التزم
بأدائها.
والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على
بعض أفراد جنس الإنسان، وهم الذين
لم يؤدوا حقوق هذه الأمانة التي التزموا
بحملها، ويكفي في صدق الحكم على
الجنس بشيء وجوده في بعض أفراده فضلًا
عن وجوده في غالبها.
وقال بعض العلماء: رجوع الضمير إلى
مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي
معروف في اللغة التي نزل بها القرآن.
وقد جاء فعلًا في آية من كتاب الله، وهي
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ
(١) انظر: روح المعاني ٢٢ / ٩٦.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الألف
عُمُرِهِ إِلَّا فِ كِنَبٍ﴾ [فاطر: ١١].
وهذه المسألة هي المعروفة عند علماء
العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي:
ونصف درهم آخر.
والمقصود أن من المجالات العظيمة
للأمانة التكاليف الشرعية، وهي -بشكل
أعم- ممارسة منهج الله في واقع حياة
الإنسان على الأرض؛ ولهذا وهب الله
الإنسان كل ما يلزمه لحمل هذه الأمانة،
فتميز ببعض ذلك عن سائر المخلوقات.
ومن أهم ذلك السمع والبصر والفؤاد؛
لتكون المنافذ التي يستقبل بها آيات الله
المبثوثة في الكون، ويستقبل بلاغ الأنبياء
والرسل؛ فيعي الإنسان حقيقة الأمانة التي
يحملها، فيؤمن بها، ويمضي للوفاء بها.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىَ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ
لَكُ السَّمْعَ وَالْأَضَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِيلاً مَّا نَشْكُرُونَ﴾
[الملك: ٢٣].
وقد استخدم هذا الأسلوب وهو تمثيل
للأمانة في ضخامتها وعظمها وتفخيم
شأنها بأنها من الثقل بحيث لو عرضت
على السماوات والأرض والجبال -وهن
من القوة والشدة بأعلى المنازل- لأبين أن
يحملنها، وأشفقن منها، وهو تمثيل رائع
لتهويل شأن الأمانة.
ثانيًا: العهود والمواثيق:
ومن مجالات الأمانة حفظ العهود
والمواثيق، ومن أبرز وأقوى العهود ما التزم
به العبد من عبادة الله تعالی بطاعته وطاعة
رسوله، والوفاء بذلك حتى الموت، زيادة
على أمانات الناس والعهود لهم، فالكل
واجب الحفظ والرعاية.
قال تعالى في سورة المؤمنون والمعارج:
﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾
[المؤمنون: ٨]، [المعارج: ٣٢].
أي: أن من صفات هؤلاء المفلحين أنهم
يقومون بحفظ ما ائتمنوا عليه من أمانات،
ويوفون بعهودهم مع الله تعالى، ومع
الناس، ويؤدون ما كلفوا بأدائه بدون تقصير
أو تقاعس؛ وذلك لأنه لا تستقيم حياة أمة من
الأمم إلا إذا أديت فيها الأمانات، وحفظت
فيها العهود، واطمأن فيها كل صاحب حق
إلى وصول هذا الحق إليه.
قال الشنقيطي: ((ففي هذه الآية الكريمة
ذكر -جل وعلا- أن من صفات المؤمنين
المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم راعون
لأماناتهم وعهدهم، أي: محافظون على
الأمانات والعهود ... ، وما تضمنته هذه الآية
الكريمة من حفظ الأمانات والعهود جاء
مبينًا في آيات كثيرة))(١).
الّذِينَ
وقد جمع ها هنا الأمانة، فقال:
(١) أضواء البيان ٢/ ٣٠.
٣١٤
جَوَنُو
القرآن الكريم

الأمانة
؛ وذلك لتعددها وتنوعها،
فھي کثیرة جدا -كما سبق-، ومنها ما جاء
في الحديث: (المؤذن مؤتمن)(١) يعني: أن
المؤذن أمین الناس علی صلاتهم وصيامهم،
فصلاة الناس وصيامهم أمانة عنده.
وفي الحديث أيضًا: (المجالس
بالأمانة)(٢).
وهذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في
المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك أمانة
عند من سمعه أو رآه.
ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
(المستشار مؤتمن)(٣) أي: أمين على
المشورة، فإذا كان يعرف الصواب يجب
أن یذکره من دون خداع، وإذا كان لا يعرف
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٨٥/١٤، رقم
٨٩٠٩.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢٧٨٧.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥/٢٣، رقم
١٤٦٩٣، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب في نقل الحديث، ٤ /٢٦٨، رقم ٤٨٦٩،
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة رقم
١٩٠٩.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب في المشورة، ٤٩٥/٤، رقم ٥١٣٠،
والترمذي في سننه، أبواب الأدب، باب إن
المستشار مؤتمن ١٢٥/٥، رقم ٢٨٢٢، وابن
ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب المستشار
مؤتمن، ٢/ ٢٣٣، رقم ٣٧٤٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم
٦٧٠٠.
أحاله علی من یعرفه واعتذر.
ولكن لو أنه عرف الصواب فى النصيحة
وأخفاه، وذكر سواه كان خائنًا، ويؤكد
هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (من أشار
على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد
خانه)(٤).
وأما تقديمها على العهد فلأهميتها،
وحسب ذلك أن يكون الشرع كله كما مر
أمانة، وحسبك من ذلك قوله: (لا إيمان
لمن لا أمانة له)(٥).
الالتزام بالعهود والمواثيق:
ونلحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر
العهد بعد ذكر الأمانات، فقال:
وَعَهْدِهِمْ﴾ والعهد: التزام بين اثنين أو أكثر
على شيء يعامل كل واحد من الجانبين
الآخر به، وسمي عهدًا؛ لأنهما يتحالفان
بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيبًا عليهما
في ذلك.
والعهد شامل لعهد الله وعهد الناس،
وهو ما عقده الإنسان على نفسه، وهو
يضاف إلى المعاهد والمعاهد، فيجوز هنا
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ١٨٤/١، رقم
٣٥٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم
٦٠٦٨.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢/٢٠، رقم
١٢٥٦٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٧١٧٩.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الألف
الإضافة إلى الفاعل والمفعول (١).
وقد بین سبحانه وتعالى أن له على عباده
عهدًا ولهم عليه عهد، وبين أنهم متى ما وفوا
بعهدهم فإنه سبحانه یفي أيضًا بعهده، فقال:
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌ أُوْفٍ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
ثم في سائر الآيات أفرد عهد العباد
بالذكر، وأفرد عهد نفسه أيضًا بالذكر،
أما عهد العباد فقال فيه: ﴿وَاَلْمُوقُّونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال: ﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
رَعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه:
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:
١١١].
ثم بین عهده إلى أبينا آدم، فقال: ﴿وَلَقَدْ
عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ
عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
ثم بين عهده إلينا، فقال: ﴿أَلَزْ أَعْھَدْ
إِلَيْكُمْ يَنَبَنِىّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَ﴾
[يس: ٦٠].
ثم بين عهده مع بني إسرائيل، فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ [آل
عمران: ١٨٣].
ثم بين عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، فقال: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرِهِمَ
وَإِسْمَعِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
(١) روح البيان، إسماعيل حقي ١٢٦/١٠.
ثم بين أن عهده لا يصل إلى الظالمين،
فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:
١٢٤].
وهذه المبالغة الشديدة في هذه العهود
والمعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه
العهود، فنقول: العهد المأخوذ عليك
ليس إلا عهد العبودية، والعهد الذي التزمه
الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة
والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال
هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض
هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد.
والعهود التي بين العباد وبين بعضهم
هي: كل عقدٍ يعقد لتوثيق أمرٍ وتوكيده،
كعقد البيع والشركة، وعقد اليمين والنذر،
وعقد الصلح، وعقد النكاح وغيرها،
فمقتضى هذه الآية أن کل عهد وعقدٍ يجري
بین إنسانین فإنه يجب عليهما الوفاء بذلك
العقد والعهد إلا إذا دل دليل منفصلٌ على
أنه لا يجب الوفاء به.
والوفاء بالعهد من أعظم خلق الكريم؛
لدلالته على شرف النفس وقوة العزيمة.
قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ
كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: ١].
وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْقَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠].
٣١٦
مَوَسُو ◌َةُ النَّ
القرآن الكريم

الأمانة
وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا
عَهَدْتُمْ ﴾ [النحل: ٩١].
ونقض العهد مع الله أو مع عباده
من علامة النفاق، ومن شيم أهل البعاد
والشقاق، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان،
ومن شيم أهل المحبة والعرفان.
وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق
سرًا وجهرًا امتازت الشريعة الإسلامية على
غيرها، فشعار أهل الإسلام الوفاء بالعهود،
والبعد عن الخيانة والغدر.
وقد ذم الله تعالى الذين ينقضون العهد،
فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ
شَقِهِ،
﴾ [الرعد: ٢٥].
والمراد من نقض عهد الله عدم الوفاء
بما أمر وأوجب على عباده.
والمراد من قوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ مِنَقِهِ﴾ أي:
من بعد أن وثق الله تلك الأدلة وأحكمها؛
لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه
في أن ينفع فعله، ویضر تركه.
فإن قيل: إذا کان العهد لا يكون إلا مع
المیثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله: ﴿مِنْ
بَعْدٍ مِشَقِهِ﴾ قلنا: لا يمتنع أن يكون المراد
بـ (العهد): هو ما كلف الله العبد، والمراد
بـ (الميثاق): الأدلة المؤكدة؛ لأنه تعالى قد
يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى، سواء كانت
تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية (١).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ١٧٦.
وقال في الآية الأخرى: ﴿وَ مَنْ أَوْفَ
بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾
عمران: ٧٦].
[آل
فجمع بين الوفاء والتقى، وهما أصلان
لجميع مكارم الأخلاق، فالوفاء بالعهد
يشمل عهد الميثاق، وعهد الله تعالى بالتزام
التكاليف الخاصة والعامة، والتقوى تتممها
وتزينها؛ حتى يأتي بها على وجه الكمال
من غير شائبة الاختلال، فكل متقٍ موفٍ
بالعهد، ولا يلزم العکس؛ فلهذا اقتصر على
قوله: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ دون أن يقول: یحب
الموفين، أو الموفين والمتقين (٢).
والجمع بين رعي الأمانات ورعي العهد؛
لأن العهد كالأمانة؛ لأن الذي عاهدك قد
ائتمنك على الوفاء بما يقتضيه ذلك العهد.
إلا أن العهد أخص من الأمانة والأمانة أعم
من العهد؛ لأنها قد تكون بعهد وبغير عهد
متقدم(٣).
وذكرهما عقب أداء الزكاة؛ لأن الزكاة
أمانة الله عند الذين أنعم عليهم بالمال؛
ولذلك سميت حق الله، وحق المال، وحق
المسكين.
وقوله: ﴿رَعُونَ﴾ أي: قائمون على
حفظ الأمانة والعهد، فالرعي: مراقبة شيء
بحفظه من التلاشي، وبإصلاح ما يفسد
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٢٩٠/٢.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٣١/٢.
www. modoee.com
٣١٧

حرف الألف
منه، فمنه رعي الماشية، ومنه رعي الناس، الإنسان لا تند عنه، أما الأمانات فقد تكون
في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن
ومنه أطلقت (المراعاة) على ما يستحقه
ذو الأخلاق الحميدة من حسن المعاملة،
والقائم بالرعي راع، فرعي الأمانة: حفظها؛
ولما كان الحفظ مقصودًا لأجل صاحبها
كان ردها إليه أولى من حفظها، ورعي العهد
مجاز، أي: ملاحظته عند كل مناسبة (١).
حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد
ورعاية، كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من
الذئاب والوحوش الضارية، وقد يصعب
على الإنسان المحافظة على الأمانة من
العادين واللصوص، فيضطر إلى تخبئتها في
أماكن لا ينالها النظر، ولا يطولها التفتيش،
فکان على المؤتمن أن ينظر في حفظها، كما
ينظر الراعي لها، وهو أنسب من الحفظ.
أما اختيار كلمة ﴿رَعُونَ﴾ مع الأمانة
والعهد دون (الحفظ) الذي استخدم
مع الفروج فله سبب لطيف؛ وذلك أن
﴿رَعُونَ﴾ اسم فاعل من (رعى) وأصل
الرعي: حفظ الحيوان، وتولي أمره، وتفقد
شأنه، فالرعي ليس مجرد الحفظ، بل هو
الحفظ والإصلاح والعناية، وما إلى ذلك،
وليس مجرد الحفظ كافيًا.
فمن ائتمن عندك أهله وصغاره فلابد
من أن تتفقد أمورهم، وتنظر في أحوالهم
وحاجاتهم، علاوة على حفظهم، وكذلك
من تولى أمر الرعية، ومثله من اؤتمن على
زرع أو ضرع، و کذلك ما حمله الله للإنسان
من أمر الشرع، يحتاج إلى قيام به، وتحرٍ
للحق فيما يرضي الله، ومثل هذه الأمور
لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل
وأعم.
ثم إن هناك فرقًا آخر بين رعي الأمانة
وحفظ الفروج، وهو أن الفروج جزء من
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/١٨.
وهناك فائدة أخرى، وهي أن كلمة
(الراعي) قد تکون بمعنی الصاحب، تقول:
(من راعي هذه الديار؟) أي: من صاحبها
ومتولي أمرها؟ فيكون المعنى على هذا:
والذين هم أصحاب الأمانات والعهود،
أي: هم أهلها ومتولوها، ولو قيل بدل ذلك:
الذين يحفظون الأمانة والعهود لم تفد هذه
الفائدة الجليلة.
ثم إن اختيار كلمة ﴿رَعُونَ﴾ بالصيغة
الاسمية دون الفعلية له سببه، فإنه لم يقل:
(يرعون)؛ وذلك ليدل على لزوم ثبات
الرعي ودوامه، وعدم الإخلال به البتة.
وأما تقديم الأمانة والعهد على ﴿رَعُونَ ﴾
فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على
أنهما أولى ما يرعى في هذه الحياة،
وزيادة اللام في ﴿لِأَمْتَئِهِمْ﴾ تفيد الزيادة
في الاختصاص والتوكيد.
٣١٨
القرآن الكريمِ

الأمانة
فيكون في هذه الآية وغيرها دلالة صلى الله عليه وسلم، فلما جاوزناهم أتينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا له
ما قالوا، وما قلنا لهم، فقال: (نستعين الله
عليهم، ونفي بعهدهم) فانطلقنا إلى المدينة،
فذاك الذي منعنا أن نشهد بدرًا))(٣).
على تعظيم أمر الوفاء بالعهد؛ وذلك لأن
الطاعات مقصورة على أمرين: التعظیم لأمر
الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فالوفاء
بالعهد مشتمل عليهما معًا؛ إذ ذلك سبب
لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق الله؛
ولما أمر الله به كان الوفاء به تعظيمًا لأمر
الله(١).
.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(أربع من کن فیه کان منافقًا خالصًا، ومن
کانت فيه خصلة منهن کانت فيه خصلة من
النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن) أي: جعل
أمينًا، ووضع عنده أمانة (خان، وإذا حدث
كذب، وإذا عاهد غدر) أي: ترك الوفاء (وإذا
خاصم فجر)(٢). أي: مال عن الحق.
وقد كان النبي صلی الله عليه وسلم يأمر
أصحابه بالوفاء بالعهد، فهذا حذيفة رضي
الله عنه يقول: ((ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا
أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فأخذنا كفار قريش، فقالوا:
إنکم تریدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، إنما
نريد المدینة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه
لتصيرن إلى المدينة، ولا تقاتلوا مع محمد
(١) روح البيان، إسماعيل حقي ٢/ ٤١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق ١/ ٢١، رقم ٣٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال
المنافق، رقم ٥٨.
فهذه صورة مشرقة في حرص النبي
صلى الله عليه وسلم لحفظ العهود، وتربية
أصحابه على تطبيق مكارم الأخلاق الرفيعة،
وإن كان في ذلك إجحاف بالمسلمين،
ومفوت لهم جهد بعض أفراد المجاهدین.
والمقصود أن من مجالات الأمانة
المهمة الوفاء بالعهد والميثاق، ويبدأ ذلك
من رعاية الأمانة الكبرى التي عرضها الله
علی السماوات والأرض والجبال، فأبين أن
يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان،
وهي أمانة العقيدة والاستقامة عليها اختيارًا
لا اضطرارًا، ومن رعاية العهد الأول
المقطوع على فطرة الناس وهم بعد في
الأصلاب: أن الله ربهم الواحد، وهم على
هذا العهد شهود، ومن رعاية تلك الأمانة
وهذا العهد تنبثق رعاية سائر الأمانات
والعهود فى معاملات الأرض.
وقد شدد الإسلام في الأمانة والعهد
وكرر وأكد؛ ليقيم المجتمع على أسس
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٠١/٣، رقم
٢٠٢.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد)).
ولم يتعقبه الذهبي.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الألف
متينة من الخلق والثقة والطمأنينة، وجعل ثالثًا: الأمانة في القضاء والحكم بين
الناس:
رعاية الأمانة والعهد سمة النفس المؤمنة،
كما جعل خيانة الأمانة وإخلاف العهد
سمة النفس المنافقة والكافرة، ورد هذا في
مواضع شتى من القرآن والسنة، والتي لا
تدع مجالا للشك في أهمية هذا الأمر في
الإسلام.
وجعل هذه الصفة من أخلاق المسلم
الأصيلة والتي تنبع من عقيدته، وتدل على
صدق اتجاهه، وشرف غايته، فهي صفة
نفسية تملي على صاحبها سلوكًا يتبدل إزاء
كل ما يعهد إليه القيام به، وكل ما يتحمل من
مسئولية، وهي بهذا تحيط بكل تبعات الحياة
الصغيرة والكبيرة، وتتناول كل الأعباء التي
يتحملها الإنسان.
والجماعة المسلمة مسئولة عن أماناتها
العامة، ومسئولة عن عهدها مع الله تعالى،
وما يترتب على هذا العهد من تبعات،
والنص يجمل التعبير، ويدعه يشمل كل
أمانة، وكل عهد، ويصف المؤمنين بأنهم
﴿لِأَمْتَِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ﴾، فهي صفة دائمة
لهم في كل حين، وما تستقيم حياة الجماعة
إلا أن تؤدى فيها الأمانات، وترعى فيها
العهود، ويطمئن كل من فيها إلى هذه القاعدة
الأساسية للحياة المشتركة الضرورية لتوفير
الثقة والأمن والاطمئنان(١).
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٦/٧.
ومن مجالات الأمانة: الأمانة في القضاء
والحكم بين الناس، وتكون الأمانة في
القضاء بإصدار الأحكام وفق أحكام العدل
التي استؤمن القاضي عليها، وفوض الأمر
فيها إليه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّاللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ
الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فنلحظ هنا أن الله تعالى
لما أمر بأداء الأمانة عمومًا عقب بعدها
بقوله: ﴿وَإِذَا حَكُمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ
﴾ [النساء: ٥٨].
بِالْعَدّلِ.
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه
الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي
طلحة (٢) الحجبي من بني عبد الدار، لما رد
له النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة،
وقد سبق ذکر قصته.
قال ابن كثير: ((وهذا من المشهورات
أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت
نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام؛ ولهذا
قال ابن عباس رضي الله عنه ومحمد بن
الحنفية: هي للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل
أحد))(٣).
وقال ابن تيمية رحمه الله: ((قال العلماء:
نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن
يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٠/٢.
(٣) المصدر السابق.
٣٢٠
القرآن الكْرِيْمِ

الأمانة
الناس أن يحكموا بالعدل ... ، وإذا كانت
الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها،
والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة
العادلة، والولاية الصالحة)) (١). وقال
الشوكاني رحمه الله: ((ويدخل الولاة في
هذا الخطاب دخولًا أوليًا، فيجب عليهم
تأدية ما لديهم من الأمانات، ورد الظلامات،
وتحري العدل في أحكامهم»(٢).
وفي الآية دلالة على أنه يجب أداء الحق والعدل، فإن الله تعالى ما أقام ملكه
الأمانات إلى أهلها.
وفي حديث الحسن عن سمرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من
خانك)(٣).
فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك
يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح
أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال:
الجماء من القرناء)(٤).
(١) السياسة الشرعية ص١٢.
(٢) فتح القدير ١ / ٧٢٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٢٤/ ١٥٠، رقم
١٥٤٢٤، وأبو داود في سننه، كتاب الإجارة،
باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده،
٣١٣/٣، رقم ٣٥٣٦، والترمذي في سننه،
کتاب البيوع، ٣/ ٥٦٤، رقم ١٢٦٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٢٤٠.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ /١٩٩٧، رقم
ثم بعد هذا الأمر العام الذي يشمل جميع
أنواع الأمانة، وجميع أنواع المخاطبين،
عقب سبحانه بالأمر بالعدل في الحكم
والقضاء بين الناس؛ إذ هو من أعظم
﴿وَإِذَا حَكُمْتُمْ بَيْنَ
الأمانات وأوجبها، فقال:
النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: ٥٨].
أي: أنه تعالى يأمركم أيضًا إذا حكمتم
بين الناس أن تجعلوا حكمكم قائمًا على
إلا عليهما، ولأن الأحكام إذا صاحبها الجور
والظلم أدت إلى شقاء الأفراد والجماعات.
ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة.
قال: ﴿إِنَّ اللّهَ فِنَّا يَعِظُكُمْ بِّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعً
بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه؛
لاشتمالها على مصالح الدارين، ودفع
مضارهما؛ لأن شارعها السميع البصير الذي
(لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد
ما لا يعلمون (٥).
وهذا الخطاب -وإن رأى بعضهم- أنه
موجه إلی الذین یحکمون وهم الحكام من
ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحكم إلا
أنه لا مانع من أن يكون الخطاب موجهًا
إلى الأمة كلها؛ لأن الأمة العزيزة التي
تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك
٢٥٨٢.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٨٣.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الألف
أو طاغ قاهر هي محكومة ومحكمة، فهي
التي تختار حاكمها وهي في هذا محكمة،
مطلوب منها العدل، فلا تختار لھوی أو
لعطاء أو لمصلحة شخصية أيًا كان نوعها،
وهي محكمة في حاكمها فلا تقول فيه إلا
حقًّا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه،
ولا تشتط في نقده، ولا تسكت عن نصيحته،
فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الدين
النصيحة ... ، لله ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم)(١).
وأما الحكم بالعدل بين الناس فالنص
يطلقه هكذا عدلاً شاملاً ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾
جميعًا، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم
وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب
دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان
بوصفه (إنسانًا) فهذه الصفة -صفة الناس-
هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج
الرباني، وهذه الصفة يلتقي عليها البشر
جميعًا، مؤمنين وكفارًا، أصدقاء وأعداء،
سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا، والأمة المسلمة
قيمة على الحكم بين الناس بالعدل -متى
حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم
تعرفه البشرية قط -في هذه الصورة- إلا
على يد الإسلام وإلا في حكم المسلمين
وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أن الدين النصيحة، ٧٤/١، رقم
٥٥.
والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة
فلم تذق له طعمًا قط، في مثل هذه الصورة
الكريمة التي تتاح للناس جميعًا؛ لأنهم
(ناس) لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا
الأصل الذي يشترك فيه الناس!
وهذا هو أساس الحكم في الإسلام،
كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس
الحياة في المجتمع الإسلامي، والتعقيب
على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم
بين الناس بالعدل هو التذكير بأنه من وعظ
الله سبحانه وتوجيهه، ونعم ما يعظ الله
به ویوجه ... ، ثم إنھا لم تکن (عظة) إنما
كانت (أمرًا) ولكن التعبير يسميه عظة؛ لأن
العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان،
وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع
والرغبة والحياء!(٢).
وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل،
ودفع الظلم، حديث مستفيض.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿يَنْدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِ اَلْأَرْضِ فَأَحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ
كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ
قَوْمٍ عَلَى أَلََّ تَعْدِلُواْ﴾ [المائدة: ٨].
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ١٦٢.
٣٢٢
جَوْسُو
القرآن الكريمِ

الأمانة
ثم إن قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ
أَن ◌َّحْكُمُواْ يِاَلْعَدْلِ﴾ يشمل الحكم بينهم في
الدماء، والأموال، والأعراض، القليل من
ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر
والفاجر، والولي والعدو.
والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم
به: هو ما شرعه الله على لسان رسوله من
الحدود والأحكام، وهو فصل الحكومة
على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي
المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في
شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة
في کتاب الله ولا في سنة رسوله فلا بأس
باجتهاد الرأي من الحاکم الذي یعلم بحکم
الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند
عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا
یدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب
إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل؛ لأنه لا
يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم
بها بين عباد الله.
وهذا يستلزم من الحاكم معرفة العدل
ليحكم به. فعناصر العدل في الحكم هي
فهم الحادثة من جميع جوانبها، ثم معرفة
الحكم من مصدره التشريعي، ثم تحري
انطباق الحكم على الحادثة، كل ذلك مع
التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء (١).
(١) غرائب القرآن، النيسابوري ١٤/٣.
وعليه قبل أن يفصل في القضايا
وقبل أن يبدأ في فض النزاع والقضاء بين
المتخاصمین التذکیر بالله تعالى، وقد كان
صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ففي قصة
المتلاعنين قبل أن يقضي بينهما. قال لهما:
(الله أعلم أن أحدکما کاذب، فهل منكما من
تائب؟)(٢).
وفي سائر قضاياه كان يقول للمتخاصمين
قبل الحكم: (إنكم تختصمون لدي ولعل
بعضكم أن یکون الحن بحجته من أخیه،
فأقضي له بحق أخیه، فمن قضیت له بحق
أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار)(٣) .
وهذا كله من باب التذكير بالله تعالى.
ولابد أن يكون قويًا في الحكم، والقوة
في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم
بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة وإلى
القدرة على تنفيذ الأحكام، والأمانة ترجع
إلى خشية الله وألا يشتري بآياته ثمناً قليلًا،
وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث
التي اتخذها الله على كل حاكم على الناس،
في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ
وَأَخْشَوْنٍ وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَايَتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب صداق الملاعنة، ٢٠٣٥/٥، رقم
٥٠٠٥، ومسلم في صحيحه، كتاب اللعان،
باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها،
١١٣١/٢، رقم ١٤٩٣.
(٣) أخرجه مسلم في الأقضية، باب الحكم
بالظاهر، ١٣٣٧/٣، رقم ١٧١٣.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الألف
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ وأداء الأمانة؛ إذ هما أمران متلازمان، فأداء
[المائدة: ٤٤].
الأمانة إلى أهلها عين العدل، وجحدها على
صاحبها هو عين الجور، وأيضًا فإن الحكم
بين الناس بالعدل هو أداء للأمانة التي حملها
الحاکم، وبالمقابل فإن ظلم العباد هو جحد
للأمانة، وتفريط فيها.
ولهذا قال النبي صلی الله عليه وسلم:
(القضاة ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في
النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف
الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار
في الحكم، فهو في النار، ورجل قضى
للناس على جهل فهو في النار)(١).
و(القاضي): اسم لكل من قضى بين
اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو
سلطانًا أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا
ليقضي بالشرع، أو نائبًا له حتی یحکم بين
الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم،
وهو ظاهر (٢).
والمقصود أن الحكم في الإسلام
مسئولية عظيمة، وأمانة ثقيلة، يوجل منها
الأقوياء فكيف بالضعفاء؟! وهو مبني
على العدل، وقد جعله الإسلام من أعظم
الأمانات، فثمة علاقة وثيقة بين العدل
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب
في القاضي يخطئ، ٣٢٤/٣، رقم ٣٥٧٥،
والترمذي في سننه، أبواب الأحكام، باب ما
جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في
القاضي ٦١٢/٣، رقم ١٣٢٢، وابن ماجه في
سننه، كتاب الأحكام، باب الحاكم يجتهد
فيصيب الحق، ٧٧٦/٢، رقم ٢٣١٥.
(٢) السياسة الشرعية ص٢٥.
والعدل في الحكم يعد من القيم
الإنسانية الأساسية التي جاء بها الإسلام،
وجعلها من مقومات الحياة الفردية
والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى
جعل القرآن إقامة القسط - أي: العدل- بين
الناس هو هدف الرسالات السماوية كلها،
ومن هنا كان لابد من الرجوع إلى شرع الله
في الحكم على كل أمر من هذه الأمور؛
حتی یتم تأدية الأمانات إلى أهلها دون أدنى
تقصیر، ویتم الحکم بين الناس بالعدل دون
أدنى قدر من الجور أو الظلم.
والحاكم في الحقيقة أجير عند جمهور
المسلمين، يرعى مصالحهم الدينية
والمدنية، وحكمه بالحق يتطلب علمًا ويقينًا
وإخلاصًا، كما يتطلب خبرة بالحياة والناس
والأصدقاء والخصوم، وعليه أن يسمع
النصيحة، ويستشير أهل الخبرة الأمناء، وألا
يضيق صدره بالنقد البناء، وأن يستوعب كل
الآراء، وألا يقصي أحدًا على حساب أحد،
وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم وألا يظلم أحدًا بسبب اختلاف العقيدة.
٤٤٤٧.
والحكم يحتاج إلى رجال أقوياء في
٣٢٤
مُوسُوبَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم

الأمانة
الحق، رحماء بالناس، أمناء على أنفسهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله (٤).
وأموالهم وأعراضهم، وقد جاء عن أبي
ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله
ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي،
ثم قال: (يا أبا ذر إنك رجل ضعيف، وإنها
أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من
أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)(١).
ومن هو أبو ذر هذا؟! إنه الذي يقول فيه
صلى الله عليه وسلم: (ما أظلت الخضراء،
ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي
ذر)(٢).
وليعلم الحاكم أن الله سائله يوم القيامة
عن رعيته، كما قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية
یموت یوم یموت وهو غاش لرعیته إلا حرم
الله عليه الجنة)(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، ١٤٥٧/٣،
رقم ١٨٢٥.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٠٦/١١، رقم
٦٦٣٠، وابن ماجه في سننه، مقدمة السنن،
باب فضل أبي ذر، ١ / ٥٥، رقم ١٥٦.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٢٣٤٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار،
١٢٥/١، رقم ١٤٢.
والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه من بعده ليعجب أشد
العجب من تعاملهم مع تحمل المسئوليات،
وکیف کانوا يعتبرونها حملًا ثقيلًا، وعبئًا
یودون أن يرفع عنهم بأسرع وقت، و کیف
كانوا يخافون من هذا الأمر أشد الخوف،
ويزداد العجب عندما نسمع لواحد من
هؤلاء الأفذاذ وهو عمر بن الخطاب رضي
الله عنه یرفض أن یستخلف ابنه من بعده،
ويقول قولته المأثورة: ((حسب آل الخطاب
ما تحملوا منها! إن عبد الله لم يحسن يطلق
امرأته)»(٥).
ومن الأمانة في الحكم إقامته على
الشريف والوضيع والضعيف، ولا يحل
تعطیله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما،
والحاكم العادل وعده النبي صلى الله ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطله لذلك
عليه وسلم أنه من السبعة الذين يظلهم الله
وهو قادر على إقامته فهو عاصٍ لله، وممن
اشتری بآيات الله ثمنا قليلاً.
والأولى للقاضي والحاكم ألا يقبل
الهدايا التي قد تؤثر على حكمه، هكذا
كان السلف رحمهم الله، فهذا عمر بن
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة
والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر
الصلاة وفضل المساجد، رقم ٦٢٩، ومسلم
في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء
الصدقة، رقم ١٠٣١.
(٥) تاريخ اليعقوبي ص١٦٩.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الألف
عبد العزيز رحمه الله تعالی لما رد الهدية،
قیل له: إن النبي صلی الله عليه وسلم كان
يقبل الهدية، فقال عمر: «كانت للنبي صلى
الله عليه وسلم هدية، ولنا رشوة)) (١)؛ لأن
المسلمين كانوا يتقربون بهذه الهدية للنبي
صلى الله عليه وسلم لنبوته؛ ولأنه صلى
الله عليه وسلم معصوم مما يخاف من
الهدية على غيره، ويقاس على الهدية كل
منفعة يقدمها إليه أهل البلد الذي يقضي فيه.
وليس من الأمانة أن يؤثر القاضي
والحاكم الأغرار الضعفاء والخائنين
على الأقوياء الأمناء، فالحاكم يجب أن
يتصف بصفتين، أن يكون قويًا حازمًا، وأن
يكون أمينًا؛ إذ إن صفتي القوة والأمانة من
المؤهلات الضرورية لمن يلي أمر الناس.
فهذا زیاد ابن أبیه کان إذا ولی رجلًا قال
له: «خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك
مصروفٌ رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع
خلال، فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أمينًا
ضعيفًا استبدلنا بك؛ لضعفك، وسلمتك
من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنًا قويًا
استهنا بقوتك، وأحسنا على خيانتك أدبك،
فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وإن جمعت
علينا الجرمين جمعنا عليك المضرتين،
وإن وجدناك أمينًا قويًا زدناك في عملك،
ورفعنا لك ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا
(١) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٥/ ٣٧٧.
عقبك»(٢).
فتولي الولايات العامة تكليف كبير،
ومسئولية عظمى؛ لما يترتب عليها من عظم
التبعة، ودقة المسئولية، فالمناصب العامة
في الإسلام ليست وجاهة، ولا بابًا لکسب
الأموال والثراء، وإنما هي أمانة ومسئولية
هدفها خدمة الدين، وإعلاء الشريعة،
وتحقيق مصالح المسلمين.
رابعًا: الأمانة في الودائع والمعاملات
المالية :
ومن مجالات الأمانة: الأمانة في الأموال
والودائع، فالأمانة في المال من أعظم
الأمانات؛ لأن المال محبوبٌ للإنسان.
قال تعالى: ﴿وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾
[العاديات: ٨].
وقال عز وجل: ﴿وَتُحِبُّونَ الْعَالَ حُبََّ
جَمَّا﴾ [الفجر: ٢٠].
وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْقَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل أمة
فتنة، وإن فتنة أمتي المال)(٣).
(٢) عيون الأخبار، ابن قتيبة ٢٣/١.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥/٢٩، رقم
١٧٤٧١، والترمذي في سننه، أبواب الزهد،
باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال،
٥٦٩/٤، رقم ٢٣٣٦.
٣٢٦
مُوسوبر النفسية الوضوء
القرآن الكريم

الأمانة
ومما يدل على أن الإنسان فطر على حب
المال ما ورد عن نبي الله أيوب عليه السلام
أنه لما کان یغتسل خر علیه جراد من ذهب،
فجعل أیوب یحتثي في ثوبه، فناداه ربه: (یا
أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى
وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بر کتك)(١).
تيسرت بين يديه، والأمانة ثقيلة وبخاصة في
موطن الضعف في الأموال والشهوات.
فالأموال تغري الإنسان على أخذها إذا الله بن سلام، ومن الفريق الثاني: فنحاص
ومما يدل على الحث على الأمانة في
الجانب المالي قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
فهي تتناول جميع الأمانات، ومن ضمنها
ما يتعلق بالأمانات المادية.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن
تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ
يِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَاً﴾
[آل عمران: ٧٥].
فهذه الآية في الأمانة في الأموال، وقد
قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في اليهود
كلهم، أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة.
فإن قيل: فأي فائدة في هذه الأخبار، وقد
علمنا أن الناس كلهم لم يزالوا كذلك، منهم
الأمین ومنهم الخائن؟
وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢١٤٨.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل،
باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة، رقم
٢٧٥.
قلنا: تحذير من الله تعالى للمؤمنين
أن يأتمنوهم على أموالهم، أو يغتروا بهم؛
لاستحلالھم أموال المؤمنین(٢).
فذكر الله هاهنا فريقين من أهل الكتاب،
فريقًا يؤدي الأمانة تعففًا عن الخيانة، وفريقًا
لا يؤدي الأمانة، ومن الفريق الأول: عبد
بن عازوراء، وكلاهما من يهود يثرب،
والمقصود من الآية ذم الفريق الثاني؛ إذ كان
من دينهم في زعمهم إباحة الخون.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَافِى
الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥].
ولذلك طول الكلام فيه، وإنما قدم عليه
قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾
[آل عمران: ٧٥] إنصافًا لحق هذا الفريق؛ لأن
الإنصاف مما اشتهر به الإسلام؛ وتقديم
المسند في قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾
في الموضعين للتعجب من مضمون صلة
المسند إليهما، ففي الأول: للتعجب من
قوة الأمانة مع إمكان الخيانة، ووجود العذر
له في عادة أهل دينه، والثاني: للتعجب من
أن يكون الخون خلقًا لمتبع كتاب من كتب
الله، ثم يزيد التعجب عند قوله: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَالُواْ﴾ فيكسب المسند إليهما زيادة
تعجب من حالهم.
وقد جعل القنطار والدينار مثلين للكثرة
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ١١٤/٣.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الألف
والقلة، والمقصود ما یفیده الفحوی من أداء
الأمانة فيما هو دون القنطار، ووقوع الخيانة
فیما هو فوق الدینار.
وقوله: ﴿إِلَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَاً﴾ أطلق
القيام هنا على الحرص والمواظبة، كقوله:
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: لا يفعل إلا العدل،
والدوام حقيقته استمرار الفعل، وهو هنا
مجاز في طول المدة لتعذر المعنى الحقيقي،
مع وجود أداة الاستثناء؛ لأنه إذا انتهى العمر
لم يحصل الإلحاح بعد الموت (١).
ومجال الأمانة في الأموال مجال واسع:
فمن أمانة الأموال: العفة عما ليس
للإنسان به حق من المال، وتأدية ما عليه من
حق لذویه، وتأدية ما تحت يده منه لأصحاب
الحق فيه، وتدخل الأمانة في البيوع والديون
والمواريث والودائع والرهون والعواري
والوصايا وغير ذلك.
فکما أن الإنسان لا يحب أن یتعدی أحد
على أمواله الخاصة فإنه كذلك يجب أن لا
یتعدی علی مال غیره دون إذنٍ منه.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم
بِاَلْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال صلی الله عليه وسلم: (لا یحل مال
امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه)(٢).
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٧/٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٩٩/٣٤، رقم
٢٠٦٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى،
١٠٠/٦، رقم ٠١١٨٧٧
خاصةً أن صاحب المال لم يأته ماله
بالراحة، بل فى الغالب بعد تعب وجهد،
فکیف یجوز أخذه منه بغیر حق؟!
قال ابن عثيمين رحمه الله في الكلام على
الأمانة في الأموال: ((ومنها الأمانة المالية،
وهي: الودائع التي تعطى للإنسان؛ ليحفظها
لأهلها، وكذلك الأموال الأخرى التي تكون
بيد الإنسان لمصلحته أو مصلحته ومصلحة
مالكها؛ وذلك أن الأمانة التى بيد الإنسان
إما أن تكون لمصلحة مالكها أو لمصلحة
من هي بيده، أو لمصلحتهما جميعًا.
فأما الأول فالو ديعة تجعلها عند شخص،
تقول مثلًا: هذه ساعتي عندك، احفظها لي،
أو: هذه دراهم، احفظها لي، وما أشبه ذلك،
فهذه وديعة فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها.
وأما التي لمصلحة من هي بيده فالعارية،
یعطیك شخص شيئًا یعیرك إياه من إناء أو
فراش أو ساعة أو سيارة، فهذه بقيت في
يدك لمصلحتك.
وأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده
فالعين المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع؛
استأجرت مني سيارة وأخذتها، فأنت تنتفع
بها في قضاء حاجتك، وأنا أنتفع بالأجرة،
وكذلك البیت والدكان، وما أشبه ذلك، کل
هذه من الأمانات))(٣).
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٧٦٦٢.
(٣) شرح رياض الصالحين ٢٣٣/١.
٣٢٨
القرآن الكريم

الأمانة
ومن أمانة الأموال: الأموال التي يؤتمن
عليها الموظف في العمل، سواء كان مدیرًا
له حق التصرف في الميزانية، أو أمين
صندوق، أو موظف حسابات أو غيرهم،
فإنها وديعة بيده، يجب أن يحافظ عليها،
ولا يتصرف فيها إلا فيما فيه مصلحة العمل،
سواء كان العمل حكوميًا أو خاصًا.
ونجد كثيرًا من الناس يتساهلون في
الأموال العامة التي تكون تحت تصرفهم
من أموال الوزارات والمؤسسات العامة
حكومیة کانت أو غير حكومية، فتری بعض
المسئولين كبارًا كانوا أو صغارًا يعتبرون
أن المؤسسة أو المكتب الذي يعملون فيه
كأنه ملكهم الشخصي، لهم حرية التصرف
فیه كما يشاءون، أضف إلى ذلك استغلال
المناصب للأمور الشخصية، وأمثال هؤلاء
الموظفين الذين خانوا الأمانة يتجاهلون
أن أعمالهم هذه ستكون وبالًا عليهم في
الآخرة، فالأصل في الموظف أنه أجير،
والأجير لابد أن يكون أمينًا.
وقد دلت الأدلة على حرمة الخوض في
الأموال العامة، فعن خولة الأنصارية رضي
الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: (إن رجالًا يتخوضون في مال
الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخمس،
باب قول الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم
من شيء فأن لله خمسه)، ١١٣٥/٣، رقم
قال الحافظ ابن حجر: ((قوله:
(يتخوضون في مال الله بغير حق) أي:
يتصرفون في مال المسلمين بالباطل)»(٢).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه
بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو،
ومن أخذه بغیر حقه، کان کالذي يأكل ولا
يشبع)(٣).
وليست بالضرورة أن تكون هذه الأموال
نقودًا، بل كل مال ولو أعيانًا كالسيارات
والأجهزة والأدوات والعدد وغيرها تعد
أموالًا مملوكة للدولة أو المؤسسة لا يحق
التصرف فيها إلا بإذن، قليلها وكثيرها، من
القلم والورق وغيرها!
وهذا واضح من العموم في قوله صلى
الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئ مسلم
إلا بطيب نفس منه)(٤).
فلم یفرق بین القليل والكثير.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول
قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع،
عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه،
٢٩٥٠.
(٢) فتح الباري ٦/ ٢٦٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب الصدقة على اليتامى، رقم ١٣٩٦،
ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، رقم ١٠٥٢ .
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الألف
وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن الآخرين.
جسمه فيم أبلاه)(١).
ومن الآفات التي يجب أن تحارب:
أن تتحول المصالح في القطاعات وفي
المؤسسات وفي الوظائف لخدمة شخص
أو مسئول، وليس لخدمة عامة الناس،
ويزداد الجرم أن هذه الأموال تعتبر أموالًا
لبيت مال المسلمين، فالذي یأکل، یأکل من
مال الفقراء والمحتاجين واليتامى، فهو من
أعظم السحت.
وقد قال الله سبحانه وتعالى في حق
اليهود: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ
لِلشُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢].
ومن الأمانة في المال: إعطاء الموظف
والأجیر أجره دون حیف أو نقص، فأرباب
العمل والمسئولون عليهم أن يؤدوا
للموظفین حقوقهم المالیة کاملة دون تأخير
أو أذى؛ لأن المسئول قد يعطي الحق کاملًا،
ولكنه يؤخره، ويماطل فيه، فيؤذي أخاه
المسلم، وإذا كان الله تعالى قد منع الأذى
في الصدقة، بقوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم
بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
مع أنها مبنية على المسامحة؛ لأنها
تطوع فمن باب أولى منع الأذى في حقوق
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
في القيامة، ٤ /٦١٢، رقم ٢٤١٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٩٤٦.
والرشوة من المجالات التي يخطئ فيها
الناس في الوظائف، فيتساهل الموظف بأخذ
الرشوة ويسميها إكرامية، أو يسميها خدمة
أو غيرها من المسميات، كما قالت بلقيس:
﴿وَإِ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥].
سمتها هدیة، وهكذا قد یتلمس لها
الموظف اسمًا آخر؛ لكي يلتمس لنفسه
العذر مع أنها رشوة، فلا يجوز تلقي
الرشاوى في الوظائف العامة ولا الخاصة
على العمل الذي يؤديه الإنسان، والذي هو
مكلف به أساسًا، فهذا هو عمله ووظيفته
فكيف يأخذ على ذلك أموالًا مقابل أن
يؤدي العمل الواجب عليه؟!
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله
الراشي والمرتشي)(٢).
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه
قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم
رجلًا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية على
الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا
أهدي لي، فقال صلی الله عليه وسلم: (فهلا
جلس في بیت أبیه أو بیت أمه فينظر یهدی
له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه
شيئًا إلا جاء به يوم القيامة یحمله على رقبته،
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٨/١٥، رقم
٩٠٢٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٥٠٩٣.
٣٣٠
مَوْسُورَةُ النَّهـ
القرآن الكريم