النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الإِخَادْ
و
ء
عناصر الموضوع
مفهوم الإلحاد
٢٢٢
الإلحاد في الاستعمال القرآني
٢٢٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٢٤
صور الإلحاد في ضوء القرآن
٢٢٦
أسباب الإلحاد
٢٤٤
منهج القرآن في إبطال الإلحاد
٢٤٧
٢٥١
آثار الإلحاد على الفرد والمجتمع
المُجَلَدَ الرّابع

حرف الألف
مفهوم الإلحاد
أولًا: المعنى اللغوي:
مادة (ل ح د) تدل على معنى ميل عن استقامة، فيقال: (لحد السهم عن الهدف)، أي:
عدل عنه، واللحد: حفرة مائلة عن الوسط، وفلان عدل عن الحق وأدخل فيه ما ليس منه،
ويقال: (ألحد إليه)، مال عنه، وألحد الرجل، أي: ظلم في الحرم واستحل حرمته وانتهكها،
ولحد الرجل في الدين، طعن وحاد عنه وعدل وجادل ومارى، ولحد. أي: مال عن طريق
القصد، وجار وظلم(١).
والملحد: ((الطاعن في الدين المائل عنه))(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
هو: ((الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان))(٣).
وقد عرفه ابن عاشور بقوله: «لما كان وسط الشيء يشبه به الحق والصواب، استتبع ذلك
تشبيه العدول عن الحق إلى الباطل بإلحاد، فأطلق الإلحاد على الكفر والفساد)) (٤).
والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي إلا أنه خص بالانحراف في الإسلام.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٠/٥، مختار الصحاح، الرازي ص٢٤٧، لسان العرب، ابن منظور
٣/ ٣٣٨، المصباح المنير، الفيومي ص٣٢٧.
(٢) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٨٥٠.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ١٧٢.
(٤) التحرير والتنوير ١٨٩/٩.
مَوسُو ◌َهُ النَّ
القرآن الكريم
٢٢٢

الإلحاد
الإلحاد في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (ل ح د) في القرآن (٦) مرات، منها مادة (ألحد) (٤) مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٣
﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
فى أَسْمَّبِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
المصدر
١
# [الحج: ٢٥]
٢٥
وجاء الإلحاد في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الميل عن الحق (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٤٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٧٣٧.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الردة:
الردة لغةً:
((من ردد بمعنى: رجع، وارتد الشخص، أي: رد نفسه إلى الكفر))(١).
الردة اصطلاحًا:
((الرجوع من الإسلام إلى الكفر))(٢).
الصلة بين الإلحاد والردة:
الإلحاد هو زيغ وانحراف وميل عن الحق، والردة تكون بالنكوص والرجوع عن الإسلام،
فهما مشتركان في الكفر.
الكفر:
٢
الكفر لغةً:
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي
بسلاحه، وهو ضد الايمان، لأنه تغطية للحق(٣).
الكفر اصطلاحًا:
((الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها))(٤).
الصلة بين الإلحاد والكفر:
الكفر هو إنكار وجحود الإيمان، والإلحاد صورة من صور الكفر.
(١) المصباح المنير، الفيومي ص١٣٧.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢١٣.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩١/٥.
(٤) انظر: المفردات، الأصفهاني ص٤٧٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧٩١.
مَوَسُو ◌َ النَّهِ
القرآن الكريم
٢٢٤

الإلحاد
الزيع:
٣
الزيغ لغةً:
((الزيغ: الميل عن الاستقامة، والتزايغ: التمايل، ورجل زائغ وقوم زاغة وزائغون، وزاغت
الشمس، وزاغ البصر))(١).
الزيغ اصطلاحًا:
الميل عن الحق إلى الباطل، والتحول من الإيمان إلى الكفر.
الصلة بين الإلحاد والزيغ:
كلاهما يشترك في الانحراف عن الحق، والتشكك في الإيمان وأصوله.
الاستقامة:
٤
الاستقامة لغةً:
((الاعتدال))(٢).
الاستقامة اصطلاحًا:
هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة،
ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك (٣).
الصلة بين الإلحاد والاستقامة:
الإلحاد ميل عن الحق ومفارقته، والاستقامة الديمومة على الحق والبقاء عليه ولزومه،
فالاستقامة تعني: الاعتدال، والإلحاد يعني: الانحراف فهما متضادان.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤٠، مختار الصحاح، الرازي ص ١١٨، المصباح المنير،
الفيومي ص١٥٨.
(٢) مختار الصحاح، الرازي ص ٢٣٢.
(٣) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص ١٩٣.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الألف
صور الإلحاد في ضوء القرآن
تعددت صور ومعاني الإلحاد في القرآن
الكريم، وأبرز صور الإلحاد في القرآن
الكفر والشرك والردة والنفاق، والإلحاد
ضربان، وهما ((إلحاد إلى الشرك بالله،
وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول
ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عراه
ولا يبطله))(١)، والإلحاد له صور وأشكال
متعددة كلها تصب في معاني الانحراف
العقدي والسلوكي والتعبدي، وبيان ذلك
فيما يأتي:
أولًا: الإلحاد في الألوهية:
توحيد الألوهية حق لله وحده، ولا يحل
لعبده أن يشرك معه غيره، فهو أغنى الشركاء
عن الشرك، والإلحاد في ألوهيته هو ظلم
وجور وتجاوز خطير في حق الخالق
سبحانه.
قال تعالى: ﴿إِنَّنِىّ أَنَا اَللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ
فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
((هذا أول واجب على المكلفين أن
یعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقوله: ﴿قاعْبُدْنِ﴾ أي: وحدني وقم
بعبادتي من غير شريك، وصل لتذكرني.
وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٩٥.
مَوَسُو ◌َرُ النَّشة
القرآن الكريم
لي)»(٢)، جمعت الآية أصول توحيد الألوهية
وهي توحيده وعبادته، فتوحيد الألوهية:
(«هو إفراد الله تعالى بالعبادة المستلزم لعبادة
الله تعالى بكل ما شرع أن يعبد به من أعمال
القلوب والجوارح، وأن لا يشرك معه غيره
في شيء منها، مع عدم الاعتراف بعبادة غيره
تعالى))(٣) وأضل الخلق إلحادًا في الألوهية
هم أهل الكتاب، والمشركون، والفرق
الضالة الخارجة عن دين الإسلام.
وقد أورد القرآن الكريم قصص الأنبياء
والمرسلين مع أقوامهم، وما من نبي ولا
رسول إلا وأمر قومه بعبادة الله وإفراده
بالعبادة.
قال تعالى عن الرسل في دعوتهم
لأقوامهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ.
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[الأعراف: ٥٩].
وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنَقَوْمِ
أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَثَّقُونَ﴾
[الأعراف: ٦٥].
وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَا قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[الأعراف: ٧٣].
وقال: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًاً
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّهٍ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٧٧/٥.
(٣) عقيدة المؤمن، الجزائري ص١٠٢.
٢٢٦

الإلحاد
غيره,﴾ [الأعراف: ٨٥].
هذه الدعوات قابلها أقوام الأنبياء
والمرسلين بالصد والإساءة، إلا من رحمه
الله بالإيمان بما جاء به الأنبياء، ومن صور
رد هذه الدعوات والإلحاد فيها:
أولًا: إلحاد المشركين في الألوهية:
لقد بلغت عقول المشركين من السفاهة
والانحطاط الفكري مبلغًا كبيرًا في الفساد
والإلحاد في الألوهية، حتى عبدوا الحجارة
من دون الله.
ومن صور إلحادهم في الألوهية:
١. عبادة الأصنام:
من أكبر إلحاد المشركين عبادتهم
للأصنام من دون الله، مع علمهم عدم نفعها
ولا ضرها.
قال تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ اَلَّى أَنْتُمْ لَمَا
عَكِّفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢].
أي: «معتكفون على عبادتها)»(١)، فكانوا
يعبدون الأصنام ويجعلونها في بيوتهم، وفي
حلهم وترحالهم، بل جعلت قريش الأصنام
داخل الحرم المكي وداخل الكعبة، ولعظم
إلحادهم في الألوهية قال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ
مِن دُونِ ءَالِهَةَ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وَلَا يَعْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا
يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُُّ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/٥.
وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآءَ مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
«كان المسلمون إذا قالوا لهم: من خلق
السماوات والأرض؟ أقروا، وقالوا: الله،
فإذا قالوا لهم: فما لكم تعبدون الأصنام؟
قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله
زلفى))(٢)، وهذا يمثل الذروة في الميل،
والعوج، والزيغ عن الحق لعلمهم بذلك.
٢. نسبة الملائكة والجن لله:
ألحد المشركون في نسبة الولد لله
بادعائهم أن الملائكة هم بنات الله، وكانوا
يعبدونهم؛ لينالوا الشفاعة عند الله بزعمهم
وإلحادهم في الله.
فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اَلِنَّةِ فَسَبَأْ
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ {(س) سُبْحَانَ
اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨ -١٥٩].
أي: ((إن كفار قريش قالوا: الملائكة
بنات الله، والجنة: صنف من الملائكة يقال
لهم: الجُنَة))(٣).
٣. عبادة الملائكة:
اتخذ المشركون عبادتهم الملائكة
ليكونوا وسطاء وشفعاء لهم عند الله فقال
تعالي: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُوا الْكَتِكَةَ وَالنَّبِّئِنَ
أَرْبَابًا أَيَأْ مُؤَّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [آل
عمران: ٨٠].
(٢) الكشاف، الزمخشري، ٤ / ١١١.
وانظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٦٩/٣.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٥٥٤.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الألف
أي: ((ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة
والنبيين؛ لأن الذين قالوا: إن عيسى إله،
عبدوه واتخذوه ربًا، وقال قوم من الكفار:
إن الملائكة أربابنا، يقال لهم: الصابئون»(١).
٤. إلحاد العبادات:
ابتدعوا صلاة لهم ودعاءً بالتصفيق
والتصفير إلحادًا وزيغًا عما شرعه الله من
الصلاة والدعاء.
فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ
الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ
بِمَاكُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥].
أي: وما کان دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة،
أو ما يضعون موضعها، إلا مكاءً صفيرًا،
وتصديةً تصفيقًا، وقيل: كانوا يطوفون
بالبيت عراة الرجال والنساء، مشبكين بين
أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون(٢)،
والعبادات بهذه الكيفية التي لم يأذن بها الله
إلحاد في الألوهية.
٥. التحريم والتحليل:
سلك المشركون في ذبائحهم وأنعامهم
إلى إلحاد في التحليل والتحريم حسب
أهوائهم وميلهم في الذبح، والأكل،
والتوريث دون الاستناد لشريعة ربانية، فقال
تعالى: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِهِ أَنْعَهُ وَحَرْتُ حِجْرٌلَا
يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَهُ حُرِّمَتْ
(١) الوسيط، الواحدي، ١ / ٤٥٧.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٥٨/٣.
كُلُهُورُهَا وَأَنْعَهٌ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءَ
عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ
(١٣٨)
خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاْ
وَإِن يَكُنْ مَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ
٤
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَُّ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
﴾ [الأنعام: ١٣٨-١٣٩].
أي: إنهم حرموا أنعامًا وحرثًا وجعلوها
لأصنامھم، أو لخدام الأصنام، وهذا قول
وفعل لم يرد به شرع، وجعلوا ما في بطونها
من اللبن أو الأجنة حلالًا للذكور، وحرامًا
على الإناث(٣)، وهذا من جورهم وظلمهم،
واعتدائهم على حق الله في التحليل
والتحریم.
ثانيًا: إلحاد أهل الكتاب:
تعددت صور إلحاد أهل الكتاب في
الألوهية، وسطرها القرآن الكريم في العديد
من الآيات.
ومن صور إلحاد أهل الكتاب من اليهود
والنصارى:
١. تأليه عزير وعيسى عليه السلام:
ألهت اليهود العزير، وألهت النصارى
عيسى عليه السلام وادعوا بنوتهما إلى
الله إلحادًا عن دين الله، فقال تعالى:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/
٩٤.
٢٢٨
مَوَسوبر النَّفِيه
القرآن الكريم

الإلحاد
النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَهِّ ذَلِكَ
قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمَّ يُضَهِقُونَ قَوْلَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠].
وسبب نزول هذه الآية أن ابن عباس
قال: «أتی رسول الله صلی الله عليه وسلم
سلام بن مشکم، ونعمان بن أوفي، ومحمد
بن دحية، وشاس بن قيس، ومالك بن
الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت
قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزیرًا ابن الله فأنزل
الله الآية))(١).
٢. عبادة الأحبار والقساوسة:
استجاب أهل الكتاب لأحبارهم
وقساوستهم لما أحلوا لهم من الحرام ما
أحلوه، وحرموا ما حرموه عليهم، فكانت
هذه عبادتهم لهم.
قال تعالى: ﴿أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَّهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدَّالََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَنَّهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:
٣١].
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم
عبادتهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال،
فعن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى
الله عليه وسلم وفي عنقي صلیب من ذهب،
(١) لباب النقول في أسباب النزول، السيوطي،
ص١١٥.
فقال: (يا عدي اطرح عنك هذا الوثن،
وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿أَتَّخَذُوا
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ
اللَّهِ ﴾ قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم،
ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه،
وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) (٢).
٣. رد حکم الله:
تعطيل ورد حكم التوراة من صور إلحاد
اليهود والنصارى في حكم الله والإعراض
عنه، فقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونٌّ وَمَنْ
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:
٥٠].
أي: «أيريد أولئك الخارجون عن أمر
الله ونهيه أن يحكموا بأحكام الجاهلية التي
لا عدل فیھا، بل الھوی هو الذي یحکم بأن
يجعلوا أساس الحكم الميل والمداهنة؟
وهذه هي طريقة أهل الجاهلية))(٣).
٤. نسبة بنوتهم لله:
نسب اليهود أنفسهم بینوتهم لله تعالى
وأدعائهم محبته ظلمًا وبهتانًا، فذكر الله
قولهم، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ
وَالنَّصَرَىِ غَحْنُّ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ، قُلْ فَلِمَ
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ١٠ من سورة التوبة، ٢٧٨/٥،
رقم ٣٠٩٥.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم
٣٢٩٣.
(٣) المنتخب في تفسير القرآن، نخبة من علماء
الأزهر، ١٥٥/١.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الألف
يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ
[المائدة: ١٨].
وسیاق الآية أبرز وأوضح إلحاد وضلال
اليهود والنصارى معًا، وهو ((دعواهم أنهم
﴿أَبَْوْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾، وهو تبجح وسفه
وضلال، فأمر الله تعالى رسوله أن يرد
عليهم بقوله: قل لهم يا رسولنا: ﴿فَلِمَ
يُعَذِّئُكُم پذُنُوپِگُم﴾)»(١)، وفي هذا تبکیت
لهم، وتهديد ووعيد لإلحادهم في ألوهيته
سبحانه.
ومن صور إلحاد أهل الكتاب الخاصة
بشرائعهم:
إلحاد اليهود في الألوهية:
ورد في القرآن الكريم بعض صور إلحاد
اليهود في الألوهية، التي تبرز وتوضح زيغ
وانحراف وضلال اليهود، ومن هذه الصور:
١. تبدیل كلام الله وتحريفه:
ومن إلحاد اليهود تحريفهم كلام الله
وتبديله؛ افتراءً، وميلًا وعدولًا عن الحق،
فوصفهم الله بقوله: ﴿يُحْرِّقُونَ الْكَلِمَ مِنْ
بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا
فَخُذُوهُ وَإِن لَمْ تُؤْتَوَهُ فَأَحْذَرُواْ ﴾ [المائدة: ٤١].
أي: إن إقدام القوم على التحريف لا بد
وأن يكون لخوف ورهبة، أو لطمع ورغبة،
والمقصد والمراد: إياكم وأن تحرفوا كتابي
للخوف من الخلق والملوك والأشراف،
(١) أيسر التفاسير، الجزائري، ١/ ٦١٣.
فتعطلوا الحدود الواجبة عليهم واختلاقكم
الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم،
والزيغ عن الحق (٢).
٢. عبادتهم العجل:
قال تعالى عن عبادتهم لعجل السامري
الذي صنعه لهم وأمامهم من حليهم:
وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٍ مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيِِّهِمْ
عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ، لَا يُكَلِّمُهُمْ
وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أَخَذُوهُ وَكَانُواْ
ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
(يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني
إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم
السامري من الحلي، فشكل لهم منه عجلًا
جسدًا لا روح فيه وقد احتال پإدخال الريح
فیه حتی صار يسمع له خوار، أي: صوتٌ
كصوت البقر)»(٣)، وعبادة جسد مصنوع
من الذهب وهو لا يملك نفعًا ولا ضرًا هو
إلحاد قبيح.
قولهم وفعلهم هذا يستحقون بسببه
التقريع والتوبيخ، أي: كيف عبدوا العجل
واتخذوه إلهًا مع أنه ليس فيه شيء(٤).
وبهذا الإلحاد استوجبوا عقاب الله
تعالى وغضبه عليهم لانحرافهم وزيغهم في
حقه تعالى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ الْعِجْلِ
سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنّ
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٣٦٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٧/٣.
(٤) صفوة التفاسير، الصابوني ١٧ / ٤٣٧.
مَوْسُو ◌َة النفسية
القرآن الكْرِيْمِ
٢٣٠

الإلحاد
وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
٣. طلبهم الإلهة:
قال تعالى واصفًا إلحادهم في طلب
الإله: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَّأْ عَلَى
قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَنْمُوسَى
أَجْعَل لََّ إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
((كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولًا
بالرقة وقيل: كانت أصنامهم تماثيل بقر،
﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَإِهَةُ﴾
نظيره قول جهال الأعراب -وقد رأوا شجرة
تسمى ذات أنواط يعظمونها في كل سنة
يومًا -: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط
كما لهم ذات أنواط)) (١).
إلحاد النصارى في الألوهية:
لم یکن النصارى بعیدین عن اليهود في
إلحادهم في الألوهية بل قاربوا اليهود في
ضلالهم وانحرافهم وزيغهم عن الحق،
ومن صور إلحاد النصارى في الألوهية:
١. تأليه المسيح:
ألحد النصارى في جعل المسيح عيسى
علیه السلام إلهًا من دون الله، فقال تعالى
عن إلحادهم في ألوهيته: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ أَبْنُ
مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧].
(يقول تعالى مخبرًا وحاكيًا بكفر
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١/ ٢٧٣.
النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم،
وهو عبد من عباد الله، وخلقٌ من خلقه أنه
هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا))(٢).
وهذا القول من أضل صور الإلحاد في
الألوهية، وبه أضلوا أتباعهم «وهو كفر من
أقبح أنواع الكفر، وهذا وإن لم يكن قول
أكثر النصارى فإنهم بانتمائهم إلى النصرانية
وقولهم بها وانخراطهم في تعاليمها
يؤاخذون به؛ لأن الرضا بالكفر كفر»(٣).
٢. الشرك بالله:
ومن إلحاد النصارى عقيدة التثليث
- الأب والابن وروح القدس- بنسبة
الشريك لله، فذكر الله كفرهم وإلحادهم
فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ أَلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ
ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾
[المائدة: ٧٣].
أي: «أرادوا بذلك أن الله ومریم وعیسی
آلهة ثلاثة، فقوله ثالث ثلاثةٍ، أي: أحد ثلاثة
آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة)) (٤).
ووصف الله بهذه الصورة إلحاد وزيغ
واضح وبین في الألوهية -تعالى الله عما
يقولون علوا کبیرًا -.
٣. تعطیل حکم الله:
أمر الله النصارى بالاحتكام إلى الإنجيل،
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٦١.
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري، ١/ ٦١٢.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٤٠٨.
وانظر: الوسيط، الواحدي، ٢١٣/٢.
www. modoee.com
٢٣١

حرف الألف
فألحدوا فيه وزاغوا عنه بالاحتكام لغير
منهجه، فقال تعالى: ﴿ وَلْيَحْگ آھلُ الإنجيلِ
بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
وفي الآية ((إشارة إلى الكهان الذين
كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسبه
وبحسب الشهوات))(١).
ثالثًا: إلحاد الفرق الضالة في
الألوهية:
ضج التاريخ الإسلامي بالفرق الضالة
التي اتبعت غير سبيل المؤمنين، فمنها
التي ألهت علي بن أبي طالب أو الحاكم
بأمر الله الفاطمي وغيرهما من الباطنية،
وحكمت شرع الجاهلية، وعطلت حكم
الله، وأحلت الحرام وحرمت الحلال وغير
ذلك، ومن صور الإلحاد عند الفرق الضالة
في الألوهية:
١. تحريم الحلال وتحليل الحرام:
التحليل والتحريم حق لله وحده ولا
يجوز لأحد أن يحرم ما أحله الله أو يحل
ما حرمه الله، فمن فعل ذلك فقد ألحد في
ألوهية الله.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُوَأَ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢٠٣/٢.
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِّنَفْتَّرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ
الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ [النحل: ١١٦].
والآية تعني: ((لا تقولوا لوصف ألسنتكم
أو لأجل وصفكم الكذب أنكم تحلون
وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره، هذا
حلال وهذا حرام، يعني البحيرة والسائبة؟
لتفتروا على الله الكذب، فتقولون إن الله
أمرنا بهذا)»(٢).
ومن أشكال التحريم والتحليل والكذب
على الله إصدار الفتوى بغير علم أو لتحقيق
هدف أو انتصار لمذهب أو تزلف لسلطان
أو حاكم.
٢. الإلحاد في الحاكمية:
تعتبر الحاكمية من أخص صفات
الألوهية؛ لذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُم
بَيْنَهُم بِمَّ أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَقَِّعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ
أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَوْاْ
فَأَعْلَمْ أَنََّ يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمٌّ وَإِنَّ
كَثِيرً مِنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ
يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾
[المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ
اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
فأما قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ وقوله
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ١٠١/٣.
مُوسُوبَةُ النَّشيد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٣٢

الإلحاد
تعالى بعدها: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنْزَلَ
اُللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
﴿وَمَن ◌َّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
فقد تباينت آراء العلماء فيمن نزلت على
خمسة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة.
والثاني: أنها نزلت في المسلمين.
والثالث: أنها عامة في اليهود، وفي هذه
الأمة.
والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى.
والخامس: أن الأولى في المسلمين،
والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.
وخلاصة القول: إن من لم يحكم بما
أنزل الله جاحدًا له، وهو يعلم أن الله أنزله،
کما فعلت الیھود، فھو کافر، ومن لم یحکم
به ميلًا إلى الهوى من غير جحود، فهو ظالم
وفاسق(١).
أنزل الله هو إلحاد وانحراف وعوج عن دین
الله تعالی وحکمه وشرعه.
وختامًا فالإلحاد في الألوهية عند أهل
الكتاب والمشركين والفرق الضالة له صور
كثيرة غير ما أسلفنا، ومنها صرف القلوب
بالخشية والخوف والحب والرجاء والنذر
والذبح والركوع والسجود وما شابه لغير
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٥٥٣/١.
الله.
قال تعالى: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
أي: ((ومن الناس من تبلغ بهم الجهالة
أن يتخذ من غير الله أندادًا، أي: رؤساء
وأصنامًا، يعظمونهم ويخضعون لهم)) (٢).
٣. الإلحاد في أسماء الله وصفاته:
لقد سمى الله نفسه في القرآن الكريم
بأسماء، ووصف نفسه بصفات لا تصح
لغیره سبحانه تنزهت أسماؤه وعلت صفاته،
فالأسماء الحسنى لا تكون إلا لله، والصفات
العلى له، وهي محصورة ومقصورة على
الله، ويجب أن تكون موصوفة بالحسن
والكمال والجمال والجلال، وأي تعطیل أو
تکیف أو تمثیل أو تشبيه فيها هو ضرب من
ضروب الإلحاد.
وقد جعل الله ((الإلحاد في أسمائه مظهرًا
وفي جميع هذه الحالات الحكم بغير ما من مظاهر الكفر، وذلك بإنكار تسميته
تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له،
وهو الأحق بكمال مدلولها)»(٣).
قال تعالى: ﴿وَإِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَأَدَعُوهُ
◌ِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَّبِهِ، سَيُجْزَوْنَ
﴾ [الأعراف: ١٨٠].
(١٨٠)
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
((والمراد من الأسماء في الآية وأحاديث
(٢) صفوة التفاسير، الصابوني، ١ / ٩٩.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٨٩/٩.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الألف
الرسول: التسميات بلا خلاف، وهى عبارات
عن کون الله تعالى على أوصاف شتى، منها
ما يستحقه لنفسه، ومنها ما يستحقه لصفة
تتعلق به، ومنها صفات لذاته، ومنها صفات
أفعال، وهذه الأسماء عند العلماء توقیفیة،
فلا يسمى باسم لم يرد في القرآن والسنة
كالرفيق والسخي والعاقل»(١).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله
تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من
أحصاها دخل الجنة)(٢).
ومعنى أحصاها: ((عدها وحفظها وتفكر
في مدلولها))(٣).
وقد سمى الله نفسه ووصف ذاته قائلًا:
﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَّ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:
٨].
وقال: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ وَهُوَيُدْرِكُ
اٌلْأَبْصَرِّ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:
١٠٣].
وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
هذه الشواهد تبرز بمعنى واضح لا
لبس فيه بتسمية الله نفسه بأسماء مثل الله،
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ١٧٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب إن لله مائة اسم إلا واحدًا، ٢٦٩١/٦،
رقم ٦٩٥٧.
(٣) التفسير المنير، الزحيلي، ٩/ ١٧٣.
اللطيف، الخبير، السميع، البصير كما في
الآيات السابقة وغيرها، وكذا الصفات
السميع والبصير، وعدم وجود الشبيه أو
المثيل له وأي میل أو زيغ أو انحراف عنها
هو إلحاد في أسمائه وصفاته تعالى.
ووردت عدة أقوال في الإلحاد في أسماء
الله وصفاته ومنها:
قول الراغب الأصفهاني: ((الإلحاد في
أسماء الله على وجهين:
أحدهما: أن يوصف بما لا يصح وصفه
به.
والثاني: أن يتأول أو صافه على ما لا يليق
بە»(٤)
وقال الزحيلي: ((والإلحاد يكون بثلاثة
أوجه:
أحدها: بالتغيير فيها كما فعله المشركون،
وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا
بها أو ثانهم، فاشتقوا اللات من الله، والعزى
من العزيز، ومناة من المنان.
الثاني: بالزيادة فيها، أي: التشبيه،
فالمشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه.
الثالث: بالنقصان منها، أي: التعطيل،
فالمعطلة سلبوه ما اتصف به، كما يفعل
الجهال الذین یخترعون أدعية يسمون فيها
الله تعالی بغير أسمائه، ویذکرونه بغير ما
(٤) المفردات ص٤٩٥.
٢٣٤
القرآن الكريمِ

الإلحاد
یذکر من أفعاله، وهكذا»(١).
خلاصة هذه الأقوال: إن الإلحاد في
أسماء الله وصفاته يكون بالزيادة عليها أو
إنقاصها، أو تبديلها وتغييرها والاشتقاق
منها.
والتعطيل والتحريف والتمثيل والتكييف
في أسماء الله وصفاته أوقع المشبهة
والمعطلة في الضلال والإلحاد في أسماء
الله وصفاته، ووجه ذلك أن الأسماء:
((ألفاظ دالة على المعاني، فهي إنما تحسن
بحسن معانيها ومفهوماتها، ولا معنى
للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات
الكمال ونعوت الجلال، وهي محصورة في
نوعين: عدم افتقاره إلى غيره، وثبوت افتقار
غیره إلیه»(٢).
ونفي معاني الأسماء الحسنى من أقبح
وأفحش معاني الإلحاد في أسماء الله
الحسنى.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ لَلْمُسْنَ فَادْعُوهُ
بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَيِّ سَيُجْزَوْنَ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٥)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
أي: «نفي معاني أسماء الله من أعظم
الإلحاد)) (٣).
وممن ألحد في أسماء الله وصفاته أهل
الكتاب والمشركون وغيرهم.
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ٩/ ١٧٤.
(٢) المصدر السابق، ٩/ ١٧٥.
أولًا: إلحاد المشركين في أسماء
الله وصفاته:
ورد في القرآن الكريم العديد من صور
إلحاد المشركين في أسماء الله وصفاته
ومنها:
١. اشتقاق المشركين أسماء لآلهتهم من
أسمائه سبحانه:
نسب المشركون بعض أسماء الله إلى
آلهتهم ظلمًا وافتراء على الله ﴿يُحِدُونَ
فيِ أَسْمَّبِهِ﴾ ((يميلون عن الحق، حيث
اشتقوا منها أسماء لآلهتهم، کاللات من الله،
والعزى من العزيز، ومناة: من المنان))(٤).
وفي ذلك قال تعالى: ﴿أَفَرَّءَيْتُمُ اللَّتَ
﴾ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَةِ ، أَلَكُمُ
وَالعُزى
الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْفِ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَىٌ ) إِنْ
هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَمَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ
بِهَا مِن سُلْطَنَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى
اَلْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِن رَّيِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:
١٩- ٢٣].
((اللات وكانوا قد اشتقوا اسمها من
اسم الله، فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة منه،
-تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا-، وكذا
العزى من العزيز، وأما مناة فكانت بالمشلل
عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة
والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها
(٣) الإيمان بالله جل جلاله، الصلابي ص ١١٥. (٤) التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ١٧١.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الألف
ويهلون منها للحج إلى الكعبة))(١).
٢. إنكارهم اسم الرحمن:
لم يعترف المشركون باسم الله الرحمن
زعمًا منهم أنهم لا يعرفونه بهذا الاسم، فقال
تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْلِلرَّحْمَنِ قَالُواْوَمَا
الرَّحْمَنُّ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:
٦٠].
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِ أُمَِّقَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُواْ عَلَتِهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَاً
هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ [الرعد: ٣٠].
(أي: هذه الأمة التي بعثناك فيهم
يكفرون بالرحمن لا يقرون به؛ لأنهم كانوا
يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم،
ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم
الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما
الرحمن الرحيم»(٢)، وقيل: ((سمع أبو جهل
رسول الله صلی الله عليه وسلم يدعو في
الحجر ويقول: (يا الله يا رحمن)، فقال:
کان محمد ینهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو
إلهين، فنزلت هذه الآية، ونزل ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ
أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
ثانيًا: إلحاد اليهود في أسماء الله
وصفاته:
ورد في القرآن الكريم بعض صور إلحاد
اليهود فى أسماء الله وصفاته، مما يسفر عما
في قلوبهم من زیغ وانحراف وضلال.
ومن هذه الصور:
١. وصفوا الله بالفقر:
وصف الله نفسه في القرآن الكريم بأنه
الغني والمعطي والكريم، وألحد اليهود
في اسمه الغني وصفته، وسموه ووصفوه
بالفقير، فقال الله تعالى عن إلحادهم:
إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَرَبٍ لَا إِلَهَ إِلَّا ﴿لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ
وَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
((قيل: نزلت هذه الآية في اليهود. قالوا
لما نزل قوله: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]: إن الله فقير يستقرضنا
ونحن أغنياء))(٣).
٢. وصفوا الله بالبخل:
ذکر الله إلحاد اليهود في صفاته وتعديهم
على ذاته الإلهية بوصفهم الله بالبخل
-تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا-، وهو
الجواد الكريم المعطي، فحقت عليهم
اللعنة.
فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
غُلَّتْ أَيْدِيبِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ
كَيْفَ يَشَآءُ ... ﴾ [المائدة: ٦٤].
((عن ابن عباس أنه قال: ليس يعنون
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، بذلك أن يد الله موثقة، لكنهم يقولون: إنه
٤٢٢/٧ - ٤٢٣.
(٢) المصدر السابق، ٣٩٦/٤.
(٣) الوسيط، الواحدي، ٥٢٨/١.
٢٣٦
مُوسُوبرا
القرآن الكريمِ

الإلحاد
بخيل أمسك ما عنده، -تعالى ربنا عما يقول العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب
الظالمون-)»(١).
على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى
ثالثًا: إلحاد الفرق الضالة في أسماء الله عز وجل))(٤).
الله وصفاته:
ألحدت بعض الفرق التي تدعي الإسلام
في أسماء الله وصفاته إما بالنفي أو التشبيه
«فمن نفی عنه ما وصف به نفسه، وسماها به
من أسماء فقد كفر، ومن شبه تلك الأسماء
والصفات بأسماء وصفات المحدثين فقد
كفر وأشرك))(٢).
ومن صور إلحاد الفرق الضالة ممن
يدعون الإسلام:
التأويل:
فيؤولون ((استواء الله تعالى على العرش
بالاستيلاء فرارًا من وصف الله تعالى
بالاستواء على عرشه، وتأويل صفة العلو
بالقهر فرارًا من وصف الجهة والتحيز)) (٣).
قال تعالى: ﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾
[طه: ٥].
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ
وقال:
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ
اٌلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
((أولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء،
وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على
(١) أخرجه الطبري في تفسيره، ١٠/ ٤٥٢.
(٢) عقيدة المؤمن، الجزائري ص ١١٠.
(٣) المصدر السابق ص ١١٠.
فلا يحل أن یسمی الله أو یوصف بما
لا يليق به، ومن وقع في ذلك فقد ألحد في
أسماء الله وصفاته.
ثانيًا: الإلحاد في الكتب المنزلة:
تعرضت الكتب السماوية الأولى للعديد
من صور التحريف والتكتم والنكران من
أهل الكتاب.
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ
الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ
لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مَِّا يَكْسِبُونَ ﴾
[البقرة: ٧٩].
ومن رحمة الله بهذه الأمة تنزيل القرآن
الكريم، والذي تكفل الله بحفظه، وكشف
ما ألحده أهل الكتاب في كتبهم الأولى،
ومنها:
أولًا: إلحاد المشركين في كتاب
الله:
من صور إلحاد المشركين في القرآن
والتشكيك والطعن فيه:
١. نسبة القرآن للسان أعجمي:
ألحد المشركون في القرآن بأن نسبوه
(٤) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٥٧٣.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الألف
لنصراني أعجمي يلقيه على النبي صلى
الله عليه وسلم فرد الله عليهم، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
◌ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَبِىّ
وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:
١٠٣].
((فمعنى يلحدون: يميلون عن الحق،
فهم يتركون الحق القويم من أنه كلام منزلٌ
من الله إلى أن يقولوا يعلمه بشر، فذلك ميل
عن الحق، وهو إلحاد))(١).
فهم يلحدون في نسبة كلام الله الذي
يتلوه عليهم النبي إلى لسان رومي أعجمي،
وكلام الله نزل بلسان عربي، والله قال:
﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَا عَرَبِيَّ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[الزخرف: ٣].
أي: «أنزلناه بلغة العرب فصیحًا واضحًا،
حتى تفهمونه وتتدبرونه))(٢)، فنسبة القرآن
للعجمیة إلحاد وزیغ عن وصفه قرآنًا عربيًا.
٢. الكذب على الله.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ
ومثاله قوله تعالى:
◌َيْرَةٍ وَلَا سَآَنِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاءٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يَفْتُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[المائدة: ١٠٣].
قال القرطبي: ((والمعنى في هذه الآية ما
سمی الله، ولا سن ذلك حکمًا، ولا تعبد به
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤/ ٢٨٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢١٨/٧.
شرعًا))(٣)
٠
فالكذب في سن أحكام ونسبة ذلك لله
تعالى، إلحاد في التشريع.
ثانيًا: إلحاد أهل الكتاب في الكتب
المنزلة:
فضح القرآن الكريم إفساد اليهود
والنصارى في كتبهم وإلحادهم فيها،
بالتحريف أو الإنكار أو التأويل الفاسد،
ومن صور إلحاد أهل الكتاب في التوراة
والإنجيل:
١ . الكفر بآيات الله:
ذكر الله كفر أهل الكتاب بآياته فقال
تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ اُلْكِنَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِشَايَتِ
اُللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨].
وقال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١].
أي: ((يكفرون بآيات الكتب المتلوة
مطلقًا، أو التوراة أو آیات منها كالآيات التي
فيها صفة رسول الله صلی الله عليه وسلم،
أو التي فيها الرجم أو القرآن، وفي إضافة
الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم،
وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته؛ لأنه أعظم كل
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٣٣٥/٦.
٢٣٨
مَوَبُو بَرُ النَّشيد
القرآن الكريم

الإلحاد
عظيم))(١).
٢. تحريف الكلم عن مواضعه:
قال تعالى فاضحًا بعض خبايا اليهود
القذرة، ومنها إلحادهم في كلامه سبحانه
بتحريفه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْأُ سَفَعُونَ
لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْـ
يَأْتُوَةٌ يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ.
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَ إِنْ لَمْ تُؤْتَوَّهُ
فَأَحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١].
وقال تعالى عنهم مرة ثانية: ﴿فَيِّمَا
نَقْضِهِم ◌ِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ
قَسِيَةٌ يُحَرِّقُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،
وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْبِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
أي: إن اليهود كانوا «﴿يُحْرِّقُونَ الْكَلِمَ مِنْ
بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير
تأويله، ويبدلونه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
ومن أمثلتها قال تعالى لهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا
أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرَبِيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْتُ شِئْتُمْ رَغَدًا
وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ
خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿ فَبَدَّلَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ أَلَّذِى قِيلَ لَهُمْ
فَأَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًّاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا
كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٨-٥٩].
أمرهم الله تعالى ((أن يدخلوها
سجدًا ... ، علامة على التواضع والخشوع،
(١) روح المعاني، الألوسي، ٣٤٣/١.
ويقولوا: حطة ... أي: حط عنا ذنوبنا واغفر
لنا، دخلوها على غير الهيئة التي أمروا بها،
وقالوا قولًا آخر غير الذي أمروا به))(٢)،
((فقد بدلوا الحطة بالحنطة والحنطة هي
القمح)) (٣) وقالوا: ((حبة في شعرة))(٤)، ومن
تحريفهم للكلم قوله تعالى عنهم: ﴿ یَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ
أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤].
وتحريفهم الكلم جاء بعد عقلهم إياه
وعلمهم به مبالغة في إلحادهم وزیغهم.
قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ
وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ
اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ, مِنْ بَعْدٍ مَا عَقَلُوهُ وَهُمّ
يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].
والاستفهام هنا ((للاستبعاد أو للإنكار
التوبيخي»(٥)؛ لإلحادهم القبيح في كتبهم.
٣. إخفاء وكتمان الآيات والأحكام:
ومثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ.
فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
أي: ((﴿فَتَبَذُوهُ﴾ أي: الميثاق، ﴿
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ٧٣.
(٣) تفسير الشعراوي، ١/ ١٩٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
١٦٢٧/٤، رقم ٤٢٠٩.
(٥) روح المعاني، الألوسي، ١/ ٣٧٣.
www. modoee.com
٢٣٩

حرف الألف
ظھُورِهِمْ﴾ فلم یراعوہ ولم يلتفتوا إلیه، وهذا
مثل في ترك الاعتداد وعدم الالتفات)) (١).
ومنها إخفاؤهم وكتمانهم آية وحكم
رجم الزاني، فعن ابن عمر رضي الله عنهما
قال: «إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلاً منهم
وامرأةً زنیا، فقال لهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (ما تجدون في التوراة في شأن
الرجم؟). فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال
عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم،
فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده
على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها،
فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع
يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق یا محمد
فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى
الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني وسلم:
على المرأة بقيها الحجارة)) (٢).
٤. تجزئة الكتاب وتقسيمه:
فرق أهل الكتاب بين أحكام الله، فقبلوا
ما ناسب أهواءهم وردوا ما خالفها.
فقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ
الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍّ فَمَا جَزَاءُ مَن
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢/ ٥٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من
كتب الله إلى العربية، ١٥٨/٩، رقم ٧٥٤٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب
رجم اليهود أهل الذمة في الزناء ١٣٢٦/٣،
رقم ١٦٩٩.
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَاً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُّرَدُّونَ إِلَ أَشَدِّ الْعَذَّابِ وَمَا
اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥].
لذا حذر الله تعالى المؤمنين من الإيمان
ببعض الكتاب ورد بعضه كما فعل اليهود
والنصارى فقال: ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
٢) الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ﴾ [الحجر:
٩٠-٩١].
((أي: قسموه إلى حق وباطل حيث قالوا
عنادًا وعداوة، بعضه حق موافق للتوراة
والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما))(٣).
فمن يفعل فعلهم من المسلمين بتجزئة
القرآن وأخذ بعض أحکامه وترك بعضها فهو
إلحاد في القرآن، مشابهة لليهود والنصارى.
٥. نكران نبوة محمد صلى الله عليه
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثَقَ
النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ
ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَ ذَلِكُمْ
إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَأَ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ
الشَّهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
﴿رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾
يعني:
(«محمدًا صلى الله عليه وسلم، جاء بالقرآن
بصدق التوراة في الأخبار والأقاصيص،
بالإيمان والنصرة له، وقبلتم؟
وَأَقْرَرْتُمْ
(٣) روح المعاني، الألوسي، ١٠/ ٧٢.
جوبيين
العَرَآن الكَرِيْمِ
٢٤٠