النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الافتراء عناصر الموضوع مفهوم الافتراء ٦٢ الافتراء في الاستعمال القرآني ٦٣ الألفاظ ذات الصلة ٦٤ ميادين الافتراء ومظاهره ٦٦ ذم المفترين والرد عليهم ٧٩ أسباب الافتراء ٨٥ آثار الافتراء ٨٧ ٨٥ عاقبة الافتراء المُجَلَدَ الرّابع حرف الألف مفهوم الافتراء أولًا: المعنى اللغوي: الافتراء مصدر مشتق من مادة (فري): بمعنى قطع الشيء، يقال: فراه یفریه فریًا: شقه شقًا، ثم يفرع منه ما يقاربه، من ذلك، فيقال: فريت الشيء أفریه فريًا، وذلك قطعك له لإصلاحه، ومن الباب: فلانٌ يفري الفري إذا كان يأتي بالعجب، كأنه يقطع الشيء قطعًا عجبًا (١). وفرى الكذب: اختلقه، يقال: فرى فلان كذبًا يفريه إذا خلقه(٢). فالافتراء فى اللغة هو: اختلاق الكذب. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المعنى الاصطلاحي للافتراء هو ذاته المعنى اللغوي؛ إذ إن الافتراء في الاصطلاح هو: اختلاق الأخبار التي لا أصل لها، وهو بذلك من الكذب العمد؛ بل هو شر الكذب. قال ابن عاشور: ((الافتراء: اختلاق الأخبار، أي: ابتكارها، وهو الكذب عن عمد»(٣). وقال ابن عطية: ((الافتراء أخص من الكذب، ولا يستعمل إلا فيما بهت به المرء وكابر، وجاء بأمر عظيم منكر)) (٤). وبالتأمل في المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي نجد أنه لا فرق بينهما؛ إذ كلاهما يعني: اختلاق الكذب، والافتراء أخص من الكذب، وأشد منه. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٩٧. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٣٠/٣٩. (٣) التحرير والتنوير ١٣/١٩. (٤) المحرر الوجيز ٣/ ٤٠٣. مَوَسُو ◌َرَ النفسي الموضوي القرآن الكريم ٦٢ الافتراء الافتراء في الاستعمال القرآني وردت مادة (فري) في القرآن (٦٠) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَىَ إِثْمًا عَظِيمًا S الفعل الماضي ٢٥ [النساء: ٤٨] الفعل المضارع ٢٦ قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ [ طه: ٦١] المصدر ٢ ﴿وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءُ عَلَى اللّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٠] اسم الفاعل ٣ ١٥٢ ٠﴾ [الأعراف: ١٥٢] ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ اسم المفعول ٣ ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ﴾ [هود:١٣] الصفة المشبهة ١ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٧﴾ [مريم:٢٧] وجاء الافتراء في القرآن على معناه اللغوي، وهو: الاختلاق والكذب في حق الغير بما لا يرتضيه، فهو أخص من الكذب، وأصله من الشق والقطع للإفساد، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٢٦٧-٢٦٩، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٨٧٥ -٨٧٦. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٩٦/٤-٤٩٧، لسان العرب، ابن منظور، ١٥٢/١٥-١٥٤. www. modoee.com ٦٣ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الكذب: ١ الكذب لغة: مادة كذب: الكاف والذال والباء: أصلٌ صحيحٌ يدل على خلاف الصدق(١). الكذب اصطلاحًا: قال الجرجاني: ((هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع؛ سواء بالقول، أو بالإشارة، أو بالسكوت))(٢). الصلة بين الكذب والافتراء: أن الافتراء أخص من الكذب، وأشد قبحًا منه؛ لأن الافتراء اختلاق الأخبار الكاذبة التى لا أصل لها، و کذلك فإن الافتراء کذب في حق الغیر بما لا یرتضیه، بخلاف الکذب فإنه قد يكون في حق المتكلم نفسه لا في حق الغير؛ ولذا يقال لمن قال: ((فعلت كذا ولم أفعل كذا)» مع عدم صدقه في ذلك: هو كاذب، ولا يقال: هو مفتر، وكذا من مدح أحدًا بما ليس فيه، يقال: إنه كاذب في وصفه، ولا يقال: هو مفتر؛ لأن ذلك مما يرتضيه المقول فيه غالبًا، وقال سبحانه وتعالى حكاية عن الكفار: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الشورى: ٢٤]؛ لزعمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم بما لا يرتضيه الله سبحانه مع نسبته إليه(٣). الإفك : ٢ الإفك لغةً: أفك إفگًا وأفوگًا: كذب، وأفك فلانًا: جعله یکذب، وحرمه مراده (٤). الإفك اصطلاحًا: أعظم الكذب، وكل شيء في القرآن إفك فهو كذب(٥). قال الشنقيطي: ((واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب؛ لأنه قلب للكلام عن الحق إلى (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٦٨/٥، المصباح المنير، الفيومي، ٢/ ٥٢٨. (٢) التعريفات، ص٧٤، وانظر: التوقيف، المناوي، ص٩٥٢. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٥٠ - ٤٥١. (٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص٩٣١. (٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٥٣. مُوسُوبَةُ النَّية القرآن الكَرِيْمِ ٦٤ الافتراء الباطل، والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه)(١). الصلة بين الإفك والافتراء: يشترك الإفك والافتراء في أن كلا منهما يعد من أشنع الكذب وأفظعه؛ وفي كليهما إساءة وإيذاء، ويختلف الإفك عن الافتراء بأن الإفك فيه قلب للحقيقة، أما الافتراء فهو اختلاق أخبار كاذبة ليس لها حقیقة أصلا، وكلاهما شرٌّ محض. البهتان: ٣ البهتان لغة: مشتقٌّ من بهت الرجل يبهته بهتًا وبهتانًا فهو بهات، أي: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوتٌ، والبهتان: افتراءٌ(٢). البهتان اصطلاحًا: هو الافتراء على الغير، وهو: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه؛ لأنه یبهت من ينقل عنه (٣) وقيل: هو كذب يبهت سامعه ويدهشه ويحيره؛ لفظاعته، وقال أبو البقاء: ((سمي به؛ لأنه یبهت أي: یسکت؛ لتخیل صحته، ثم ينكشف عند التأمل)) (٤). الصلة بين البهتان والافتراء: قال الكفوي: البهتان: هو الکذب الذي یبهت سامعه أي: يدهش له ويتحیر. وهو أفحش من الكذب؛ لأنه إذا كان عن قصد يكون إفكّا، والإفك: إذا كان على الغير يكون افتراء، والافتراء: إذا كان بحضرة المقول فيه يكون بهتانًا (٥). (١) أضواء البيان ٦/ ١٥. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٠٠. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٨/٢٨. (٤) انظر: التوقيف، المناوي ص ٨٤، الكليات، الكفوي ص ٢٢٦. (٥) الكليات، الكفوي ص١٥٤. www. modoee.com ٦٥ حرف الألف ميادين الافتراء ومظاهره الميادين التي يكثر فيها الافتراء، ويظهر بقوة متعددة ؛نجملها فيما يلي: أولًا: الافتراء في العقائد: ١ . الألوهية. من أعظم أنواع الافتراء: الفرية على الله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، والذي يعني الاختلاق عليه والحكاية عنه ما لم يقله، أو اتخاذ الأنداد والشركاء. ١. الافتراء على الله بادعاء الشركاء: قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَفْتَرَى إِثْمَا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. أي: ومن يجعل لغير الله شركة مع الله قيوم السموات والأرض -سواء كانت الشركة بالإيجاد أو بالتحليل والتحريم- فقد اخترع ذنبًا عظيم الضرر(١)؛ لأن الشرك انقطاع ما بين الله والعباد، فلا يبقى لهم معه أمل في مغفرة، إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون، مقطوعو الصلة بالله رب العالمين. ٢. الافتراء على الله بما لم يقله: ومن صور الافتراء على الله تزكية اليهود والنصارى لأنفسهم من غير برهان على ذلك، كما قال تعالى: (١) تفسير المراغي ٥/ ٥٩. جوبيى القرآن الكريم ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمَّ بَلِ اَللَّهُ يُزَكِّ مَن يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ( أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمَّا قُّبِينًا﴾ [النساء: ٤٩-٥٠]. هذا توبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم من کل من زکی نفسه بأمر ليس فيه؛ وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: ﴿غَحْنُ أَبْنَواْ اللَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. ويقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]. وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، فتزكيتهم أنفسهم من أعظم الافتراء على الله عز وجل؛ لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقًا، وما عليه المؤمنون المسلمون باطلًا، وهذا أعظم الكذب، وقلبٌ للحقائق بجعل الحق باطلاً، والباطل حقًا(٢). ولما كان الشرك أعظم الافتراء على الله أرسل الله الرسل لإبطال ما اختلقه المشركون على الله من عبادة غير الله، ودعوتهم إلى عبادة الله، كما قال هود عليه السلام لقومه: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرٌ مُّ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠]. أي: ولقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٢. ٦٦ الافتراء آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، غير الله، فيؤمن فريق، ويكفر فريق، ويتدافع الفريقان، ويجاهد الرسل والمؤمنون في الله حق جهاده، فيثبتون، وتكون العاقبة لهم، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ ◌َجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوَّ فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. ناهیًا لهم عن عبادة الأوثان التي افتروها، واختلقوا لها أسماء الآلهة (١)، وتسميتهم إياهم شفعاء يتقربون بهم أو بقبورهم أو بصورهم وتماثيلهم ويرجون النفع وكشف الضر عنهم بجاههم عنده. ولما قام الأنبياء -صلوات الله عليهم- بدعوة أقوامهم إلى ترك عبادة غير الله، والقيام بعبادة الله؛ آمن بهم فريق، وعائدهم فريق آخر، سماهم القرآن الملأ. قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كما قال تعالى: أُسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِ، لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَّا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَا كَثِهِينَ (٣٨) قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلى اللّهِكَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَنْنَا اَللَّهُ مِنْهَاً وَمَا يَكُونُ لَّا أَن نَّعُودَ فِيَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَيُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ٨٩ [الأعراف: ٨٨-٨٩]. أي: ما أعظم افتراءنا على الله إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وهدانا الصراط المستقيم باتباع ملة إبراهيم(٢). وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الدعوات أن يقوم الرسل وورثتهم من بعدهم بدعوة أقوامهم إلى عبادة الله، وترك عبادة (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٩/٤. (٢) تفسير المراغي ٩/ ٥. ٢. النبوة والمعجزات. من قبح المفترين ادعاؤهم على الرسل أنهم لم يأتوا بالمعجزات الباهرة والدلائل القاهرة من عند الله، وإنما هى اختلاق من عند أنفسهم، کما حکی الله عن فرعون وقومه من دعوة موسى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِثَايَيْنَا بَيْنَتِ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِيّ ◌َبَايِنَا﴾ [القصص: ٣٦]. يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون عليهما السلام إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة على صدقهما فيما أخبر عن الله عز وجل من توحيده، واتباع أوامره، فلما عاین فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة؛ وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا: ﴿مَا هَذَآَ إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرَى﴾ أي: مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، www. modoee.com ٦٧ حرف الألف فما صعد معهم ذلك (١). وقد جعلوا انتفاء بلوغ مثل هذه الدعوة إلی آبائهم حتى تصل إلیھم بواسطة آبائهم الأولين دليلًا على بطلانها؛ وذلك آخر ما يلجأ إليه المحجوج المغلوب حین لا یجد ما يدفع به الحق بدليل مقبول، فیفزع إلى مثل هذه التلفيقات والمباهتات (٢). ولما جاءت مريم -عليها السلام- بعيسى عليه السلام المعجزة الإلهية من غير أب تحمله، أنکر علیھا قومها ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلٌ. قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾. والذي يفهم من الآية أن مرادهم بقولهم: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: منكرًا عظيمًا؛ لأن «الفري» فعیلٌ من الفریة، یعنون به الزنا؛ لأن ولد الزنا كالشيء المفترى المختلق؛ لأن الزانية تدعي إلحاقه بمن ليس أباه، ويدل على أن مرادهم بقولهم: ((فریًا)» الزنا؛ قوله تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]. لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت، وجاءت بعيسى من ذلك الزنا -حاشاها وحاشاه من ذلك- هو المراد بقولهم لها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًافَرِيًّا﴾، ويدل لذلك قوله تعالى بعده: ﴿يَتَأْخْتَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٣٧. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ٥٥. هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُِّ بَفِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]. والبغي الزانية، يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان الفاحشة، فما لك أنت ترتكبينها؟! ومما يدل على أن ولد الزنا كالشيء المفترى قوله تعالى: لا يَتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَّرِنَّهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال بعض العلماء: أي: ولا يأتين بولد زنًا يقصدن إلحاقه برجلٍ ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في معنى الآية(٣). وعندما ینسخ الله حكمًا، ویآتي بحكم آخر لحِكَمٍ يعلمها ورحمة بعباده سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. قدحوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ويما جاء به؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَّكَانَ ءَايَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن زَّبِّكَ بِالْحِّ لِيُنَّبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدِّى وَبُشْرَىْ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢]. يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن يتتبعون ما يرونه حجة لهم، وهو أن الله (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٤١٤/٣. مَوَسُوبَةُ النَّية القرآن الكريم ٦٨ الافتراء تعالى هو الحاكم الحكيم، الذي يشرع أن لهم أجرًا حسنًا، ماكئين فيه أبدًا، وأيضًا الأحکام، ویبدل حکمًا مكان آخر لحكمته ورحمته، فإذا رأوه كذلك قدحوا في الرسول، وبما جاء به، و﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتِ﴾. قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُوْلَا يَعْلَمُونَ﴾ فھم جھال لا علم لهم بربهم ولا بشرعه. ولهذا ذکر تعالی حکمته في ذلك فقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوِعُ اَلْقُدُسِ﴾ وهو جبريل الرسول المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة. ونواهيه، فلا سبيل لأحد أن يقدح فیه قدًا صحیحًا؛ لأنه إذا علم أنه الحق علم أن ما عارضه وناقضه باطل. ﴿لُنَّبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ عند نزول آیاته وتواردها علیھم وقتًا بعد وقت، فلا یزال الحق یصل إلى قلوبهم شيئًا فشيئًا حتى يكون إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي، وأيضًا فإنهم يعلمون أنه الحق، وإذا شرع حكمًا من الأحكام ثم نسخه علموا أنه أبدله بما هو مثله أو خير منه لهم، وأن نسخه هو المناسب للحكمة الربانية والمناسبة العقلية. ﴿وَهُدِّى وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: یھدیهم إلى حقائق الأشياء، ويبين لهم الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ويبشرهم فإنه كلما نزل شيئًا فشيئًا كان أعظم هداية وبشارة لهم مما لو أتاهم جملة واحدة، وتفرق الفكر فيه، بل ينزل الله حكمًا ويشارة أكثر، فإذا فهموه وعقلوه وعرفوا المراد منه وترووا منه أنزل نظيره وهكذا. ولذلك بلغ الصحابة رضي الله عنهم به مبلغًا عظيمًا، وتغيرت أخلاقهم وطبائعهم، وانتقلوا إلى أخلاق وعوائد وأعمال فاقوا بها غيرهم. وكان أعلى وأولى لمن بعدهم أن يتربوا بعلومه ويتخلقوا بأخلاقه، ويستضيئوا بنوره ﴿پآخّقِ ﴾ أي: نزوله بالحق، وهو مشتمل على الحق في أخباره وأوامره في ظلمات الغي والجهالات ويجعلوه إمامهم في جميع الحالات، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية (١). يقول صاحب الظلال رحمه الله: ((إن المشركين لا يدركون وظيفة هذا الكتاب، لا يدركون أنه جاء لإنشاء مجتمع عالمي إنساني، وبناء أمة تقود هذا المجتمع العالمي، وأنه الرسالة الأخيرة التي ليست بعدها من السماء رسالة، وأن الله الذي خلق البشر عليم بما يصلح لهم من المبادئ والشرائع، فإذا بدل آية انتهى أجلها واستنفدت أغراضها، ليأتي بآية أخرى أصلح للحالة الجديدة التي صارت إليها الأمة، وأصلح للبقاء بعد ذلك الدهر الطويل الذي لا يعلمه (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٤٩. www. modoee.com ٦٩ حرف الألف إلا هو، فالشأن له، ومثل آيات هذا الكتاب تعنت الكافرين، واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه: كمثل الدواء تعطى للمريض منه جرعات حتی یشفی، ثم ينصح بأطعمة أخرى تصلح للبنية العادية في الظروف العادية. إن المشرکین لا یدرکون شيئًا من هذا كله، ومن ثم لم يدركوا حكمة تبديل آية مكان آية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فحسبوها افتراء منه، وهو الصادق الأمین الذي لم يعهدوا علیہ کذبًا قط(١). وقد حاول المشركون بكل الطرق فتنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليفتري على الله غير القرآن بما يوافق أهواءهم، لكن الله حفظ نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْلَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ، وَإِذَا لَّكَتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٣]. يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه له من أعدائه الحریصین علی فتنته بكل طريق، فقال: قد کادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحیلوا لك، أنزل الله إليك(٢). ٣. الكتب. أخبرنا الله عز وجل في كتابه الكريم عن (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢١٩٦. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٣. فتارة يزعمون أنه سحرٌ. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ هُمْ إِنْ هَذَآَ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣]. إنهم بقولهم هذا يغالطون أنفسهم، ویغالطون قومهم لستر مكابرتهم ولدفع ما ظهر من الغلبة عليهم، وهذا شأن المغلوب المحجوج أن يتعلق بالمعاذير الكاذبة. وتارة يزعمون أنه أضغاث أحلام، وتارة يزعمون أنه شعر جاء به شاعر، كما قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ أَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اُلْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. يذكر تعالى انتفاك المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من القرآن العظيم، وأنهم سفهوه، وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة. فتارة يقولون: ﴿أَضْغَتُ أَحْلَمٍ﴾ بمنزلة کلام النائم الھاذي، الذي لا یحس بما یقول، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا وتارة يقولون: ﴿افْتَرَبُهُ﴾ واختلقه وتقوله إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما من عند نفسه. وتارة يقولون: إنه ﴿شَاعِرٌ﴾ وما جاء به شعر. وكل من له أدنى معرفة بالواقع، من حالة الرسول، ونظر في هذا الذي جاء به، جزم جزمًا لا يقبل الشك، أنه أجل الكلام ٧٠ جوبيبو القرآن الكريم الافتراء وأعلاه، وأنه من عند الله، وأن أحدًا من البشر لا يقدر على الإتيان بمثل بعضه، كما تحدى الله أعداءه بذلك، ليعارضوا مع توفر دواعيهم لمعارضته وعداوته، فلم يقدروا على شيء من معارضته، وهم يعلمون ذلك وإلا فما الذي أقامهم وأقعدهم وأقض مضاجعهم وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا يقوم له شيء. وإنما يقولون هذه الأقوال فيه -حیث لم يؤمنوا به- تنفیرًا عنه لمن لم یعرفه، وهو أكبر الآيات المستمرة، الدالة على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه، وهو كاف شاف. فمن طلب دليلا غيره، أو اقترح آية من الآيات سواه، فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندین الذین کذبوه وطلبوا من الآيات الاقتراح ما هو أضر شيء عليهم، وليس لهم فيها مصلحة؛ لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبین دليله، فقد تبین دليله بدونها، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم، إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة -على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات- لا يؤمنون قطعًا، فلو جاءتهم كل آیة، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم (١). وتارة يزعمون أنه: ﴿إنكُ مُفتَى ﴾ وهذا القول من بهتانهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥١٨. الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآَ إِلََّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونٌَ فَقَدْ جَاءُ وظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤]. يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: إن هذا القرآن كذب كذبه محمد، وإفك افتراه علی الله، وأعانه على ذلك قوم آخرون، فرد الله عليهم ذلك بأن هذا مكابرة منهم، وإقدام على الظلم والزور. فهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال صدقه وأمانته وبره التام، وأنه لا یمکنه، لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن الذي هو أجل الکلام وأعلاه، وأنه لم يجتمع بأحد یعینه على ذلك، فقد جاءوا بهذا القول ظلمًا وزورًا. ومن جملة أقاويلهم فيه أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اُكْتَتَبَهَا﴾ أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم التي تتلقاها الأفواه، وينقلها كل أحد استنسخها محمد ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ وهذا القول منهم فيه عدة عظائم: منها: رميهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب والجرأة العظيمة. ومنها: إخبارهم عن هذا القرآن الذي www. modoee.com ٧١ حرف الألف هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله بأنه كذب وافتراء. ومنها: أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله وأن يضاهي المخلوق الناقص من كل وجه للخالق الكامل من كل وجه بصفة من صفاته، وهي الكلام. ومنها: أن الرسول صلی الله عليه وسلم قد علمت حالته، وهم أشد الناس علمًا بها، أنه لا یکتب، ولا يجتمع بمن یکتب له، وقد زعموا ذلك(١)، وما جرأهم على هذا البهتان إلا إشراكهم وتصلبهم فيه، ليس ذلك لشبهة تبعثهم على هذه المقالة لانتفاء شبهة ذلك(٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَبَُّنَا يَتْنَاتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَضْتَّكُمْ عَمَا كَانَ يَعْبُدُ ءَآبَا ؤَّكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِنْكٌ مُفْتَرَى﴾ [سبأ: ٤٣]. یخبر تعالی عن حالة المشرکین عندما تتلى عليهم آيات الله البينات، وحججه الظاهرات، وبراهينه القاطعات، الدالة على كل خير، الناهية عن كل شر، التي هي أعظم نعمة جاءتهم، ومنةٍ وصلت إليهم، الموجبة لمقابلتها بالإيمان والتصديق والانقياد والتسليم، أنهم يقابلونها بضد ما ينبغي، ويكذبون من جاءهم بها(٣). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧٨. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/١٩. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨٢. «فلم یثبتوا على صفة له، ولا على رأي يرونه فيه؛ لأنهم إنما يتمحلون ويحاولون أن يعللوا أثره المزلزل في نفوسهم بشتى التعللات، فلا يستطيعون، فينتقلون من ادعاء إلى ادعاء، ومن تعليل إلى تعليل، حائرين غير مستقرين، ثم يخلصون من الحرج بأن يطلبوا بدل القرآن خارقة من الخوارق التي جاء بها الأولون)» (٤). ودفاعًا عن القرآن ضد افتراءات المكذبين قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: لو افتريت يا محمد على القرآن كذبًا لطبع الله على قلبك، ولسلبك ما آتاك من القرآن، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اُفْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِبًا فَإِن يَِ اَللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ اَلْبَطِلَ وَيُحِنّ الْحَّ بِكَلِمَتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الشورى: ٢٤]. ثم برأ عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم مما نسبه إليه المفترون، وأثبت أنه الحق الکامل من ربه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ زَّيِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَنَّهُمْ مِّنْ تَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]. فالقرآن هو الحق من رب العالمين: «الحق بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحق الأزلي، وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٣٦٨. مَوَسُوبَةُ النَّسيد القرآن الكريم ٧٢ الافتراء الحق .. بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلية، وما يعقده بینھم وبین قوی الکون کله من سلام و تعاون وتفاهم وتلاق. الحق .. الذي تستجيب له الفطرة حين يلمسها إيقاعه، في يسر وسهولة، وفي غير مشقة ولا عنت؛ لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم، الحق .. الذي لا يظلم أحدًا في دنيا أو آخرة»(١). ثم نفى سبحانه وتعالى أن يختلق هذا القرآن كذبًا، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِیلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِیهِ مِن رَِّّ اٌلْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب المتقدمة، ومهيمنًا عليها، ومبينًا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وفيه بيان الأحکام والحلال والحرام، بیانًا شافيًا كافيًا حقًا لا مرية فيه من الله رب العالمين(٢). قال سید قطب رحمه الله: «وما كان من شأنه أصلًا أن يفترى، فليس الافتراء هو المنفي، ولكن جواز وجوده هو المنفي، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٢٨٠٥. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٢٦٩. وهو أبلغ في النفي وأبعد)»(٣). ثم بين سبحانه وتعالى أن المنتفعين بهذا القرآن هم المؤمنون فهو هدى ورحمة لهم، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْكَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبُّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي: يكذب ويختلق . تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب المنزلة لَكِن من السماء، وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير. ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات. فلهذا كان: ﴿وَهُدَّى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تهتدي به قلوبهم من الغي إلی الرشاد، ومن الضلالة إلى السداد، ويبتغون به الرحمة (٣) في ظلال القرآن ٣/ ١٧٨٦. www. modoee.com ٧٣ حرف الألف من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم وتشويه وطمس للحقائق، لتشويه القرآن المعاد(١). الكريم ورسالته السامية النبيلة، لقد بلغ صاحب هذا الكتاب ما لم يبلغه مسيلمة هكذا عرض القرآن الكريم افتراءات المكذبين، ثم دحضها عن القرآن وعن حامله، ثم أثبت بأنه من رب العالمين، ثم حدد المنتفعين به، وهم المؤمنون. الكذاب، بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد، بل كان يقر للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لكن كان الافتراء على كتاب الله في الزمن يدعي أنه رسول آخر، ولا ينكر وجود الرب، الحاضر: لقد ظهر في هذا العصر أحفاد للمفترين السابقین ساروا على نهجهم، واستخدموا طريقتهم في الافتراء، لم يوص بعضهم بعضًا بذلك، بل تشابهت قلوبهم في الافتراء، كما قال الله: ﴿أَتَوَاصَوْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]. ولا ينكر القرآن في الظاهر، وهذا المفتري جحد الرب، وأشرك به كل شيء، وافترى هذا الكتاب الذي يزعم أنه أعظم من القرآن. وهذه المحاولة للدس والافتراء على کتاب الله الکریم لیست الأولى، ولن تكون الأخيرة، ولكنها محاولات فاشلة. وسيبقى كتاب الله تعالى محفوظًا في الصدور وفي فـ«منهم من أنكر الوحي، وادعى أن السطور، ولن تؤثر فيه محاولات التحريف والتزييف. القرآن ((أثر أدبي خالد» وأنه ((منتج ثقافي» لا أکثر» (٢) . وصنف آخر اختلقوا قرآنًا يسمونه الفرقان الحق(٣)، وهو زيف وكذب وافتراء (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٢٧. (٢) المفترون، خطاب التطرف العلماني في المیزان، فهمي هويدي، ص٣٢. (٣) الفرقان الحق، كتبه القسيس الأمريكي ((أنيس شوروش)) بلغة عربية؛ لأنه من أصلّ عربي، فهو من نصارى مدينة ((الناصرة)) في فلسطين، وقد ادعى في كتابه أنه نجح في معارضة القرآن، وأنه بديل القرآن! وقد ادعى ((شوروش)) في كتابه النبوة ((متنبئ الأمريكان)) ويزعم أن الله أرسله نبيًا للعالمين في القرن الحادي والعشرين، أنزل عليه كتابه الأخير ((الفرقان الحق)) وقد استغرق إعداد الكتاب سبع سنوات، حيث بدأ إعداده بعد حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١ م، وانتهى منه عام ١٩٩٩م، وطبعه ثلاث طبعات، كانت الطبعة الثالثة عام ٢٠٠٢ م وأصدره في ولاية تكساس في أمريكا باللغتين العربية والإنجليزية في سبع وسبعين سورة، ودعا فيه المسلمين بصراحة إلى التخلي عن ما هم فيه من كفر وضلال، أخذوه من القرآن والإيمان به هو، وإفكه المفترى ((الفرقان الحق»، ليكونوا على هدى وفلاح! وبذلك جعل كتابه بديلاً عن القرآن. انظر: الانتصار للقرآن، تهافت فرقان متنبئ الأمريكان أمام حقائق القرآن، صلاح الخالدي ص ١٠. ٧٤ مَوْتَبُ و بَرُ النَّفْـ جوب القرآن الكريم الافتراء قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ يكن كذلك. لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْمَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. وسيقذف الله بنور ((القرآن الحق)) على ظلام ((الفرقان الحق المزعوم)) فإذا هو مضمحل، كما اضمحلت المحاولات السابقة للافتراء على القرآن، ويخرج القرآن من هذه الافتراءات منتصرًا مضيئًا للخلق طريق الحق، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ ◌ِلَّْ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ اَلْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وإنا من ذلك لعلى يقين. من حملته أن یکونوا درعًا حصينة في صد ودحض الافتراءات التي لا تنتهي ولن تنتهي؛ لأنها سنة الله في دعوته، وهذه الافتراءات زید یتلاشی؛ إذ لا نفع فيها، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُّ جُفَأَةُ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]. رابعًا: آيات الله وبراهینه: قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧]. أي: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجرامًا ﴿مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ وتقول على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم فليس أحد أكبر جرمًا ولا أعظم ظلمًا من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فکیف یشتبه حال هذا بالأنبياء! فإن من قال هذه المقالة صادقًا أو كاذبًا فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس. فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه لكن منزل القرآن سبحانه وتعالى يحب وسلم وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي (١). و ((من)) استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق، المعبر عنه بمن افترى على الله كذبًا و ((من)) الثانية موصولة، وهي عامة لكل من تتحقق فيه الصلة، وإنما كانوا أظلم الناس ولم يكن أظلم منهم لأن الظلم اعتداء على حق، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى، وأعظم الاعتداء على حق الله الاعتداء عليه بالاستخفاف بصاحبه العظیم، وذلك بأن یکذب بما جاءه من قبله، أو بأن يكذب عليه فيبلغ عنه ما لم يأمر به، فإن جمع بين الأمرين فقد عطل مراد الله (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢٥٥. www. modoee.com ٧٥ حرف الألف تعالی من جهتین: جهة إبطال ما يدل على مراده، وجهة إیهام الناس بأن الله أراد منهم ما لا يريده الله، والمراد بهذا الفريق: هم المشركون من العرب، فإنهم کذبوا بآيات الله التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وافتروا على الله الكذب فيما زعموا أن الله أمرهم به من الفواحش(١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ افْتَرَىْ عَلَ اللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كُذَّبَ بَِايَتِهِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]. ((أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله کذبًا کزعم من زعم أن له ولدًا أو شریگًا، أو أن غیره یدعی معه أو من دونه ويتخذ ولیًا له یقرب الناس إلیه زلفی ویشفع لهم عنده، أو زاد في دینهما لیس منه أو كذب بآياته المنزلة كالقرآن المجيد، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله))(٢). ثانيًا: الافتراء في الشرائع: من أعظم القضايا التي يقع فيها الافتراء قضية التحليل والتحريم، وهما تشريع شرعه الله سبحانه لعباده، ولیس لمخلوقٍ حقٌّ في تحريم شيءٍ أباحه الرب لعباده تدينا به إلا بوحيه وإذنه، وقد أنكر الله على من فعل ذلك. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/ ٨٦. (٢) المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٢٨٧. فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْثُم ◌َّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَّا قُلْ ءَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِتَقْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ؛ كقوله: ﴿قُلّ هَلَّمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءُ عَلَى اَللَّهِّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. وقوله: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْهَمِ خَالِصَةٌ ◌ِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا وَإِن يَكُنْ تَّيْنَةٌ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنٌَّ حَكِيمُ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الأنعام: ١٣٩]. ﴿وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْهَدٌ وَحَرْتُ و قوله: حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُزْمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنْهَهٌ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءَ عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوايَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. وقد نهى سبحانه وتعالى عن القول عليه بما لم يقل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامُ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. ٧٦ مُوسُوبَةُ التَّقِين جوبيبو القرآن الكريم الافتراء ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس " وَإِن يَكُن مَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءٍ" سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ، حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٣٨ - ١٣٩]. ١٣٩ فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه(١). فـ﴿هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ حين تقولونها بلا نص هى الكذب عينه، الذي تفترونه على الله، والذین یفترون على الله الكذب ليس لهم إلا المتاع القليل في الدنيا، ومن ورائه العذاب الأليم، والخيبة والخسران، ثم يجرؤ ناس بعد ذلك على التشريع بغير إذن فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام والحرث أنهم يقولون فيها: ﴿هَذِهِهِ أَنْعَدُ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾ أي: محرم ﴿لَا يَطْعَمُهَا من الله، وبغير نص في شريعته يقوم عليه ما إلَّا مَن نَّشَآءُ﴾ أي: لا يجوز أن يطعمه أحد، يشرعونه من القوانين، وينتظرون أن يكون إلا من أردنا أن يطعمه، أو وصفناه بوصف -من عندهم -. لهم فلاح في هذه الأرض أو عند الله!(٢). وانتصب (الكذب) على المفعول المطلق لـ(تصف) أي: وصفًا كذبًا؛ لأنه مخالف للواقع؛ لأن الذي له التحليل والتحریم لم ينبئهم بما قالوا، ولا نصب لهم دليلاً عليه (٣). وقد وقعوا فیما نهاهم الله عنه کما أخبر عنهم ﴿وَقَالُواْ هَذِيِه أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌلَا يَطْعَمُهَاْ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءَ عَلَيَّةٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَقْتَرُونَ ١٣٨ وَقَالُواْ مَا فِىِ بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَچِنَا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٦٠٩. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٠٠/٤. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٠/١٣. أي: من أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عمومًا، وجعلها رزقًا ورحمة، يتمتعون بها وينتفعون، قد اخترعوا فيها بدعًا وأقوالًا من تلقاء أنفسهم. وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا حجة إلا أهويتهم، وآراؤهم الفاسدة، وأنعام لیست محرمة من كل وجه، بل يحرمون ظهورها، أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام، وأنعام لا یذکرون اسم الله علیھا، بل یذکرون اسم أصنامهم، وما كانوا يعبدون من دون الله علیھا، وينسبون تلك الأفعال إلى الله. وهم كذبة فجار في ذلك (سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ على الله، من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل، والمنافع. ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام، ويعينونها محرمًا ما في بطنها على www. modoee.com ٧٧ حرف الألف الإناث دون الذكور، فيقولون: ﴿مَا فِی بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا ﴾ أي: حلال لهم، لا يشاركهم فيها النساء، ﴿وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاً ﴾ أي: نسائنا، هذا إذا ولد حيًا، وإن يكن ما في بطنها يولد ميتًا فهم فيه شرکاء، أي: فهو حلال للذكور والإناث. ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ الله ﴿وَصْفَهُمَّ﴾ حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله ﴿إِنَّهُ حَكِيمُ ﴾ حیث أمهل لهم، ومکنهم مما هم فيه من الضلال ﴿عليمٌ ﴾ بهم، لا تخفى عليه خافية، وهو تعالی یعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه، وهو یمهلهم جل جلاله. ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم، فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصفهم -بعد العقول الرزينة- السفه المردي، والضلال ﴿وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَّهُمُ اَللَّهُ﴾ أي: ما جعله رحمة لهم، وساقه رزقًا لهم، فردوا کرامة ربهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام، وهي من أحل الحلال. وكل هذا ﴿أَفْتِرَآءُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: كذبًا يكذب به كل معاند كفار ﴿قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ أي: قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم(١). وقد ذمهم الله سبحانه على قولهم وفعلهم، فقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَكِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاءٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَُّونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. أي: ما شرع الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال (٢) علیھم(٢). والبحيرة: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرونها محترمة. والسائبة: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شیئا اصطلحوا علیه، سيبوها فلا ترکب ولا یحمل عليها ولا تؤكل، وبعضھم ینذر شيئًا من ماله يجعله سائبة. والحام: جمل یحمی ظهره عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير دليل ولا برهان، وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم، وعدم عقلهم(٣). روى البخاري بسنده عن سعيد بن المسيب قال: ((البحيرة: التي يمنح درها (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٧٥. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١١/١١. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٦. ٧٨ الْعَشْرَآن الكَرِيْمِ الافتراء للطواغيت، فلا يحلبها أحدٌ من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيءٌ». قال: وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن عامٍ الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب). والوصیلة: الناقة البکر، تبکر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغیتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكرٌ، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيءٌ وسموه الحامي(١). وكان أول من تولى كبر هذا الافتراء اعمرو بن لحي»، فهو أول من غیر دین إبراهيم عليه السلام، روی ابن حبان بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلی الله عليه وسلم أنه قال: (عرضت علي النار، فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة ابن خندف یجر قصبه (٢) في النار، وكان أول من غير عهد إبراهيم، وسيب السوائب)(٣). (١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة)، رقم ٤٦٢٣. (٢) الأقصاب: الأمعاء، واحدها قصب. انظر: غريب الحديث، أبو عبيد القاسم بن سلام ٢/ ٣٢. (٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ذكر رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم في النار ابن ذم المفترين والرد عليهم تنوعت أساليب القرآن في ذم المفترين والرد عليهم، وسنتناول هذه الأساليب في النقاط الآتية: أولًا: وصفهم بالظلم: قال سبحانه وتعالى في معرض المبالغة في افتراء المفترین علی الله الذین لم يبلغ أحد من الظالمين قبلهم ظلمهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهَّ أُوْلَكَ يَنَاكُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَبِّ حَّى إِذَا جَاءَ تُهُمْ رُسُلْنَا يَتَوَقَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ ﴾ [الأعراف: ٣٧]. كَفِرِينَ فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا ما بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه، أو حرم عليهم في الدين ما لم يحرمه، أو عزا إلى دينه أي حكمٍ لم ينزله على رسله، أو كذب بآياته المنزلة عليهم بالقول أو بما هو أدل منه وهو الاستکبار عن اتباعها، أو الاستهزاء بها، أو تفضيل غيرها عليها بالعمل (٤). ((وإنما كانوا أشد الظالمين ظلمًا؛ لأن الظلم الاعتداء على أحد بمنعه من حقه، قمعة يعذب فيها، رقم ٧٤٩٠. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ١٦٧٧. (٤) المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٣٦٧. www. modoee.com ٧٩ حرف الألف وأشد من المنع أن يمنعه مستحقه، ويعطيه ثانيًا: تحديهم بالإتيان فيما زعموا أنه مفترى: من لا يستحقه، وأن يلصق بأحد ما هو بريء منه، ثم إن الاستحقاق وعدمه قد يثبتان بحكم العوائد، وقد يثبتان بأحكام الشرائع، وقد يثبتان بقضايا العقول السليمة، وهو أعلى مراتب الثبوت، ومدار أمور أهل الشرك على الافتراء على الله بأن سلبوا عنه ما هو متصف به من صفات الإلهية الثابتة بدلالة العقول. وأثبتوا له ما هو منزه عنه من الصفات والأفعال بدلالة العقول، وعلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ونكران دلالة المعجزة التي يقتضيها العقل، وعلى رمي الرسول صلى الله عليه وسلم بما هو بريء منه بشهادة العقل والعادة التي عرفوها منه بهتانًا وكذبًا، فكانوا بمجموع الأمرين وضعوا أشياء في مواضع لا یمکن أن تكون مواضعها، فكانوا أظلم الناس؛ لأن عدم الإمکان أقوى من عدم الحصول. وتقييد الافتراء بالحال المؤكدة في قوله: ﴿كَذِبًا﴾ لزيادة تفظيع الافتراء؛ لأن اسم الكذب مشتهر القبح في عرف الناس، وإنما اختير الافتراء للدلالة على أنهم يتعمدون الاختلاق تعمدًا لا تخالطه شبهة))(١). (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٥/٢٠. مَوَسُو ◌َرُ النَّقِين القرآن الكريم مر تحدي الله عز وجل للمشركين في القرآن المكي والمدني بأن يأتوا فيما زعموا أنه مفترى بمراحل: المرحلة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى تحداهم بالقرآن كله ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد فلیعارضوه بنظير ما جاء به وحده، وليستعينوا بمن شاءوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: ﴿قُل لَيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: ٨٨]. أي: قل: لو اتفقت الإنس والجن على محاولة الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز لا يستطيعون الإتيان به، ولو تعاونوا وتظاهروا على ذلك. المرحلة الثانية: تدرج معهم إلى عشر سور منه، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اَللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ [هود: ١٣]. أي: فإن كنتم صادقين فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. المرحلة الثالثة: ثم تحداهم بسورة، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ ٨٠