النص المفهرس

صفحات 1-20

صَوْو ◌َرُ النَفسِة الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ
الأصْلُ
عناصر الموضوع
مفهوم الأكل
١٧٦
الأكل في الاستعمال القرآني
١٧٧
الألفاظ ذات الصلة
١٧٩
أقسام المأكولات من حيث الحل والحرمة
١٨٠
١٨٧
أنواع المأكولات من حيث الطيب والخبث
١٩٠
تصنيف المأكولات حسب طبيعتها
٢٠١
المخلوقات والأكل
٢١٥
آداب الأكل
٢١٧
أثر الأكل على العبد
المُجَلَدَ الرّابع

حرف الألف
مفهوم الأكل
أولًا: المعنى اللغوي:
جاء في لسان العرب: ((أكلت الطعام أكلًا ومأكلًا، وأكل الطعام يأكله أكلًا؛ فهو آكل،
والجمع أكلة، والإكلة هيئة الأكل، والإكلة الحال التي يأكل عليها متكثًا أو قاعدًا مثل الجلسة
والركبة، يقال: إنه لحسن الإكلة، والأكلة المرة الواحدة حتى يشبع والأكلة اسم للقمة، وقال
اللحياني: الأكلة والأكلة كاللقمة واللقمة، يعنى بها جميعًا المأكول))(١).
والأكل بالضم والسكون، هو ما أكل من الطعام ونحوه، والأكال بالفتح ثم الضم هو ما
يؤكل أيضًا(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه الجرجاني بأنه: ((إيصال ما يتأتى فيه المضغ إلى الجوف، ممضوغًا كان أو غيره، فلا
يكون اللبن والسويق مأكولًا))(٣).
وعرفه الكرماني بأنه: ((بلح الطعام بعد المضغ))، ثم قال: ((فبلع الحصاة ليس بأكل
حقيقة)) (٤)
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
(١) لسان العرب، ابن منظور ١١/ ١٩.
(٢) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٢١٦.
(٣) التعريفات ص٥٠.
(٤) التوقيف، المناوي ص ٨٥.
١٧٦
القرآن الكريم

الأكل
الأكل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أكل) في القرآن (١٠٩) مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٥
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]
الفعل المضارع
٥٦
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَّيْنًا
فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]
فعل الأمر
٣٢
﴿كُوْ مِن رِّزْقِ رَيْكُمْ وَاشْكُرُوْ لَهُ﴾ [سبأ: ١٥]
وَتَأْكُلُونَ الَُّاثَ أَكْلًا لَّمَّا
﴾ [الفجر: ١٩]
١٩
المصدر
٤
﴿فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَا لِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
اسم الفاعل
٣
[الصافات: ٦٦]
اسم المفعول
١
سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ.
صيغة المبالغة
١
[المائدة: ٤٢]
اسم جامد
٧
﴿تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥]
وجاء الأكل في الاستعمال القرآني على خمسة وجوه (٢):
الأول: بمعناه المعروف وهو تناول الأكل: ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ
شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. وقوله: ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِئبُ﴾ [يوسف:١٣]. يعني: يفترسه فيأكله.
الثاني: الشيء المأكول: ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أَكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]. يعني:
ما تثمره فیؤکل.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٥،٣٦، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٦٦-٦٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص١١١- ١١٢، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٩٨/١-١٠٠،
بصائر ذوي التمییز، الفيروزآبادي، ٨١/٢-٨٢.
www. modoee.com
١٧٧
◌َجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ [الفيل: ٥]

حرف الألف
الثالث: أخذ الأموال وسلبها بالباطل: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
الرابع: الإحراق: ومنه قوله تعالى: ﴿حَقَّ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣].
يعني: تحرقه النار.
الخامس: الفساد: ومنه قوله تعالى: ﴿َجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ ﴾﴾ [الفيل:٥]. يعني:
مأكول أو متآكل فاسد.
١٧٨
مَوَسود
القرآن الكريم

الأكل
الألفاظ ذات الصلة
الطعام:
١
الطعام لغةً:
الطعام اسمٌ جامعٌ لكل ما يؤكل، ويقال: طعم يطعم طعمًا؛ فهو طاعمٌ، إذا أكل، أو ذاق،
وإذا استعمل هذا الفعل بمعنی الذواق جاز فیما یؤکل وفیما یشرب. وروي عن ابن عباس
أنه قال في زمزم: (إنها طعام طعم، وشفاء سقم)(١). أي: يشبع الإنسان إذا شرب ماءها، كما
يشبع من الطعام، ويطعم: بمعنى يشبع، ويطلقّ الطعام عند الحجازيين على البر خاصة (٢).
الطعام اصطلاحًا:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الأول.
الصلة بين الأكل والطعام:
أن الطعام هو ما كل يؤكل؛ فالصلة بينهما قوية.
الشراب:
٢
الشراب لغة:
الشَرْب مصدر شَربْتُ أَشْرَبُ شَرْبًا وشُرْبًا، يقال: شرب الماء وغيره شَرْبًا وشُرْبًا وشِرْبًا،
ومنه قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ اَلْسِيمِ ) فَشَرِبُونَ شُرْبَ اَلْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤- ٥٥].
والشَرْبُ: المصدر، والشِرْبُ: الاسم، والشِرْبُ: الماء، والجمع أشرابٌ.
الشراب اصطلاحًا:
ما شرب من أي نوع كان، وعلى أي حال كان، وقال أبو حنيفة: الشراب والشروب
والشريب واحد (٣)، والشّربة: في المفهوم الطبي قدر من السائل يشرب مرة واحدة، أو مرات
متتالية (٤).
الصلة بين الأكل والشراب:
كلاهما من الأطعمة، لكن غلب استعمال الشراب على السوائل، والأكل على ما يمضغ
من الطعام.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر رضي الله، رقم ٢٤٧٣.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٢٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٣/١٢.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ٤٧٨/١.
(٤) معجم المصطلحات الطبية ٦٩/٢.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الألف
أقسام المأكولات من حيث الحل والحرمة
الأصل في المأكولات على جهة
الإطلاق الحل إذا كانت طيبة، والحرمة إذا
كانت خبيثة، فالطيبات حلال بنص قول الله
تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ
اُلَطَّيِّبَتُ﴾، وقوله جل شأنه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّلَكُم
الطَّيْبَتُ ﴾ [المائدة: ٥].
والمراد بالسؤال في الآية السؤال عما
تستطیبه النفس و تشتهيه، ولا يجوز أن يراد
الحلال؛ لأنهم سألوه عما يحل لهم فكيف
يقول أحل لكم الحلال، والخبائث قال عنها
المولى عز وجل: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فجعل الطيب صفةً في المباح عامةً
تميزه عن المحرم، وجعل الخبيث صفةً في
(١)
المحرم تميزه عن المباح
قال الماوردي ما ملخصه: اعلم أن
المأكول ضربان: حيوان ونبات، فأما النبات
فأخر الكلام عليه، ثم قال: وأما الحيوان
فضربان: بري وبحري، فأما البحري فقد
مضى الكلام، وأما البري فضربان: دواب
وطائر، وهذا الباب يشتمل على ما حل منها
وحرم، وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ورد النص بتحليله في كتاب
أو سنة، فهو حلال.
(١) كشاف القناع، البهوتي ٦ / ١٨٩.
والضرب الثاني: ما ورد النص بتحريمه
في كتاب أو سنة فهو حرام.
والضرب الثالث: ما كان غفلًا لم يرد
فيه نص بتحليل ولا تحريم، فقد جعل الله
تعالی له أصلا یعرف به حلاله وحرامه، في
آیتین من كتابه وسنة عن رسوله(٢).
أولًا: المأكولات المباحة:
المأكولات المباحة تشمل أصنافًا شتى
ورد بعضها في كتاب الله تعالى بصيغة
الإجمال، وبعضها بصيغة التفصيل،
وبينت السنة النبوية هذه الأصناف، وجملة
الأصناف المباحة من الأطعمة هي:
أولًا: كل طعام طيب طاهر في حال
الاختيار، لا مضرة منه، سواء كان من
الحبوب أو الفواكه أو الخضروات أو
غير ذلك، ويشمل ذلك الأطعمة الجامدة
والمائعة (٣).
قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَّ قُلّ
أُحِلَ لَكُمُ الَِّبَتُ ﴾ [المائدة: ٤].
قال الرازي: ((الطيب في اللغة هو
المستلذ، والحلال المأذون فیه یسمی أيضًا
طيبًا تشبيهًا بما هو مستلذ، لأنهما اجتمعا في
انتفاء المضرة))(٤).
(٢) الحاوي الكبير، ١٥/ ١٣٦ بتصرف يسير.
(٣) انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل
٢٦/٣، كشاف القناع، البهوتي ١٨٩/٦.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ١٦٠٨.
١٨٠
موسوبر النفسيةِ العضوي
القرآن الكريم

الأكل
ثانيًا: كل حيوان بحري سواء صيد حيًّا، أو على هيئة غير مشروعة (٤).
أو خرج ميتًا، وسواء صاده مسلم أم غير
مسلم.
ثالثًا: كل طير باستثناء ما كان ذا مخلب،
خلافًا لمن أباح أكل الطير ذي المخلب من
فقهاء المالكية وغيرهم(١).
رابعًا: العصائر والمشروبات المتخذة
من نباتات وفواكه مختلفة ما لم تصل لدرجة
الإسكار أو إذا أمن سکرها.
خامسًا: يجوز أكل الأطعمة التي فيها
الدود والسوس؛ كالفواكه والقثاء والبطيخ
والحبوب والخل إذا لم تقذره نفسه وطابت
به؛ لأن التحرز من ذلك يشق على الناس (٢).
ثانيًا: المأكولات المحرمة:
المأكولات المحرمة بنص القرآن الكريم
أوردها في مسألتين على النحو التالي:
المسألة الأولى: مأكولات محرمة
بنصوص قرآنية صريحة:
١. الميتة.
الميتة من الحيوان هي ما مات بغير
تذكية (٣)، أو الحيوان الذي مات حتف أنفه
(١) شرح الخرشي على مختصر خليل ٢٦/٣.
(٢) المغني، ابن قدامة ٨٣/١١.
(٣) الذكاة: إنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح،
والنحر في المنحور والعقر في غير المقدور
عليه، مقرونًا ذلك بنية القصد إليه، وذكر الله
تعالى عليه، وهي تشمل أربعة أنواع: الذبح،
والنحر، والعقر، وما يموت به مما ليس له
وقد جاء تحريم الميتة بالنص الصريح
في القرآن الكريم في أربعة مواضع هي:
أولًا: قول الله تعالى: ﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
اَلْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ
اَللَّهِ فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاِعْ وَلَا عَادٍ فَلَا إِنَّمَ عَلَيْهِ إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: ١٧٣].
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ
وَلَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾
[المائدة : ٣].
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ
إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ
مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ
رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهُ فَمَنِ اضْطُرَّ
غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ هـ
[الأنعام: ١٤٥].
رابعًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُمِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
◌ِهٌِّ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيِّرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
• [النحل: ١١٥].
((والميتة من الأطعمة الخبيثة ليس لذاتها
بل لعارض الموت الذي طرأ عليها ولم
نفس سائلة.
انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ٥٤١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٥٣.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢ / ٩٠،
المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٢/ ٠٨٩١
www. modoee.com
١٨١

حرف الألف
تتم تذكيتها بالطريقة الشرعية، والحكمة
من تحريمها: أنها تكون في الغالب ضارة؛
لأنها لا بد أن تکون ماتت بمرض أو ضعف
أو نسمة خفية مما يسمى الآن بالميكروب
... یولد فيها سمومًا، وقد یعیش میکروب
المرض في جثة الميت زمنًا؛ ولأنها مما
تعافها الطباع السليمة وتستقذره وتعده خبئًا،
وكذلك ما فيها من احتباس الدم والرطوبات
التي لا تزول منها إلا بالذكاة الشرعية»(١).
٢. الدم المسفوح.
الدم المسفوح هو: الدم السائل من
الحيوان، ولا جدال في نجاسته وحرمة
استخدامه.
قال القرطبي: اتفق العلماء على أن الدم
حرام نجس لا یؤکل ولا ينتفع به(٢).
وقد جاء تحريم الدم المسفوح في القرآن
في أربعة مواضع، ثلاث منها بلفظ (الدم)
وهي في سورة البقرة (١٧٣) والمائدة (٣)
والنحل (١١٥)، وقد سبق ذكر الآيات في
الميتة.
والرابع بلفظ الدم المسفوح في ﴿ قُل
لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ:
إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ
خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُّ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
ج
[الأنعام: ١٤٥].
(١) حكم تناول الميتة، صالح الفوزان، مجلة
البحوث الإسلامية ٩/ ٢٠٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٢٢١.
والمعروف كما ذكره أحد المعاصرين
«أن الدم يجري في البدن لیغذیه، ثم تصب
فيه الخلايا التالفة والسموم والجراثيم،
فيحملها في جريانه، ويمر بها على الكليتين
لتصفيته هناك منها، وإخراجها بشكل
السائل المعروف بالبول، الذي هو من
أخبث الخبائث، واجتمعت على إثبات
خبثه بدهيات العادات، ومقررات الشرائع،
وكرهته واستخبثته الفطر السليمة، لما جعل
الله تعالى فيه من الروائح المنفرة لكي
یتجنبه من یعلم ضرره ومن لا يعلمه.
فالدم الذي يحتوي على هذا البول
حرمته الشريعة، لكمالها، ولم تنص على
تحريم البول؛ لأن البول يتجنب بالفطرة،
أما الدم فلا تستدعي الفطرة تجنبه، ولذلك
جعلت الشريعة إخراجه من الحيوانات
بالتذکیة شرطًا لحل لحمها، تقليلا للأضرار،
وإصلاحًا للأبدان، وحملًا للمؤمنين على
أكمل مناهج الحياة))(٣).
٣. لحم الخنزير.
ورد النص بتحريم الخنزير صراحة
في أربعة مواضع من سور القرآن، أولها
في البقرة: ١٧٣، والثاني في المائدة: ٣،
والثالث في الأنعام: ١٤٥، والرابع في
النحل: ١١٥، ونصوص الآيات سبق ذكر
(٣) الذبائح والطرق الشرعية في إنجاز الذكاة،
محمد سليمان الأشقر، مجلة مجمع
الفقه ١٠/ ٢٦٤.
موسوعة النفسية
القرآن الكريم
١٨٢

الأكل
ها في الميتة.
والخنزير أكبر مستودع للجراثيم الضارة،
ويأكل غالبًا كل شيء، ويتميز بالخمول
والكسل، ولا يحب العيش في الأماكن
النظيفة، وهو محرم الأكل في الإسلام
واليهودية والنصرانية، بل وفي البوذية
والهندوسية، والزرادشتية (١).
قال القنوجي: ((كل شيء في الخنزير
حرام، وتخصيص اللحم بالذكر؛ لأنه يقصد
في العادة، والخنزير مسخ بصورته قوم،
ولم يزل نوح ومن بعده من الأنبياء يحرمون
الخنزير ويأمرون بالتبعد عنه إلى أن يتنزل
عيسى فيقتله، ويشبه أن الخنزير كان يأكله
قوم فنطقت الشرائع بالنهي عنه وهجر أمره
أشد ما يكون)) (٢).
ويقول أحد الأطباء الصينيين: ((إن لحم
طبخه مرقًا مرکزًا جدًا وله تأثيرات سامة
على جسم الإنسان))(٣).
٤. كل ما ذبح لغير الله عز وجل.
ما أهل لغير الله به يشمل أصنافًا من رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه
(١) انظر: حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير في
العلم والدین، سلیمان قوش ص١٩ -٢٢.
(٢) الروضة الندية، القنوجي ٢٦٢/٢.
(٣) انظر: حكمة وأسباب تحريم لحم الخنزير
في العلم والدين، سليمان قوش ص٢١،
والطبيب هو لي شن تشن ويعد من أشهر
أطباء الصين له كتاب في الطب حوالي ٥٠
مجلدًا اسمه المواد الطبية.
الذبائح:
منها: المذبوح المتقرب به لغير الله
تعالى، كالمذبوح لعيسى عليه السلام،
أو للعزير، أو ما يذبحه الكفار لآلهتهم.
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ
وَمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللَّهِ يِ ﴾
[المائدة: ٣].
ومنها: المذبوح على النصب، وهي
الحجارة التي كان يعظمها أهل الجاهلية
ويذبحون عليها، وقال جل شأنه:
ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].
روي عن مجاهد قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ﴾ قال: ((كان حول الكعبة حجارة
كان يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدلونها إذا
شاؤوا بحجر هو أحب إليهم منها)» (٤).
وقال ابن عطية: ((ما ذبح على النصب
الخنزير له رائحة غير مقبولة، ويعطي عند جزء مما أهل به لغير الله، ولكن خص
بالذكر بعد جنسه لشهرة الأمر وتشرف
الموضع وتعظيم النفوس له))(٥).
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر
وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيلٍ بأسفل
بلدح، قبل أن ينزل على النبي صلى الله
عليه وسلم الوحي فقدمت إلى النبي صلى
الله عليه وسلم سفرةٌ، فأبى أن يأكل منها ثم
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ٥٠٩.
(٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ١٧٧.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الألف
قال زيدٌ: إني لست آكل مما تذبحون على
أنصابکم، ولا آکل إلا ما ذکر اسم الله علیه،
وأن زید بن عمرو کان یعیب علی قریش
ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل
لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض،
ثم تذبحونها على غیر اسم الله إنكارًا لذلك
وإعظامًا له)(١).
٥. الحيوانات التي ماتت حتف أنفها ولم
یتمکن من تذکیتھا.
وهي الوارد ذكرها في قول الله تعالى:
﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَّرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ
وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣].
وبيانها كالتالي:
١. المنخنقة: وهي التي تموت بالخنق،
إما قصدًا، وإما اتفاقًا، بأن تتخبل في
وثاقتها فتموت به.
٢. الموقوذة: وهي التي تضرب بشيء ثقيل
غير محدد کالخشبة حتى توقذ فتموت،
کما قال ابن عباس وغيره، وقال قتادة:
((كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي،
حتى إذا ماتت أكلوها))(٢).
٣. المتردية: وهي التي تقع من شاهق
أو موضع عال كالجبل ونحوه
فتموت بذلك، أو التي تتردى في بئر،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح
والصيد، باب ما ذبح على النصب والأصنام،
رقم ٥٤٩٩.
(٢) عمدة القاري، العيني ١٣٥/٢١.
والتفسيران مرويان عن ابن عباس
وقتادة(٣).
٤. النطيحة: وهي التي ماتت بسبب نطح
غيرها لها فهي حرام، وإن جرحها القرن
وخرج منها الدم، ولو من مذبحها.
٥. ما أكل السبع: وهي التي عدا عليها
أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب
فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام،
وإن كان قد سأل منها الدم ولو من
مذبحها (٤).
ويستفاد من الآية الكريمة أن الحيوان
يحل أكله إذا أزهقت روحه بالذكاة الشرعية،
ولا يحل بما سوى ذلك؛ كالخنق، والوقذ،
والتردي، والنطح، وأكل السبع، حتى لو
سال دمه نتيجة ذلك، مما يفيد إفادة واضحة
أن الحيوان لا يحل بمجرد سيلان الدم،
ولو من مذابحه، وإنما يجب أن يسيل الدم
بطريق شرعه الله تعالى للتذكية.
المسألة الثانية: مأكولات محرمة
بنصوص قرآنية عامة أو نصوص من
السنة:
هناك طائفة من الأطعمة استفید تحريمها
من نصوص عامة في القرآن الكريم،
ونصوص صريحة في السنة النبوية، وغيرها
من الأدلة هذا بيانها:
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
١٨٤
وضوح
مَوَسُولَةُ الْبَشِمَة
القرآن الكريم

الأكل
١. كل ذي ناب من السباع.
کل ذي ناب هو الحيوان الذي يفترس
بأنیابه ویعدو کالأسد والذئب والكلب
والفهد وغير ذلك، وأكثر الفقهاء على أنه لا
يؤكل لحمه، فقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة
ومالك والشافعي(١).
هذا وقد رويت إباحة أكله عن السيدة
وقد استدلوا على ذلك بما أخرجه عائشة، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير،
وتبعهم على ذلك بعض المالكية (٥)،
واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى:
﴿قُل لَّ أَجِدُفِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِيمٍ﴾
[الأنعام: ١٤٥].
الشيخان عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله
عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم نهى
عن أكل كل ذي نابٍ من السباع (٢).
كما استدلوا بالمعقول بأن هذه
الحيوانات تأكل الجيف، ولا تستطيبها
العرب(٣).
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله أسباب التحريم فقال: ((وأسباب
التحريم: إما القوة السبعية التي تكون في
نفس البهيمة فأکلها یورث نبات أبداننا منها
فتصير أخلاق الناس أخلاق السباع، أو لما
الله أعلم به، وإما خبث مطعمها كما يأكل
الجيف من الطير، أو لأنها في نفسها مستخبثة
کالحشرات، فقد رأينا طيب المطعم يؤثر في
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ١٢١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح
والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع،
رقم ٥٥٣٠، ومسلم في صحيحه، كتاب
الصيد والذبائح، بأب أكل كل ذي ناب
من السباع وكل ذي مخلب من الطير، رقم
٥١٠٣، عن أبي ثعلبة الخشني.
(٣) المجموع، النووي ٩/ ١٢.
الحل وخبثه يؤثر في الحرمة كما جاءت به
السنة في لحوم الجلالة ولبنها وبيضها؛ فإنه
حرم الطيب لاغتذائه بالخبيث، وكذلك
النبات المسقي بالماء النجس والمسمد
بالسرقين عند من يقول به))(٤)
٢. كل ذي مخلب من الطير.
للفقهاء قولان في أكل الطيور ذات
المخلب:
القول الأول: أنه يحرم أكلها، وهو
مذهب الحنفية والشافعية وأحمد وأكثر أهل
العلم (٦).
واستدلوا على ذلك من السنة بما روي
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: (أن رسول
الله صلی الله علیه وسلم نھی عن کل ذي
نابٍ من السباع وعن كل ذي مخلبٍ من
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢١/ ٥٨٥.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ١٢١.
(٦) انظر: تحفة الفقهاء، السمرقندي ٦٥/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢١/٧،
الحاوي الكبير، الماوردي ١٤٥/١٥،
المغني، ابن قدامة ٦٦/١١، كشاف القناع،
البهوتي ٦/ ١٩٠.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الألف
الطير)(١).
كما استدلوا بالمعقول بأن طبيعة هذه
الأشياء مذمومة شرعًا؛ فیخشی أن یتولد من
لحمها شيء من طباعها فيحرم إكرامًا لبني
آدم كما أنه يحل ما أحل إكرامًا له(٢).
القول الثاني: أنه يباح أکلھا، وهو قول
مالك والليث والأوزاعي(٣).
وذلك استدلالًا بعموم قوله: ﴿قُل لَّاً
أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعٍِ﴾ [الأنعام:
١٤٥].
ومن حجة الإمام مالك رحمه الله في
ذلك أنه لم يجد أحدًا من أهل العلم يكره
أكل سباع الطير، وأنكر الحديث عن النبي
صلی الله عليه وسلم(٤).
والقول الأول أرجح، لموافقته لنص
الحديث الصحيح، ولأن هذه الآية مكية،
وكل محرم حرمه الرسول صلى الله عليه
وسلم أو جاء في الکتاب مضموم إلیھا، فهو
زيادة حكم من الله تعالى على لسان نبيه
عليه السلام.
قال القرطبي: ((إنه ليس يمتنع أن تقع
الزيادة بعد قوله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيد
والذبائح، باب أكل كل ذي ناب من السباع
وكل ذي مخلب من الطير، رقم ٥١٠٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٠٤/٦.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١١٨/٧.
(٤) المصدر السابق.
مُحَرَّمَا عَلَ طَاعِمِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
بما يرد من الدليل فيها، كما قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ
مسلم إلا بإحدى ثلاث)(٥).
فذكر الكفر والزنا والقتل، ثم قال
علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من
الأدلة، إذ النبي صلی الله عليه وسلم إنما
يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري
تعالى، وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ
ويقدم))(٦).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات،
باب قوله تعالى: (أن النفس بالنفس)، رقم
٦٨٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة
والمحاربين والقصاص والديات، باب ما
يباح به دم المسلم، رقم ١٦٧٦، عن ابن
مسعود رضي الله عنه.
(٦) الجامع لأحكام القرآن ١١٦/٧.
مَوَسُوبَةُ النَّقِّ
القرآن الكَرِيْمِ
١٨٦

الأكل
أنواع المأكولات من حيث الطيب والخبث
أولًا: المأكولات الطيبة:
ذكر الله تعالى لفظ الطيب بمشتقاته
المختلفة في أكثر من عشرين موضعًا في
القرآن الكريم، أكثره مرتبط بالرزق من
الطعام والشراب ونحوه، وبين أن ذلك
من نعم الله تعالى وفضله على الناس من
المؤمنین وغيرهم.
وقد أخبر الله تبارك وتعالى أن الطعام
المباح في الطعام الطيب.
قال تعالى ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمْ قُلّ
أُحِلَ لَكُمُ اَلْطَّبِّيَتُ ﴾ [المائدة: ٤].
وقد أمر الله عز وجل بالأكل من
الطيبات، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ
مِنَ اُلَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحً إِنِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
[المؤمنون: ٥١].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨].
ونهى عن تحريم ما أحل من الطيبات
فقال جل وعلا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَمْتَدُوَأَ إِنَّ اللّهَلَا
وَكُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
طَيِّبَا﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨].
وقال عز وجل: ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةً
اللَّهِ أَلَِّيّ أَخْرَجَ ◌ِبَادِهِ، وَأَلَّيِّبَتِ مِنَ اَلْرِزْقِ﴾
[الأعراف: ٣٢].
وقد امتن الله تعالى على بني آدم بأن
زرقهم الطيبات.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحَلْنَهُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
﴾ [الإسراء: ٧٠].
٧٠
وامتن الله عز وجل على بني إسرائيل
بإنزال الطيبات عليهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَانَيْنَا بَنِىَ إِسْرَِّيلَ
الْكِتَبَ وَالْمُكْرَ وَالنُُّوَةَ وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اُلَِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١)﴾ [الجاثية: ١٦].
وقد وصف الله عز وجل الغنائم التي
يحوز المؤمنون في المعارك بأنها من
الطيبات.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ
مُسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ
النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُمْ
مِّنَ الَِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[الأنفال: ٢٦].
ثانيًا: المأكولات الخبيثة:
والخبائث أنواع كثيرة، يحرم على المرء
تناولها في حال الاختيار، سواء ظهرت لنا
حکمة التحریم أو لم تظهر.
قال ابن القيم رحمه الله: وقد حرم
الله سبحانه وتعالى علينا تناول الخبائث،
والخبث الموجب للتحريم قد يظهر لنا
www. modoee.com
١٨٧

حرف الألف
وقد يخفى، فما كان ظاهرًا لم ينصب عليه
الشارع علامة غير وصفه، وما كان خفيًا
نصب عليه علامة تدل على خبثه، فعلى
سبيل المثال احتقان الدم في الميتة سبب
ظاهر، وأما ذبيحة المجوسي والمرتد وتارك
التسمية ومن أَهَلَ بذبيحة لغير الله عز وجل؛
فإن ذبح هؤلاء أكسب المذبوح خبئًا أوجب
تحریمه، ولا ینکر أن یکون ذکر اسم الأوثان
والكواكب والجن على الذبيحة يكسبها
خبثاً، وذكر اسم الله وحده يكسبها طيبًا (١).
وقد اختلف العلماء في المقصود
بالخبائث التي ورد تحريمها في القرآن على
أقوال:
المحرمات؛ لأن العرب تقول لكل خبيث
محرم(٢).
الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من
المحرمات من المآكل التي حرمها الله،
وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله
عنهما(٣).
(١) أعلام الموقعين، ٢/ ١٧٣ بتصرف.
(٢) معاني القرآن، النحاس ٣/ ٩٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦٦/١٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٤٤٨/٣، الدر
المنثور، السيوطي ٥٨٢/٣.
مَوَنُوابَرُ الْبَِّدُ
جوبيبو
القرآن الكريم
يوافق النفس من المحظورات (٤).
وأما الفقهاء فإنهم اختلفوا في المقصود
بالخبیٹ والخبائث على هذا النحو:
فعند الحنفية أن الخبائث هي ما تستخبثه
الطباع السليمة ولا تتقبل أكله، وذلك یشمل
حيوانات وطيور وحشرات بعينها، ويشمل
أجزاء معينة من جسد الحيوان المباح، مثل:
المرارة والمثانة والذكر والأنثيين ونحو ذلك
مما لا تتقبله الطباع، وتدخل النجاسات في
الخبائث بلا خلاف عند الحنفية (٥).
والعبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل
المروءة والأخلاق الجميلة، قال ابن عابدين
نقلًا عن بعض فقهاء الحنفية: ((أجمع العلماء
القول الأول: أن الخبائث هي على أن المستخبئات حرام بالنص وهو قوله
تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وما استطابه العرب حلال لقوله تعالى:
القول الثاني: أن الخبائث هي لحم ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وما استخبثه العرب فهو حرام بالنص،
والذين يعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل
الأمصار؛ لأن الكتاب نزل عليهم وخوطبوا
به ولم يعتبر أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة
القول الثالث: أن الخبائث هي ما لا والمجاعة يأكلون ما يجدون وماوجد في
أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز
رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص١٨٤.
(٥) انظر: البحر الرائق، ابن نجيم ٨٣/١، بدائع
الصنائع، الكاساني ٦١/٥.
١٨٨

الأكل
فإن کان مما یشبه شيئًا منها فهو مباح؛
لدخوله تحت قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُفِ ما
أُوحِىَ إِلَّىَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية.
ولقوله عليه السلام: (ما سكت الله عنه
فهو مما عفا الله عنه)(١)(٢).
وعند المالكية أن الخبائث هي الحرام،
وذلك يقابله عندهم أن الطيبات هي
الحلال(٣).
فالأول: وهو الخبيث لذاته يشمل
وعند الشافعية الخبائث هي المستقذرات
ونحوها، مثل: الخنافس والعقارب، وذلك
حرمه الشرع کالخمر والخنزير (٤).
أصنافًا من الأطعمة والأشربة، مثل: الخنزير
يقابله أن الطيبات هي المستلذات إلا ما والكلب والخمر، والنجاسات بأنواعها
كالدم المسفوح، ومخلفات الإنسان
والحيوان.
وعند الحنابلة: الخبائث هى النجاسات،
وكذلك المفترس من الحيوانات(٥).
وبناء علی کل ما سبق، فإن الخبائث من
الأطعمة تشمل الآتي:
١. كل طعام حرام سواء كان من الحيوان
أو النبات أو غير ذلك على نحو ما تقدم
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة،
باب ما لم يذكر تحريمه، ٣٥٤/٣، رقم
٣٨٠٠، والترمذي في سننه، أبواب اللباس،
باب ما جاء في لبس الفراء، ٢٢٠/٤، رقم
١٧٢٦.
ورجح الترمذي وقفه على سلمان رضي الله
عنه.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٠٦/٦.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧/ ٣٠٠، البحر المديد، ابن عجيبة ٥٥٥/٢.
(٤) انظر: الأم، الشافعي ٢/ ١٧٤.
(٥) المغني، ابن قدامة ٧٨/١١، شرح منتهى
الإرادات، البهوتي ٣ / ٤٠٧.
ذكره في المبحث السابق ..
٢. كل طعام نجس سواء كان نجسًا نجاسة
أصلية أو طرأت عليه النجاسة.
٣. كل طعام مستقذر لا تستطيبه العرب أو
لا تستطيبه النفوس السليمة.
وعلى هذا يمكن تقسيم الخبائث إلى
قسمين: أولهما: الخبيث لذاته، والثاني:
الخبيث لعارض من العوارض.
والثاني: وهو الخبيث لعارض، مثل:
الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية
والنطيحة وما أكل السبع، ونحو ذلك
من الحيوان الذي لم تتم تذكيته بالطريقة
الشرعية، وكذا ما ذبح على النصب، وما لم
یسم الله علیه عند الذبح، وما ذبح لغير الله.
وقد سبق ذكر هذه المحرمات وأدلتها
من الكتاب والسنة على وجه التفصيل في
المبحث السابق.
[انظر: الطعام: أنواع الأطعمة في القرآن
الكريم]
www. modoee.com
١٨٩

حرف الألف
تصنيف المأكولات حسب طبيعتها
ذكر القرآن الكريم أصنافًا من المأكولات
نتناولها فيما يأتي:
أولًا: الفاكهة:
الفاكهة معروفة، وهي اسم لما یتفکه به
قبل الطعام وبعده، أي: يتنعم به زيادة على
المعتاد والرطب واليابس فيه سواء، وقد
اختلف العلماء في حقيقتها على أقوال:
القول الأول: أن كل شيء قد سمي من
الثمار في القرآن نحو العنب والرمان فإنا لا
نسميه فاكهةً.
القول الثاني: أن كل الثمار فاكهةٌ وإنما
كرر في القرآن في قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ
[الرحمن: ٦٨]. لتفضيل
ونخلَ وَرُمَّانَ
٦٨
النخل والرمان على سائر الفواكه دونهما(١).
والفواكه أنواع كثيرة بعضها موجود في
کل البلاد، وبعضها تنفرد به بلاد دون أخرى
حسب طبيعتها وحسب موقعها الجغرافي،
ومناخها، وتتنوع الفواكه كذلك داخل البلد
الواحد بحسب فصول السنة.
وقد ورد ذكر لفظ ((الفاكهة)) وما يتعلق
بها مفردًا وجمعًا، وأصنافًا متعددة في القرآن
الكريم على سبيل الإجمال في مواضع
عدة بلغت بضعة وعشرين موضعًا، وهي
(١) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي
٢١٣/٤.
على ثلاثة وجوه في تقديري کما یظهر من
استقراء الآيات الكريمة:
الوجه الأول: مواضع جاء فيها ذكر
الفاكهة صريحًا على سبيل الإجمال:
وذلك إما في بيان ما يتنعم به أهل الجنة
من الطعام والشراب، أو في بيان النعم التي
أنعم الله تعالى بها على الناس جميعًا من
حیث إنبات الزرع وتعدد أصنافه.
فمن النوع الأول وهو ما جاء في فاكهة
أهل الجنة:
١. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ وَمُ مَا
يَدَّعُونَ ﴾ [يس: ٥٧].
٢. قوله جل شأنه: ﴿وَتِلْكَ اَلْجَنَّةُ أَلَّتِىّ
أُوْ رِئْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)
الـ
فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُونَ
٧٣
[الزخرف: ٧٢ - ٧٣].
﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ
٣. قوله:
ءَامِنِينَ ﴾
[الدخان: ٥٥].
٤. قوله: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَمَُّونَ
[الواقعة: ٢٠].
٥. قوله جل شأنه: ﴿وَفَكِهَوْ كَثِيرَةٍ لَّا
[الواقعة: ٣٢ -
مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعٍَ )﴾
٣٣].
٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلِ وَعُونٍ
﴿ وَفَوَّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤١
- ٤٢].
ومن النوع الثاني وهو بيان النعم التي أنعم
مَؤُوالَهُ النَّسية
القرآن الكريم
١٩٠

الأكل
الله تعالی بها علی الناس جميعًا، وما في
خلق الأرض وإنبات الزرع من المعجزات
والعبر، وذلك في المواضع التالية:
١. قول الله تعالى:
وَاَلْأَرْضَ وَضَعَهَا
لِلْأَنَامِ ، فِيهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ
الْأَكْتَارِ ﴾ [الرحمن: ١٠ - ١١].
٢. قوله جل شأنه: ﴿فَظُرِ اَلْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ»
﴿ أَنَّ صَبَيْنَا الْعَلَّهُ صَبَّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ
شَقَّا (٦) فَبَتَنَا فِيهَا حَبَّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا
٢٨
وَزَيْتُوْنَا وَغَخْلَا ، وَحَدَابِقَ غُلْبًا أَنْ وَفَكِهَةً
وَأَبََّ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَيِّكُمْ ﴾ [عبس:
٢٤ - ٣٢].
وفي هذه الآية صنوف من النعم التي
تنبت بالأرض وهي: الحب، وهو معروف
وسيأتي الكلام عليه، والعنب، والقضب،
والزيتون، والنخيل، ثم جاء ذكر الحدائق
إجمالًا، ثم الفاکھة، ثم الأب.
والأب هذا روي فيه عن أنس قال: ((قرأ
عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عبس
وتولى) فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَكِهَةٌ
وَأَبَّ﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة؛ فما الأب؟
قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو
التكلف»(١).
وقد ورد في تفسير الأب أنه كل ما
ينبت على وجه الأرض، والغُلْب في قوله:
﴿وَحَدَابِقَ غُلَا﴾ جمع غلباء وهي الحديقة
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢٩/٢٤.
الملتفة الأشجار (٢).
وحكى القرطبي أن السبع - أي الأصناف
السبعة الواردة في الآية - لابن آدم، والأب
للأنعام. والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه
النساء؛ هذا قول. وقيل: ((القضب البقول
لأنها تقضب؛ فهي رزق ابن آدم)).
وقيل: ((القضب والأب للأنعام، والست
الباقية لابن آدم، والسابعة هي للأنعام؛ إذ
هي من أعظم رزق ابن آدم»(٣).
وقيل: إن الفاكهة («هي ما يأكله الناس،
والأب ما تأكله الأنعام)، وهو مروي عن
مجاهد والحسن (٤).
الوجه الثاني: ذكر أصناف بعينها
وأسمائها من الفاكهة.
مثل نعمة التمر التي أنعم الله بها على
السيدة مريم عليها السلام، وشجرة اليقطين
التي أنبتها الله تعالى على نبي الله يونس
عليه السلام.
فمن النوع الأول قوله: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ
يُحِذْعُ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبَّا جَنِيًّا﴾
[مريم: ٢٥].
ومن النوع الثاني قوله تعالى: ﴿ وَأَنْبَتْنَا
عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينِ (١٦)﴾ [الصافات: ١٤٦].
الوجه الثالث: ذكر الجنات والحدائق
المثمرة التي أنعم الله بها على أقوام بعينهم:
(٢) تفسير السمر قندي ٥٢٦/٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢ / ١١١.
(٤) تفسير مجاهد ٢/ ٧٣١.
www. modoee.com
١٩١

حرف الألف
وذلك في مواضع بيان جوانب إعجاز ثانيًا: الحبوب:
الخلق، وتكثير النعم، وصنوف بعينها من
فاکهة أهل الجنة، أو فاکهة توجد في بلاد ما
أو أنعم الله تعالى بها على أحد من خلقه،
مثل: صاحب الجنتين في سورة الكهف،
وجنتي سبأ، وجنة القوم الذين ورد ذكرهم
في سورة القلم.
وهذه تجدها في المواضع التالية:
قول الله تعالى مبينًا بعض النعيم على
أهل الجنة: ﴿وَأَعَْبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ الْيَمِينِ
3
فِي سِدْرٍ تَخْضُودٍ ﴾ وَطَلْجٍ مَّنْضُودٍ
[الواقعة: ٢٧ -٢٩].
وآيات أخرى، من هذا القبيل قوله تعالى
في شأن صاحب الجنتين: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا
تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا
بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ) كِلْنَا الْمَّنَيْنِ ◌َانَتْ
أُكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرًا
[الكهف: ٣٢ - ٣٣].
٣٣
وقوله تعالى في شأن سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ
في مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ
مِن رِّزْقِ رَيْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ وَرَبُّ
غَفُورٌ ، فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ
وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ
وَأَقْلٍ وَشَىْ ءٍمِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٦].
وقوله تعالى في شأن أصحاب الجنة:
﴿إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَّوْنَا أَصْحَبَ لٌلْجَنَّةِ إِذْ أَقْتَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا
[القلم: ١٧].
١٧
مُصْبِحِينَ
الحب معروف، وهو مستعمل في أشياء
جمة، حبةٌ من بر وحبة من شعير حتى يقولوا
حبةٌ من عنبٍ، والحبة من الشعير والبر
ونحوهما، والجمع حباتٌ وحبٌ وحبوبٌ
وحبانٌ الأخيرة نادرة؛ لأن فعلة لا تجمع
على فعلانٍ إلا بعد طرح الزائد (١).
والحبوب أصناف شتى بعضها موجود
في كل البلاد وبعضها الآخر يوجد في بلاد
دون أخرى، وذلك بحسب موقع کل بلد
ومناخها، کما أن هذه الحبوب بعضها مما
يأكله الإنسان والحيوان والطير، وبعضها
مما هو قوت للإنسان فقط، وبعضها
مما يأكله الحيوان والطير فقط، وتنقسم
الحبوب باعتبار آخر إلى نوعين: حبوب
تقتات وتدخر، وحبوب لا تقتات ولا
تدخر، ومعنى الاقتيات هو: قيام بنية الآدمي
به، ومعنى الادخار عدم فساده بالتأخير
المعروف فيه(٢).
فالتي تقتات وتدخر، مثل: القمح
والشعير والأرز والذرة والسمسم والفول
ونحوها، ولذلك كانت الزكاة واجبة في
أصناف من هذه الحبوب، بخلاف غيرها؛
كذلك فإن الفقهاء حينما تكلموا عن علة
(١) لسان العرب، ابن منظور ٢٨٩/١.
(٢) انظر: مواهب الجليل، الخطاب ١٩٨/٦،
الفواكه الدواني، النفراوي ٣/ ١٠٩١.
١٩٢
القرآن الكريم

الأكل
تحريم الربا في الأصناف التي وردت في
الأحاديث، اختلفوا فيها - أي العلة- هل
هي الاقتيات والادخار، أو الادخار فقط،
أو الاقتيات، وهذا معروف في مواضعه من
کتب الفقه، ولا يتسع المقام لإيراده هنا.
والمقصود بالأحاديث الأحاديث
الواردة في تحريم ربا النساء في الحبوب،
مثل: البر والشعير والتمر ونحو ذلك، ومنها
حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (البر بالبر ربًا إلا هاء
وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء،
والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء)(١).
والحبوب التي ذكرت في القرآن جاءت
في مواضع مختلفة يمكن تقسيمها على
النحو التالي:
١. الحبوب الوارد ذكرها في معرض
بیان نعم الله تعالى على الناس.
وذلك في المواضع التالية:
١. قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ
السَّمَدِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا
مُتَرَاكِبًا ﴾ [الأنعام: ٩٩].
٢. قوله: ﴿ وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْتَهَا
وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾
[يس: ٣٣].
٣. قوله جل شأنه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَكِ مَآءُ
◌ُبَرَّكَا فَأَنْبَتْنَا بِه جَنَّتٍ وَحَبَّ المَصِيدِ﴾
[ق: ٩].
٤. قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءٍ فَجَاجًا
١) لِتُخْرِجَ بِهِحَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [النبأ:١٤ -
١٥].
٥. قوله تعالى: ﴿فَلْتُظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ»
٢٤
أَنَّا صَبَيْنَا الْمَّةَ صَبَّا ، ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّاً
٦ فَأَبَا فِيهَا حَّانِ﴾ [عبس: ٢٤ -٢٧].
وبالنظر إلى كل المواضع السابقة نجد أن
سياق الآيات يدل على إعجاز خلق المطر
وأثره في إنبات الزرع، وإعجاز شق الأرض
التي يلقى فيها الحب بذرًا فيخرج حبوبًا
متعددة، وتنوع صنوف الحب وتعدد أشكاله
وأحجامه.
٢. تشبيه الإنفاق في سبيل الله تعالى
بالحبة التي تثمر حبات عديدة.
وذلك في قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِي كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٌ وَاللهُ
يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ٢٦١].
٣. علم الله سبحانه وتعالى بدقائق
الخلق وعظائمه، ومن ذلك الحبة في
ظلمات الأرض.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيع، وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَأَ حَبَّةٍ فِي ◌ُظُلُّمَتِ الْأَرْضِ
باب بيع التمر بالتمر، رقم ٢١٧٠.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الألف
وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَبِ تُِّنٍ
[الأنعام: ٥٩].
٤. نعمة البُر وكيفية الحفاظ عليها
وتخزينها في حالات المجاعة والأزمات.
وذلك كما ورد في سورة يوسف﴿قَالَ
تَزْرَعُونَ سَيْعَ سِنِينَ دَابًا فَمَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِي
سُنْبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا فَأَكُونَ ، ثُمَّ بَأْنِ مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَكُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا
تُخْصِنُونَ () ثُمَّيَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامِّ فِيهِ يُغَاثُ
النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ [يوسف: ٤٧ -
٤٩].
وما سوى ذلك من مواضع ذكر الحب
في القرآن الكريم إنما هو في معرض بيان
دقة الحساب يوم القيامة، وأن المرء لا يفقد
من عمله مقدار حبة من خردل، وأن كل
ما يفعل المرء صغیرًا کان أو کبیرًا إنما هو
مسطر عليه في الكتاب من خير أو شر (١).
ثالثًا: بهيمة الأنعام:
لحوم الحيوانات والطيور هي عماد غذاء
الإنسان، نظرًا لما تحتويه من مواد بروتينية
تمد الجسم بطاقة معينة تساعد على بنائه،
وهذه المواد يصعب الحصول عليها من غير
الجسم، فضلًا عن كونها تقي الجسم من
أمراض مختلفة، وقد عالج القرآن الكريم
والسنة النبوية هذا الموضوع علاجًا وافيًا،
(١) وذلك كما في سورة الأنبياءآية ٤٧، وسورة
لقمان آية ١٦.
حیث بينت الشريعة ما يحل من الحیوان وما
(٢)
يحرم(٢).
والحيوانات كما هو معروف بعضها
أهلي أو مستأنس، وأكثرها بري، فالمستأنس
أو الأهلي أشهره الأنعام الثلاثة التي تجب
فيها الزكاة، وهي الإبل والبقر والغنم،
ويدخل مع البقر الجاموس، ويدخل مع
الغنم الماعز، ومن الطيور البط والأوز
والحمام والدجاج ونحو ذلك إلا أن الطيور
لا زكاة فيها، وما عدا ذلك من الحيوان بعضه
يمكن استئناسه وتربيته فى البيوت، وأكثره
بري يعيش في الغابات والبراري والجبال.
وقد وردت الآيات القرآنية المتعددة التي
تشير إلى حل أكل بهيمة الأنعام.
والبهيمة تطلق على كل ذات أربع قوائم
من دواب البر والماء، والجمع بهائم،
والبهمة الصغير من أولاد الغنم الضأن
والمعز والبقر من الوحش وغيرها الذكر
والأنثى في ذلك سواء، وسميت بذلك
لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم
تمييزها وعقلها؛ ومنه باب مبهم، أي: مغلق،
(٣)
ولیل بھیم(٣).
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْقُواْ بِالْعُقُودِّ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُعِلِ الصَّيْدِ وَأَنتُمْ
(٢) الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام، علاء
الدين مرشدي ص ٦٤ بتصرف.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٥٦.
مَوَسُولَةُ النَّ
القرآن الكريم
١٩٤