النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ
الإِكْرَاة
عناصر الموضوع
مفهوم الإكراه
١٤٤
الإكراه في الاستعمال القرآني
١٤٥
الألفاظ ذات الصلة
١٤٦
أنواع الإكراه
١٤٨
أسباب الإكراه
١٥٩
١٦٨
الإكراه القدري
١٧٠
أثر الإكراه في الأحكام الشرعية
المُجَلَدَ الرّابع
حرف الألف
مفهوم الإكراه
أولًا: المعنى اللغوي:
«الكاف والراء والهاء أصلٌ صحيحٌ واحد، يدل على خلاف الرضا والمحبة، يقال:
كرهت الشيء أكرهه كَرْهًا. والكُره الاسم. ويقال: بل الكُره: المشقة، والكَره: أن تكلف
الشيء فتعمله كارهًا، ويقال من الكره الكراهِيَّة والكراهِيّة. والكريهة: الشدة في الحرب»(١).
وقيل: ((الكُره بالضم: هو فعل المختار، والكره بالفتح: هو فعل المضطر))(٢)، ((والإكراه
عبارةٌ عن إثبات الکره))(٣).
فمعنى الإكراه لغة يدور حول المشقة والشدة، وعدم الرضا والمحبة وعدم الاختيار.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد والإلزام والإجبار على ما يكره
الإنسان طبعًا أو شرعًا، فيقدم على عدم الرضا ليرفع ما هو أضر)) (٤)، وقيل: ((الإكراه حمل
الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد)) (٥).
وقيل: ((والكره معنى قائم بالمكره ينافي المحبة والرضا، ولهذا يستعمل كل واحد منهما
مقابل الآخر. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُو أَشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ
لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]))(٦).
وكلا المعنيين اللغوي والاصطلاحي فيهما الإلزام وعدم الاختيار مع عدم الرضا
والمحبة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٢/٥.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٥٣٤/١٣.
(٣) بدائع الصنائع، الكاساني ٧ / ١٧٥.
(٤) التعريفات ص٥٠.
(٥) التوقيف، المناوي ص ٨٤.
(٦) بدائع الصنائع، الكاساني ٧/ ١٧٥.
١٤٤
القرآن الكريم
الإكراه
الإكراه في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أكره) في القرآن (٧) مرات (١):
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِبِمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ
وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]
الفعل المضارع
٣
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا لِيَنَغُواْ
عَرَضَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَمِهِنَّ
#[النور: ٣٣]
٣٣
غفور رحيم
المصدر
٢
﴿لَّ إِكْرَهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]
وجاء الإكراه في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: حمل الإنسان على ما يكرهه،
أي أنه بمعنى الإجبار(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٦٠٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٠٨، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٧٩.
www. modoee.com
١٤٥
حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الغصب:
١
الغصب لغةً:
(غصب)، ((الغصب: أخذ الشيء ظلمًا، غصب الشيء يغصبه غصبًا واغتصبه فهو
غاصبٌ، وغصبه على الشيء: قهره، وغصبه منه والاغتصاب مثله، والشيء غصبٌ))(١).
الغصب اصطلاحًا:
((الاستيلاء على حق الغير عدوانًا))(٢).
الصلة بين الإكراه والغصب:
بينهما افتراق واتفاق، إذ إن الغصب أخذ الشيء وسلبه بقوة السلطان وقهره، والإكراه
حمل الغير على فعل الشيء بقوة السلطان وقهره، فهما يتفقان في إتيان الشيء بالقوة
والسلطان، ويفترقان في فقدان ما يغتصب منه في حالة الغصب، وبقاء الشيء المكره عليه
في حالة الإكراه.
الإلجاء :
٢
الإلجاء لغةً:
((التلجئة: الإكراه، وألجأه إلى كذا: اضطره إليه، وألجأ أمره إلى الله: أسنده)) (٣).
الإلجاء اصطلاحًا:
((والإلجاء ما تشتد دواعي الانسان إليه على وجه لا يجوز أن يقع مع حصول تلك
الدواعي، والإلجاء يكون فيما لا يجد الانسان منه بدًا من أفعال نفسه)» (٤).
الصلة بين الإكراه والإلجاء:
بينهما فرق دقيق، فالإكراه يقع على المكره من خارج إرادته فيستعمل الإجبار مع الإكراه،
بينما الإلجاء يقع بإرادة الملجأ ذاتيًا.
(١) لسان العرب، ابن منظور ٦٤٨/١.
(٢) التوقيف، المناوي ص٥٣٨.
(٣) مختار الصحاح، الرازي ص ٦١٢.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص٤٤.
مَوَسُولَةُ التَّقِيَّ
القرآن الكريم
١٤٦
الإكراه
الإلزام:
٣
الإلزام لغةً:
«لزم الشيء يلزمه لزمًا ولزومًا ولازمه ملازمةً ولزامًا، والتزمه وألزمه إياه فالتزمه، ورجل
لزمةٌ: يلزم الشيء فلا يفارقه، ألزمه الشيء فالتزمه))(١).
الإلزام اصطلاحًا:
وهو نفس التعريف اللغوي عند الفقهاء والمفسرين.
الصلة بين الإكراه والإلزام:
يتفقان في أنهما على الحق والباطل فيقال: أكرهته على الوقوع في المعصية، وفي الإلزام
يقال: ألزمته الباطل، وفي الحق كذلك، ((وبينما يختلفان في أن الإلزام أخص من الإكراه،
حيث إن المكره يأتي المكره عليه ثم يفارقه، بينما في الإلزام تنعدم مفارقة الملزم عليه»(٢).
التراضي:
٤
التراضي لغةً:
((الراء والضاد والحرف المعتل أصلٌ واحد يدل على خلاف السخط. تقول: رضي يرضى
رضىّ. وهو راضٍ))(٣).
التراضي اصطلاحًا:
((قصد الفعل دون أن يشوبه إكراه)) (٤).
الصلة بين الإكراه والتراضي:
هما نقيضان فلا يجتمعان.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٤١/١٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٦١٢.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٥.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٤٠٢.
(٤) انظر: الموسوعة الكويتية الفقهية ٢٢٠/٣٠.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الألف
أنواع الإكراه
السياق القرآني من خلال عرضه
لمصطلح الإكراه في ثنايا السور والآيات
الكريمة بين أن الإكراه ينقسم إلى أنواع مادية
ومعنوية، وذلك باختلاف الأمر المكره عليه
المكره.
أولًا: الإكراه على الإيمان:
أورد ربنا سبحانه وتعالى من خلال
السياق القرآني في معرض نفيه الإكراه على
الإيمان، الآية الكريمة التي جاءت في سورة
يونس.
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِى
اُلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
يقول الشيخ سيد طنطاوي رحمه الله
في تفسيره للآية: ((والهمزة في قوله تعالى:
﴿أَفَأَنتَ﴾ للاستفهام الإنكاري، والفاء؛
للتفريع، والمراد بالناس: المصرين على
كفرهم وعنادهم.
والمعنى: تلك هي مشيئتنا لو أردنا
إنفاذها لنفذناها، ولكننا لم نشأ ذلك فهل
أنت يا محمد في وسعك أن تقهر الناس
الذین لم يرد الله هدایتهم على الإيمان؟ لا،
ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق
جميعًا، بل الذي في وسعك هو التبليغ لما
أمرناك بتبليغه)»(١).
فالمعنى الظاهر للآية الكريمة: أن
الإيمان لا يمكن أن يكون بالإكراه، ولا
يمكن للإكراه أن ينشئ مؤمنًا، وأن أمر
الايمان والكفر بمشيئته سبحانه وتعالى، بعد
أن أرسل رسله ليبينوا للناس الحق، ويبلغوا
الناس عن ربهم.
يقول الحق جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ
◌َّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِن شَخٌَّ
كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا
اَلْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وأورد سبحانه وتعالى آية أخرى في
سورة البقرة في معرض نفيه أن دخول
الإسلام يكون إجبارًا، وهي قوله تعالى:
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ
فَمَن يَكْفُرْ بِالطّغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدٍ
أَسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعُ
﴾ [البقرة: ٢٥٦].
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه
الآية: ((لا تكرهوا أحدًا على الدخول في
دين الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله
ويراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على
الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام
وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على
بینة، ومن أعمی الله قلبه وختم على سمعه
(١) انظر: الوسيط ١٣٦/٧.
١٤٨
القرآن الكريم
الإكراه
وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين اتباع الحق)) (٤).
مکرهًا مقسورًا))(١).
ويقول شيخ المفسرين الطبري رحمه
الله: ((ومعنى قوله: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
لا یکره أحد في دين الإسلام علیه، وإنما
أدخلت (الألف واللام) في ﴿الدِّينِ﴾،
تعريفًا للدين الذي عنى الله بقوله: (لا إكراه
فیه)، وأنه هو الإسلام»(٢).
ويقول سيد قطب في الظلال: «وفي هذا
المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام
إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه
فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد
وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه)) (٣).
ويقول المفسر العلامة السعدي في
تفسيره: ((يخبر تعالى أنه ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه؛ لأن الإكراه
لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة
آثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس،
وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم
فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه،
وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، ولا
تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار
المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من
حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٦٨٢.
(٢) جامع البيان، ٤١٥/٥.
(٣) في ظلال القرآن ١/ ٢٧٠.
ومن هذا الاستدلال التفسيري لبيان
معنى الآیتین یتضح لنا أن الإكراه غير معتبر
في الإيمان والإسلام، وأن الدخول في
الإسلام قائم على الحجة والعقل والمنطق،
والاعتناق برغبة ذاتية كاملة من المكلفين،
وأما دعوة الناس للإيمان والتزام أوامر
الدين بالسنان وحملهم عليها فهذا مما لا
يقبله الإسلام.
يقول الشيخ الزرقاني: ((أما السيف
ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن
لأجل تقرير عقيدة في نفس، ولا لإكراه
شخص أو جماعة على عبادة، ولكن لدفع
أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده،
وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة
طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
لله)»(٥).
.
وورد في نزول قوله تعالی: ﴿لا إكراهفی
الّذِينِّ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ ﴾ أكثر من سبب
للنزول، منها:
الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((كانت المرأة تكون مقلاتًا(٦)، فتجعل
على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده،
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ١١٠.
(٥) مناهل العرفان، ٢/ ٤٠٦.
(٦) هي المرأة التي لا يعيش لها ولد، أو ليس لها
إلا ولد واحد.
تاج العروس، الزبيدي ٥/ ٤٢.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الألف
فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال: والله
الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن يسلما،
تعالى ذكره: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾))(١).
الثاني: قال السدي قوله: ﴿لَآَّ إِكْرَاهَ
فِي الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ إلى ﴿لَا
أَنْفِصَامَ لَمَا﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار
يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم
تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت،
فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي
الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا
فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال:
﴿لَاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ولم يؤمر يومئذ بقتال
أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله! هما
أول من كفر! فوجد أبو الحصين في نفسه
على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم
يبعث في طلبهما، فنزلت: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُ واْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥](٢).
الثالث: قال مسروق: ((كان لرجل من
الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا
قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم
قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون
(١) جامع البيان، الطبري ٤٠٨/٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ٤١٠/٥.
فاختصموا إلى النبي صلی الله عليه وسلم،
فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار
وأنا أنظر؟ فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿لآ
إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيْ﴾ فخلى
سبيلهما))(٣).
القول الراجح في آية الإكراه على
الدین:
في المسألة أقوال ثلاثة:
الأول: ذهب جمهرة من العلماء
والمفسرين (٤) بأن هذه الآية منسوخة،
وناسخها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
قاله الصحابي زيد بن أسلم رضي الله
عنه، ونقله الإمام ابن حزم رحمه الله، وابن
سلامة، والكرمي، والمقري، -رحمهم الله
تعالى -.
الثاني: ذهبت جمهرة أخرى من العلماء،
((بأن الآية ليست منسوخة، ولكن ﴿لَآ
إِكْرَاهَ فِ الذِينِ﴾ نزلت في أهل الكتاب، لا
يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية،
والذين يكرهون أهل الأوثان)»(٥)، فهم
الذين نزلت فيهم: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
(٣) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٤٩.
(٤) انظر: قلائد المرجان في بيان الناسخ
والمنسوخ، مرعي الكرمي ص٧٥.
(٥) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس ص٢٥٨.
١٥٠
مَوَبُو بَةُ المَشِـ
القرآن الكريم
الإكراه
الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنهُمْ صلى الله عليه وسلم لمنح العباد الحرية
جَهَنَّةٌ وَيْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
الثالث: ذهب فريق ثالث إلى أن هذه
الآية مخصوصة، وممن قال إنها مخصوصة
ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال أبو جعفر: «قول ابن عباس في هذه
الآية أولى الأقوال؛ لصحة إسناده، وأن مثله
لا يأخذ بالرأي، فلما أخبر أن الآية نزلت في
هذا وجب أن تكون أولى الأقوال، وأن تكون
الآية مخصوصة نزلت في هذا، وحکم أهل
الکتاب کحکمهم»(١).
وبهذا وبه قال شيخ المفسرين الإمام
الطبري، وجمهرة كبيرة من العلماء.
هذا حاصل أقوال المتقدمين في الجمع
بين هذه الآية؛ والواقع فإن الناظر في كتب
التفسير المتقدمة عمومًا، يجد أن المفسرين
لم يخرجوا عن هذه الأقوال في الأغلب،
ورجح أكثرهم القول بأن آية البقرة خاصة
بأهل الكتاب.
ثانيًا: الإكراه على الكفر:
تعتبر الدعوات السماوية مصدر إزعاج
للماديين الدنيويين؛ فذلك لا يتوانون
لحظة في إلحاق الأذى بأتباعها وأشياعها،
ولما كان الإسلام دعوة الحق الذي ارتضاه
لنا ربنا سبحانه وتعالى، وأرسل به النبي
(١) جامع البيان، ٤١٤/١٢.
من طواغيت الأرض، زاد الماديين نفورًا
وعنادًا واستکبارًا وصدا عن سبيل الله تعالی
وإيذاءً للمؤمنين، فكانت المنحة الإلهية لهم
بجواز الأخذ بالرخصة في الكفر باللسان
بعد الإيمان تفاديًا لأذاهم، وبشرط اطمئنان
القلب بالإيمان.
فقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ إِبِمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُطْمَبِنٌ
بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٠٦#
[النحل: ١٠٦].
قال شيخ المفسرين الإمام الطبري:
(﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ: إِلَّا مَنْ
أُكْرِهَ﴾ على الكفر، فنطق بكلمة الكفر
بلسانه ﴿وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ موقن
بحقيقته، صحیح علیه عزمه، غير مفسوح
الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا
فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا،
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾))(٢).
إن الإسلام العظيم يعنى بداخل الإنسان:
القلب والجوهر والعقل، فإذا تهذب القلب
واطمأن لحول الله وقوته وآمن لربه، واقتنع
العقل والفكر؛ فإنه لا يمكن لقوة في الأرض
أن تثني الإنسان عن ربه؛ ولو حصل فإنه
(٢) المصدر السابق ٣٠٥/١٧.
www. modoee.com
١٥١
حرف الألف
یکون باللسان والفعل لا بالقلب والاقتناع،
ولذا فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم آن ما
استكره عليه الإنسان من الأقوال والأفعال،
مما تجاوز عنه ربنا سبحانه وتعالى في حق
أمة محمد صلی الله عليه وسلم: فعن ابن
عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه)(١).
يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله في
سياق عرضه للآية الكريمة في الظلال:
((والنص هنا يغلظ جريمة من كفر بالله من
بعد إيمانه؛ لأنه عرف الإيمان وذاقه، ثم
ارتد عنه إيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة،
فرماهم بغضب من الله، وبالعذاب العظيم،
والحرمان من الهداية؛ ووصمهم بالغفلة
وانطماس القلوب والسمع والأبصار؛
وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم
الخاسرون. ذلك أن العقيدة لا يجوز أن
تكون موضع مساومة، وحساب للربح
والخسارة، ومتى آمن القلب بالله فلا
يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات
هذه الأرض؛ فللأرض حساب، وللعقيدة
حساب ولا يتداخلان، وليست العقيدة
هزلًا، وليست صفقة قابلة للأخذ والرد فهي
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم
٠٨٤/٦،١١٧٨٧
وصححه النووي في المجموع ٣٠٩/٦،
والألباني في إرواء الغليل ١/ ١٢٣.
أعلى من هذا وأعز، ومن ثم كل هذا التغليظ
في العقوبة، والتفظيع للجريمة))(٢).
إن الله سبحانه وتعالى إذ أعطى الإنسان
المسلم رخصة النطق بكلمة الكفر إكراهًا
واضطرارًا وجوز له فيها؛ إلا أنها تحت
شروط معينة، فقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ
الْمُؤْمِنُونَ اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اَلَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَةٌ وَ إِلَى
اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
ولقد أجزل الله تعالى في العطاء لمن
صبر في سبيل الله ولم يساوم على دينه
وعقيدته من أجل دنيا فانية، ولنا خير مثال
في أصحاب الأخدود الذين ما ساوموا
على الكفر بعد الإيمان، فأجزل لهم العطاء
الأخروي، وسجل الله عز وجل موقفهم في
قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَمْ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابٌ جَهَنَّمَ وَمُمْ
عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَيِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ
الْفَوْزُ اَلْكَبِيرُ﴾ [البروج: ٩-١٠].
وسجل ربنا سبحانه وتعالى أنهم
انتصروا على عدوهم مع أنه رماهم في
النار وحرقهم، إلا أن المبدأ انتصر وفاز
على جبروت الطاغية وجلاوزته، ومن
(٢) في ظلال القرآن ٤ / ٤٩١.
١٥٢
مُؤَسُولَةُ النَّة
جوببو
القرآن الكريمِ
الإكراه
هنا فإنه على أهل الإيمان في شتى بقاع فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن عمارًا
كفر، فقال: كلا إن عمارًا ملئ إيمانًا من قرنه
إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه،
فأتی عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم
الأرض أن يأخذوا بالعزيمة في الثبات على
الإيمان والمبادئ والثوابت وانتزاع الحرية،
وتحرير العباد من عبادة العباد، لعبادة رب
العباد، وإن الثبات على الحق وتجرع المر وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه الصلاة
أفضل مائة مرة من الهوان والعيش في ذلة والسلام يمسح عينيه، وقال: (إن عادوا لك
فعد لهم بما قلت)، فأنزل الله تعالى هذه
الآية)»(٢).
وخنوع، ((وهذا الصحابي الجليل حبيب
بن زيد الأنصاري يعلمنا درسًا في الصمود
والثبات على المبادئ، ولو على نفسه حينما
بعثه النبي صلی الله عليه وسلم برسالته إلى
مسيلمة الكذاب، فقيده مسيلمة الكذاب
وجعل يقول له: أتشهد أن محمدًا رسول
الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول
الله؟ فيقول: لا أسمع. فجعل يقطعه عضوًا
عضوًا حتى مات في یدیه، لا یزیده على
ذلك))(١).
وأورد الواحدي في كتابه (أسباب
النزول) روايتين لسبب نزول الآية الكريمة،
نذكر منها واحدًا، ((فعن ابن عباس: نزلت في
عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه
وأباه ياسرًا وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا
وسالمًا، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين
ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت
من أجل الرجال، فقتلت وقتل زوجها ياسر
وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما
عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها،
(١) السيرة النبوية، ابن كثير ٢/ ٢١٢.
الحد الذي إذا بلغه الشخص عد
مکرًا:
إذا كان الشارع قد أباح للإنسان المسلم
النطق بكلمة الكفر كارهًا ومضطرًا، إلا أن
الأمر ليس على إطلاقه؛ ولكن للضرورة
أحكامًا، ولقد حدد العلماء شروطًا إذا
بلغها الشخص عد مكرهًا، فقال ابن حجر:
((شروط الإكراه أربعة))(٣):
١. أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد
به، والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو
بالفرار.
٢. أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به
ذلك.
٣. أن یکون ما هدد به فوریًا، فلو قال:
إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا لا يعد
مکرها. ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا
جدًا، أو جرت العادة بأنه لا يخلف.
(٢) انظر: أسباب النزول ص ١٩٠.
(٣) فتح الباري ١٢/ ٣١١.
www. modoee.com
١٥٣
حرف الألف
٤. أن لا يظهر من المأمور ما يدل على ٣٣]. يعني بهن))(١).
اختياره.
ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل
عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو
محرم علی التأبید کقتل النفس بغير حق،
وقال الخازن: «قال العلماء: يجب أن يكون
الإكراه الذي يجوز له أن يتلفظ معه بكلمة
الكفر أن يعذب بعذاب لا طاقة له به مثل
التخويف بالقتل والضرب)».
ثالثًا: الإكراه على الكبائر:
ذكر القرآن الكريم بعض الكبائر
والمعاصي التي قد يقع فيها الإكراه، ومن
ذلك:
١. الإكراه على الزنا.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُكْرِمُوا
فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَمُّنَا لََِّغُواْ عَرَضَ
اٌلَْيَّوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
أورد الشيخ الواحدي في كتابه أسباب
النزول سببًا لنزول هذه الآية، فقال: ((كانت
جارية لعبد الله بن أبي بن سلول، يقال لها
مسيكة، فآجرها أو أكرهها، فأتت النبي
صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إليه،
فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَنَيَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَآِ إِنْ
أَرَدْنَ تَحَصُّنَا لِيََّغُوْ عَرَضَلْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهُِنَّ
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:
يقول الشيخ سيد طنطاوي في معرض
تفسيره للآية: ((ولا تكرهوا - أيها الأحرار-
فتیاتکم اللائي تملکوهن على الزنا إن كرهنه
وأردن العفاف والطهر، لكي تنالوا من وراء
إكراههن على ذلك بعض المال الذي يدفع
لهن نظير افتراشهن، ومن يكره إماءه على
البغاء فإن الله تعالی بفضله وكرمه- ﴿مِن
بَعْدٍ﴾ إكراهكم لهن، ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
لهن، أما أنتم یا من أکرهتموهن على الزنا
فالله وحده هو الذى يتولى حسابكم،
وسیجازیکم بما تستحقون من عقاب»(٢).
إن القرآن الكريم وهو يضع دعائم
المجتمع المسلم، يعالج فيه مظاهر وظواهر
نشأت في ظلمة الجاهلية الأولى، فيضع
الشارع الحكيم من الأحكام والتشريعات
والتوجيهات ما يحفظ المجتمع المسلم من
كل دخائل وشوائب.
فبعد أن أمر بإنكاح الأيامي للتحصين
البيوت والمجتمع، وأمر الذين لا يجدون
نكاحًا بالعفاف حتى يغنيهم الله من فضله
بالمال والنكاح، فقال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا
اَلْأَيَى مِنْكُرْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّابِكُمْ
إِنْ يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَسِعُ
عَلِيمٌ ﴿ وَلَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا
(١) انظر: أسباب النزول ص٢٤٤.
(٢) التفسير الوسيط ٣٠٧٩/١.
١٥٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الإكراه
حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢-٣٣].
فكان النداء بعدها للأحرار الأطهار بأن
المجتمع المسلم يجب أن يتطهر من كل
النقائص، وألا يغرق في أوحال الشهوات
الجاهلية؛ بل إن الإسلام الحنيف كرم
الإيماء في تعبير الله سبحانه وتعالى بذكره
لهن الفتيات، وحض الإسلام على المزيد
من تحصینھن وخوف الذين يكرهونهن
بالعقاب في الآخرة، مستثنيا المكرهات
من العقوبة مع عظم الجريمة؛ ليتبقى أمام
المكرهة على الزنا فرصة الرجوع والإنابة
والثبات على المنهج القويم.
ثم إن الإسلام جفف منابع هذه الظاهرة
المنتشرة (الاسترقاق) وحصرها في
الحروب المشروعة التي تقوم بين المسلمين
والكفار، ووسع أبواب العتق من خلال
الكفارات، ثم إن الله أمر بالإحسان إلى
الرقيق والتعامل معهم وفق أخلاق الإسلام.
وختامًا فإن الله سبحانه جعل البشر
كلهم إخوة بينهم نسبٌ واحدٌ، وتسري في
أوصالهم نفخة من روح الله، وأنهم سواسيةٌ
في الحقوق والواجبات، وأنهم خلقوا
ليتعارفوا ويتحابوا، فقال سبحانه وتعالى:
﴿وَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّنْ ذَّكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اَللَّهِ
أَنْقَمَكُمْ إِنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: ١٣].
٢. الإكراه على السحر.
أخبر القرآن الکریم أن سحرة فرعون بعد
إيمانهم قالوا: ﴿إِنََّءَامَنَّا بِرَيْنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا
وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:
٧٣].
يقول العلامة ابن كثير في تفسيره لهذه
الآية: ((قال ابن عباس رضي الله عنهما في
تفسيره للآية: أخذ فرعون أربعين غلامًا من
بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفرما،
وقال: علموهم تعليمًا لا يعلمه أحد في
الأرض. قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا
بموسى، وهم من الذين قالوا: ﴿إِنَّاَءَامَتَّا بِرَبِنَا
لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ
خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣]))(١).
مما لاشك فيه أن السحر المتعارف
عليه بين الناس والذهاب للسحرة من كبائر
الذنوب، والسحرة کذبة دجالون، ولقد حذر
النبي صلى الله عليه وسلم من السحرة ومن
التصدیق والإيمان بأكاذيبهم.
١٠
وروى مسلم في صحيحه عن بعض
أزواج النبي صلی الله عليه وسلم قال: (من
أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة
أربعين ليلة)(٢).
وإن الإنسان المسلم مطالب باجتناب
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣٠٥/٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، باب تحريم
الكهانة، ٣٧/٧، رقم ٢٢٣٠.
www. modoee.com
١٥٥
حرف الألف
السحر بأنواعه المتعددة ووسائله المتنوعة؛ وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن
نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة
لأن الأصل في أهداف السحرة هو التفرقة،
سواء بين المرء ودينه أو المرء وزوجه
وعائلته وأهله وعشيرته.
الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في
قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَ
قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧].
يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ
مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ وَمَا
كَفَّرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ
كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أَنْزِلَ عَلَى
اَلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَّ وَمَا يُعَلِّمَانِ
مِنْ أَحَدٍ حَقَّ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ
وَزَوْجِهِ، وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِه مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِّ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ
وَلَقَدْ عَلِّمُوا لَمَنِ أَشْتَّرْنُ مَا لَّهُ فِ اَلْآَخِرَةِ
مِنْ خَلَقِّ وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ
﴾ [البقرة: ١٠٢].
١٠٢
لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ {
بعد بيانه سبحانه وتعالى لمن اتبع
الشياطين في سحرهم من اليهود والسحر
الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء
والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين،
وكل يصبو إلى ما يناسبه، ((ذكر مفاسد
السحر فقال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا
يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْ وَزَوْجِهِ﴾ مع أن
محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غير هما؛ لأن
الله قال في حقهما:
مودة
وَجَعَلَ بَيْنَكُـ
وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة،
وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب
مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة
للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير،
ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة
غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها
مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن
قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله
وإجماع الصحابة والتابعين»(١).
رابعًا: الإكراه في المعاملات:
١. الإكراه على النكاح.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضٍ مَآءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ
يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مَُّهِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ ◌ِلْمَعْرُوفِ
فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
روى البخاري («عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: کانوا إِذا مات الرجل كان أولياؤه
أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦١.
١٥٦
مُوسُوبَةُ اللَّهِ
القرآن الكريم
الإكراه
شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، زوجًا ولا أمكنك أيضًا من أن تتزوجي؛
وذلك حتى تفتدي نفسها فتبرئ الرجل من
فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية:
﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ
النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]))(١).
النفقة ومؤخر الصداق، فيحمي الإسلام
المرأة ويحرم مثل تلك الأفعال.
يقول الإمام القرطبي في تفسيره لهذا
الآية: ((لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن
فتكونوا أزواجًا لهن، فالمقصود إذهاب ما
كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء
کالمال یورثن عن الرجال كما يورث المال،
وقرأ حمزة والكسائي))(٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ
النِّساء کزمًا ﴾، يعني: میراث نکاح النساء.
کارهات.
ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا تحبسوهن عندكم
وتمنعوهن وكانوا إذا كانت جميلة تزوجوها
وإذا كانت دميمة حبوسها حتى تموت
فيرثونها، وتفعلون ذلك، ﴿ ... لِتَذْهَبُواْ
بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ ... ﴾، كأن هذا حكم
آخر، لا ترثوا النساء کرها هذا حکم، و أيضًا
لا تعضلوهن حکم ثانٍ.
والمثال: عندما يكون الرجل كارهًا
لامرأته فيقول لها: والله لن أطلقك، أنا
سأجعلك موقوفة ومعلقة لا أكون أنا لك
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإكراه،
باب من الإكراه، ٦/ ٢٥٨٤، رقم ٦٩٤٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٩٤.
إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُ وهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ﴾، فحينئذٍ يحل لكم إضرارهن
ليفتدين منكم واختلفوا في الفاحشة المبينة،
فقيل: هي النشوز وسوء الخلق وإيذاء
الزوج وأهله، وقيل الفاحشة: هي الزنى،
يعني: أن المرأة إذا نشزت أو زنت حل
للزوج أن يسألها الخلع، وقيل: كانت المرأة
إذا أصابت فاحشة أخذ منها زوجها ما ساق
وقيل: أن ترثوا أموالهن كرهًا يعني وهن إليها وأخرجها فنسخ الله ذلك بالحدود،
﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا
﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قال ابن عباس: ((الخير الكثير: أن يعطف
عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في
ولدها خیرًا کثیرًا)»(٣).
وقيل: في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع
الكراهية لها؛ لأنه إذا كره صحبتها وتحمل
ذلك المكروه طلبًا للثواب وأنفق عليها
وأحسن هو صحبتها استحق الثناء الجميل
في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، وقیل
في معنى الآية: إنکم إِن کرهتموهن ورغبتم
في فراقهن فربما جعل الله في تلك المفارقة
لهن خیرًا کثیرًا؛ وذلك بأن تخلص من هذا
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٨/ ١٢٣.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الألف
الزوج الکاره لها وتتزوج غيره خیرًا منه(١).
٢. الإكراه في البيوع.
أصل القرآن الكريم لحرمة أكل المال
وبين الاستثناء في تداول وتبادل المال في
ذلك، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِاَلْبَطِلِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَ نَجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء:
٢٩].
يقول العلامة ابن عاشور (٢) في تفسيره
للآية: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَن تَرَاضٍ
مِنْكُمْ﴾، وهو يقتضي أن الاستثناء قد حصر
إباحة أكل الأموال في التجارة، و﴿عَنْ﴾ فيه
للمجاوزة، ﴿وَاضِ مِّنْكُمْ﴾ أي: صادرة عن
التراضي وهو الرضا من الجانبين بما يدل
عليه من لفظ أو عرف، والتراضي يحصل
عند التبايع بالإيجاب والقبول، وهذه الآية
أصل عظيم في حرمة الأموال، لقوله صلى
الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئٍ يعني
مسلمًا إلا بطيبٍ من نفسه)(٣).
من الملاحظ أن الله عز وجل لم يذكر
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٩٩/١، تفسير
الشعراوي ١ / ١٤١٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٤/٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤/ ٥٦٠، رقم
٢١٠٨٢، عن عمرو بن يثربي.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، رقم
١٤٥٩.
صيغة التراضي في القرآن الکریم سوى أربع
مرات، ثلاثة في الأحوال الشخصية وواحدة
في المعاملات، والتراضي: ((هو الرضا من
الجانبين بما يدل عليه من لفظ أو عرف،
وهو أساس العقود بصفة عامة، وأساس
المبادلات المالية بصفة خاصة، فلا بيع ولا
شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من
عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا))(٤).
ويعطينا ذلك دلالة كافية وواضحة على
أهمية تحقق شرط التراضي في المعاملات
الشخصية والمالية، بحيث يتحقق التراضي
من المتعاقدين؛ وذلك لما يترتب عليه من
آثار ونتائج، والتراضي هو الحالة المقابلة
للإكراه فلا يمكن في حالة البيوع والتداول
والتجارة أن يكون أحد الأطراف المتعاقدة
مكرهًا، بل إن التراضي بينهم شرط أساسي
لصحة عقد البيع والتجارة.
(٤) الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٩٢٣.
١٥٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الإكراه
أسباب الإكراه
كما بين السياق القرآني أنواع الإكراه
ووضحته فيما سبق، فإن السياق القرآني بين
الأسباب والأمور التي تدفع بالمكره؛ ليأخذ
حكم الإكراه في المسألة الحاصلة، وكذلك
بین السیاق القرآني الأسباب التي تبین سبب
إكراه المكره للمكره، وسبب كونه أكرهه
على فعل المکره علیه و جعله مکرهًا علیه:
أولًا: الفتنة في الدين:
من المعلوم أنه لا فتنة، ولا فساد أعظم
من الفتنة في الدين والفساد فيه، ولقد
حذرنا الحق سبحانه وتعالى من هذه الفتنة،
وحرضنا لتجنبها، ولأن الفتنة في الدين لها
صور وأشكال متعددة، فقد عالجها القرآن
الكريم من خلال عرض السياق القرآني
لمسألة الفتنة في الدين بالإكراه باختلاف
نوع المكرَهين أو المكرِهين، وهذا ما
سنتناوله فيما يأتي:
١. الفتنة في الدين بالإكراه في حق
المؤمنين.
وفيه حالتان:
الحالة الأولى: إكراه الله عز وجل
للمؤمنين في فريضة الجهاد، وتكريهه لهم
الكفر والفسوق والعصيان:
لقد ابتلى الله سبحانه أهل الإيمان
بأحكام وتكليفات، وإن كانت أنفسهم غير
راضية عن أدائها والصب على مشاقها،
ولكنها تحمل الخير لهم.
يقول سبحانه وتعالى:
كُمُ
كُتِبَ عَلَيْهـ
اٌلْقِتَالُ وَهُوَكُزَّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ
لَكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:
٢١٦].
يقول الشيخ سيد طنطاوي في تفسيره
للآية الكريمة: ((أي: أن القتال لشدة ويلاته،
وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة
نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم
المفعول مبالغة، وقرئ (وهو كَرْهٌ لكم)
-بفتح الكاف- فيكون فيه معنى الإكراه؛
لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه، وقيل:
هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية))(١).
وتتجلى رحمته سبحانه وتعالى في حبه
الخير للمؤمنين بتكريهه لهم الكفر والفسوق
والعصيان، وتحبيبه إليهم الإيمان، وجعله
قناديل مضيئة تتزين به قلوب العابدين،
فقال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ
يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ آلْأَمْيِ لَعَنْتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ
إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُمْ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَّهُمُ الْكُفْرَ
وَالْفُسُوقَ وَاَلْمِصْيَانَ أُوْلَكَ هُمُ الَّشِدُونَ
(٧)﴾ [الحجرات: ٧].
وزاده الله سبحانه وتعالى في تكريهه
(١) المصدر السابق ٣٧٢/١.
www. modoee.com
١٥٩
حرف الألف
لأهل الإيمان عديد النواهي التي بينها في غَضَبٌّ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(١٠٦) ) [النحل: ١٠٦].
كلّ
سورة الإسراء، ختمها بقوله تعالى:
ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَيِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:
٣٨].
تبیانًا منه سبحانه وتعالى لعدم إتيانها من
المؤمنين، وأنها سيئات مكروهة عند الله
تعالى، فالأولى بكم يا أهل الإيمان الانتهاء
عنها.
الحالة الثانية: إكراه الكافرين للمؤمنين
لصدهم عن سبيل الله:
إن أهل الكفر والضلال لا يتوانون
لحظة في إكراه المؤمنين لصدهم عن دينهم
وإغوائهم بشتى الطرق والوسائل وتتعدد
وسائلهم وطرقهم وأساليبهم للصد عن
سبيل الله بالترغيب تارة وأخرى بالترهيب،
بما يتلاءم مع كل زمان ومكان، وهما في هذا
وذاك إخوة وأولياء متفقون على صد الناس
عن دين الله ولهم وسائلهم وأساليبهم في
ذلك.
ولما علم الله سبحانه وتعالی کید
الكافرين وحربهم على أهل الإيمان
فقد رخص رخصًا قولية لرفع أذاهم عن
المؤمنين، واشترط أن يكون القلب مطمئنًا
بالإيمان.
يقول تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ
بِاَلْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
((وهذا يعد رخصة للمسلمين الذين
يتعرضون للبلاء الشديد على يد الكفار، فمن
ثبت وراغم الكفار كما فعل بلال فهو أفضل،
ومن أخذ بالرخصة كما فعل عمار فإنه لا إثم
علیه مادام قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولله الحمد
والفضل، وفي اطمئنان القلب دلالة على
أهمية صيانة الفكر من أن يتطرق إليه شيء
من الشبهات التي يثيرها الكفار)) (١).
ولم يقتصر أهل الشرك والكفر على
إکراههم الناس بأنفسهم واتباعهم، بل إنهم
أكرهوا وأجبروا كل الإمكانات المتاحة
لإكراه أصحاب الاختصاصات المتعددة،
في تسخيرها للصد عن سبيل الله تعالى،
ففي قصة سيدنا موسى عليه السلام مع
فرعون وسحرته، يتجلى القهر والتسلط
الذي مارسه فرعون على السحرة؛ لسحر
أعين الناس وصدهم عن الدعوة الجديدة،
وحينما انكشف الأمر وبانت الحقيقة نطقوا
بالحقيقة المرة.
فقال تعالى حكاية عنهم بعد إيمانهم:
﴿إِنََّءَامَنَّا بِرَبِنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ
مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣].
تتعدد الصور وتتنوع الوسائل التي
يستخدمها الكافرون وأعوانهم في حربهم
(١) المصدر السابق ١/ ٣٧٢.
مُوسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
١٦٠
الإكراه
على الإسلام وأهله، فهم في صراع دائم وقتالهم، يقول تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ
فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى
اُلِّلِمِينَ ﴾ [البقرة: ١٩٣].
مع المصلحين الداعين لوحدانية الله من
دون نقص أو شوائب، ولکل عصر عناوینه
وصوره المتعددة في فتنة الذين آمنوا، وهذه
ضريبة طبيعة يدفعها أهل الإيمان في سبيل
الله تعالى.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ
أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُقْتَنُونَ﴾
[العنكبوت: ٢].
إن الإكراه الذي يمارسه الطغاة
والمستكبرون في حق المؤمنين، يؤثر
علی عوام الناس وضعفاء الإيمان، والذين
يجهلون حقيقة الحياة الدنيا.
ومن ذلك ما ذكره الله عن حال بني
إسرائيل مع فرعون، فقال تعالى: ﴿فَمَآ
ءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن
فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي
اُلْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ، وَقَالَ مُوسَى يَقَوْم
إِنَ كُمْ ءَامَنُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَكُواْ إِن كُم مُّسْلِمِينَ
٨٤
فَقَالُواْ عُلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجْنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ
اُلْكَفِرِينَ﴾ [يونس: ٨٣-٨٦].
ولقد حث ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين
على الصبر والجلد في وجه الطغاة
والعتاة، وعدم الركون إليهم والاستسلام
لمخططاتهم للقضاء على الإسلام وأهله،
وأمر المؤمنين الموحدين بالإعداد لهم
والأمر بقتال المشركين من الله سبحانه
و تعالی للمؤمنین حتى لا تكون هناك محاولة
من المشركين والكافرين لصرف الناس عن
دين الله بالقوة والقهر والسيف؛ ولذلك
لابد من مواجهتهم بالقوة ردًا لاعتدائهم
على المسلمين، وخوفًا من صرفهم الناس
عن دين الله، حتى إذا انتهوا عن معاندتهم
﴿فَإِنِ انتَهَوْا
ولزموا حدودهم فقد تم المراد
فَلَعُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
٢. الفتنة في الدين بالإكراه في حق
الناس عامة.
إن الإسلام دين الرحمة والسماحة،
شرعه يطابق العقل والمنطوق، ينسجم
مع الفطر السليمة والنفوس الزاكية، يسمو
بالبشریة إلى أرقى المراتب، ويعلو بالإنسان
إلى أعلى الدرجات، فيه من الأخلاق ما
يسع الناس جميعًا بدون تشدد ولا عسر
وعنف ولا غلو ولا تنطع، فهو دين وسطي
شامل لجميع نواحي الحياة، يصلح لكل
زمان ومكان.
ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى أنزل
في كتابه الكريم وفي حق عامة الناس بأنه
لا إكراه في الدين: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَد
ثَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ
www. modoee.com
١٦١
حرف الألف
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وتوجهات الضمير))(١).
لَا أَنفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فهذا دین واضح المعالم والمسالك، لا
إكراه فیه ولا إجبار في اعتناقه والإيمان به.
ولما أراد نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم من حبه لأمته أن یکره بعضًا من الناس
على الإيمان، استنكر عليه ربنا سبحانه
وتعالى ذلك، وأنزل في ذلك قرآنًا يتلى إلى
يوم القيامة.
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِي
اٌلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعَاْ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
وكأن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أن الفتنة
في الدین وإكراه الناس على الدخول فيه، لا
تنشئ المجتمع المسلم الذي يتحمل أعباء
الدعوة إلى الله، ويلتزم بالتكاليف الإلهية،
ولا تربي الأمة المجاهدة التي تدافع عن
دينها وتذود عن حياضه، ولا تزهو الحضارة
المنشودة بهم، إذن لابد أن لا يفتتن الناس
في الدخول لهذا الدين، بل لهم الحرية
في الدخول واعتناق هذا الدين، والتعرف
عليه والإيمان بمعتقداته بالبحث والدراسة
والتعمق والتأمل.
((فالإيمان إذن متروك للاختيار، لا يكره
الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أحدًا؛
لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب
٣. الفتنة في الدين بالإكراه في حق
المنافقين.
الفتنة في الدين بالإكراه في حق
المنافقين ناتجة عن أمرين، علم الله بحقيقة
ما في صدورهم، وخبايا أنفسهم، فكره الله
نصر تهم للدین فٹطهم عنها، و کذلك فإنهم
يكرهون الحق ويحرضون ضده، ويعملون
بكل ما أوتوا من قوة مادية ومعنوية، وكراهية
مستديمة لطمس الحق ومحاربته، وسأوضح
الحالتين وفق التالي:
الحالة الأولى: كراهة الله عز وجل
للمنافقين في الخروج لنصرة الدين:
لما علم الله سبحانه وتعالى من طبيعة
وسجية المنافقين، ونواياهم المنطوية على
السوء للمسلمين، لم يبعث فيهم الهمة
للخروج لنصرة الدين، فكره الله جهادهم
مع المجاهدين، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا
الْخُرُوِجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ
اللّهُ أَنْبِعَائَهُمْ فَشَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ
الْقَعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
ولعل السبب في تثبيط الله عز وجل
للمنافقين في عدم خروجهم لنصرة الدين،
يوضحه ربنا سبحانه وتعالى بقوله تعالى
في الآية التي تلي آية الإكراه مباشرة، يقول
تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ١٨٤.
١٦٢
جوي
القرآن الكريم