النص المفهرس
صفحات 21-40
الاستکباب
مُؤْمِنُونَ﴾))(١).
فكأن هذا تحدٍ من المستضعفين للملأ وكف الظلم والرذيلة، ويطلبون الكرامة
المستكبرين، تحدٍ على الثبات على الحق
وعدم الانحیاد عنه رغم التهديد والوعيد،
بل ورغم مباشرة القتل وتنفيذ الوعيد، تمامًا
کما وقع من قوم موسى وفرعون، حیث آمن
سادسًا: العتو والطغيان:
السحرة برب العالمين، وهددهم فرعون بأن
تلمس وأنت تقرأ سيرة المستكبرين في
القرآن الكريم مدى التعالي والعتو والطغيان
الذي هم عليه، وتجد فيهم البطش الشديد
ضد الأنبياء والمرسلين، وأولياء الله
الصالحين، فهذه الصورة تعد مظهرًا بارزًا
من مظاهر الاستكبار، بها يعرفون، ومن
خلالها يتميزون.
يصلبهم في جذوع النخل، ويقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف، لكنهم ثبتوا على الحق
بعدما تبين لهم، وصبروا على أذى فرعون،
وفضلوا الباقية على الفانية: ﴿قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ
عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَعِنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَا
أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا إِنَّا
ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ
السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ ◌ّ
﴾ [طه: ٧٢ - ٧٣].
(١٢٥
وأيضًا: ﴿قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ
وَمَا تَنِعِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِثَايَتِ رَيْنَا لَمَّا
جَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَّنَّنَا مُسْلِمِينَ
(١٣)﴾ [الأعراف: ١٢٥ - ١٢٦].
ولا فرق بين هذه العنجهية والكبرياء
الذي عليه المتمردون في الأقوام السابقة
وما عليه المتمردون والمستكبرون في هذا
العالم الظالم اليوم، حينما يجد المسلمون
أنفسهم في موجة من التحديات عاتية،
وممارسات في حقهم مجحفة، ليس ذلك
(١) فى ظلال القرآن، سيد قطب، ١٣١٣/٣-
١٣١٤.
إلا لأنهم ينشدون نشر العدل والفضيلة،
لهذا الإنسان في هذا الوجود، لا أن تكون
الحياة لصنف الظلمة والمستكبرين،
والسحق للباقين، فإن هذا لا يرضي أحدًا
من المنصفين.
ولعل إكراه المستكبرين للمستضعفين
على اتباع باطلهم، يعد نموذجًا حيًا ومثالًا
واضحًا لما عليه المستكبرون من عتو
وطغيان، إنهم لم يكتفوا بما هم عليه من
الباطل، بل ذهبوا يضلون عباد الله المؤمنين،
ويسعون لصدهم عن سبيل الله بمختلف
الوسائل والسبل، حتى لو كان ذلك بالتهديد
والتعذیب، أو قد يصل أحيانًا إلى درجة
القتل، قد بلغوا في ذلك حد التفاني في الصد
عن الحق.
فانظر إلى طغيان فرعون، فيما أخبر
القرآن عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ
www. modoee.com
١٥٩
حرف الألف
مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ الأرذلون، فلما أجابهم بأنه ليس إلا رسول
مبين: ﴿قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَلْنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْمَرْجُومِينَ ﴾ [الشعراء: ١١٦].
يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِيِ صَرْحًا لَّعَلِّ
أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ
وَأَسْتَكْبَرُ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾
[القصص: ٣٨-٣٩].
وقال عنه أيضًا: ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى
[النازعات: ٢٤].
ولذلك قال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّهُطَغَى﴾
[النازعات: ١٧].
فأي استکبار بعد هذا الاستكبار؟!
وأي طغيان بعد هذا الطغيان؟! أن ينازع
الله تعالى في ألوهيته وربوبيته فذلك قمة
العتو والطغيان والاستكبار.
ويناظره نمرود الذي ادعى ذلك لنفسه،
فقال لإبراهيم عليه السلام: ﴿أنا أُمِّء
وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وانظر أيضًا رد الملأ من قوم صالح عليه
السلام بعدما تبين لهم الحق: ﴿فَعَقَرُواْ
النَّاقَةَ وَعَنَّوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ
أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ {
٧٧
[الأعراف: ٧٧].
تحدٍ صارخ، وعتو فاجر، وإصرار على
العناد والكفر، فکان عاقبة أمرهم خسرًا.
وقد سبقهم في موقفهم هذا قوم نوح
عليه السلام، فقد أمرهم ونهاهم، وبین لهم
ما به يتقون، فاحتجوا لكفرهم به بأنه اتبعه
((عدلوا بعد تلك المحاورة بينهم وبين
نوح إلى التجبر والتوعد، فلما سمع نوح
قولهم هذا، قال: ﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ قَوْمِى كَذَُّونِ
﴾ [الشعراء: ١١٧].
أي: أصروا على تكذيبي، ولم يسمعوا
قولي، ولا أجابوا دعائي))(١).
فهذا هو حال المستکبرین في كل زمان،
فلقد رأينا اليوم أقوامًا لا يختلف حالهم
عن سلفهم الأولين، يحذون حذوهم في
مواجهة الحق، ويسيرون على خطاهم
في الكيد للإسلام والمسلمين، ومظهر
العتو والطغيان فیهم بارز للعيان، لا يحتاج
تصنيفهم في المستكبرين والمتمردين في
هذا الکون في هذا الزمان کثیر تفكير أو روية،
فإنهم قوم ملكوا من أسباب القوة المادية أو
التكنولوجية أو الاقتصادية أو الإعلامية ...
الخ، ما يجعلهم يتمردون ويظهرون بهذه
الغطرسة والكبرياء في هذا العالم.
ولكن الحق في علو وظهور، والباطل
في انحدار وانكسار، ولكنكم تستعجلون،
وهي سنة الله في الأولين والآخرين، ولن
تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله
تحویلًا.
(١) فتح القدير، الشوكاني، ١٣٧/٤.
١٦٠
القرآن الكريم
الاستکباب
سابعًا: الاستنكاف عن العبادة:
سبق أن بينا معنى الاستنكاف، وهو
أوسع دلالة وأعلى رتبة من الاستكبار،
لما فيه من الأنفة والتنقص والاستصغار.
والاستنكاف عن عبادة الله تعالى مظهر
من مظاهر الاستكبار وعلامة من علاماته؛
لذا توعد الله تعالى المستنكفين عن عبادته
بالعذاب الأليم، فقال: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ
الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ
الْقُرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ،
وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١) فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ
أَسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم ◌ِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا (٣)﴾ [النساء: ١٧٢ - ١٧٣].
«أي: یأنف تکبرًا، ویعد نفسه کبیرًا عن
العبادة)) (١).
وهذا المظهر للمستنكفين عن عبادة الله
تعالى يبدو واضحًا في قوم هود عليه السلام،
إذ أخبرنا القرآن الكريم من حالهم وصفاتهم
حينما دعاهم نبي الله هود عليه السلام إلى
التوحيد، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك
له، فكذبه قومه واتهموه بالسفاهة، وذكرهم
بما حدث لقوم نوح عليه السلام حينما
(١) فتح القدير، الشوكاني، ١/ ٦٨٢.
عليه كان ينم عن كبر وأنفة ورفض لعبادة
الله وحده مع ترك عبادة ما كان عليه الآباء
والأجداد، ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ.
وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُّ ءَابَآؤُنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُّناً
﴾ [الأعراف: ٧٠].
٧٠
إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ(
ومثلهم قوم صالح عليه السلام، فعلوا
مثل فعلتهم، وردوا على نبيهم بالرد إياه،
﴿قَالُواْ يَصَلِعُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَاً
أَنَنْهَسُنَّا أَنْ تَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَّفِى شَكٍ مِّمَّا
﴾ [هود: ٦٢].
٦٢
تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُسِيبٍ
إن من كان هذا شأنه، وظهرت فيه
صفة الاستنكاف عن عبادة الله، يلتمس
لاستنكافه هذا المعاذير والحجج التي لا
اعتبار لها عند العقلاء- ليعد هذا مظهرًا من
مظاهر الاستكبار والتمرد.
ثامنًا: التعاظم عن اتباع الحق:
من مظاهر الاستكبار: التعاظم عن
اتباع الحق، والسير على طريق الهدى،
واختيار السبيل الموصل إلى جنات الله
رب العالمين، يتنكب هؤلاء المستكبرون
تلك الطريق، يختارون الضلال على الهدى،
والکبریاء على التقى، فبئس الاختيار.
وليس أدل على هذا المظهر مما ورد
في شأن المنافقين-أخص بالذكر عبد الله
بن أبي بن سلول- الذي کان یرأس حرکة
كذبوا رسولهم ماذا حدث لهم؟! لكن ردهم النفاق في المدينة المنورة بعد هجرة النبي
www. modoee.com
١٦١
حرف الألف
صلى الله عليه وسلم إليها، ومما ورد في في هذه الكبيرة، وحينئذٍ ليعلم أن فعله هذا
يجعله مستحقًا لسخط الله وعقابه. وعلى
العاقل أن يعرض نفسه على هذا الميزان
ليرى أين يسير، وكيف المصير.
القرآن الكريم من كشف لسوءتهم وهتك
لسترهم، ما ورد في سورة المنافقون. قال
تعالى: ﴿وَ إِذَا قِيلَ لَمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ
رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم
مُسْتَكْبِرُونَ ﴾﴾ [المنافقون: ٥].
إنه قد علت أنفتهم، وشمخت أنوفهم
-فيما يبدو لهم- إلى الحد الذي جعلهم
يتعالون على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ويسعون للصد عن سبيل الله،
تعاظمًا منهم عن اتباع الحق، وإمعانًا في
الباطل والضلال، وهذه السمة موجودة
عند كثير من الناس، تكبرًا كان ذلك صراحة
منهم أو ضمنًا؛ لأن من ظهر له الحق ولم
يتبعه، وأصر على ما هو عليه من الضلال
والانحراف، يعد هذا تعالٍ على الحق،
وترفعٌ عن التواضع لعظمة الله فيما تعبد
به الناس، ومن رفض أمر الله وفعل خلافه
يعد هذا تمردًا على الحق، وتكبرًا على أمر
الله، لذا كانت هذه الصفة مظهرًا من مظاهر
الاستكبار بغير الحق.
فهذه جملة من مظاهر الاستكبار، حيثما
وجدت إحداها فى المرء كانت صفة من
صفات المستكبرين في الأرض بغير الحق،
مؤذنة بنزول سخط الله عليه، وهو في هذه
الحالة بين خيارين: إما أن يتركها ويتبع
الهدى، ویتواضع لله وللناس، أو أن يتمادی
موسوعة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٦٢
الاستکباب
نماذج قرآنية من المستكبرين
قص علينا القرآن الكريم من أخبار
السابقين أفرادًا وجماعات، وكشف عن
أحوالهم وصفاتهم ومصارعهم، وذكر
الأسباب التي أدت إلى هلاك من أهلك
منهم، ونجاة من أنجى، فكان الاستكبار
عن طاعة الله تعالى سببًا رئيسًا من أسباب
الهالكين المعذبين، وهاهنا أقف على
نماذج من أحوال هؤلاء، سواء على مستوى
الأفراد، أو على مستوى الجماعات.
أولًا: أفراد مستكبرون:
هذه أمثلة يضربها لنا القرآن الكريم فيها
موعظة بليغة للمعتبرين، وفيها من الزجر
والوعيد للمخالفين:
١. إبليس.
وهو أول المستكبرين المستنكفين عن
أمر الله، قص الله تعالى علينا من أخباره،
وکرر قصته في سورٍ عدةٍ، ليحذرنا منه،
ويبين لنا مدى عداوته لهذا الإنسان، وأن
هذه العداوة متجذرة فيه وفي ذريته لا محيد
له عنها، وهي ترجع في تاريخها إلى لحظة
خلق الله آدم عليه السلام، وأمر الملائكة
بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، وعبادة لله
تعالى، لكن اللعين رفض أمر الله، وأبى أن
یکون من الساجدین، فمقته الله تعالى، إذ
کیف له أن یرفض أمر خالقه؟! لكنه الکبریاء
والتعاظم، فسأله الله تعالى عن سبب امتناعه
عن السجود لآدم الذي خلقه الله بيديه؟
فقال: أنا خير منه، وقاس أصل خلقة آدم
بأصل خلقته، فقال: خلقتني من نار وخلقته
من طين، والنار في نظره أفضل من الطين،
فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟! فتكبر
عن أمر الله، وطلب من الله تعالى أن ينظره
إلى يوم يبعثون، فأنظره الله تعالى إلى يوم
الوقت المعلوم، فأقسم بعزة الله ليفتنن
آدم وذريته أجمعين، وليغوينهم ويضلنهم
عن الطريق المستقيم، لكن الله تعالى قد
كتب أنه لا سلطان لإبليس على عباد الله
المؤمنين، وإنما سلطانه على الذين يتبعونه
من الغاوين.
قال تعالى مخبرًا عن ذلك :. ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ
أَسْجُدُواْلِآَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ
السَّجِدِينَ ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ
قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ )
قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ
إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾ قَالَ أَنْظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴾ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١)
بَيْنِ أَيْدِ يهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَئِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمٌّ وَلَا
◌َدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ ﴿ قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومًا
مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ
ثُمَّلَتِيَنَّهُمِ مِنْ
www. modoee.com
١٦٣
حرف الألف
[الأعراف: ١١ - ١٨].
لذا حذر الله تعالى الإنسان من اتباع
خطواته والاغترار به، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ
◌َكُنْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ
مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: ٦].
وقال جل شأنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
[البقرة: ٢٠٨].
٢٠٨)
قال أبو الفرج ابن الجوزي: ((الواجب
على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو
الذي قد أبان عدواته من زمن آدم عليه
الصلاة والسلام، وقد بذل عمره ونفسه في
فساد أحوال بني آدم، وقد أمر الله تعالى
بالحذر منه»(١).
٢. النمرود.
كان نمرود على عهد سيدنا إبراهيم عليه
السلام، وهو أول من وضع التاج على رأسه،
وتجبر في الأرض وادعى الربوبية، وقد آتاه
الله الملك فطغى، أي كانت تلك المحاجة
من بطر الملك وطغيانه(٢).
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَهِمَ
فِي رَبِّهِءَ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِثُمُ رَنَِّ
الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُخْىِ، وَأُمِيثٌ قَالَ
إِبْرَهِئُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ
(١) تلبيس إبليس، ص٣٣.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٣١٥/١.
بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ()﴾ [البقرة: ٢٥٨].
ولا شك أن ما وقع من نمرود في
المحاجة في جزئها الأول كان سفسطة
ومكابرة على الحق.
قال الألوسي: ((وأراد عليه السلام بـ
﴿يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾ يخلق الحياة والموت
في الأجساد، وأراد اللعين غير ذلك، فقد
روي عنه أنه أتى برجلين، فقتل أحدهما
وترك الآخر وقال ما قال، ولما كان هذا
بمعزل عن المقصود وكان بطلانه من
الجلاء والظهور بحیث لا يخفى على أحد،
والتعرض لإبطال مثل ذلك من قبيل السعي
في تحصيل الحاصل، أعرض الخليل عليه
الصلاة والسلام عن إبطاله وأتی بدليل آخر
أظهر من الشمس)»(٣). فما كان إلا أن بهت
الذي كفر، وانقطع عن المحاجة.
٣. فرعون.
فرعون نموذج الطغيان، ضرب الله
تعالى به المثل في العلو والاستكبار
والافتراء والظلم والفساد، سفك الدماء،
وعذب الناس، وعبد بني إسرائيل، ثم زاد
في الطغيان والعتو والاستكبار حتى ادعى
لنفسه الربوبية والألوهية، فأرسل الله تعالى
له موسى عليه السلام، وجعل معه أخاه
هارون وزیرًا وردءًا يصدقه، وآتاه من الآيات
(٣) روح المعاني، ٢٧/٣.
١٦٤
مُوسُوبة النفسيةِ الوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الاستکباب
ما فيه بلاء مبين، لكنه كذب وعصى، وأدبر أَنْ مَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ، لَكِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩].
یسعی، وقال أنا ربكم الأعلى، بل وقال: ما
علمت لكم من إله غيري، ثم قد استهان
بموسى عليه السلام وازدراه واستخف به،
فقال في كبرياء: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ
مَهِينٌوَلَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴾ [الزخرف: ٥٢].
وجمع السحرة، وبدأت المبارزة، وألقى
موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون،
فوقع الحق وبطل أمر الساحرين، وألقوا
جمیعهم ساجدین.
قالوا: آمنا برب العالمين، فقال لهم
فرعون في كبرياء وتعاظم: ﴿قَالَ ءَامَنتُمْ
لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ، لَكِيُّكُمُ الَّذِى عَلََّكُمْ
اَلْسِحْرَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩].
ثم توعدهم بالتعذيب الشديد: ﴿لَأَقَطِّعَنَّ
أَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأَ صَلْنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[الشعراء: ٤٩].
فقد بدت من فرعون مواقف تنم عن
کبریائه وتعاظمه:
منها: ادعاؤه الربوبية تارة، والألوهية تارة
أخرى.
ومنها: ازدراؤه بموسى، ونظره إليه نظر
شزر.
ومنها: تكذيبه بالحق لما جاءه، مع
وضوح البينات والآيات.
ومنها: موقفه من السحرة لما آمنوا
بموسى، حيث قال لهم: ﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ
ومنها: توعده للسحرة لما آمنوا، وتعذيبه
لمن آمن.
ومنها: إلصاق التهم بموسى عليه
السلام، وبث الإشاعات حوله؛ من اتهامه
بالسحر والكذب وغيرها.
كل هذه المواقف تدل على كبريائه
وطغيانه واستبداده، وأن ذلك وقع منه
للحفاظ على ملكه ورياسته، وبقاء سلطته
دون منازع.
٤. قارون.
قارون رجل من بني إسرائيل آتاه الله من
الأموال مالا يحصى عددًا، ونعمه بأنواع
النعم؛ من کنوز وقصور وخزائن وخدم
وغيرها من أنواع النعم، غير أنه بدلًا من أن
یتواضع لله ويؤدي حق الله تعالى فيما آتاه
من مال، استکبر وتعالى على الناس، وأنکر
أن يكون ذلك من الله، وقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا
أُوِِّتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ [القصص: ٧٨].
فاستكبار قارون كان بتكذيبه مبدًا، ثم
بإسناده النعمة إلى نفسه وعدم إسناد فضلها
إلى المنعم سبحانه وتعالى، ثم من ناحية
ثالثة بعدم أداء حقها فيمن له الحق فيها من
الفقراء والمساکین وذوي الحاجات، فكان
مصيره أن خسف الله به وبداره الأرض.
www. modoee.com
١٦٥
حرف الألف
٥. هامان.
هامان وزير فرعون، وشریکه في حکم
البلاد والاستبداد، وهو يده الطولى في
القتل والتعذيب والإفساد والتمرد، لذا كان
في رتبته في الاستكبار والعتو، فقال تعالى
شأنه: ﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَسَنَّ
وَلَقَدْ جَآءَهُمْ قُوسَى بِالْبَيْنَتِ فَأَسْتَكْبَرُوا
٣٩
فِىِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ
[العنكبوت: ٣٩].
فعده في جملة المستكبرين من الطغاة.
وفي موضع آخر قال تعالى شأنه: ﴿إِلَى
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَجِرٌ
كَذَّابٌ ﴾ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ
عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ.
وَأَسْتَحْبُوا نِسَآءَ هُمَّْ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ
إِلَّا فِي ضَلَلٍ ﴾﴾ [غافر: ٢٤ -٢٥].
فذكر أنه كان من المكذبين، وقد اتهم
موسى بالسحر والكذب، ولما بين لهم
موسى أنه رسولٌ من الله أيده بالمعجزات،
وقد جاءهم بالحق منه، تمرد واستكبر وعلا
وافترى، وراح يقتل أبناء الذين آمنوا، زيادة
في العتو والاستكبار.
والآيات الكريمة قد ذكر ته مقترنًا بفرعون
الطاغية المستكبر في مواضع متعددة، ليدلل
على أنه كان لا يقل عن أقرانه من فرعون
وقارون في العتو والاستكبار.
ثانيًا: أمم مستكبرة:
لم يقتصر الأمر في الاستكبار على
هؤلاء الأفراد وحدهم، بل تعدى ذلك إلى
الجماعات والأمم، فقد قص علينا القرآن
الكريم من أخبار السابقين ما يصفهم بهذه
الصفة، من هؤلاء:
١. قوم نوح عليه السلام.
أرسل الله تعالى نوحًا إلى قومه لينذرهم
من قبل أن يأتيهم العذاب، فبلغ رسالة الله،
ودعا قومه علی کل حال؛ سرًا وجهارًا، ليلاً
ونهارًا، لكنهم استكبروا استكبارًا، وعتوا
عن أمر ربهم، وعصوا رسول الله نوحًا عليه
السلام، ومكث عليه السلام في دعوتهم
ألف سنة إلا خمسين عامًا.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوِى لَيْلاً
وَنَّهَا فَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلَوِىّ إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي
كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَيِعَهُمْ فِّ
ءَاذَانِمْ وَأَسْتَغْشَوْ نِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ
أَسْتِكْبَارًا ، ثُمَّ إِنِّ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِّ
أَعْلَنْتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارً ﴾ [نوح: ٥-٩].
فلم يترك علیه السلام وقتًا، ولم يدخر
جهدًا في دعوة قومه إلى الله، لكنهم
استكبروا مصرین علی استکبارهم.
ولما أمر الله تعالى نوحًا بصنع الفلك؛
لأن موعد هلاك القوم قد اقترب، فبدأ
بصنعها في مكان لا ماء فيه، وكان قومه
١٦٦
القرآن الكْرِيْمِ
الاستکبار
يسخرون منه ويستهزئون به.
قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ
عَلَيْهِ مَلَأَ مِنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْمِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
وكان استهزاؤهم هذا بنوح عليه السلام
یکشف عن تکېر هم عليه وعلى دعوته.
٢. قوم هود عليه السلام.
دعا هود عليه السلام قومه إلى عبادة
الله وحده ونبذ كل ما دونه من معبودات،
وجاءهم بالبينة المصدقة له في دعواه،
فاتهموه بالكذب والسفاهة، وقارعهم
بالحجة، وذكرهم بحال من سبقهم
ومصيرهم، لكنهم تمادوا في العتو
والطغيان، فكذبوه وأنكروا عليه دعواه،
وقالوا له: ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةْ
وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِّ ◌َ الِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: ٥٣].
وقالوا كذلك: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ.
وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُّدُ مَابَآؤُنَا فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا
﴾ [الأعراف: ٧٠].
إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (
وقال تعالى مبينًا جحودهم: ﴿وَتِلْكَ عَادٍّ
جَحَدُ واْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَّبَعُواْ أَمْرَكُلِّ
جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ [هود: ٥٩].
لذا وصفهم الله تعالى بالاستكبار، وهم
مستحقون لهذه الصفة، فقال جل شأنه:
فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيِّرِ الْحَقِ﴾
[فصلت: ١٥].
٣. قوم صالح عليه السلام.
تذكر الآيات الكريمة تمرد الملأ من قوم
صالح عليه السلام، بعدما قدم لهم البينات،
ودعاهم إلى عبادة الله وحده، وأصبح أمر
رسالته واضحًا بلا مراء، غير أنهم أنكروا
رسالته، وعتوا على أمر الله، وراحوا يصدون
من آمن من قومه من المستضعفین عن دين
الله، فقصت علينا الآيات هذا الكبرياء الذي
كانوا عليه.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
قال تعالى:
أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا
مُرْسَلٌ مِّن رَبِّدَّ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِه
مُؤْمِنُونَ ) قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوْ
إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ كَفِرُونَ ) فَعَقَّرُواْ
النَّاقَةَ وَعَنَّوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ
أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
٧٧
[الأعراف: ٧٥ -٧٧].
فكان صنيعهم هذا كبرياء وتعاظمًا على
الحق، لذا سماهم الله بهذا الاسم الذي
يلصق بهم صفة الاستكبار.
٤. قوم لوط عليه السلام.
وقد كان قوم لوط عليه السلام على
معصية مخالفة لما عليه الأقوام السابقون
بجانب بعض الكبائر، فبعث الله تعالى لهم
نبيه لوطًا عليه السلام، فجاءهم مذكرًا لهم
www. modoee.com
١٦٧
حرف الألف
بالله، وناصحًا ومرشداً إلى ما فيه صلاح
الحال في الدنيا والآخرة، وقال لهم بأنهم
على فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ))
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اُلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُم
بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ
أَيَتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ
وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرَّ فَمَا
كَنَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا
بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
٢٩
[العنكبوت: ٢٨-٢٩].
لکن قومہ کانوا مفترین، فاستکبروا علی
أمر الله، وأصروا على المعصية.
وقد بدت علامات الكبرياء والتعاظم في
ردهم على لوط عليه السلام لما دعاهم لترك
الفاحشة.
قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا
كَنَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَنْتِنَا
بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
[العنكبوت: ٢٩].
وقال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَاكَانَ
جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَالَ لُوطٍ
مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ (٥)
[النمل: ٥٦].
روی الطبري رحمه الله عن مجاهد في
قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ قال: من
أدبار الرجل وأدبار النساء؛ استهزاء بهم (١).
أي: استهزاءً بلوط عليه السلام والمؤمنين
معه في تطهرهم عن هذه الرذيلة، وهذا يدل
على تماديهم في الطغيان والاستكبار، حتى
سخروا من الحق، وقلبوا الباطل حقًا والحق
باطلًا.
وثم موقف آخر من مواقف عتوهم
وتكبرهم: حينما جاء الضيف لسيدنا لوط
عليه السلام وعلموا بقدومهم، فجاءوه
مسرعين يريدون فعل الفاحشة مع ضيفه.
قال تعالى: ﴿وَجَّهُ، قَوْمُهُ, يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٨].
وفي موضع آخر قال: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ
اٌلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ قَالَ إِنَّ هَكُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَا
نَفْضَحُونٍ ﴿ وَأَنَّقُواْاللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ) قَالُوا أَوَلَمْ
نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِىَ إِن
كُنْتُمْ فَعِلِينَ
ـا﴾ [الحجر: ٦٧-٧١].
٧١
يقول الإمام الطبري رحمه الله : ((وجاء
أهل مدينة سدوم، وهم قوم لوط، لما
سمعوا أن ضيفًا قد ضاف لوطًا مستبشرين
بتزولهم مدينتهم، طمعًا منهم في ركوب
الفاحشة))(٢).
إنها قمة الطغيان والاستكبار، أن يصل
بهم الحال إلى هذا الحد؛ بأن يرتكبوا
الفاحشة بضیف لوط عليه السلام ! إنهم قد
(١) جامع البيان، ٤٨١/١٩.
(٢) المصدر السابق، ١٧ / ١١٧.
١٦٨
القرآن الكريم
الاستكبار
جعلوا نبيهم في موقف عصيب، حتى قال قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
لهم ما قال.
٥. قوم شعيب عليه السلام.
أرسل الله تعالى شعيبًا إلى مدين وأمرهم
بعبادة الله وحده، وحثهم على ترك كل ما من
شأنه الفساد والإفساد، وبين لهم أمرًا شنيعًا
ظهر فيهم، وهو التطفيف في الموازين.
وَيَقَوْمِ
قال تعالى مخبرًا عنه قوله لهم:
أَوْقُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا
تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى
اْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ
إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَّ وَمَّا أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ
٢) ﴾ [هود: ٨٥ - ٨٦].
لكنهم قابلوا الإحسان بالإساءة،
والنصيحة بالرفض، والتصديق بالتكذيب،
وتمادوا في طغيانهم وكبريائهم، حتى قالوا
-كما ذكر القرآن- في ردهم على شعيب
عليه السلام: ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ
مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرَِّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ
مِن قَرِّيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَتِهِينَ
﴾ [الأعراف: ٨٨].
فبردهم هذا الذي يحمل التهديد
والوعيد لشعيب عليه السلام والذين آمنوا
معه استحقوا وصفهم بالاستكبار.
ومن مواقفهم كذلك صدهم المؤمنين
عن سبيل الله.
قال تعالى: ﴿ وَقَالَ لَلْلَأُالَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
﴾ [الأعراف: ٩٠].
يخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب
وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال،
وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق،
ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا
إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾(١).
ومن مواقفهم المجحفة في حق نبيهم
التي تدل على تمردهم وتکبرهم على الهدى
والطاعة لله ولرسوله: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْثُ مَا
نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَكَ فِنَا ضَعِيفًا
وَلَوْلَا رَهْظُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
ـ﴾ [هود: ٩١].
وانظر إلى موقفهم هذا الذي يصوره
لنا القرآن الكريم .. ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ
الْمُسَخَّرِينَ (٣٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن
نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا
كِسَفَا مِنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
١٨٧
[الشعراء: ١٨٥ - ١٨٧].
فكل هذه صور ومواقف للتكذيب
والاستكبار عن اتباع الحق، سواء على
مستوى الأفراد أو الجماعات، وقد ذکرها
لنا القرآن الكريم لأخذ العبرة منها، ﴿لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾
[يوسف: ١١١].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٤٨/٣.
www. modoee.com
١٦٩
حرف الألف
أساليب القرآن في عرض الاستكبار
جاء الحديث في القرآن الكريم عن
الاستكبار على أساليب مختلفة ومتنوعة،
منها:
أولًا: الاستفهام الإنكاري.
رهب القرآن الكريم من الاستكبار ونفر
منه بأسلوب الاستفهام الإنكاري التوبيخي،
وهذان نموذجان ممن استكبروا بغير الحق،
وأنكر عليهم القرآن استكبارهم ووبخهم
عليه:
١. إبليس.
خلق الله تعالی آدم بيديه، وشرفه بسجود
الملائكة له، لكن إبليس أبى أن يكون مع
الساجدين، فقال له الله تعالى منكرًا عليه
فعله وموبخًا له: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ
٥﴾ [ص: ٧٥].
أي: ((استكبرت الآن أم كنت من قبل
من العالين المتكبرين، والاستفهام للتوبيخ
والتقريع لإبليس))(١). والمعنى: ((تعظمت
عن السجود لآدم، فتركت السجود له
استكبارًا عليه، ولم تكن من المتكبرين
العالين قبل ذلك ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ يقول:
أم كنت كذلك من قبل ذا علو وتكبر على
ربك))(٢).
(١) أيسر التفاسير، الجزائري، ٤ / ٤٦٢.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٢٣٩/٢١.
فكما هو واضح في الآية الكريمة أن الله
تعالی قد ذم الاستكبار بأسلوب الاستفهام،
وهو أبلغ في الحجة، وأوقع في النفس
مما لو كان بصيغية الخبر، ولذلك لم يكن
من مناص لإبليس للفرار من الإجابة عن
السؤال، والإقرار بما في نفسه من حسد
لآدم عليه السلام.
٢. بنو إسرائيل.
ذم القرآن الكريم بني إسرائيل على ما وقع
منهم من کبر، فذمهم الله تعالی أشد دم بأبلغ
أسلوب، فقال تعالى شأنه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَىّ أَنْفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَغَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: ٨٧].
((ويخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون
بهمزة التوبيخ فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾
منکم ﴿پما لا ﴾يوافق ما تهوونه استکبرتم
عن إجابته، احتقارًا للرسل، واستبعادًا
للرسالة)»(٣).
((والخطاب في (جَاءَكُمْ﴾ يجوز أن يكون
عامًا لجميع بني إسرائيل، إذ كانوا على طبع
واحد من سوء الأخلاق، وتكذيب الرسل،
وكثرة سؤالهم لأنبيائهم، والشك والارتياب
فيما أتوهم به، أو يكون عائدًا إلى أسلافهم
الذین فعلوا ذلك، وسياق الآيات يدل عليه
أو إلى من بحضرة رسول الله صلى الله عليه
وسلم من أبنائهم، لأنهم راضون بفعلهم،
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ١٤٢/١.
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم
١٧٠
الاستکباب
والراضي كالفاعل. وقد كذبوا رسول الله في الدنيا والآخرة:
صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، وسقوه
السم ليقتلوه، وسحروه))(١).
فالآية الكريمة تنكر على بني إسرائيل
تكبرهم على الحق واتباعهم الهوى، وذلك
بأسلوب قوي رصين، جاء على سبيل
الاستفهام، فإن هذا الأمر ما كان ينبغي
أن يكون منهم، إنما الذي كان ينبغي هو
التصديق برسل الله واتباعهم.
ثانيًا: تقبيح عاقبة المستكبرين.
نفرت الآيات الكريمة من الاستكبار
بأسلوب آخر، ذلكم هو تقبيح عاقبة
المستکبرین، وأن مثواهم بئیس مذموم، وقد
قررت الآيات هذه القضية في آيات عدة،
كقوله تعالى: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّنَ﴾
[النحل: ٢٩].
﴿فَأْسَ مَثْوَى
أيضًا:
وقال
الْمُتَكَبِِّينَ﴾ [الزمر: ٧٢، غافر: ٧٦].
وقال كذلك: ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَّى
لِلْكَفِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨].
فأخبر تعالى في فواصل هذه الآيات أن
عاقبة هؤلاء المتكبرين مذمومة.
هذا، وقد توعد الله تعالى المستكبرين
بسوء المصير، حيث أخبر تعالى شأنه أن
عاقبة أمرهم خسرًا، وأن لهم العذاب الأليم
(١) البحر المحيط، أبو حيان، ٤٦٨/١.
فأما في الدنيا: فقد أخبرنا سبحانه وتعالى
عن حالهم حین احتضار أحدهم کیف یکون
من الهول والفظاعة؟!
فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِ الفََّلِمُونَ
فِى غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ
أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمٌ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ
أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَكُنْتُمْ
عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وأما في الآخرة: فقد أخبر جل جلاله من
أحوالهم ما تقشعر منه جلود الذين يخشون
ربهم، فقال تعالى شأنه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ
أَسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِكَايَِنَا
وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا
خَلِدُونَ ))
[الأعراف: ٣٦].
وفي موضع آخر قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَّوَّبُ
السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمّ
اِخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ ، لَهُمْ مِن
جَهَتَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِى
الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٤٠-٤١].
وبين سبحانه وتعالى أن سبب هذا
العذاب هو ما هم عليه من الكبر.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىالنَّارِ
أَذَّهَبْتُمْ طَِّكُمْ فِى حَاتِكُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا
www. modoee.com
١٧١
حرف الألف
فَأَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ اَلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلِّْ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ )﴾
[الأحقاف: ٢٠].
وبين الله تعالى أن الذين يستكبرون عن
عبادته سبحانه ودعائه سيدخلون جهنم
مذلولين صاغرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ
[غافر: ٦٠].
كما توعد الله تعالى من أتته آياته ثم
أعرض عنها مستكبرًا غير مكترث بها، حاله
حال الأصم الذي لا يسمع، مع أنه سمع تلك
الآيات، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا
وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيَ أُذُنَّهِ وَقْرَاً
فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [لقمان: ٧].
والوعيد بالعذاب هنا جاء على سبيل
التهكم بهم، زيادة في التنكيل بهم، وإيقاع
العذاب بهم جسديًا ونفسيًا.
فهذه آیات عديدة تتوعد المستکبرین،
وتبین سوء عاقبتهم، فکیف لعاقل أن یتکبر
بعد هذا الوعيد الشديد، والتفصيل المبين؟!
ثالثًا: إبطال دعاوى المستكبرين.
هذا أسلوب آخر من أساليب القرآن
الكريم المتنوعة في ذم الاستكبار والتنفير
منه، فقد جاءت آيات منه تجادل وتحاور
وتناقش المتكبرين، وتقرر لهم أن ما هم
عليه من التكبر مزعوم لا حقيقة له، فهم
أذلاء أمام عظمة الله، حقيرون إذا ما نظروا
إلى أصل خلقتهم، ضعفاء مهما أوتوا من
قوة، ولذلك نجد القرآن يذكر هؤلاء بأصلهم
ومصيرهم تارة، ويبين لهم أنهم ضعفاء
مفتقرون إلى خالقهم تارة أخرى، فانظر إلى
مجادلة القرآن للمشركين الذين أنکروا بعث
الأجساد بعد فنائها، كيف ذكرهم الله تعالى
بأصل خلقتهم، ليدلل لهم أن الذي خلقهم
أول مرة قادر على أن يعيدهم مرة أخرى،
ورد على كبريائهم وتعاظمهم بأنهم خلقوا
من ماء مهین.
قال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ
مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ◌ّ وَضَرَبَ
لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةُ، قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ
رَمِيمٌ جاقُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَزَّةٌ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ [يس: ٧٧ -٧٩].
فيا من تتكبرون على الله وتعتدون على
كماله فتصفونه بالضعف، حين قلتم بعدم
بعث الأجساد بعدما صارت ترابًا، انظروا
من أين خلقتم ومن أي شيء کان خلقكم؟!
وقال في موضع آخر للذي أعرض عن
الذکر بعد إذ جاءه، فلا صدق ولا صلى،
بل ذهب إلى أهله يتمطى، متبخترًا افتخارًا،
مختالًا في مشيته متكبرًا، فقد ذمه الله تعالى،
وأبطل تكبره برده إلى أصل خلقته، فقال:
﴾ [القيامة: ٣٣].
◌َثُمَّذَهَبَ إِلَى أَهْلِ يَتَمَقَّى (١)
مَوَسُوبَةُ الْبَشِد
القرآن الكريم
١٧٢
الاستکباب
وهذه عاد قوم هود عليه السلام قد اغتروا الخصم إلى الاعتراف والإذعان والتسليم،
والرجوع إلى الحق.
بقوتهم، واستكبروا في الأرض بغیًا وعدوًا،
وقالوا: من أشد منا قوة؟! فرد الله عليهم
ادعاءهم وأبطله، وبين لهم أنه سبحانه هو
القوي وما دونه ضعيف، واستدل على
ضعفهم بأنهم مربوبون لله مخلوقون له،
وكيف لهم كمخلوقات لله أن يتكبروا
علیه؟!
قال تعالى يحدثنا عن ذلك:
فَأَمَّا عَادّ
فَأُسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ
مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ
مِنْهُمْ قُوَّةٌ ﴾ [فصلت: ١٥].
واستكبارهم في الأرض بغير الحق
معناه: أنهم («بغوا وعتوا وعصوا فيها،
﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: منوا بشدة
تر کیبهم و قواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به
من بأس الله! ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهُالَّذِى خَلَقَهُمْ
هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفما يتفكرون فيمن
يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق
الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن
بطشه شديد ... فبارزوا الجبار بالعداوة،
وجحدوا بآياته وعصوا رسوله))(١).
إذن من خلال هذه النماذج المضروبة
يتبين لنا أن القرآن الكريم ذم الكبر ونفر
منه بأسلوب الحوار والجدل، وهو أسلوب
البليغ في تقرير مهمات الأمور، وإلجاء
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٦٩/٧.
رابعًا: الثناء على المتواضعين.
من الأساليب التي سلكها القرآن الكريم
في ذم الكبر والمتكبرين: الثناء على نقيضه؛
فقد أثنى الله تعالى على المتواضعين لجلاله
وعظمته، وفي المقابل بين أنه سبحانه لا
يحب المتكبرين، فقد أثنى سبحانه وتعالى
على ملائكته المقربين، فوصفهم بصفة
التواضع وعدم التکبر عن عبادته، فقال جل
جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ (ن)﴾
[الأعراف: ٢٠٦].
فمدح الله سبحانه وتعالى الملائكة
بهذا المدح، وكأن السياق تعريض بمن
استكبر عن عبادة الله تعالى، فهو كالتعليل
للسابق ((على معنى: ائتوا بالعبادة على
وجه الإخلاص کما أمرتم، فإن لم تأتوا بها
كذلك فإنا مغنون عنکم وعن عبادتكم، إن
لنا عبادًا مكرمين من شأنهم كذا وكذا))(٢)،
والاستكبار عن العبادة منافٍ للإخلاص،
لذا لا تقبل عبادة المستكبرين، وقد وصفهم
الله تعالى بالسجود له سبحانه؛ لما فيه
من التذلل والتواضع، والبعد عن الكبرياء
والتعاظم.
(٢) روح المعاني، الألوسي، ٩/ ٢٢٤-٢٢٥.
www. modoee.com
١٧٣
حرف الألف
وقد أثنى الله تعالى على القسيسين والحث على التزام خلق التواضع.
والرهبان الذين تواضعوا لعظمة الله فلم
يستكبروا، فقال تعالى شأنه: ﴿وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّا نَصَدَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ
وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
[المائدة: ٨٢].
أي: ((﴿لَا يَسْتَكْبُونَ ﴾عن قبول
الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون
كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع
والإقبال على العلم والعمل، والإعراض عن
الشهوات؛ محمود وإن کانت من کافر»(١).
وفي المقابل فإن الله تعالى قد ذم
المستكبرين، وقرر أنه لا يحب من كانت
هذه صفته، فقال تعالى شأنه: ﴿إِنَّهُ لَايُحِبُّ
الْمُسْتَكْبِنَ﴾ [النحل: ٢٣].
يبغضه ويكرهه، والكبر من الأمور التي
يبغضها الله تعالی، ومن كان متكبرًا باء
بسخط الله ووقع في بغضه، خلافًا لمن
تواضع لعظمته سبحانه، فإنه يرجع بمحبة
الله له ورضاه عنه.
فهذا الأسلوب في مدح المتواضعين،
والثناء عليهم بنفي صفة الکبر عنهم، وبغض
المستكبرين وعدم محبتهم -أسلوب من
أساليب القرآن الكريم في التنفير من الکبر،
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢٧٩/١.
مُوسُوبَةُ التَكِ العضوية
القرآن الكريم
وتتمة لهذا الموضوع فإنه ينبغي الإشارة
إلى أن هناك مواضع في القرآن الكريم
جاءت بأساليب تؤدي في فحواها معنى
الکبر، وتدعو إلى التواضع، وهذه بعضها:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًاً
إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِيَالَ ◌ُولًا
﴾ [الإسراء: ٣٧].
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا
تَمْشِ فِ اْأَرْضِ مَرَحًا ﴾ [لقمان: ١٨].
قوله تعالى: ﴿فَلَصَلَّقَ وَلَ صَلَّا وَلَكِن
كَذَّبَ وَقَوَّ ◌َ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِ يَتَعْظَّهِ﴾﴾
[القيامة: ٣١-٣٣].
ومعنى ذلك: «يتبختر ويختال في مشيته؛
افتخارًا بذلك)»(٢).
ذكر تعالى مقالة قوم نوح عليه السلام
وعدم محبته سبحانه للشيء يعني أنه له حينما وعظهم وأمرهم بعبادة الله وحده
وأتباعه، فقالوا: ﴿وَمَا نَرَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا
اُلَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ اَلَّأْيِ﴾ [هود:٢٧].
ولذلك رد عليهم بقوله عليه السلام:
﴿وَلَّ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىَ أَعْيُنُّكُمْ لَنْ يُؤْثِيَهُمُ اللَّهُ
غَيْرًا﴾ [هود: ٣١].
قول المشركين في ازدراء النبي صلى
الله عليه وسلم: ﴿وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ
إِلَّ هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا ﴾
[الفرقان: ٤١].
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٤٢٥/٥.
١٧٤
الاستکباب
فهذه جملة من الأساليب تؤدي في
فحواها أو تشترك مع معنى الاستكبار،
والتعبير عن الشيء الواحد بألفاظ
وأساليب متعددة
ومصطلحات مختلفة
یشعر بأهميته وخطورته، و أنه جدير بأن یذکر
فلا ينسى، ولا شك أن الكبر من الكبائر في
دين الله؛ إذ هي مما يبغضه الله ولا يرضاه،
ويتوعد فاعله بالعذاب الشديد.
وهكذا تتنوع أساليب القرآن الكريم في
ذم الكبر والتنفير منه، واختلاف الأساليب
في تقرير القضية الواحدة فيه بلا شك دلالة
واضحة على بلاغة القرآن الکریم وفصاحته،
وأنه تنزيل من حکیم حمید.
التخاصم بين المستضعفين والمستكبرين
إذا صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار
في النار تبدأ المخاصمات بين الكافرين
في جهنم، وتبدأ المعاتبة بين الضالين
والمضلين، والسادة والرعية، والمستكبرين
والمستضعفين، ويرجع بعضهم إلى بعضٍ
القول، كلٌّ يتهم الآخر في أنه كان سبب
إضلاله وما هو فيه من العذاب.
وهناك ثلاثة مواقف عرضها القرآن
الكريم من مواقف تخاصم أهل النار بين
المستضعفين والمستكبرين:
الموقف الأول:
قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ بَدَيْهِ
وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ
رِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ
اَلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلَاً
أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ
لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْمُدَى
بَعْدَ إِذْ جَاءَ كُمْ بَلْ كُتُم ◌ُجْرِمِينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
اُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ
وَاَلنَّهَارِ لِذْتَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُه
أَنْدَادًا وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوٍْ الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا
الْأَعْلَلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلََّّمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سبأ: ٣١-٣٣].
في هذه الآيات ((يخبر تعالى عن تمادي
www. modoee.com
١٧٥
حرف الألف
الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم يسر الله لهم سبيل الإيمان والعمل، ولكنهم
كفروا وكذبوا، ثم جاءوا ليتخاصموا في
على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر
المعاد؛ ولهذا قال: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَن تُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا ◌ِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
جهنم ويلقي بعضهم اللوم على الآخر في
أنه کان سببًا في إضلاله، فیندمون جمیعًا
حیث لا ينفع الندم.
قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا،
ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه
في حال تخاصمهم وتحاجهم: ﴿يْجِعُ
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ
اسْتُضْعِقُواْ﴾ منهم وهم الأتباع ﴿لِّلَّذِينَ
اُسْتَكْبَرُواْ﴾ وهم قادتهم وسادتهم: ﴿لَوَلآ
أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لولا أنتم تصدونا،
لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به. فقال
لهم القادة والسادة، وهم الذين استكبروا:
﴿أَنَّحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾
أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم
فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم
الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت
بها الأنبياء، لشهوتكم واختياركم لذلك؛
ولهذا قالوا: ﴿بَلَّ كُم ◌ُّجْرِمِينَ ) وَقَالَ الَّذِينَ
أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَِّلِ
وَأَلنَّهَارِ﴾ أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا
ونهارًا، وتغرونا وتمنونا، وتخبرونا أنا على
هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل
وکذبٌ ومین))(١).
ولا شك أن هذا العتاب لن يجدي ولن
ینفع أو يغني عن صاحبه من الله شيئًا، وقد
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥١٩/٦.
الموقف الثاني:
قال الله تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ
الضُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا
فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اُللَّهِ مِنْ شَىْءُ
قَالُواْ لَوْ هَدَنَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَاً
أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن تَحِيصٍ ﴾
[إبراهيم: ٢١].
«في هذه الآية عرض سريع للموقف وما
بعده من استقرار أهل النار في النار وأهل
الجنة في الجنة، يقرر مبدأ الوحي والتوحيد
والبعث الآخر بأدلة لا ترد.
قال تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي:
خرجت البشرية من قبورها، مؤمنوها
وكافروها، صالحوها وفاسدوها، ﴿فَقَالَ
الضُّعَفَواْ﴾ أي: الأتباع ﴿لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوَا﴾
أي: الرؤساء والموجهون للناس بما لديهم
من قوة وسلطان ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَمًا﴾ أي:
أتباعًا في عقائدكم وما تدينون به، ﴿فَھَلْ
أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَوْرِ﴾؟
أي: فهل يمكنكم أن ترفعوا عنا بعض
العذاب بحكم تبعيتنا لكم؟ فأجابوهم بما
أخبر تعالى به عنهم: ﴿قَالُواْ لَوْ هَدَ نَنَا اللهُ
١٧٦
مَوَسوبر التفسير
القرآن الكريم
الاستکباب
◌َّدَيْنَكُمْ﴾ اعترفوا الآن أن الهداية بيد مِّنَ النَّارِ ﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ
إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
٨)﴾ [غافر: ٤٧ -٤٨].
الله وأقروا بذلك، ولكنا ضللنا فاضللناكم
﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا﴾ اليوم ﴿أَمْ صَبَّرْنَا
مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ أي: من مخرج من هذا
العذاب ولا مهرب)»(١).
ففي هذا الموقف نرى صورة الضعفاء
مع القادة الذين استكبروا وکانوا لهم تبعًا
في الدنيا، فتصور لنا الآية موقف الضعفاء
وهم يستجدون الرؤساء والقادة في أن
يحملوا عنهم من عذاب الله أي شيء مهما
قل، ولكن هيهات هيهات، لكل امرئ منهم
يومئذٍ شأن يغنيه، وعنده من العذاب ما
یکفیه، كل واحد منهم يريد أن يدفع العذاب
عن نفسه، فكيف يأخذ من عذاب غيره؟!
ولذلك فإن الضعفاء يطلبون المستحيل،
فيرد عليهم القادة والمستكبرون بأن الله
تعالى لو وفقنا إلى الإيمان به وبرسالاته
لدللناکم إلیه، ولكن قدر الله سبق علينا أننا
كافرون، فلا مفر لنا من عذاب الله سواء
أجزعنا أم صبرنا.
الموقف الثالث:
موقف المحاجة بين الضعفاء
والمستكبرين من قوم فرعون.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلُونَ فِالنَّارِ
فَيَقُولُ الضُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا
كُنََّلَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا
(١) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ٣/ ٥٢،٥٣.
((الظاهر أن الضمير عائد على فرعون،
وقال ابن عطية: والضمير في قوله:
﴿يَتَحَلْجُونَ﴾ لجميع كفار الأمم))(٢).
هذا الموقف يشبه سابقه، حيث وقعت
المحاجة بين المستكبرين والمستضعفين
من الكفرة، وقد وقعت بينهم بينما هم في
نار جهنم يعذبون. الضعفاء كعادتهم هم
الذين يبدأون الحوار والمجادلة؛ لأنهم
يعتقدون أن القادة المستكبرين غلبوهم في
الآخرة كما غلبوهم في الدنيا، فقد غلبهم
الملأ المستكبرون في الدنيا بما أغروهم به
من وعودات كاذبة؛ كقولهم لهم: ﴿أَتَّبِعُواْ
سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢].
فأطاعوهم واتبعوهم على الباطل،
وغلبهم المستكبرون في الآخرة بأن كانوا
سببًا في دخولهم النار، ولذلك يبدأون
المحاجة متوسلين لهم بما وقع في الدنيا
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ تأمروننا فنطيعكم،
وتكلفوننا فننفذ ما تريدون، ولا نعصي لكم
أمرًا ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ
النَّارِ﴾ كما كنتم تعدوننا في الدنيا بحمل
أوزارنا وخطايانا؟! فاحملوا عنا ولو جزءًا
يسيرًا من العذاب، فرد عليهم المستكبرون
(٢) البحر المحيط، أبو حيان، ٤٤٨/٧.
www. modoee.com
١٧٧
حرف الألف
﴿إِنَّا كُلُّ فِيهَآ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
فلن يفيد تحملنا نصيبًا من عذابكم
٤٨
شيئًا؛ لأننا كلٌّ في النار معذبون، وقد قضى
الله تعالى وفصل بين العباد؛ أهل الجنة في
الجنة ينعمون، وأهل النار في النار يعذبون.
إذن، هذه ثلاثة نماذج ضربها لنا القرآن
لنأخذ منها العبرة والعظة، وهي متضمنة
لحوار ومخاصمة وقعت بين المستضعفين
والمستكبرين في نار جهنم، وكيف يلقي
بعضهم اللوم على بعض، ويتوسل الضعفاء
إلى الأكابر والرؤساء بأن يحملوا شيئًا من
خطایاهم ولو قل، لكن دون جدوى، فنسأل
الله تعالى السلامة.
عاقبة المستكبرين
قضى الله تعالى أن العاقبة للمتقين،
والهلاك والخسران على الكافرين
والمتكبرين والمجبرين، وأثبت الواقع هذه
الحقيقة، ودلت الشواهد التاريخية على هذه
السنة الإلهية الجارية في هذا الكون، والقرآن
حوى العديد من هذه الشواهد، وقد سبق
الكلام عن استكبار بعض الأمم والأفراد في
المبحث الخامس من هذا البحث، وتبينت
لنا مواقف المستكبرين من الدعوات،
وهاهنا نبين مشهد النهاية لهم في الدنيا
والآخرة، وهذه بعض المشاهد أذكرها على
سبيل المثال:
أولًا: هلاك المستكبرين من قوم نوح
عليه السلام:
أخبرنا الله تعالى عن نوح عليه السلام
وقومه؛ حیث أرسله لينذر قومه من قبل أن
يأتهم عذاب الله، فأمرهم أن يعبدوا الله
ويتقوه، ويطيعوه عليه السلام فيما يبين
لهم من شرائع الأحكام وسنن الهدى،
ولم يدع عليه السلام وقتًا من الأوقات
إلا ودعاهم فيه إلى الله؛ ليلا ونهارا، سرًا
وجهارًا، لكن قومه أبوا وأصروا على
كفرهم وعنادهم واستكبروا استكبارًا، كما
أخبرنا عن ذلك القرآن الكريم، فقال تعالى
شأنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْبِى لَيْلًا وَنَّهَارًا فَلَمْ
١٧٨
مَوَسود
القرآن الكريم