النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الاسْتِكَان
عناصر الموضوع
مفهوم الاستكبار
١٤٠
الاستكبار في الاستعمال القرآني
١٤١
الألفاظ ذات الصلة
١٤٢
الكبريا والعظمة لله تعالى
١٤٥
أسباب الاستكبار
١٥١
مظاهر الاستكبار
١٦٣
نماذج قرآنية من المستكبرين
١٧٠
أساليب القرآن في عرض الاستكبار
١٧٥
التخاصم بين المستضعفين والمستكبرين
١٧٨
عاقبة المستكبرين
١٨٢
علاج القرآن للكبر
المُجَلَّدَ الثَالِكْ
١٤٦

حرف الألف
مفهوم الاستكبار
أولًا: المعنى اللغوي:
مادة (كبر) تأتي على معانٍ متعددة، أهمها:
أنها تدل على خلاف الصغر، والكبر: معظم الأمر، والكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء(١)،
والكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان ثم استعير للمعاني،
ومنه ما اعتبر فيه المنزلة والرفعة، نحو: ﴿اَلْكَبِيرُ اَلْمُتَّعَالِ﴾ [الرعد: ٩].
وأكابر القوم رؤساؤهم، والكبيرة متعارفة في كل ذنب تعظم عقوبته، والجمع كبائر،
وأكبرت الشيء: رأيته كبيرًا، والتكبير يقال لذلك، ولتعظيم الله تعالى بقولهم: الله أكبر،
ولعبادته واستشعار تعظيمه(٢)، والكبرياء: الملك، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا اُلْكِبْرِيَُّ
فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
وقال الراغب الأصفهاني: ((الكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه
وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره)) (٤).
وقيل أيضًا: الحالة التي يكون عليها الإنسان من الترفع والتعالي على الآخرين واحتقارهم،
والتمنع عن قبول الحق معاندة وجحودًا وإنكارًا.
وهذا التعريف يشمل الاستكبار الناتج عن تعالي النفس واستصغارها للغير، سواء أكان
ذلك حقًا أم باطلًا، وكذلك الحديث عن عدم قبول الحق والخضوع له، وهذا هو مفهوم
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس) (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٥٣،١٥٤/٥.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٥٤٣ -٥٤٦.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢٥/٥.
(٤) المفردات، ص٥٤٥.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم ٩١، عن عبد الله بن مسعود.
ومعنى (بطر الحق): دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، و(غمط الناس): احتقارهم. شرح صحيح مسلم،
النووي، ٢/ ٩٠.
فَضْو
مَوَسُوبَة النفسي
القرآن الكريم
١٤٠

الاستکباب
الاستكبار في الاستعمال القرآني
وردت مادة (كبر) في القرآن الكريم (١٥٤) مرة، يخص موضوع البحث منها (٧٥)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ،﴾
٢٩
[الأعراف: ٧٥]
الفعل المضارع
١٣
﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣]
اسم الفاعل
١٣
﴿مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَِمِرًا تَهْجُرُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ٦٧]
المصدر
[غافر: ٥٦]
وجاء الاستكبار في القرآن بمعناه في اللغة وهو: استعظام الإنسان نفسه، واستحسان ما
فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس، واستصغارهم، والترفع على من يجب التواضع له (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٠٠١-١٠٠٢.
(٢) انظر: تهذيب الأخلاق، الجاحظ، ص ٣٢.
www. modoee.com
١٤١
﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيهِ
٢

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الاستنكاف :
الاستنکاف لغةً:
نكف عن الشيء نكفًا: امتنع أنفة، وأنكفه: نزهه عما يستنكف منه، واستنكف عن العمل:
امتنع مستكبرًا(١).
الاستنکاف اصطلاحًا:
((هو الامتناع والانقباض عن الشيء حمية وعزة))(٢).
الصلة بين الاستكبار والاستنكاف:
فرق الزجاج بين التكبر والاستنكاف فقال: الاستنكاف تكبر فيه أنفة، وليس في الاستكبار
ذلك (٣)، فإذا اقترن التكبر مع الأنفة كان استنكافًا؛ لذا كان الاستنكاف أوسع دلالة وأعلى
رتبة من الاستكبار.
قال أبو السعود: ((والاستكبار دون الاستنكاف المنبىء عن توهم لحوق العار والنقص
من المستنكف عنه)) (٤)
العجب:
٢
العجب لغةً:
العجب بالضم: الزهو والكبر، ورجلٌ معجبٌ: مزهوٌ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا، وقيل:
المعجب، الإنسان المعجب بنفسه أو بالشيء، وقد أعجب فلان بنفسه إذا ترفع وتکبر فهو
معجب برأيه وبنفسه. والاسم: العجب، وهذه المادة مما تدل عليه كبر واستكبار للشيء (٥).
العجب اصطلاحًا:
مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه،
من فعل، أو ترك، أو اعتقاد.
(١) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص ٩٥٣.
(٢) كتاب العين، الفراهيدي، ٣٨٣/٥.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٥٦/٥.
(٤) إرشاد العقل السليم، ٢/ ٢٦١.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٤٣/٤، لسان العرب، ابن منظور، ١/ ٥٨٢.
موسوعة التفسير
القرآن الكريم
١٤٢

الاستکباب
الصلة بين الاستكبار والعجب:
((الفرق بين العجب والكبر: أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء
عند صاحبه، تقول: هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا
كان مسرورًا بخصالها، ولهذا يقال: أعجبه، كما يقال: سُرَ به، فليس العجب من الكبر في
شيء))(١)، فالعجب ليس هو الكبر، وإنما هو أحد أسبابه الداعية إليه (٢).
الاستعلاء:
٣
الاستعلاء لغةً:
العين واللام والحرف المعتل أصل واحد يدل على السمو والارتفاع، ومن ذلك: العلاء
والعلو، ويقولون: تعالى النهار، أي: ارتفع (٣).
الاستعلاء اصطلاحًا:
طلب العلو المذموم، وقد يكون طلب العلا أي الرفعة، وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ
اُسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٤]، يحتملهما(٤).
الصلة بين الاستكبار والاستعلاء:
الاستعلاء يشترك مع الاستكبار في معناه المجازي، ويفترق عنه في معناه الحقيقي،فأصل
الكلمة أن تستعمل في الحقيقة على معنى الارتفاع ضد السفل، ثم تجوز بها عن التكبر
والاستيلاء على وجه الظلم(٥)، وقد وصف الله تعالى بالاستعلاء بعض خلقه في الحق تارة،
وفي الباطل تارة أخرى، ولم يصف أحدًا بالاستكبار على الوجه المحمود.
٤ العتو:
العتو لغةً:
عتا يعتو عتوًا وعتيًا: استكبر وجاوز الحد. والعتا: العصيان، والعاتي: الجبار، وجمعه
عتاةٌ، والعاتي: الشديد الدخول في الفساد، المتمرد الذي لا يقبل موعظة (٦).
(١) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٤٨.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٢ / ٤٥٦.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ /١١٢.
(٤) انظر: التوقيف، المناوي، ص٥٩.
(٥) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٢٥/١٥.
(٦) لسان العرب، ابن منظور، ٢٧/١٥ بتصرف.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الألف
العتو اصطلاحًا:
العتو: عبارة عن الإباء والعصيان(١)، ومجاوزة الحد فيه بحيث لا يتأثر معه القلب
بالموعظة ولا يقبل النصيحة.
قال تعالى حكاية عن بني إسرائيل وقد بلغ العتو فيهم مبلغه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَنْ مَّا نُهُواْ عَنّهُ قُلْنَاً
◌َُمْ كُونُواْقِرَدَةً خَسِنِينَ ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
والعتو هنا بمعنى التكبر، أي: ((فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه))(٢).
الصلة بين الاستكبار والعتو:
الفرق بين العتو والاستكبار واضح في أن العتو أعلى درجات الاستكبار، فإذا تجاوز
المستكبر الحد في العصيان والتمرد، بحيث انغلق قلبه عن الموعظة وسماع النصيحة صار
عاتیًا.
التواضع:
٥
التواضع لغةً:
الوضع ضد الرفع، وضعه يضعه وضعًا وموضوعًا، والضعة: الذل والهوان والدناءة،
والتواضع: التذلل وتواضع الرجل: ذل(٣).
التواضع اصطلاحًا:
((تذلل القلوب لعلام الغيوب بالتسليم لمجاري أحكام الحق)) (٤).
الصلة بين الاستكبار والتواضع:
التواضع ضد الاستكبار، فالأول محمود، والثاني مذموم.
(١) مفاتح الغيب، الرازي، ٤ / ٤٥٤.
(٢) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٥٢٦.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٩٦/٨.
(٤) التوقيف، المناوي، ص ٢١٢.
١٤٤
القرآن الكريم

الاستکباب
الكبريا والعظمة لله تعالى
الكبرياء والعظمة لا يكونان إلا لله تعالى
وحده لا يشاركه فيهما أحد، فليس للعبد
الحق في أحدهما -فضلا عن کلیهما-، إذ
هما من خصائص العلي الكبير سبحانه؛ لذا
تقررت هذه العقيدة في آیات من کتاب الله
تعالى، منها الآية الخاتمة لسورة الجاثية:
﴿وَلَهُ الْكِبِيّءُ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الحكيرُه
[الجاثية: ٣٧].
بعد أن ذكر سبحانه في مطلع السورة
من مظاهر العظمة والكبرياء، وتوعد
المستكبرين عن آياته بالعذاب الأليم، وقد
تحقق هذا الوعيد قبيل ختام السورة الكريمة
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَرَّ تَكُنْ ءَايَتِى
فقال:
تُثْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴾
[الجاثية: ٣١].
فكان سبب عذابهم أنهم نازعوا الله
تعالى شيئًا من خصائصه وهو الكبرياء، وفي
حديث أبي هريرة رضي الله عنه الشهير أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال
الله عز وجل: (الكبرياء ردائي والعظمة
إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في
النار)(١).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب
ما جاء في الكبر، عن أبي هريرة رضي الله
عنه.
وصححه الشيخ الألباني.
وقد تأكدت هذه الحقيقة في قوله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ
السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ
الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
(٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
إنه سبحانه وتعالى ينزه نفسه عن أن
یشار که أحد في کبریائه، فهو المتكبر وحده،
وكل من دونه فهو صغير حقير أمام عظمته
جل جلاله.
((إن المخلوقین قد يتكبرون ويدعون
مشاركة الله في هذا الوصف؛ لكنه سبحانه
منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق؛
لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم
الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى
النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو
والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى
کمال، فسبحان الله عما یشرکون في إثبات
صفة المتكبرية للخلق.))(٢).
اقتران اسم الله الكبير بالعلي:
ورد اسم الله (الكبير) في خمسة
مواضع من الكتاب العزيز، وجميع هذه
المواضع اقترن فيها هذا الاسم بالعلو؛ ففي
سورة الرعد قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
الْكَبِيرُ الْمُتَّعَالِ ﴾ [الرعد: ٩].
أما ﴿الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ فقد وردت في
أربع سور هي: الحج، لقمان، سبأ، وغافر،
(٢) مفاتح الغيب، الرازي، ١٨٣/٨.
www. modoee.com
١٤٥

حرف الألف
وهذه المواضع هي:
قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَطِلُ
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ )
[الحج: ٦٢].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا
يَدْعُونَ مِن دُونِهِالْبَطِلُ وَأَنَّاللَّهَ هُوَ الْعَلىِّ الْكَبِيرُ
[لقمان: ٣٠].
٣٠
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ: إِلَّا
لِمَنْ أَذِنَ لَّهُ، حَقَّ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا
قَالَ رَيُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِّ الْكَبِرُ ))
[سبأ: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ
وَحْدَ هُكَفَرْتُهٌ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكِّمُ
لِلَّهِالْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ [غافر: ١٢].
و کما هو ملاحظ من الآيات أن جميعها
جاءت في سياق الوحدانية والتفرد في
المشيئة، وبما يؤكد أن الكبرياء والعظمة
والعلو لله وحده لا شريك له، وأن ما دونه
فهو مربوب مقهور.
أسباب الاستكبار
عند النظر في كتاب الله تعالى نجد أن
استكبار العبد يرجع إلى أسباب متعددة،
نقف عليها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الكفر:
((الكفر: تغطية ما حقه الإظهار،
والكفران: ستر نعمة المنعم بترك أداء
شكرها. وأعظم الكفر: جحود الوحدانية
أو النبوة أو الشريعة. والكفران في جحود
النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين
أكثر))(١).
فالكافر: هو من جاءه الحق من الله
تعالى على لسان الرسل أو من ينوب
منابهم في مهمة الدعوة إلى الله، فاستكبر
عن الخضوع والإذعان له، وتمرد وتعالى
علیه، وجحد نعمة الدین، وأبی أن یکون من
الموحدین التابعين له.
إن الله تعالى قد وصف قومًا من أهل
النار بأنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها،
وأنهم كانوا من الكافرين.
قال تعالى: ﴿بَلَ قَدْ جَآءَتَكَ ءَايَتِ
فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ ﴾ [الزمر: ٥٩].
وذکر تعالی أن عادًا جحدوا آيات الله،
وتمادوا في عتوهم وعنادهم، فكان كفرهم
(١) التوقيف، للمناوي، ص٦٠٦.
١٤٦
القرآن الكريم

الاستکباب
و جحودهم سببًا في استکبارهم بغير الحق،
و کان استکبارهم سببًا في عذابهم وهلاكهم.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبُرُواْ فِى
الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا
أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ
بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ شَّحِسَاتٍ لِيُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ
فِ اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْلَا
﴾ [فصلت: ١٥- ١٦].
مُصَرُونَ
وأخبر تعالی عن قوم نوح عليه السلام،
وقد وصل بهم العناد والجحود والكفر
إلى درجة بالغة، فكان ذلك الإصرار على
الكفر سببًا لبلوغ الكبر عندهم إلى أعلى
الدرجات، حتى صور الله حالهم بصورة
تبین ذلك بأبلغ تصویر، فقال تعالى: ﴿وَإِنّی
كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِّرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِيَّ
ءَذَانِمْ وَأَسْتَغْشَوْ فِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ
أَسْتِكْبَارًا ﴾ [نوح: ٧].
فالكفر هو أحد الأسباب القوية لحصول
الكبر، ومانع من الهداية إلى الإيمان.
ثانيًا : اتباع الهوى:
((الهوى: ميل النفس إلى الشهوة، ويقال
ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل:
سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا
إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية))(١).
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٧١٢.
ويطلق الهوى ويراد به المحبة، كما يطلق
على الشيء المحبوب مبالغة، كما يكنى به
عن الباطل والجور والظلم لما هو متعارف
من الملازمة بين هذه الأمور وبين هوى
النفس، فإن العدل والإنصاف ثقيل على
النفوس فلا تهواه غالبًا،»وهوی النفس يكون
في الأمور السهلة عليها، الرائقة عندها،
ومعظم الكمالات صعبة على النفس؛ لأنها
ترجع إلى تهذيب النفس والارتقاء بها عن
حضيض الحيوانية إلى أوج الملكية)»(٢).
ولما كان الاستكبار مما تهواه النفس
وتميل إليه؛ كان الهوى سببًا له، وسبيلًا إليه،
وقد أخبر تعالى أن بني إسرائيل تمردوا على
الحق لما جاءهم، وكذبوا رسلهم وقتلوهم،
وسبب ذلك هوى النفس الذي ساقهم إلى
الاستكبار والتمرد.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ
مَنْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسُِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَغَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ(
:[البقرة: ٨٧].
٨٧
فهذه الآية الكريمة تكشف عن النفسية
اليهودية المتمردة المتكبرة على رسل الله
ودعاة الحق، فقد أخبر تعالى أنه أرسل
إليهم رسله تترا، مؤیدین بالآيات الباهرات،
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
٢٤٤/٢٣.
www. modoee.com
١٤٧

حرف الألف
والمعجزات البینات، وأيدهم بروح القدس
جبريل عليه السلام، كل ذلك من أجل
هدايتهم إلى دين الله القويم وصراطه
المستقيم، والأخذ بأيديهم من موارد الردى
والحرمان إلى نور الهداية والإيمان؛ رحمة
بهم، وإشفاقًا عليهم، فبدلًا من أن ينصاعوا
لأمر الله، ويستجيبوا لداعي الله، حملتهم
الأنفة والكبرياء إلى معاندة كل ما لا يوافق
هوى نفوسهم، وقتل كل داعٍ إلى الفضيلة
وترك الرذيلة، وهذه النفسية لا تقف عند
حدٍ زمني، أو تنقطع عند حدٍ مكاني، وإنما
لها صورة مستنسخة عبر العصور وتعاقب
الأجيال، لا يكسر كبرياءهم إلا قوة الحق،
وقد كسر ومرغت أنوفهم في التراب حتى
سمع لأعتاهم قوة عویل.
ثالثًا: إنكار البعث:
بعث الأجساد بعد فنائها عقيدة لا يماري
فیها إلا معاند مکابر جهول، فقد ثبت یقینًا
بالأدلة النقلية والعقلية وفي الواقع ما يؤكد
البعث والنشور، ویبرهن علیه بأبلغ برهان،
وفي القرآن-خاصة المكي منه- بيان شافٍ
لهذه الحقيقة، ومجادلة قوية لمنكريها، فهي
إحدى كبريات العقيدة الثلاث التي كان
ينكرها المشركون-التوحيد والرسالات
والبعث -.
وقد كشف القرآن الكريم عن أن إنكار
البعث سبب من الأسباب التي تؤدي إلى
الاستكبار والتعاظم والتمرد على الحق،
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يُرْجُونَ
فقال جل جلاله:
◌ِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَكَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدٍ
اُسْتَكْبَرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوَّا كَبِيرًا )﴾
[الفرقان: ٢١].
والمراد بقوله ﴿الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا
(يريد: لا يخافون البعث ولقاء الله، أي لا
يؤمنون بذلك.))(١) فكان إنكارهم للبعث
سببًا في إضفاء صفة الاستكبار عليهم،
وإلصاق هذه التهمة بهم، وتميزهم بها عن
غیرهم.
رابعًا: الحسد:
الحسد مرض من أمراض القلوب
المؤدية إلى المهالك؛ ومنه ما هو محمود،
وهو ما يسمى (غبطة)، وهو أن يكون
لأخيك نعمة لا تحب زوالها ولا تكره
وجودها ودوامها، ولكن تشتهي لنفسك
مثلها، وهذا مباح لا إثم فيه.
والآخر مذموم: وهو أن تكره تلك النعمة
وتحب زوالها، وهذه الحالة تسمى حسدًا.
فالحسد حده: كراهة النعمة وحب زوالها
عن المنعم عليه، وهو محرم (٢).
والمقصود في هذا المبحث من هذين
المعنيين هو الثاني؛ لأنه الذي يؤدي إلى
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٩/١٣.
(٢) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي، ٢٣٨/٢.
١٤٨
عَبُ النَِّيَّة
القرآن الكريم

الاستکباب
بالسجود لآدم عليه السلام فأبی و استکبر؛
وعلل امتناعه عن السجود بأنه خیر من آدم،
واستدل على ذلك بأصل الخلقة، فقاس
أصل خلقته بأصل خلقة آدم عليه السلام،
فقال: أنا خير منه، وما منعه إلا الکبر، وما
كان سببه في الحقيقة إلا الحسد. ويصور
القرآن ذلك المشهد فيقول الله تعالى:
﴿وَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ
أَسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَوْ يَكُن مِّنَ
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتَكَ
السَّجِدِينَ (١١
١٢
قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ
قَالَ فَأَهْبِطُ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ
إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾ [الأعراف: ١١ -١٣].
قال قتادة: ((حسد عدو الله إبليس آدم
على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا
ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر،
استکبر عدو الله أن يسجد لآدم))(١).
وعن جنادة بن أبي أمية قال: أول خطيئة
كانت الحسد، حسد إبليس آدم أن يسجد له
حين أمر، فحمله الحسد على المعصية(٢).
فالحسد قد تسبب عنه الكبر الذي جعل
إبليس يأبى السجود لآدم عليه السلام طاعة
لأمر الله، وقبولًا للحق، لذا قال حجة
الإسلام الغزالي: ((ويدعو الحسد أيضًا إلى
(١) انظر: الدر المنثور، السيوطي، ٢٧٠/١.
(٢) انظر: المصدر السابق ١/ ٢٧٤.
الكبر؛ كما حدث مع إبليس اللعين حين أمر جحد الحق، يمنع من قبول النصيحة وتعلم
العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد
بقي في رذيلة الجهل؛ لاستنكافه أن يستفيد
من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسدًا
وبغیا علیه، فهو يعرض عنه ویتکبر عليه مع
معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه،
ولكنه الحسد یبعثه علی أن يعامله بأخلاق
المتکبرین، وإن کان في باطنه لیس یری
نفسه فوقه»(٣)، فالحذر الحذر منه.
خامسًا: القوة المادية:
القوة المادية من أهم الأسباب التي تدعو
إلى التكبر والتمرد على الحق، والتعالي على
العباد، واستحقارهم والاستخفاف بهم.
ولعل الناظر في كتاب الله تعالى يجد
نماذج متعددة حول هذه القضية، فقد ذكر
لنا القرآن من شأن موسى وفرعون ما يؤكد
أن القوة المجردة عن إيمان صاحبها تسوقه
إلى الكبرياء والتعاظم على الآخرين،
واحتقارهم واستصغارهم، والنظر إليهم
نظر شزر.
قال تعالى: ﴿قُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ
هَرُونَ بِّايَدِّنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ( إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَيْهِ، فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ فَوْمًا عَالِينَ
فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَلِدُونَ
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَّكِينَ
(٣) إحياء علوم الدين، الغزالي ٤٣٦/٢.
www. modoee.com
١٤٩

حرف الألف
[المؤمنون: ٤٥-٤٨].
فهذه النظرة الفرعونية إلى موسى وقومه
على أنهم عبيد له ولملئه تنم عن کبر في
نفوسهم، وتعاظم وتعالٍ، وسبب هذه النظرة
هو ما هم عليه من القوة المفرطة، والسلطان
والفاجر. وقد عبر القرآن الكريم عن هذا
الکبر لدی فرعون في موضع آخر؛ حیث
قال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ، قَالَ يَقّومِ
أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن
تَحْتِىّ أَقَلَا تُبْصِرُونَ ) أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى
فَلَوْلَا أَلْغِىَ عَلَيْهِ
هُوَّ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِنُ )
أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ اٌلْمَلَبِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ ﴾ [الزخرف: ٥١-٥٣].
فهذه النظرة الدونية من فرعون لموسى
عليه السلام سببها ما كان عليه فرعون من
القوة والسلطان.
وقد سبق فرعون قوم هود عليه السلام
فيما ذكر القرآن الكريم من أخبارهم،
وقص علینا من أنبائهم، إذ إنهم استكبروا
وجحدوا آیات الله، وكان سبب هذا التمرد
والتكبر والطغيان هو ما كانوا عليه من القوة
الشديدة، فاغتروا بهذه القوة وتكبروا على
الحق، فأهلكهم الله.
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ
فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ
يَرَوْ أَنَّ اللّهُالَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ
بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ شَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ
فِي الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا
يُصَرُونَ (٦)﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦].
ولا عجب أنك ترى في هذا الزمان
من أوتي من القوة والعتاد على المستوى
العسكري والتكنولوجي ما أبهر المنهزمين
نفسيًا وأخلاقيًا وعسكريًا وتكنولوجيا،
حتى اعتقد أكثرهم أن تلك الدولة صاحبة
تلك القوة لن تهزم، وأن أحدًا لن يستطيع
أن يصمد أمامها، وقاس هؤلاء المنهزمون
قوة العدو بقوة المجاهدين، وقضوا بأن
لا تكافؤ بين القوتين، وأن الهزيمة محققة
للمجاهدین.
ونسي هؤلاء المنهزمون، ونسي كذلك
هؤلاء المغترون بقوتهم وعتادهم أن الله هو
أشد منهم قوة، وأنه سبحانه مهلك الطغاة
المتمردين، والعتاة المتكبرين. إنها سنة الله
في الأولين والآخرين، فكما أهلك عادًا
الأولى، وفرعون الذي طغى، فإنه مهلكٌ
کل متمرد على الحق، متكبر على عباد الله،
وحينئذٍ لن تكون له فئة ينصرونه من دون
الله، ولن یکون منتصرًا.
١٥٠
مُوسُوبَةُ الْبَقِيَة
جوية
القرآن الكريم

الاستكبار
مظاهر الاستكبار
بديهي أن يكون المتكبر في المجتمع
ظاهرًا، وأن حاله معلومة بصفات تظهر
عليه، وتبدو في أفعاله وسلوكه، ولظهور أمر
المتكبرين في المجتمع ((قال العلماء: كل
ذنب يمكن التستر به وإخفاؤه إلا التكبر فإنه
فسق يلزمه الإعلان.))(١).
والاستكبار له علامات تدل عليه،
وأمارات تومئ إلى أن صاحبها من
المتكبرين، نقف على تلك المظاهر ونتعرف
عليها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: ترك العمل بشرع الله:
هذه أول خصلة من خصال المتکبرین،
فهم قوم يعاندون الحق، ويتمردون على
شرع الله، ويتكبرون على رسل الله
والدعاة، فیکون تر کهم للعمل بشرع الله من
باب أولى.
لذا نجد القرآن الكريم قد ذكر أن أول
مظهر من مظاهر الاستكبار هو ترك العمل
بشرع الله، والتمرد على طاعته والإذعان
لأمره، وهو ما وقع من إبليس اللعين، حیث
أبى الخضوع لأمر الله ورفض طاعته فيما
أمره به من السجود لآدم عليه السلام.
قال الله تعالى:
قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ
إِذْ
أَسْجُدُ واْلِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ
(١) البحر المحيط، أبو حيان، ٤٦٩/٥.
وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾ [البقرة: ٣٤].
فكان رفضه للسجود لآدم مظهرًا من
مظاهر كبره. وشأن كل من أبى السجود
لله تعالى شأن إبليس في رفضه السجود
لآدم عليه السلام، لذا ذم الله ناسًا استكبروا
عن السجود له حین أمرهم به، ومدح من
خضع إلى عظمته وتذلل إليه، فذكرهم
بصفة العبادة الدائمة والطاعة المطلقة التي
لا یشوبھا کبر ولا تمرد علی أمره، مرغبا في
الطاعة، ومحذرًا من المخالفة.
فقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ
وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ
لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى
خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )
فَإِنِ أَسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَرَبِّكَ يُسَبِّحُونَ
لَهُ ◌ِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾
[فصلت: ٣٧-٣٨].
وفي سياق آخر أمر الله تعالى بالإصغاء
والإنصات لكلامه إذا تلي، وبذكره ذكرًا
دائمًا سرًا وجهارًا، ليلا ونهارًا، ونھی عن
الغفلة عن ذكره، ثم مدح الذين عنده بصفة
التواضع وعدم التكبر عن أمر الله وطاعته؛
تعريضًا بمن غفل عن ذكر الله، وأن ترك
العمل بشرعه، ومخالفة أمره ومعصيته
ليست من شأن العابدين الطائعين، وإنما هي
من شأن المستكبرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا
www. modoee.com
١٥١

حرف الألف
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ, وَلَّهُ يَسْجُدُونَ ﴾
﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
إن طاعة الله تعالى فيما أمر، والبعد
عن كل ما نهى عنه وزجر سمة المؤمنين
العابدين، وهي مظهر من مظاهر التواضع
والخضوع والتذلل لعظمة الله، وعلى
العكس تمامًا فإن الذي يرفض العمل بشرع
الله، ويأبى الطاعة المطلقة للخالق الكبير
المتعال، يعد فعله هذا مظهرًا من مظاهر
التكبر والكبرياء على منهج الله.
ثانيًا: التكذيب:
من مظاهر الاستكبار: التكذيب بكل
ما هو حق، والتصديق بالباطل، فإذا رأيت
الرجل يكذب بالحق إذ جاءه، ويماري فيه
بعدما تبین، فاعلم أنه من المستکبرین، وقد
قص علينا القرآن من خبر الأولين، وكشف
عن صفة السابقين؛ بأنهم كذبوا بآيات الله
واستكبروا عنها، وكذبوا رسل الله بعدما
جاءوهم بالبينات، واتهموهم بأنواع الفرى
والأباطيل، فاسمع إلى هذا الحوار الذي
یظهر فيه تعنت فرعون وملئه، وتكبر هم على
موسى وأخيه-عليهما السلام- وتعاليهم
عليهما، برغم وضوح المعجزات بما لا
يدع مجالا للمماطلة، لكنهم قوم مستكبرون
على الحق مجرمون، ولو جاءتهم كل آية لا
يؤمنون.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَنْنَا مِنْ بَعْدِهِم
تُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ، بِحَايَتِنَا
فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُمُ
اَلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ )
قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ كُمْ أَسِحْرُّ هَذَا
وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ
﴾ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِئَنَا عَمَّا
٧٧
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَ نَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبِيَآءُ فِي الْأَرْضِ
وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْ مِنِينَ ﴾ [يونس: ٧٥-٧٨].
فأي تعنتهذا؟! وأي استكبار ومعاندة؟!
تكذيب فاتهام، يتلوهما قرار برفض الإيمان
بما جاء به موسى عليه السلام بحجة
التمسك بموروث الآباء والأجداد، وبمبرر
زائف ممجوج: وتكون لكما الكبرياء في
الأرض، وهذا لعمري تصرف الجهلاء، لا
يقارعون الحجة بالحجة، وإنما يلجأون إلى
الاتهامات والأراجيف وسيلة للدفاع عن
غیهم وتکذییهم، فأمرهم عجيب، وشأنهم
غريب.
وإن من مظاهر تكذيبهم بالحق أنهم
يكفرون بالله ويجعلون له الشريك، رغم
وضوح الدلائل وظهور البراهين، فإنهم
يبقون على ما هم عليه من الشرك، ويصرون
على ما هم عليه من الكفر والجحود،
استکبارًا من عند أنفسهم.
قال تعالى شأنه: ﴿إِنَّهُكُمْ إِلَهُ وَجِدٌ
فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُم
مُسْتَكْبُونَ ﴾ [النحل: ٢٢].
١٥٢
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الاستکباب
((لما ذكر تعالى ما اتصفت به آلهتهم بما يرى الظلم عدلًا ويرى العدل ظلمًا؟!
ينافي الألوهية، أخبر تعالى أن إله العالم وكيف يبرر للظالم ظلمه؟! بهذه العنجهية
هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، وأن الذين لا
يؤمنون بالجزاء بعد وضوح بطلان أن تكون
الإلهیة لغيره بل له وحده، هم مستمرون على
شرکھم، منکرون وحدانيته، مستکبرون عن
الإقرار بها؛ لاعتقادهم الإلهية لأصنامهم
وتكبرها في الوجود. ووصفهم بأنهم لا
يؤمنون بالآخرة مبالغة في نسبة الكفر إليهم،
إذ عدم التصديق بالجزاء في الآخرة يتضمن
التكذيب بالله تعالى وبالبعث، إذ من آمن
بالبعث يستحيل أن يكذب الله عز وجل.))(١)
فظهر بذلك أن إشراکھم مع الله آلهة أخرى،
وتكذيبهم به وباليوم الآخر مظهر من مظاهر
کبرهم وجحودهم.
وقد توعد الله تعالى هؤلاء المكذبين
المصرين على ما هم عليه من الكبر، فقال:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَّكٍ أَثٍِ ) يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُثْلَ عَلَيْهِ
ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْرًا كَنْ أَوْ يَسْمَعْهَا فَبَشِيرَهُ بِعَذَابٍ أَليم
﴾ [الجاثية: ٧-٨].
٥
وهذا الكبر لا يقف على زمان دون
زمان، ولا يختص به مکان دون مکان، وإنما
هو متعاقب في الأجيال عبر الأزمان، فلا
يكاد يخلو زمان من الأزمنة، أو مكان من
الأمكنة من المكذبين المنكرين للحقائق
تمردًا وتكبرًا، ألا ترى العالم اليوم؟! كيف
(١) البحر المحيط، أبو حيان، ٤٦٩/٥.
المتغطرسة يرون الحقيقة بادية فيتكبرون
عليها، ويصرون على غيهم وعنادهم،
حين يقتل المسلم أو يدافع عن نفسه
وأرضه وعرضه يقولون: إرهابي، وإن
شيك الظالم الباغي يستنكرون ويشجبون،
بهذه النفسية المتمردة على الحق يبررون
لظلمهم في إعلامهم الكاذب، ويسوقون
لكذبهم ودجلهم باصطناع البرامج وفبركتها
والتلبيس على العامة. فالكذابون والدجالون
هم هم، الذين كانوا على عهد موسى عليه
السلام، هم أنفسهم الذين كانوا على عهد
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهم
أنفسهم -على نفس المنهجية - في عصرنا
الحالي، لا يتغيرون ولا يتبدلون، الكذب
سمتهم، فویل لهم.
ثالثًا: احتقار الناس وظلمهم:
من أبرز المظاهر التي تبدو على
المتكبرين احتقارهم للناس وازدراؤهم
لهم، لأن التكبر تعالٍ على الناس، فيرى
المتکبر نفسه في درجة أعلى، ومنزلة أسمى.
إن المتکبرین في حالهم هذه أشبه بحال من
کان على قمة جبل والناس من تحته، فهو
یراهم صغارًا، ويرونه صغیرًا.
لقد كشفت آيات القرآن الكريم عن هذه
www. modoee.com
١٥٣

حرف الألف
السمة عند المتكبرين، وذمت فيهم هذه باعتبار ما كان في لسانه عليه السلام من نوع
رتةٍ، وقد كانت ذهبت عنه؛ لقوله تعالى:
﴿قَالَ قَدْ أُوِّتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦])(١).
الخصلة، حينما نظروا إلى المؤمنين الذين
اتبعوا رسل الله نظر شزر وازدراء، فقال جل
شأنه في حق الملأ من قوم نوح عليه السلام
وَمَا
الذين ازدروا المؤمنين بقولهم:
فَرَئِكَ أَتَبْعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا ﴾
[هود: ٢٧].
فرد عليهم نبي الله نوح عليه السلام:
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ
غَيْرًا﴾ [هود: ٣١].
وهذا يوضح لنا أن هذه النظرة من الملا
للمؤمنين مظهرٌ من مظاهر التكبر والتعالي،
فكان تكبرهم هذا سببًا في عدم متابعة نبيهم
والإيمان برسالته.
وشأن الملأ في نظرتهم هذه إلى المؤمنین
التابعین للرسل تكررت من فرعون لموسى
عليه السلام، وإن اختلفت في شكلها، لكنها
هي هي في مضمونها.
قال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَمْ أَنا
خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِّنُ )﴾
[الزخرف: ٥٢].
والمعنى: ((﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ﴾ مع هذه
المملكة والبسطة ﴿مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾
ضعيفٌ حقيرٌ، من المهانة: وهي القلة. ﴿وَلَا
يَكَادُ بُبِينٌ ﴾ أي الكلام.
قاله افتراءً على موسى عليه السلام؛
تنقيصًا له عليه السلام في أعين الناس،
وقد تكرر الأمر مع خير الخلق وسيد
المرسلين صلى الله عليه وسلم، يحتقرونه
ويزدرونه ويستهزئون به ويسخرون منه،
فقالوا له كمقالة فرعون تلك لموسى عليه
السلام، ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ
مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: ٣١].
((وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة،
وذلك أنهم أنكروا أولًا أن يكون النبي بشرًا،
ثم لما بکتوا بتکریر الحجج، ولم يبق عندهم
تصور رواج لذلك، جاؤا بالإنكار من وجه
آخر، فتحكموا على الله سبحانه أن يكون
الرسول أحد هذين، وقولهم ﴿هَذَا الْقُرْءَانُ﴾
ذكر له على وجه الاستهانة؛ لأنهم لم يقولوا
هذه المقالة تسليمًا بل إنكارًا، كأنه قيل:
هذا الكذب الذي يدعیه لو كان حقًا لكان
الحقيق به رجل من القريتين عظيم، وهذا
منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي
عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل الدنية،
والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية
دون التزخرف بالزخارف الدنيوية»(٢).
ولهذا قالوا عن النبي صلى الله عليه
وسلم مستهزئين به، منتقصين مستصغرين
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٨/ ٥٠.
(٢) روح المعاني، الألوسي، ١٢٠/٢٥.
مَوَسُو ◌َ النَّفِيد
القرآن الكريمِ
١٥٤

الاستکباب
له: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًّا أَهَذَا
الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا ﴾ [الفرقان: ٤١].
كذلك قد يعنون بهذا السؤال السخرية
(وفي اسم الإشارة دلالة على من احتفال أهل العلم بكل ما يقوله محمد
استحقارهم له، وتهکمهم به»(١).
وأشبه بهم حال المنافقين، حیث کانوا
على هذه الشاكلة من الاستهزاء والازدراء،
حتى ظهر ذلك في سلوكهم، فقد أخبر
القرآن عنهم بما یفضح سريرتهم، ویکشف
سوأتهم، وذلك في سورة الفاضحة-التوبة.
قال تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَّ
إِنَّمَا كُنَّا نَخُوُضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَئِهِ،
لا
٦٥
وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُنْ إِن نَّعْفُ عَنْ
طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ تُعَذِّبْ طَيِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ
◌ُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦].
وكذلك فضحهم في سورة محمد صلى
الله عليه وسلم ، فقال جل شأنه: ﴿ وَهُْم
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا
لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ مَائِنَا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَّبَعَ اللّهُ
عَلَ قُلُوبِهِمْ وَأَّعُواْ أَهْوَاءُ هُمْ ﴾ [محمد: ١٦].
يقول سيد قطب رحمه الله عن سؤالهم
هذا: (( ... قد يدل من جانب آخر على الغمز
الخفي اللئيم، إذ يريدون أن يقولوا بسؤالهم
هذا لأهل العلم: إن ما يقوله محمد لا
يفهم، أو لا يعني شيئًا يفهم. فهاهم أولاء
مع استماعهم له، لا یجدون له فحوی ولا
(١) فتح القدير، الشوكاني، ٤/ ٩٧.
يمسكون منه بشيء!
صلى الله عليه وسلم وحرصهم على
استيعاب معانيه وحفظ ألفاظه - كما كان
حال الصحابة رضوان الله عليهم مع كل
كلمة يتلفظ بها الرسول الكريم- فهم
يسألونهم أن يعيدوا ألفاظه التي سمعوها
على سبيل السخرية الظاهرة أو الخفية،
وكلها احتمالات تدل على اللؤم والخبث
والانطماس والهوى الدفين))(٢).
لم يتغير حال المتكبرين في استصغارهم
واحتقارهم وازدرائهم للمؤمنين والدعاة،
كأن هذا الأمر فیھم وراثة، ورثوه كابرًا عن
كابر، بداية من قوم نوح عليه السلام، إلى
قوم موسى عليه السلام، إلى نبينا محمد
صلی الله عليه وسلم، ولا زال الأمر باقٍ إلى
یومنا هذا.
ولعل وسائل الإعلام المغرضة
والمسيسة التابعة إلى بعض الحكومات
المنحرفة، وما يجري فيها من لقاءات
وبرامج خير شاهد على استمرار احتقار أهل
الفضل والصلاح، والسخرية والاستهزاء
من الجماعات العاملة في حقل الدعوة،
ليظل هذا مظهرًا فيهم، يعرفون به، وتعلم
أحوالهم من خلاله.
(٢) في ظلال القرآن، ٣٢٩٤/٦.
www. modoee.com
١٥٥

حرف الألف
رابعًا: جحود نعم الله:
امتن الله تعالى على عباده بما آتاهم من
نعم لا تعد ولا تحصى.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُتْضُوهَاً
إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارُ @)
[إبراهيم: ٣٤].
وجعل الله تعالى هذه النعم مسخرة لهذا
الإنسان وطوعها له، يتصرف فيها بأنواع
التصرف.
قال تعالى: ﴿أَلَوْتَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا
فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَدُ،
ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ ﴾ [لقمان: ٢٠].
وأمر الله تعالى هذا الإنسان بأن يصون
هذه النعم ولا يجحدها؛ لأن جحدها مؤذنٌ
بزوالها، كما أن شكرها يزيدها وينميها.
قال تعالى: ﴿وَ إِذْ تَأَذَنَ رَبُّكُمْ لَين
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَّرْتُمْ إِنَّ
ه [إبراهيم: ٧].
عَذَابِى ◌َشَدِيدٌ ﴾
إلا أن الإنسان ظلوم كفار، قليل الشكر،
کثیر الجحود لهذه النعم-إلا من رحم الله.
إن جحود الإنسان لنعم الله تعالی علیه،
وعدم شكرها يعد مظهرًا من مظاهر كبره،
وعلامة من علامات تمرده ونكران الجميل،
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!
فكان حريًا به أن يشكر هذه النعم التي
أولاها الله إياه بغير حساب، فالله غني عن
عباده وهم محتاجون إليه. بيد أن فئة من
الناس تكبرت على هذه النعم وجحدتها،
فكان عذاب الله شديدًا، فآخذهم على
نکرانهم وكفرهم لهذه النعم.
وقد ضرب الله تعالى مثلًا لهذا النوع
من الناس بقصة قارون من قوم موسى،
الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء
بالعصبة أولي القوة، ونصحه الصالحون من
قومه ألا تفرح فإن الله لا يحب الفرحين،
وذکروه بالآخرة، وأنها خيرٌ وأبقى، وحذروه
ونصحوه، لكنه كفر هذه النعمة وجحدها،
وأبى أن يرجع فضلها إلى الله، وقال: إنما
أوتيته على علم عندي.
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن
قَوْمٍ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ
مَفَائِحَهُ، لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ
قَوْمُ لَا تَفْرَعْ إِنَّ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿ وَأَبْتَّغِ
فِيمَآ ءَاتَنكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّه لَا يُحِبُّ
اٌلْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوِيتُهُ، عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾
[القصص: ٧٦-٧٨].
فلما كان كذلك أنزل الله عليه سخطه
وعذابه، فخسف به ويداره الأرض ليكون
عبرة لمن بعده، ﴿قَسَفْنَابِهِ، وَبِدَارِهِ اَلْأَرْضَ﴾
[القصص: ٨١].
وأعظم نعمة وهبها الله لهذا الإنسان
مُوسُوبَةُ الْبَقِيَة
القرآن الكريم
١٥٦

الاستكبار
في الوجود يجحدها المنكرون هي نعمة خامسًا: إكراه المستضعفين على اتباع
الباطل:
الإسلام؛ حيث أرسل الله رسله لهذا
الإنسان يهدوه إلى الدين القويم والصراط
المستقیم، ویرشدوه إلی رضا الله، وإلى ما
يحفظ عليه كيانه ومكانته في هذا الوجود،
لكن هذا الإنسان واجه دعوة الرسل
بالكفران، وكال الاتهامات إلى رسل الله
كيلًا، كما أخبر بذلك القرآن: ﴿كَذَلِكَ مَآ
أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ مَحْنُنُ
** [الذاريات: ٥٢].
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ
اَلَْقِ﴾ [فصلت: ١٥].
وقوم نوح عليه السلام لما دعاهم نبيهم
ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، بدلًا من أن يؤمنوا،
﴿وَإِى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَدِعَهُمْ
فِّ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ فِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ
أَسْتِكْبَارًا ()﴾ [نوح: ٧].
هذا الرفض للدين الذي دعا إليه رسل
الله يعد مظهرًا من مظاهر الاستكبار على
هذه النعمة العظيمة، وكثيرٌ هم من هذا
حالهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ
بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١].
بهذا الكبرياء، على مر العصور وفي كل
مكان على تعاقب الزمان.
من مظاهر الاستكبار: إكراه الملأ وكبراء
القوم من الظلمة والفسقة للمستضعفين على
اتباعهم على باطلهم، وكفرهم كما كفروا
ليكونوا سواءً على ملة واحدة، وهذه سمة
بارزة في الأقوام الأولين منهم والآخرين،
ومن قرأ قصص الأولين وسيرة خير
المرسلين وقف على هذا الأمر، وأدرك يقينًا
أن الملأ والسادة لا يهنأون ولا يهدأون وهم
يجدون ضعفاء القوم على الحق سائرين؛
لأن هذا في نظرهم يهدد مصالحهم، إذ
كيف يكون لهم سلطة ونفوذ إذا لم يوجد
مستضعفون تحت إمرتهم، يأمرونهم
وینھونهم وینفذون لهم ما يريدون؟! إذن
مصلحتهم تقتضي أن يكون المستضعفون
من القوم على ملتهم وتحت إمرتهم، هم
يخططون، والمستضعفون ينفذون.
١. إكراه المستضعفين من قوم شعيب عليه
السلام.
وقع الإكراه من الملأ لنبي الله شعيب
عليه السلام والمؤمنین معه، حيث هددوه
وحذروه بين أن يخرجوه من بلده ووطنه
ومن بین أهله، أو أن يعود لدینهم ويدخل في
ملتهم-ملة الكفر -؛ لكن الإيمان إذا تملك
القلب وتمکن منه، فهیهات هيهات أن يكون
الشرك والكفر منه نصيب، هذا ما وقع بين
www. modoee.com
١٥٧

حرف الألف
نبي الله شعیب علیه السلام ومن معه من
المؤمنين وبين قومه المتكبرين المتمردين
على الحق، فقد قص علينا القرآن من نبئهم
فقال: ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِه
لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَّاً
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَتِنَاً قَالَ أَوْلَوْكُنَا كَرِمِينَ () قَدِ
اقْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِّبَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُم بَعْدَ إِذْ
نََّا اللهُ مِنْهَاً وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا إِلَّ أَنْ
يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى الَّهِ
تَوَكَلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ
خَيْرُ الْفَئِحِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩].
(«هكذا سنة الطغاة الظلمة إذا غلبوا
بالحجج والبراهين يفزعون إلى القوة،فلما
أفحمهم شعيب خطيب الأنبياء عليهم
السلام، وقطع الطريق عليهم شهروا السلاح
في وجهه، وهو النفي والإخراج من البلاد
أو العودة إلى دينهم الباطل.)»(١) وهذا حال
الظالمین في كل زمان.
٢. حوار بين المستكبرين والمستضعفين
من قوم صالح عليه السلام.
إن قوم صالح عليه السلام نموذجٌ حيّ
في هذا الباب، فلنذكر الآيات الكريمات
التي تقص علينا من أخبارهم.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
قال تعالى:
أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ
لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا
(١) أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، ٢/ ٢٠٤.
تُرْسَلٌ مِّن رَّبِّدٍ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ
مُؤْمِنُونَ ()
فَعَقَرُواْ
إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ كَفِرُونَ )
النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ
أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ {
٧٧
[الأعراف: ٧٥-٧٧].
إنها قمة العنجهية والكبرياء والإباء من
السادة والقادة، وفي المقابل ثبات ويقين
وصدق مع الله من قبل المستضعفين،
فالملأ من قوم صالح عليه السلام - كما
يبدو من سياق الآيات- خلوا بالمستضعفين
من المؤمنين، وجلسوا إليهم في معزل عن
نبي الله صالح عليه السلام، وهددوهم
وخوفوهم من متابعته، ولکنه الیقین وثبات
الإيمان حينما يتملك القلوب لا تزعزعه
التهديدات ولا الوعيدات ولا أي قوة مهما
بلغت.
يقول سيد قطب رحمه الله : ((وواضح
أنه سؤالٌ للتهديد والتخويف، ولاستنكار
إيمانهم به، وللسخرية من تصديقهم له في
دعواه الرسالة من ربه. ولكن الضعاف لم
يعودوا ضعافًا! لقد سكب الإيمان بالله
القوة في قلوبهم، والثقة في نفوسهم،
والاطمئنان في منطقهم. إنهم على يقين من
أمرهم، فماذا يجدي التهديد والتخويف؟
وماذا تجدي السخرية والاستنكار من الملأ
المستكبرين؟ ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِه
موسوبر النفسية الوضوء
القرآن الكريم
١٥٨