النص المفهرس
صفحات 21-38
الاستغفار
جمع بين الاستغفار الواجب والمستحب تنقص الأجر والثواب؛ بل شرع الاستغفار
كان من السابقين المقربين.
ویشرع للمسلم أن يستغفر الله من کل
فعل يخشى أن يكون سببًا لنقصان درجته
عند الله؛ سواء مما قد يحصل من التقصير
في كمال العبادة، أو الخوف من تقصيره
فيها وفي شكر الله عليها، فالمسلم الحق
هو الذي يعمل بطاعة الله سبحانه مخلصًا
لله في عمله، متبعًا لشرعه الذي جاء به نبيه
محمد صلی الله عليه وسلم ، راجيًا بذلك
رحمة ربه، خائفًا من تقصيره في فعله، فمهما
بذل المسلم من العبادة والطاعة؛ فلن يوفيها
حقها، وما ينبغي من شكر الله تعالى عليها،
فكان في الاستغفار مندوحة وفرصة أتیحت
له ليجبر به تقصيره فيما لا يمكنه القيام
به، من حسن الأداء في الطاعة والتعظيم
والشكر لله، وفي الاستغفار أبلغ اعتذار عن
التقصير في ذلك؛ لهذا نجد أن الله سبحانه
کثیرًا ما یأمر باستغفاره بعد قضاء العبادات.
قال تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩].
ثالثًا: الاستغفار من أجل حصول
مرغوب فيه أو دفع مكروه:
لم يشرع الاستغفار من أجل الذنوب
والمعاصي فقط وما يتبعها من الأفعال التي
أيضًا لاستجلاب کل خيرٍ للعبد، ودفع كل
شر عنه، فما استجلب کل مرغوب، وما
دفع كل مكروه بمثل التقرب إلى الله بكثرة
الاستغفار والتضرع بين يديه طلبًا لمغفرته،
وتوسلا بها لتحقيق ما يرجوه منه جل وعلا.
فمن أکثر من الاستغفار جعل الله له من
کل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا
فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ أَنْ
لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ
الفَّلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
والاستغفار يمنع نزول العذاب على
الأمة فى الدنيا، ويوجب النجاة من العذاب
في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
www. modoee.com
٩٥
حرف الألف
أصناف المستغفرين
عرض القرآن أصناف المستغفرين؛
لنقتدي بهم، وسوف نتناولهم بالبيان فيما
يأتي:
أولًا: استغفار الملائكة والأنبياء:
١. استغفار الملائكة:
أخبر الله سبحانه في موضعین من کتابه
الكريم بخبر يتضمن تشريف المؤمنين،
ويعظم الرجاء لهم، وهو أنه سبحانه
وتعالى سخر ملائكته -وهم أفضل خلقه-
للاستغفار للمؤمنين(١):
الموضع الأول: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَّحِلُونَ
اَلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ
بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ
سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ أَلْحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
تضمنت الآية الكريمة السابقة أمرين:
الإخبار عن تسبيح وإيمان الملائكة من
حملة العرش، ومن حوله، واستغفارهم
للمؤمنين.
ذکر الصیغة التي توجهوا إلى الله بها
في استغفارهم للمؤمنين.
بعد أن أخبر سبحانه عن استغفار ملائكته
يَّنَا
للمؤمنين ذكر صيغة استغفارهم:
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٤٧.
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ﴾
فابتدؤوا استغفارهم بالنداء: ﴿رَبَّنَا﴾ لأنه
أبلغ في التصريح، وأرجى لحصول الإجابة،
ثم توسلوا إليه سبحانه بالثناء عليه بسعة
الرحمة والعلم لتحقيق مطلبهم (٢).
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿تَكَادُ
السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَتِكَةُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن
فِ اْأَرْضِّ أَلَّ وَمَا أَنْتَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[الشورى: ٥].
تضمنت هذه الآية الكريمة: إخبار الله
عن الملائكة بأنهم يستغفرون لمن في
الأرض.
واختلف في عموم هذه الآية: هل هي
باقية على عمومها، أو يخصص هذا العموم
بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧].
على قولين:
القول الأول: أن هذه الآية باقية على
عمومها، وعلى هذا يكون المراد بالملائكة
عمومهم، وأن استغفارهم يعم المؤمن
والكافر، ويكون المراد باستغفارهم للكفار
هنا: السعي فيما يستدعي المغفرة لهم،
وتأخير عقوبتهم؛ طمعًا في إيمان الكافر
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٢٣٧،
الجواب الكافي، ابن القيم ص ١٣٥.
جَوَسوبر التفسير
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٩٦
الاستغفار
وتوبة الفاسق(١)، وعلى هذا القول يدخل
المؤمنون فيه دخولاً أوليًا(٢).
وقد رجح هذا القول: ابن عطية والقرطبي
والألوسي.
القول الثاني: أن هذا العموم مخصص
بقوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وعلى هذا القول يكون المراد
بالملائكة: حملة العرش، وأن استغفارهم
يخص المؤمنين فقط؛ فيكون الاستغفار
حينئذٍ بمعنى طلب المغفرة لخطايا المؤمنين
وذنوبهم(٣)؛ وذلك مصداقًا لقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ، لِيُخْرِحَكُمْ
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وقد رجح هذا القول: ابن جرير والبغوي هؤلاء الأنبياء:
وأبو حيان وابن كثير والشنقيطي.
والذي يظهر رجحان القول الثاني؛
وذلك لأن الاستغفار للكفار أمر محرم.
٢. استغفار الأنبياء عليهم السلام.
كثر ذكر استغفار الأنبياء والرسل عليهم
السلام في القرآن الكريم، ومسارعتهم إلى
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٦/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/١٦،
روح المعاني، الألوسي ٢٥/ ١٢.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٥٢٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/٢٥، معالم
التنزيل، البغوي ٤ / ١٢٠، البحر المحيط، أبو
حيان ٩/ ٣٢٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤/ ١١٢، أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ١٥٣.
طلب مغفرة الله، واستجابة الله لهم، وعدد
الذين ورد استغفارهم في القرآن وصل إلى
عشرة أنبياء؛ وهم:
١. آدم عليه السلام.
٢. نوح عليه السلام.
٣. إبراهيم عليه السلام.
٤. يعقوب عليه السلام .
٥. يوسف عليه السلام .
٦. موسى عليه السلام.
٧. داود عليه السلام.
٨. سليمان عليه السلام.
٩. يونس عليه السلام .
١٠. محمد - عليه الصلاة والسلام -.
وسأتطرق إلى ذكر بعض استغفارات
١. استغفار آدم عليه السلام.
إن آدم وزوجه حواء عليهما السلام طلبا
المغفرة والرحمة منه -جلا وعلا -.
قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَقْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾
[الأعراف: ٢٣].
ففي هذه الآية أمران:
• الاعتراف بالذنب.
سارع آدم عليه السلام وزوجه بعد
وقوعهما في معصية الله إلى طلب مغفرة
الله ورحمته؛ متوسلین إلیه سبحانه بربوبيته،
www. modoee.com
٩٧
حرف الألف
ثم بالاعتراف بذنبهما(١)، والإقرار بظلمهما التوبة، وإظهارًا للرغبة والنشاط فيها (٢).
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ
لأنفسهما.
سؤال المغفرة والرحمة.
أَسْتَلَكَ مَا لَيَّسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧].
وبعد الاعتراف بظلمهما لأنفسهما طلبا
المغفرة والرحمة من الله سبحانه بقولهما:
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَقْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ أَّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وهذا خبر يتضمن طلب المغفرة
والرحمة، فهما لم يسألا الله المغفرة
والرحمة مباشرة؛ وإنما أخبرا أنه إن لم يغفر
أبلغ من جهة العلم والبيان.
٢. استغفار نوح عليه السلام.
جاء الاستغفار الصادر من نوح عليه
السلام في موضعين من القرآن الكريم،
وبمناسبتين مختلفتين؛ وهما ما يلي:
الموضع الأول: استغفاره بمناسبة سؤال
الله ما ليس له به علم واتعاظه بوعظ الله:
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ أَعُوذُ بِكَ
أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي
وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [هود:
٤٧].
سارع نوح عليه السلام في هذه الآية
بإجابة كلام ربه بما يدل على التنصل مما
سأل، فاستعاذ بما لقنه به ربه مبالغة في
(١) تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين ١٣٥/١.
وهذا اعتراف منه علیه السلام بذنبه، ثم
اشتغل بالاعتذار عما مضى، فقال:
وَإِلّا
تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ وهذا
خبر منه عليه السلام بأن الله إن لم يغفر له
ويرحمه خسر، وهو يتضمن سؤال المغفرة
والرحمة، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان.
الموضع الثاني: استغفاره بمناسبة وحي
لهما ذنبهما ويرحمهما خسرا وهلكا، وهذا الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من
قد آمن:
قال تعالى: ﴿رَّبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن
دَخَلَ بَيْنِى مُؤْمِنًا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ
الظَّالِمِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨].
بعدما دعا نوح عليه السلام على الكفار
بالهلاك توجه إلى الله سبحانه بطلب
المغفرة لنفسه.
قال تعالى: ﴿رَبِّاغْفِرْلی﴾ أي: استر
على ذنوبي، وتجاوز عني، ولا تؤاخذني
بها، ثم ثنى بالدعاء بطلب المغفرة لأقرب
الناس إليه وأحقهم بدعائه، وهما والداه
وكانا مؤمنين(٣)، ثم دعا بالمغفرة لكل من
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢١٣/٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٧٢/١١.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨/ ٣١٣، فتح القدير، الشوكاني ٥ /٣٠٢.
٩٨
مَوَسُو ◌َر النفسية الوضويـ
القرآن الكريمِ
الاستغفار
دخل منزله وهو مؤمن، ثم عمم الدعوة
لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث؛
وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، وقد
شمل دعاؤه هذا كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم
القيامة، ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين
بالهلاك والخسران في الدنيا والآخرة،
واستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالكلية(١).
٣. استغفار إبراهيم عليه السلام.
ورد استغفار إبراهيم عليه السلام في
ثلاثة مواضع من القرآن؛ وذلك في مناسبتين
مختلفتين.
أولًا: استغفاره بمناسبة قدومه إلى مكة
وإسکان ذريته فيها:
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِيِ وَلِوَالِدَىَّ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم:
٤١].
ابتدأ إبراهيم عليه السلام استغفاره
بالتوسل إلى الله سبحانه بربوبيته سبحانه
وتعالى قائلًا: ﴿ رَبَّنَا﴾ ثم طلب المغفرة
لنفسه، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه
الغفران لأبيه هنا کان قبل أن يتبرأ منه لما
تبين له عدوانه لله، ثم أتبعه بطلب المغفرة
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٠٦/٦،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤١٣/١٨،
البحر المحيط، أبو حيان ٢٨٨/١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٤٥١، فتح القدير،
الشوكاني ٣٠٢/٥.
للمؤمنين بالله ممن اتبعه على الدين الذي
هو عليه؛ فأطاع الله في أمره ونهيه؛ وذلك
يوم يحاسب الله عباده؛ فيجازيهم على
أعمالهم(٢)، إن خیرًا فخیر، وإن شرا فشر.
ثانيًا: استغفاره بمناسبة رفض أبيه وقومه
لدعوة التوحيد التي دعاهم إليها:
ورد استغفار إبراهيم عليه السلام بهذه
المناسبة في موضعين من القرآن الكريم؛
وهما ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِىَّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ
لِ خَطِيََّتِ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢].
ثانيًا: قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبََّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[الممتحنة: ٥].
صيغة الاستغفار الأول عبارة عن إخباره
عليه السلام بالطمع والرجاء في مغفرة الله،
وكان جازمًا في ذلك عليه السلام (٣).
وهذا الخبر يتضمن طلب المغفرة من
الله سبحانه.
وكذلك دعا بطلب المغفرة، هو ومن
وأحقهم بشكره، وهما والداه، وطلبه آمن معه بقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ
كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّنَاً إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[الممتحنة: ٥].
فابتدأ إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٦/١٣،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٣/٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٥/١٩، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٣ / ١١١.
www. modoee.com
٩٩
حرف الألف
دعاءهم بالتوسل إلى الله بربوبيته، ثم طلبوا وختم دعاءه بالاعتراف بذنبه وجنايته،
ألا يجعلهم الله فتنة للذين كفروا، أي: ألا والاستغفار والتوبة من خطيئته على ألطف
يسلط الكفار عليهم بذنوبهم؛ فيفتنوهم
ويمنعوهم مما يقدرون عليه من أمور
الإيمان (١).
ولما كان رأس مال المسلم الاعتراف
بالتقصير -وإن بلغ النهاية في المجاهدة-
ختموا دعاءهم بطلب المغفرة من الله
سبحانه: ﴿وَأَغْفِرْ لَنَاَرَبَّنَا﴾ [الممتحنة: ٥].
٤. استغفار يونس عليه السلام.
ورد استغفاريونس عليه السلام في القرآن
مرة واحدة: ﴿ وَذَا اُلُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا
فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ أَنْ
لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ ﴿ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَهُ مِنَ
اَلْفَرٍّ وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:
٨٧-٨٨].
إن يونس عليه السلام لما فعل ما يلام
عليه من ربه كان من المناسب لحاله أن
يبتدئ استغفاره بالثناء على الله بكمال
الألوهية، فقال: ﴿أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ﴾ فهو
الذي يستحق العبادة دون سواه، ثم نزهه عن
كل نقص وعيب وآفة بقوله: ﴿ سُبْحَنَكَ﴾
(١) رجح هذا المعنى ابن عطية في المحرر الوجيز
٢٥٦/٥، وأبو حيان في البحر المحيط
١٥٦/١، والألوسي في روح المعاني
٢٨/ ٧٣، لأنهم إنما دعوا لأنفسهم، وعلى
منحى القول الثاني إنما دعوا للكفار.
وجه وأحسنه (٢) فقال: ﴿إِنِّ كُنتُ مِنَ
النَّلِمِينَ﴾ وهذا الاعتراف بالذنب
يتضمن طلب المغفرة من الله سبحانه (٣)
وتفريج الكربة، فاستجاب الله له وفرج عنه،
وأخرجه من بطن الحوت.
٥. استغفار محمد عليه الصلاة والسلام.
عند التأمل في استغفار النبي صلى الله
عليه وسلم الوارد في القرآن الكريم فإننا لا
نجد استغفارًا مباشرًا صدر عنه صلى الله
علیه وسلم ؛ ولکن ورد الأمر له بالاستغفار
في تسعة مواضع من القرآن الكريم:
ورد الأمر له صلى الله عليه وسلم
بالاستغفار لنفسه في خمسة مواضع من
القرآن الكريم، ومنها:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن
لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا ، وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَ
اَللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٠٥ -
١٠٦].
وبالنظر في هاتين الآيتين الكريمتين نجد
أن الله أمر نبيه بأمرین:
أحدهما: أمره صلى الله عليه وسلم
بالحكم بين الناس بالعدل، واجتناب الظلم
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٨٠.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ١٦٨/١٠.
١٠٠
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الاستغفار
والجور.
ثانيها: أمره بطلب المغفرة من الله عند
الحکم بين المتخاصمين.
وقال تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم
بطلب المغفرة والرحمة: ﴿وَقُل رَّتِّ آغْفِرْ
وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
ففي هذه الآية الكريمة:
أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه
وسلم بطلب المغفرة والرحمة، ورغبه في
ذلك، وأرشده إلى دعائه وحده مخلصًا له
الدين، وطلب المغفرة والرحمة منه -جل
وعلا-(١)؛ فإنهما العاصمان من كل الآفات
والمخالفات(٢). والمعنى: استر علي ذنوبي
بعفوك عنها، وارحمني بقبول التوبة، وتركك
عقابي على ما اقترفت.
وفي تخصیص هذا الدعاء بالذکر دلالة
على أهمية طلب المغفرة والرحمة في حياة
المسلم.
وقال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ
بِلْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [غافر: ٥٥].
وبالنظر في الآية الكريمة السابقة نجد
أن الله-عز وجل- أمر نبيه صلی الله عليه
وسلم بأمور تعينه على تبليغ دعوته للناس،
وهي ما يلي:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٧/٣.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣ / ١٤٨، فتح
القدير، الشوكاني ٥٠١/٣.
* الأمر بالصبر على تبليغ الدعوة.
الأمر بالاستغفار من ذنبه.
# الأمر بالتسبيح بالعشي والإبكار.
وأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه
وسلم بالاستغفار لأصحابه في موضعين من
کتابه:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ
وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ
فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ
(١٥)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أمر الله سبحانه نبيه صلی الله عليه وسلم
في هذه الآية الكريمة بثلاثة أمور:
٥ أمره صلى الله عليه وسلم بالعفو عن
أصحابه.
● أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار
لأصحابه.
أمره صلى الله عليه وسلم بمشاورة
أصحابه في الأمور تطبيبًا لقلوبهم.
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم
بالاستغفار لمن بايعنه من المؤمنات.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ
يُبَيِّعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ
وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ
يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ وَلَا يَعْصِينَكَ
فِي مَعْرُوفٍ فَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ اللَّهَ إِنَّ اللّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢].
www. modoee.com
١٠١
حرف الألف
ففي هذه الآية الكريمة: أمر الله نبيه
صلى الله عليه وسلم بعد مبايعته للمؤمنات
بالاستغفار لهن في قوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَنَّ
اللَّهَ﴾ أي: سل لهن الله أن يصفح عن
ذنوبهن، ويسترها عليهن بعفوه لهن عنها(١).
وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه والمسلمين بالاستغفار.
وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَهُ أَنَّكَ
تَقُومُ أَدْفَ مِنْ تُفِى الَِّلِ وَنِصْفَهُ وَقُلْتَهُ، وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ
مَعَكَّ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ أَلَيْلَ وَالنََّرَّ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ
فَذَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَهُ واْ مَا تَبَشَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَنْ
سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٌّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ يَبْتَغُونَ مِن
فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ الّهِ فَاقْرَهُوأَ مَا
بَيْشَرَ مِنَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَمَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللّهَ
◌َرْضَا حَسَنَّأْ وَمَا نُقَدِّعُواْ لِأَنْفُسِكُم ◌ِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ
هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَأْ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[المزمل: ٢٠].
ولما كان الإنسان محل تقصير فيما
أمر بفعله حث الله سبحانه نبيه وأصحابه
والمؤمنين من بعدهم على أن يختموا
أعمالهم الصالحة -ومن ضمنها قيام الليل-
بالاستغفار (٢).
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
[المزمل: ٢٠]
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨١/٢٨.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢١٩/٨، أضواء
البيان، الشنقيطي ٨/ ٦١٤.
ثانيًا: استغفار المؤمنين:
ويتضمن ما يلي:
١. استغفار المؤمنين من الأمم السابقة.
٢. استغفار المؤمنين من أمة محمد صلى
الله عليه وسلم.
١. استغفار المؤمنين من الأمم
السابقة.
ومن أمثلته في القرآن:
استغفار الربانيين من الأمم الماضية
بمناسبة مواجهة أعداء الله في أرض
المعركة.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ
رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَاقَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٧].
دعا أتباع الأنبياء في أرض المعركة
بمطالب؛ هي:
١. الدعاء بأن يغفر الله لهم ذنوبهم
وإسرافهم في أمرهم.
٢. الدعاء بأن يثبت الله أقدامهم،
وينصرهم على أعدائهم.
* استغفار السحرة الذين آمنوا بموسى
عليه السلام.
ورد استغفار السحرة الذين آمنوا بموسى
عليه السلام في موضعين من القرآن:
الأول: قال تعالى: ﴿قَالُواْ لَا ضَيْرٍّ لِنَّا إِلَى رَيْنَ
١٠٢
مُؤَسَنُوالَةُ الْبَّهِ
جونبو
القرآن الكريم
الاستغفار
مُتْقَلِبُونَ ) إِنَّا تَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ
كُتَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥٠-٥١].
الثاني: قال سبحانه: ﴿إِنََّءَامَنَّا بِرَيْنَا لِيَغْفِرَ
لَنَا خَطَنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ
وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣].
وهذا خبر يتضمن طلب المغفرة من الله
سبحانه .
١. استغفار المؤمنين من أمة محمد
صلی اللهعليه وسلم.
ومن أمثلته في القرآن ما يلي:
* استغفار المؤمنين خوفًا من محاسبة الله
تبارك وتعالى.
قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ
مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِّكَتِهِ.
وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن زُّسُلِهِ؟ْ
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
توسل المؤمنون إلى الله سبحانه
بأعمالهم الصالحة لإجابة دعائهم؛ وهي
سماع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم
من الكتاب والسنة سماع قبول وإذعان،
والعمل بما جاء فيهما(١).
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
ثم سألوه المغفرة لذنوبهم بقولهم:
﴿عُقْرَانَكَ ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢ / ٧٠٩،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٧/١.
# استغفار المؤمنين من أجل تخفيف
الأحكام.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلََّ
وُسْعَهَاً لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا
تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ
عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاً
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَابِدٌِّ وَأَعْفُ عَنَّا
وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنْصُرْنَا عَلَى
اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
بمناسبة تخفيف الله على الصحابة علم
سبحانه وتعالى أمة محمد صلى الله عليه
وسلم هذه الدعوات المباركات، وهي وإن
لم يأت فيها التعليم صريحًا، بلفظ (قل)
ونحوه؛ إلا أن معظم المفسرين قدروا هذه
اللفظة (٢)؛ وهي ما يلي:
١. الدعاء بألا يؤاخذهم بما نسوا أو
أخطأوا، ولا يحملهم التكاليف الشاقة.
٢. الدعاء بألا يحملهم مالا طاقة لهم به،
وأن يعفو عنهم ويغفر لهم، وينصرهم
على أعدائهم.
فلما انقادت قلوبهم، وذلت لعزة ربها،
أعطوا كل ما سألوه، فلم يسألوا شيئًا فيه إلا
قال الله تعالى: (قد فعلت) كما ثبت ذلك في
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٥/٣، النكت
والعيون، الماوردي ٣٦٤/١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أنه، سبحانه وتعالى، لم يكلف إلا ما
www. modoee.com
١٠٣
حرف الألف
استغفار المؤمنين المتقين.
ورد استغفار المؤمنين في عدة مواضع
من القرآن الكريم؛ منها:
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ إِنَّنَاً
ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل
عمران: ١٦].
توجه عباد الله المتقون إلى الله متوسلین
إليه بربوبيته ويأعظم أعمالهم الصالحة
-وهي إيمانهم به وبما شرعه لهم- لتحقيق
مطلوبهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَيَّنَا إِنَّنَاَ ءَامَنًا
فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ بالستر عليها، وعدم
المؤاخذة بها(١). ولما كان طلب الغفران
يتضمن إسقاط العذاب أردفوه بالتصريح
بوقايتهم من عذاب النار(٢) على سبيل
التأكيد والمبالغة؛ وذلك في قولهم: ﴿وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ ومن زحزح عن النار وأدخل
الجنة فقد فاز وحسن مآبه (٣).
وورد أيضًا مدحهم بطلب المغفرة في
معرض تذكير الكفار بذنوبهم حين يدخلون
النار، ويسألون الله الخروج منها (٤).
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَِقٌ مِنْ عِبَادِى
يطاق ١١٦/١، رقم ١٢٦.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣ / ٢٠٧، معالم
التنزيل، البغوي ٢٨٥/١.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣/ ٥٦٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٧/٣.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٢٨٥/٣.
يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
الزَّحِينَ ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
فامتدح الله سبحانه في هذه الآية الكريمة
عباده المؤمنین بطلبهم مغفرته ورحمته.
قال السعدي: ((وفي ضمن هذا الاستغفار
ما يدل على خضوعهم وخشوعهم،
وانكسارهم لربهم، وخوفهم ورجائهم» (٥).
ثالثًا: استغفار الكفار:
ويتضمن:
١. استغفار الكفار في الدنيا.
ورد استغفار الكفار في الدنيا في
موضعين من القرآن الكريم؛ وذلك في
المناسبة الآتية:
# استغفار الكفار عند نزول عذاب الله
عليهم في الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا
فَجَآءَهَا بَأَسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ قَآيِلُونَ ) فَمَا كَانَ
دَعْوَدُهُمْ إِذَا جَآءَهُم بَأَسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَا
ظَلِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٤ -٥].
وقال سبحانه: ﴿قَالُواْ يَوَيِلَنَآَ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ
فَمَا زَالَت ◌ِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ
١٤
﴾ [الأنبياء: ١٤ - ١٥].
حَصِيدًا خَمِدِينَ
أخبر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة
عن موقف الكفار عند نزول العذاب عليهم
في الدنيا؛ حيث إنهم لجأوا إليه سبحانه
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٣٨٣/٥.
فَضْو
مَوَسُوبَةُ النَّقِين
القرآن الكريم
١٠٤
الاستغفار
! قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ
وتعالى بالتضرع والدعاء بأن يغفر لهم ما تَكْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ )
عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا صَالِّينَ﴾
سلف من کفرهم وتکذیبھم لأنبيائهم.
[المؤمنون: ١٠٤-١٠٦].
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ﴾ أي:
دعاؤهم: ﴿إِذَّ جَآءَهُم بَأَسُنَا﴾ أي: عذابنا:
﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّاظَلِينَ﴾ وهذا اعتراف
منهم بالذنب(١).
يتضمن طلب المغفرة والعفو والصفح
من الله سبحانه ؛ إلا أن هذا الاعتراف والندم
لم ينفعھم؛ وذلك بسبب کفرهم؛ حیث أنزل
الله عليهم عذابه فهلكوا.
وهذا إنذار للمشركين بالهلاك إن هم
استمروا في تکذیب أنبيائهم والكفر بهم(٢).
٢. استغفار الكفار في الآخرة.
أدعية الكفار عمومًا في الآخرة أكثر من
أدعیتهم في الدنيا؛ وذلك لأنهم يفاجؤون
بما لم يستعدوا له، فيسلكون جميع الطرق
التي يحسبون أنها ستنقذهم مما هم مقدمون
عليه من عذاب النار؛ ومن تلك السبل:
طلبهم للمغفرة من الله سبحانه رجاء أن
يخرجهم من النار.
# استغفار الكفار عند دخول النار
واصطلائهم بحرها وعذابها.
قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ
فيها كَلِحُونَ ﴿ أَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَ عَلَيْكُمْ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٩/٨، زاد
المسير، ابن الجوزي ١٦٨/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ١٢٠.
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ
وَأَحْيَيْتَنَا أَقْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
خُرُوجَ مِّن سَبِيلٍ ﴾ [غافر: ١١].
يتوسل الكفار عند دخولهم النار إلى
الله سبحانه بالاعتراف والإقرار بظلمهم
لأنفسهم وضلالهم؛ طمعًا في خروجهم
من النار، قائلين: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾
أي: غلب علينا الشقاء الناشئ عن الظلم
والإعراض عن الحق، ثم يعترفون بذنبهم،
بقولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا
قَوْمَا ضَآلِينَ﴾ وقولهم في الموضع الآخر:
﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجِ مِّن
سَبِيلٍ﴾ وهذا الاعتراف بالذنب (٣) يتضمن
طلب المغفرة والعفو والصفح من الله؛
ولكن لا ينفعهم حينئذٍ الاعتراف، ولا يقبل
منهم استغفارهم وتوبتهم (٤).
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٥٧،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٢٨٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨/٢٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٨/١٥، أضواء
البيان، الشنقيطي ٧٣/٧، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٢٤/ ١١٠.
www. modoee.com
١٠٥
حرف الألف
آثار الاستغفار
للاستغفار آثار في الدنيا والآخرة نبينها
فيما يأتي:
أولًا: آثار الاستغفار في الدنيا:
للاستغفار آثار في الدنيا، ومنها:
١. آثار الاستغفار في حياة الفرد.
ورد في القرآن الكريم بيان الآثار والثمار
الحاصلة بملازمة المسلم للاستغفار
والإكثار منه؛ فمن تلك الآثار والثمار ما
يلي:
: أنه سبب لحصول الحياة الطيبة.
إن ملازمة العبد للاستغفار الذي يتواطأ
فيه القلب واللسان، وتظهر آثاره على
الجوارح من المسارعة إلى كل فضيلة؛
لهي من أقوى الأسباب المؤدية إلى حصول
الحياة الطيبة للعبد، وقد وعد بها الكريم
الرحمن كل من عمل صالحًا في هذه الحياة
الدنيا.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
قال ابن كثير: ((والحياة الطيبة تشمل
وجوه الراحة من أي جهة كانت(١) في الدنيا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٤٥/٢.
والآخرة» ومن أعظمها: ما يحصل للمؤمن
من سرور القلب، وراحته وطمأنينته، وعدم
قلقه واضطرابه في جميع مقامات الحياة.
وورد في كتاب الله ما يدل على أن الحياة
الطيبة التي تحصل لعباده المستغفرين تشمل
ذلك كله؛ فمن ذلك: سعة الرزق، ورغد
العيش، وحصول القوة الروحية والجسمية.
قال تعالى: ﴿وَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُؤْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ
يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى
فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].
ففي هذه الآية الكريمة رغب صلى الله
عليه وسلم المشركين في المسارعة إلى
الاستغفار مما هم عليه من الكفر والشرك،
والتوبة مما سلف من الذنوب والآثام، ثم
بين ما يترتب على امتثال ذلك من الآثار
الحميدة؛ وهي ما يلي:
الأثر الأول: حصول المتاع الحسن.
الأثر الثاني: إيتاء كل ذي فضل فضله.
وقال سبحانه عن هود عليه السلام:
﴿وَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ يُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى
قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوَأْمُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢].
ففي هذه الآية الكريمة رغب هود عليه
السلام قومه إلى الاستغفار والتوبة بأمرين:
١. ترغيبهم بكثرة الأمطار المتتابعة.
لما أرشد هود عليه السلام قومه إلى
مَوَسُورُ النَّقيد
القرآن الكريم
١٠٦
الاستغفار
التوحيد، ونبذ عبادة الأوثان؛ أمرهم
بالاستغفار والتوبة، وحثهم عليه.
٢ - ترغيبهم بزيادة القوة الروحية
والجسمية.
أنه سبب للقرب من الله تعالى وإجابة
الدعاء.
ويدل على ذلك قوله تعالى عن صالح
عليه السلام: ﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّرَقِ
قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
ففي هذه الآية الكريمة رغب صالح عليه
السلام قومه في الاستغفار والتوبة إلى الله
سبحانه بأمرين؛ هما:
١ - حصول القرب من الله -جل وعلا.
٢ - إجابته لدعاء من دعاه.
أنه سبب لحصول الرحمة والمحبة من
الله سبحانه للمستغفرین.
إن الاستغفار من أعظم الأسباب
الجالبة لرحمة الله سبحانه ومحبته لعباده
المستغفرين، وقد بين الله سبحانه ذلك في
كتابه الكريم.
قال تعالى عن شعيب عليه السلام :
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ
رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
ففي هذه الآية الكريمة رغب شعيب عليه
السلام قومه في الاستغفار والتوبة بحصول
أمرین:
للمستغفرين.
٢. حصول المحبة من الله سبحانه
للمستغفرين ورضاه عنهم.
حصول النصر والظفر والنجاة من
المكروه.
فبملازمة الاستغفار والإكثار منه يستنزل
النصر على الأعداء، ويظفر المسلم بكل
محبوب، وینجو من کل مکروه، وقد دل
على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَيِّنْ مِّن نَّبٍِ قَتَلَ
مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا أُسْتَكَانُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
١٥٦
ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىَ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا
عَلىَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ { فَائَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ
الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
٣٨)﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨].
فبين الله سبحانه في هذه الآيات الكريمة
ثمرة استغفار هؤلاء الربانيين؛ وهي ما يلي:
إيتاؤهم ثواب الدنیا، وحسن ثواب
الآخرة.
ومعنى ثواب الدنيا أي: جزاؤها،
وهو النصر على الأعداء، والظفر عليهم،
والتمکین لهم في البلاد.
أما ثواب الآخرة: فهو حصول المغفرة
لهم، ودخول الجنة.
وتخصيص الحسن بهذا الثواب للإيذان
١. حصول الرحمة من الله تعالى بفضله ومزيته، وأنه هو المعتد به عنده
www. modoee.com
١٠٧
حرف الألف
تعالى، وترغيبًا في طلب ما يحصله من
العمل الصالح(١).
* أنه سبيل لتفريج الكربات، والنجاة من
الغموم والهموم، وتیسیر الأمور.
إن الإكثار من الاستغفار الحق الذي
يتواطأ فیه القلب واللسان لجدير بأن یفرج
الله عن صاحبه الكربات التي تضيق بها
نفسه، وینجیه من الغم والهم الذي يعتريه،
وقد دل على ذلك عدة نصوص من الکتاب
والسنة:
منها: قوله تعالى: ﴿ وَذَا اُلتُّونِ إِذ ذَّهَبَ
مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ
القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
فاستغفار يونس عليه السلام في تلك
الظلمات واعترافه بذنبه کان سببًا لنجاته من
الغم الذي كان فيه.
قال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ, وَنَجَيْنَهُ
مِنَ الْفَرِّ وَكَذَلِكَ نُفُجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأنبياء: ٨٨].
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (من
لزم الاستغفار جعل الله له من کل هم فرجًا،
ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا
يحتسب)(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٢/٤، المحرر
الوجيز، ابن عطية ١ / ٥٢٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
في الاستغفار ٢/ ٨٥، رقم ١٥١٨، وابن
٢. أثر الاستغفار في حياة المجتمع.
إذا كان للاستغفار آثار ظاهرة فى حياة
الفرد فإن له -بلا شك- آثارًا ظاهرة أيضًا
في حياة المجتمع، فأساس الصلاح يبدأ
من الأفراد، وينعكس أثره على المجتمع
بأسره؛ لأن الفرد هو الخلية الأولى في بناء
المجتمع.
ويتجلى أثر الاستغفار في حياة المجتمع
في أمور كثيرة؛ من أبرزها:
الأمن من عذاب الله.
إن الاستغفار سیاج واقٍ وأمان من عذاب
الله - وأصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال
الخوف (٣)-، فإذا كثر الاستغفار في الأمة،
وصدر عن قلوب بربها مطمئنة؛ دفع الله
عنها ضروبًا من النقم، وصرف عنها صنوفًا
من البلايا والمحن.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب الاستغفار
١٢٥٤/٢، رقم ٣٨١٩، والنسائي في عمل
اليوم والليلة، باب ثواب الإكثار من الاستغفار
ص ١٤٧، ٤٦٠.
وصححه المناوي في فيض القدير ٦/ ٨٢،
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب
والترهيب ١/ ٤٩٩.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٣٣/٣،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٥، عمدة
الحفاظ، السمين الحلبي ١٢٣/١.
١٠٨
مَوَسُوبَةُ النَِّّ
القرآن الكريم
الاستغفار
ففي هذه الآية الكريمة بين الله سبحانه
أن مانع إنزال العذاب أمران:
أحدهما: وجود النبي صلى الله عليه
وسلم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ وهذا إعلام بكرامة رسول الله
صلی الله عليه وسلم عند الله؛ حيث جعل
وجوده في مكان مانعًا من إنزال العذاب(١).
ثانيهما: وقوع الاستغفار.
وهذا هو المانع الثاني من إنزال العذاب مع صدق العزم على ترك الذنب.
عليهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ والكلام على هذا المانع من
وجھین:
أحدهما: في الاستغفار الدافع للعذاب.
الثاني: في العذاب المدفوع بالاستغفار.
أما الأول: فإن العذاب إنما يكون على
الذنوب، والاستغفار مع التوبة النصوح
يوجب مغفرة الذنوب التي هي سبب
العذاب؛ فيندفع حينئذٍ العذاب (٢) كما
قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
وأما الثاني: فإن العذاب المدفوع يعم
العذاب السماوي، ويعم ما يكون من العباد.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٨/٩، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢ / ٥٢١.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٢٧/١٥،
٢٨.
حلول البركات والخيرات والعز
٠
والتمكين.
فبالاستغفار يجلب الخصب والبركة،
ويكثر النسل والنماء والخير في كل مكان،
وهو مصدر للعزة والمنعة والتمكين،
والبركة: كثرة الخير ونماؤه واستمراره(٣).
وقد وعد الله بها كل من آمن به واتقاه؛
بفعل الطاعات، وترك المحرمات، ومن أجل
الطاعات وأعظم القربات: كثرة الاستغفار؛
وقد بين الله سبحانه في كتابه الكريم
صور هذه البركة وشمولها لجميع ميادين
الحياة.
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ.
كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
وَيُعْدِذَّكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْجَنَّتٍ وَنَجْعَل لَّكُ
أَنَّهَرًا﴾ [نوح: ١٠- ١٢].
فالمجتمع الذي يلازم أفراده الاستغفار
قولاً وفعلا مجتمع مبارك، يفيض الله
سبحانه عليه من بركاته ورحمته؛ ما
يجعله مجتمعًا قويًا يسوده الإخاء والأمن
والاستقرار.
ثانيًا: آثار الاستغفار في الآخرة:
١. المغفرة والأجر العظيم.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٢٧/١،
لسان العرب، ابن منظور ٣٨٦/١، المفردات،
الراغب الأصفهاني ص٥٤.
www. modoee.com
١٠٩
حرف الألف
إن عدم المؤاخذة بما فرط من الذنوب،
والتجاوز عن الإساءة، وستر العيوب أمر
مطلوب، وأمل مرغوب، حث الله تعالى
على المسارعة إليه.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقد حفلت الآيات القرآنية ببيان هذا
الوعد الكريم؛ منها:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاِشَةً
أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ
يُصِرُّوا عَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ وَجَنَّتٌ
تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَاً وَنِعْمَ
أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ -١٣٦].
فالاستغفار الذي يتواطأ فيه اللسان مع
القلب، وتظهر آثاره على الجوارح؛ من
ترك الذنوب والمعاصي، والإقبال على
الطاعات، لا شك أنه موجبٌ لحصول
المغفرة من الله العزيز الغفار، فمن أعطي
الاستغفار فقمن به أن يعطى المغفرة، فما
ألهم الله عبدًا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه.
٢. الجنة والفوز العظيم.
إن أعلى وأفضل ثمار الاستغفار على
الإطلاق هو دخول الجنة، دار النعيم المقيم،
ودار الرضوان، ودار الجزاء الأوفى، وهو
من لوازم المغفرة.
وحفلت الآيات القرآنية ببيان هذا الجزاء
العظيم لعباد الله المستغفرين.
فمن الآيات: ما وعد الله به عباده المتقين
الذين من أجل صفاتهم: طلب مغفرة الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَوْنَبِئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن
ذَلِكُمُّ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى
مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ
مُطَهَرَةٌ وَرِضْوَاتٌ مِنَ اللهُّ وَاللهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَآ ءَامَّنَا
فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل
عمران: ١٥- ١٦].
وهذا وعد كريم من الرحمن لعباده
المتقين الأبرار، الذين خافوه في الدنيا
فأطاعوه؛ بأداء فرائضه، واجتناب نواهيه،
بأن جزاءهم عند ربهم یوم یلقونه هو دخول
جناته خالدين فيها، ولهم فيها - زيادة
في النعيم - زوجات مطهرات من كل
آفة ونقص، جميلات الأخلاق، كاملات
الخلائق، ولهم رضوان الله الذي هو أكبر
من كل شيء(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٦/٣، المحرر
الوجيز، ابن عطية ١/ ٤١٠.
١١٠
جوبي
القرآن الكريم
الاستغفار
ومن أجل صفات من ينال هذا النعيم
المقيم هم عباد الله المستغفرون؛ فالاستغفار
هو أقرب الوسائل إلى مرضاة الله، وأعظم
أسباب عز الدنيا وسعادة الآخرة(١).
موضوعات ذات صلة:
الدعاء، الاستعاذة، الذكر، التسبيح،
التوبة، الذنب
(١) انظر: تهذيب التفسير، عبد القادر شيبة الحمد
٠٣١٦/٢
www. modoee.com
١١١