النص المفهرس
صفحات 1-20
جَوْق ◌َر النفسية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الاسْتَقَامَةَ
>
عناصر الموضوع
مفهوم الاستقامة
١١٤
الاستقامة في الاستعمال القرآني
١١٥
الألفاظ ذات الصلة
١١٦
١١٩
أساليب القرآن في عرض الاستقامة
١٢١
الأنبياء والاستقامة
١٢٤
سبل الاستقامة
١٣٢
موانع الاستقامة
١٣٥
الآثار والثمرات المترتبة على لزوم الاستقامة
الآثار المترتبة على الانحراف عن الاستقامة ١٣٧
المُجَلَّدَ الثَالِكْ
حرف الألف
مفهوم الاستقامة
أولًا: المعنى اللغوي:
«القاف والواو والمیم أصلان صحیحان، يدل أحدهما على جماعة ناس، وربما استعیر
في غيرهم. والآخر على انتصاب أو عزم))(١). ((والاستقامة: ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحد
في كل شيء))(٢).
وقد أطلق على معنى الاستقامة عدة معانٍ، منها: القصد، والإصابة، والاستواء، والنظام،
والاعتدال، والرشد، والزم، وغير ذلك(٣).
وقد اتفق كثير من أهل اللغة - ومن خلال ذكر جذرها حتى الألفاظ القريبة- على أنها
ترجع إلى معنى الاعتدال والتوسط، والسلامة من غضب الله تعالى (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا
يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك (٥).
وقد عرفها الجرجاني بأنها: ((الوفاء بالعهود كلها، وملازمة الصراط المستقيم برعاية حد
التوسط في كل الأمور، من الطعام والشراب واللباس، وفي كل أمر ديني ودنيوي، فذلك هو
الصراط المستقيم، كالصراط المستقيم في الآخرة)) (٦).
(١) مقاییس اللغة، ابن فارس، ٤٣/٥.
(٢) مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، ١٠٤/٢.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ١٢٦/٢، الصحاح، الجوهري، ٢٠١٧/٥، مقاييس اللغة، ابن فارس،
٥/٣.
(٤) انظر: المصادر السابقة .
(٥) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص ١٩٣.
(٦) التعريفات، الجرجاني، ص١٩.
١١٤
مَوَسُوبَةُ التفسير
القرآن الكريم
الاستقامة
الاستقامة فى الاستعمال القرانى
وردت مادة (ق وم) في القرآن (٦٦٠) مرة، والذي يخص موضوع الاستقامة منها (٤٧)
مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤
﴿فَمَا أَسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]
الفعل المضارع
١
﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير: ٢٨]
فعل الأمر
٥
﴿فَأَسْتَقِمّ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]
اسم الفاعل
٣٧
أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيَمَ ﴾ [الفاتحة: ٦]
وجاءت الاستقامة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الاعتدال، والاستواء، والالتزام (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم ص٩٨٧،٩٨٨.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٩٨/١٢
www. modoee.com
١١٥
حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الإصابة :
١
الإصابة لغة:
تعني ثلاثة أمور، هي: الصواب، والإيجاد، والإرادة (١).
الإصابة اصطلاحًا:
إرادة العمل الصالح المقبول شرعًا بإيجاد الظروف المناسبة له ضمن ضوابط الشرع
الحنيف.
الصلة بين الإصابة والاستقامة :
إن ثمة اتصالًا قويًا بين الإصابة والاستقامة من حيث مدلول الجذر؛ فكلاهما يشترك
في الدعوة إلى السلامة من غضب الله تعالى، ومن ثم عذابه؛ لكن الاستقامة أشمل من
حيث إنها تجمع أقوال وأعمال وأحوال المسلم، أما الإصابة فيغلب عليها الأعمال، ومن
ثم الأقوال.
الاستواء:
٢
الاستواء لغةً:
أصلٌ يدل على استقامة واعتدال بين شيئين(٢).
الاستواء اصطلاحًا:
أية عبادة دلت على استقامةٍ واعتدالٍ بعد اعوجاجٍ وميلٍ عن الحق واتباعه (٣).
الصلة بين الاستواء والاستقامة :
الاستقامة تعني الاعتدال والالتزام بما فیه سلامة من غضب الله تعالى ومن ثم عذابه، أما
الاستواء فهي العبادات التي تدل على استقامة بعد اعوجاج حدث، أو ميل عن الحق وقع،
وعلى هذا فالاستقامة أعم وأشمل.
(١) انظر: المنجد في اللغة، كراع النمل، ص١٢٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١١٢/٣.
(٣) انظر: المصدر السابق.
١١٦
موسوعة النشيد
جوبيبو
القرآن الكريمِ
الاستقامة
الرشد:
٣
الرشد لغةً:
السير على النهج الصحيح والطريق المستقيم، والرشد والرشد: خلاف الغي (١).
الرشد اصطلاحًا:
((حسن التصرف في الأمر حسًا أو معنىّ، دينًا أو دنيا)) (٢).
الصلة بين الرشد والاستقامة :
الاستقامة: هي السير على المنهج القويم بما يضمن السلامة من غضب الله تعالى
ومن عذابه، أما الرشد: فحسن التصرف في الأعمال؛ للوصول إلى الاستقامة، وعلى هذا
فالاستقامة هدف، والرشد طريق عملي؛ للوصول إلى ذلك الهدف.
القصد:
٤
القصد لغةً:
استقامة الطريق(٣)، والقصد هو بيان الهدى (٤).
القصد اصطلاحًا:
حسن التوجه في النية، بما يكفل سلامة العبد من العذاب.
الصلة بين القصد والاستقامة :
الاستقامة: هي السير على المنهج القويم بما يضمن السلامة من غضب الله تعالى ومن
عذابه، أما القصد: فحسن التوجه القلبي؛ للوصول إلى الاستقامة، وعلى هذا فالاستقامة
هدف، والقصد طريق قلبي؛ للوصول إلى ذلك الهدف.
(١) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس، ٣٧٩/١.
(٢) التوقيف، المناوي، ص ١٧٧.
(٣) انظر: تاج العروس، مرتضى الزبيدي، ٣٥/٩.
(٤) انظر: تفسير السمر قندي، ٢٦٧/٢.
www. modoee.com
١١٧
حرف الألف
العدل:
٥
العدل لغةً:
يعني المثل (١)، والعدولة والعدل: الحكم بالحق (٢)، وهو عين الاستقامة في الحال في
الدنيا، واستقامة المآل في الدنيا والآخرة.
العدل اصطلاحًا:
((وهو الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحق))(٣).
الصلة بين العدل والاستقامة:
العدل أعم من الاستقامة؛ لأن العدل يقتضي استقامة الحال في الدنيا، واستقامة المآل في
الآخرة؛ فهو بهذا الوجه بمعنى الاستقامة، وكل ما له مدلول المثلية فهو عدل؛ فإن من العدل
ما هو مذموم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِ لُونَ﴾[الأنعام: ١].
(١) انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض، ٦٩/٢.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي، ٣٨/٢.
(٣) التعريفات، الجرجاني، ص ١٤٧.
١١٨
مَوَسُولَة النَّفِيَّة
القرآن الكريم
الاستقامة
أساليب القرآن في عرض الاستقامة
أولًا: أسلوب الأمر:
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ
يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللّهِ وَعِندَ
رَسُولِهِ، إِلَّا أَلَّذِينَ عَهَدتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ
اْحَرَاءِ فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَمَّ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾[التوبة: ٧].
بينت هذه الآية وما بعدها سبب البراءة
من المشركين، وإمهالهم أربعة أشهر، ثم
قتالهم، وذلك هو نقضهم العهود، وأنهم
معتدون بكل ما تعني الكلمة؛ لكن الاستثناء
يظهر هنا للمعاهدين من المشركين
الملتزمين؛ فإن استقامتهم هذه على العهود
جعلت ضرورة المعاملة بالمثل بالنسبة
للمسلمين، ثم تذيل الآية بالجملة التقريرية،
ويمكن أن تكون تعليلية ببيان أن الله تعالى
يحب المتقين، الذين يخافون من غضب الله
تعالى بعدم التزام أوامره ونواهيه(١).
والأسلوب الاستفهامي الاستنكاري في
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ
عَهْدُ﴾ بمعنی کیف لا یکون؛ لیفید مدی
بشاعتهم، وبالتالي فإن المعاملة بالمثل من
تمام الاستقامة التي أمر المسلمون بالتزامها.
وفي أثناء المعركة قد تشحن النفوس ضد
المشركين، وبالتالي لا يضبط المسلمون
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١١٨/١٠.
أنفسهم أمام قاتليهم، وبالتالي فإن الاستقامة
مع من استقام من المشركين جاءت بأسلوب
الأمر وبعدها ترغیب بأن الله تعالى يحب
المتقين؛ لما في أمر الله تعالى وترغيبه من
عظيم الأثر في الالتزام.
وتوضح الآية أن الأصل في الإسلام
الرحمة والعفو والصفح؛ لكن الذي
يستهزئ بالعهود التي أبرمت مع المسلمين
فلا عهد له ولا أمان بعد ذلك، مع أهمية ألا
تختلط الأمور فيعامل من التزم بالعهد كمن
لا يلتزم، ومن هنا جاء الأمر بالاستقامة؛
حتى يمتاز جانب الاعتدال في التعامل مع
المشركين إن التزموا بعهودهم.
ثانيًا: أسلوب الترغيب والترهيب:
يكثر في القرآن الكريم استعمال أسلوب
الترغيب والترهيب في قضايا كثيرة،
ومنها: الترغيب في الاستقامة على المنهج
الإسلامي، والترهيب من الإعراض عنه
الذي يخالف مبدأ الاستقامة.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ
لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّهُ غَدَقَالَ الِنَفِنَهُ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن
ذِكْرِ رَيِّدِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٦ -١٧].
بعد أن ذكرت الآيات السابقة أحوال
الجن، وتصنيفهم إلى مسلم منصف في
المفهوم الرباني ومقتضياته، وظالم في
ذلك، ترغب هذه الآية بصيغة إغرائية للخير،
www. modoee.com
١١٩
حرف الألف
بأنهم لو التزموا نهج الصراط المستقيم،
واعتدلوا في خط الحق لأنتهم الدنيا بكثرة
رزقها، وعبر عن الرزق الوفير في الآية
بالماء؛ لأنه أخص خصوص الرزق، وكل
هذا الرزق سببه الاختبار في هذه الدنيا؛
وهنا يأتي الترهيب الواضح لمن عدل عن
الاستقامة، فاعترض طريق الحق، فإنه
يسلك هذه الطريق بمزيد من العذاب الذي
لا يتوقف(١).
ثالثًا: أسلوب التأكيد والتنكير:
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ
وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ
مِنْ عِبَادِنَاْ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيٍ﴾
[الشورى: ٥٢].
تبين هذه الآية أن قدرة الله تعالى تظهر
أيضًا بوحي الله تعالى إليك أيها النبي برسالة
القرآن، الذي يصفه بأنه روح من أمر الله
تعالی.
ثم یبین الله تعالی نعمته على نبيه صلى
الله عليه وسلم بأنه لولا فضله جل جلاله
لما علم عن القرآن والإيمان شيئًا، ولكن
الله تعالى جعل من هذا القرآن وهذا الإيمان
نورًا يستضاء به.
رابعًا: أسلوب ضرب المثل:
وهو ما يظهر واضحًا في قوله تعالى:
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ
وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ، ضَيِّقًا حَرَجًا
كَأَنَّمَا يَضَغَدُفِ السَّمَآءْ كَذَلِكَ يَجْعَلُ
اللّهُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَمَن وَهَذَا
صِرَاطُ رَيِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الَآَيَتِ لِقَوْمِ
يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥ -١٢٦].
من يرد الله تعالى هدايته إلى الإيمان
يقذف في قلبه النور؛ فينفسح القلب ويعمر
بالإیمان، ومن کان غیر ذلك ویرید أن یبقی
على الضلالة، وينحرف عن الاستقامة
التي هي سبيل النجاة، فإن هذه الذنوب
تجعل - بتقدير الله تعالى وحده - هذا القلب
ضيقًا ليس للخير فيه منفذ، وهكذا فإن الله
تعالى يجعل عليهم بشؤم ذنوبهم النجاسة
العظيمة، فهم سيئوا التصرف؛ لأنهم غير
مسلمین؛ فکما لا یستطیع ابن آدم أن يبلغ
السماء، فكذلك لا يقدر على أن يدخل
التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في
(٢).
(١) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ٧٦٣/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٩٨، تفسير
القرآن العظيم، ابن أبي حاتم، ٤ /١٣٨٦.
١٢٠
مؤمنو بر النفسيةِالوضوء
القرآن الكريم
الاستقامة
الأنبياء والاستقامة
من المعلوم أن أولى الناس التزامًا
بالاستقامة هم الأنبياء عليهم السلام؛ إذ
إنهم يمتازون عن البشر بعلو كعبهم في
الصبر وتحمل المشاق لأجل الدعوة، ومن
ثم طلب رضا الله تعالی.
ولذلك فإن القرآن الكريم قد بين أن
الأنبياء مأمورون بالاستقامة، التي هي سبيل
النجاة من عذاب الله تعالى، وذلك من خلال
أربعة نماذج، وهم: سيدنا إبراهيم صلى الله
علیه وسلم، وسیدانا موسى وهارون عليهما
السلام، وسيدنا عيسى صلى الله عليه
وسلم، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلفت صيغة الأمر بالاستقامة
للأنبياء عليهم السلام، فنجد ما يلي:
منها ما يأتي بصيغة الأمر المباشر من الله
تعالی بالاستقامة، كما في نموذج سیدینا
موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام.
ومنها ما يأتي من خلال بيان ثمرة الالتزام
بأمر الله تعالى؛ فهي الهداية إلى صراط الله
المستقيم، كما في نموذج سيدنا إبراهيم
صلی الله عليه وسلم.
ومنها ما يأتي بصيغة الأمر للمؤمنين
بعبادة الله تعالى وحده، وبأن من فعل ذلك
فقد هدي إلى صراط مستقيم، وهو منهج
الإسلام العظيم، كما في نموذج سيدنا
عيسى عليه السلام.
ومنها ما يأتي بصيغة الأمر المباشر
للنبي، ومن ثم لمن تاب من أمته من الشرك
وأخلص لله تعالى بالتوحيد، بعد بيان نماذج
كثيرة من أحوال السابقين، كما في نموذج
سيدنا محمد صلی الله عليه وسلم.
أولًا: الاستقامة في قصة سيدنا إبراهيم
عليه السلام :
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ فَانْتًا
لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( شَاكِرًا
لِأَنْعُمِدَّ اجْتَبَتُهُ وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١)
وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَيْنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠- ١٢٢].
تذكر هذه الآيات نموذجًا مثاليًا في
الاستقامة الحقة؛ حيث إنه عليه السلام
کان معلم خیر، یآتم به أهل الحق والهدى،
فھو مطیئٌ لله تعالی علی الحنیفیة، لیس من
المشركين بالله تعالى، كان يخلص الشكر
لله جل جلاله ولنعمه الجمة، وقد اصطفاه
الله تعالی واختاره لخلته، وهداه إلی الدین
الإسلامي القويم، وجزاءً لما بدر منه من
عبادات ترضي الله تعالى، آتاه الله عز وجل
في هذه الدنیا ذکرًا حسنًا، وثناءً جميلاً باقيًا
على الأيام، وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة
ممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحسنت
www. modoee.com
١٢١
حرف الألف
فيها منزلته وكرامته (١).
تذكر هذه الآية دعاء سيدينا موسى
وإن سيدنا إبراهيم عليه السلام مثال وهارون عليهما السلام من خلال مقولة
الاستقامة الحقة؛ بل إن من تشريف الله
تعالى له أن جعله أبًا للاستقامة، إن كانت
تعني الإسلام، فهو أبو المسلمين بنصٍ
القرآن، كما قال تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِيكُمْ إِتْرَاهِيمٌ
هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى
النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
ومن يستقم علی الدین، ويلتزم حقيقته
فإنه يفلح في الدنيا والآخرة، وهو ما توضحه
الآية الثانية والعشرون بعد المائة من سورة
النحل.
ومن يطلب الصلاح والاستقامة يهده
الله تعالى لها، كما في قوله تعالى: ﴿آجْتَبَتُ
وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [النحل: ١٢١].
ثانيًا: الاستقامة في قصة موسى وهارون
عليهما السلام:
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ
ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِ الْحَوَةِ
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَْمِسْ عَلَى
أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوْ حَتَّى يَرَوَّأْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ا قَالَ قَدْ أُجِبَت دَّعْوَتُكُمَا
فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَّعَانٍ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[يونس: ٨٨-٨٩].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣١٩/١٧.
الرجاء من سيدنا موسى عليه السلام لربه
سبحانه وتعالى - بعد ما زاد فرعون وقومه
من طغيانهم -: ربنا إن عطاءك اللامحدود
الذي أعطيته لفرعون وقومه من خير كثير،
ربنا إن هذا الأمر وجه لأجل الضلال، ربنا
اطمس على أموالهم، فمسخت دنانيرهم
ودراهمهم وزروعهم حجارةً، واشدد على
قلوبهم بالضلالة، فلا يؤمنوا حتى يروا
العذاب الکثیر المؤلم، فحیل بينهم وبين أن
یؤمنوا.
وقد كان هارون عليه السلام يؤمن من
وراء موسى عليه السلام، ولذلك فإن الله
تعالى أجاب دعوتهما مرتبطًا ذلك بالأمر
لهما بالاستقامة، وهي الاتزان في لزومها
سيما بعدم اتباع طريق الذين لا يعلمون(٢).
وتبين هذه الآية أن الله تعالى يهدي
من يستحق النصر والتمكين أمثال سیدینا
موسى وهارون عليهما السلام إلى الدعاء
والرجاء بتذلل وانكسار إليه عز وجل، ثم
تبين الآية التالية أن الله تعالى أمر بالاستقامة
التي هي أصل الاعتدال؛ لأجل عدم الميل
إلى الجهلة، الذين لا يعلمون حقيقة الدين
القويم.
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
٢٧١/٢، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن
أبي طالب، ٣٣١٤/٥.
مَنُوابَرُ الْبَّفْسِدُه
القرآن الكريم
١٢٢
الاستقامة
ثالثًا: الاستقامة في قصة سيدنا عيسى
ابن مريم عليه السلام :
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ
اَلْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ٦ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ
مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَقِ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَّهُ كُنْ
فَيَكُونُ (١٦) وَإِنَّاللَّهَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ
تُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٤-٣٦].
بينة الآيات الكريمات أن قضية التوحيد
ونفي الولد عنه سبحانه وتعالى من قضايا
العقيدة الأساسية، ويترتب على ذلك
إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وهذا هو المنهج المستقيم الذي لا اعوجاج
فیه.
رابعًا: الاستقامة في قصة سيدنا محمد
صلی الله عليه وسلم:
﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى
قال تعالى:
الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
مِن رَّيْكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمَّ وَإِنَّهُتََّلَفِى سٍَّ مِنْهُ مُرِبٍ
﴿ وَإِنَّ كُلَّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ إِنَّهُ.
بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١) فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن
تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[هود: ١١٠- ١١٢].
تذكر الآية العاشرة بعد المائة من سورة
هود جملةً من أساليب التوكيد أن الله تعالى
آتى سيدنا موسى عليه السلام التوراة وما
فيها من أحكام فاختلف الناس فيها من
مصدقٍ إلی مکذب، ولولا أن الله تعالی اخر
على هذه الأمة عقاب من یکذبك يا محمد
صلى الله عليه وسلم لجاءهم العذاب
بعجلٍ بقضاء الله تعالى، وإنهم لفي شكٍ منه
موقع للريب.
وتذكر الآية التالية أن كل من ذكرهم
الله تعالى من قصص البشر والخلق في
هذه السورة وغیرها، والله لیوفینهم ربك
أعمالهم، فإن من صفاته أنه خبير بکل ما
يعمل هؤلاء الخلق إن كان خيرًا أو غير
ذلك.
ثم يأتي الأمر الرباني المباشر من الله
تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
بالاستقامة بعد بيان حال الخلق عمومًا كما
ذكر القرآن؛ لأن الملجأ الحقيقي للنجاة
من غضب الله تعالى هو الاستقامة الحقة،
وذلك بالتخلي عن الباطل، والتحلي باتباع
المنهج المستقيم الذي يتمثل في الإسلام
العظيم، وليس الأمر لك يا محمد صلى الله
عليه وسلم فحسب؛ بل إن الأمر بالاستقامة
ينسحب على من تاب معك من المؤمنين
الذین أنابوا إلی بارٹهم عز وجل.
ثم جاء التحذير الإلهي لنبي الله تعالى
ولجميع من تاب بعدم مجاوزة الحد الذي
يحرفكم عن المسار الصحيح، وهو التوحيد
الخالص الصافي من الشك والريب، وذلك
عين الاستقامة الحقة، فإن من عمل بالحق
www. modoee.com
١٢٣
حرف الألف
أو الباطل فالله تعالى بصير بذلك، فيجازي
بفضله أو بعدله (١).
وقد ورد الأمر بالاستقامة لسيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم ولقومه بعد بيان
قصص مجموعة من الأنبياء عليهم السلام؛
لما في ذلك مزيد عبرة.
وربط قصة سيدنا موسی صلى الله عليه
وسلم واختلاف الناس في التصديق أو
التكذيب بتأخير العذاب على هذه الأمة لما
في ذلك من تخصيص هذه الأمة بالخيرية
أكثر من غيرها حتى بني إسرائيل الذين
فضلوا على عالمي زمانهم بمتاع زائل،
وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تكتسب
خيريتها من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر والإيمان بالله.
قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمَّ يِّنْهُمُ
[آل
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
عمران: ١١٠].
وهذا النص القرآني مفعمٌ بأساليب
التوكيد؛ لما يدلل على أهمية الأمر
بالاستقامة، وأن الوصول إليها يحتاج إلى
طلب العون من الله تعالى وحده.
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٤٠٣/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٩/ ١٠٣.
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
سبل الاستقامة
إن الاستقامة سمة النبيين ودأب
الصالحين، وإنها وسيلة للنجاة من غضب
الله تعالى، وبالتالي عذابه، وإن المسلم
الحق هو الذي يسلم من الشوائب المبعدة
عن الحق، ويتحلى بصفة الاعتدال التي هي
في حقيقتها استقامة.
وسبل الاستقامة يمكن تلخيصها في
النقاط الآتية:
أولًا: الإيمان بالله تعالى والإخلاص
له:
قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ
فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمِ مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
٥٣
وَإِنَّ الظَّْلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ (
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ أُلْحَقُّ مِن
زَّيِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ
اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
[الحج: ٥٣ -٥٤].
بعد أن ذكرت الآية السابقة ما حكم به
عز وجل من تمكين الشيطان من إلقاء الشبه،
ذكرت الآية الثالثة والخمسون من السورة
العلة من إلقاء الشبه في قلوب أوليائه، وهي
جعل إلقائه لهذه الشبه امتحانًا واختبارًا لمن
انزلق عن حد الاعتدال والاستقامة وهم
المنافقون، ومن قسا قلبه عن فهم الآيات
فصارت حجريةً، ثم تذيل الآية بجملة
١٢٤
الاستقامة
تقريرية لحقيقةٍ، ألا وهي أن الظالمين الذين يَعْنَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَّطٍ مُسْنَقِيمٍ﴾ [آلـ
عمران: ١٠٠ - ١٠١].
وضعوا أقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها
لفي خلاف بسبب أنهم في غیر شق حزب
الله تعالى.
منة الهداية الإلهية لهؤلاء المؤمنين - الذين
أثبتوا قلبًا و قولًا وعملًا على صدق إيمانهم-
موصلةً إلى طريق الاستقامة الحقة، المنجية
من غضب الله تعالى وعذابه، سيما وأنها
تعني لزوم الإسلام العظيم(١).
تعالى، فإذا أحسنت التوجه إلى الله تعالى،
وآمنت به فإن الله تعالى يهديك إلى
الاستقامة الحقة.
ولا بد من المرور بالأشواك أثناء التعبد
لله تعالى والتنسك بما يشمل معاني الإيمان
بالله تعالى والإخلاص له؛ حتى يعلم من
يستحق مرتبة الاستقامة من غيره، وهو ما
ثانيًا: الاعتصام بالله تعالى:
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن
تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ يَرُدُّوكُم
بَعْدَ إِيمَيِّكُمْ كَفِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ
تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَنْ
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٧٢/١٣، مراح
لبيد، الجاوي ٢/ ٧٧.
یروی أن «شاس بن قيس اليهودي» مر
على نفر من الأوس والخزرج؛ فاغتاظ
وإن جميع هذه العوامل الإيمانية تجعل مما رأى من الألفة بينهم بما غير الإسلام
من أحوالهم، بعدما كان بينهم من بغضاء
وشحناء، فبعث شابًا من يهود، يذكرهم
ببعاث، وهي معركة كبيرة حدثت مع
الأوس والخزرج، فاغتاظ القوم من الأوس
والخزرج، وتنادوا: السلاح السلاح، فبلغ
والوصول إلى الاستقامة منة من الله ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب
إليهم مع نفر من الصحابة، وما زال يعظهم
حتی أنابوا إلی بارٹھم و تعانقوا باکین، وأنزل
الله تعالى هذه الآيات (٢).
تبدأ الآية المائة من السورة بنداء إلى
المؤمنين، فالعهد المطلوب منهم في هذه
الآية هو عدم طاعة فريق الضلال والإضلال
من أهل الكتاب؛ لأن العاقبة التي تحل نتيجة
يتبين لنا واضحًا في الآيات في معرض ذلك، الردة إلى الكفر بعد الإيمان بسبب
الحديث عن مداخل الشيطان.
حسدهم وبغيهم عليكم، ثم تتساءل الآية
التالية سؤالًا استنكاريًا كيف يكون الكفر
منكم؟ والحال أن آيات الله تعالى ما زالت
تتلى عليكم، بمعنى أنكم تعاصرون نزول
الوحي، وما زال الرسول محمد صلى الله
عليه وسلم حيًّا بينكم قائمًا بين أظهركم،
(٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص١١٦،
لباب النقول، السيوطي، ص ٤٤.
www. modoee.com
١٢٥
حرف الألف
یو جهکم ویرشدکم إلى الخير.
ثم ترغب الآية بالاعتصام بالله تعالى؛
فإن من اعتصم به، فإن الله يهديه إلى الطريق
القويم، وهو منهج الاستقامة الذي يوصله
إلى الجنة (١).
والتحذير من طاعة فريق الضلال
والإضلال من أهل الكتاب جاء بصيغة
خبرية من خلال بيان العاقبة الوخيمة التي
ستحل بهم إن أطاعوهم؛ فهم سیرتدون إلى
الكفر.
وبعد التحذير البالغ الأهمية يأتي
الترغيب الکبير بالاعتصام من خلال بيان
المنة التي ستكون لهم، وهي الصراط
المستقيم، الموصل إلى الجنة.
ثالثًا: العبادة والدوام والثبات عليها:
قال تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَاٌ وَمَن جَآءَ بِالسَّيْشَةِ فَلاَ يُجْزَ إِلَّا مِثْلَهَا
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿ قُلْ إِنَِّ هَدَنِ بَهِ إِلَى صِرَاطٍ
◌ُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾[الأنعام: ١٦٠ - ١٦١].
تبين الآية الستون بعد المائة عظيم رحمة
الله تعالى وفضله؛ فالذي جاء بحسنة فله
من الأجر عشر حسنات مثلها، والذي
جاء بالسيئة فإن فضل الله تعالى يقتضي
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص١٤١، بيان المعاني، عبد القادر العاني،
٣٧٣/٥.
أن يجازى بمثلها، ولا يمكن لهؤلاء أن
يظلموا، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله
عليه وسلم: (إذا أحسن أحدكم إسلامه؛
فكل حسنةٍ يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى
سبع مائة ضعف، و کل سيئة یعملها تكتب له
بمثلها)(٢).
ثم تخاطب الآية التالية سيدنا محمدًا
صلى الله عليه وسلم بأمره أن يقول للخلق
جميعًا إنني أرشدني ربي ووفقني إلى الدين
القويم، الذي هو منهج الاستقامة الحقة،
أعني دینًا ذا قيم ومقام رفيع، فهو ملة سيدنا
إبراهيم عليه السلام على الحنيفية السمحة،
ثم تذيل الآية ببيان قطعي الدلالة أنه عليه
السلام ليس من المشركين (٣).
رابعًا: التمسك بالقرآن:
قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرُّمِنَ
اِنّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَبَالِ يّهْدِىّ إِلَى
الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن:١ -
٢].
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
قال: (انطلق النبي صلى الله عليه وسلم
في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق
عكاظ، وقد حیل بین الشیاطین وبین خبر
السماء، وأرسلت علیهم الشهب، فرجعت
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حسن إسلام المرء، ١٧/١، رقم ٤٢.
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٧٧/٢.
١٢٦
جوسُوبَة النفسية
القرآن الكريم
الاستقامة
الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ العظيم، الذي ملئ من العجائب، فهو يدعو
ويرشد إلى الصواب من التوحيد والإيمان
فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت
علینا الشهب. قالوا: ما حال بینکم وبین خبر
السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق
بينكم وبين خبر السماء.
الذي هو عين الاستقامة المنجية من غضب
الله تعالى وعذابه، ولذلك لم يسع الجن
الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال إلا أنهم آمنوا إيمانًا لا مراء فيه ولا نفاق،
وعهدٌ على عدم الشرك بنوعيه بالله الرب
فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو المتعال(٢).
تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو
بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو
يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا
القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي
حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين
رجعوا إلى قومهم، وقالوا: يا قومنا: ﴿قُلْ
أُوجِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرِّ يِّنَ اَلْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا
قُرْءَانًا عَجَبَالِ يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ* وَلَنْ
تُشْرِكَ بِرَيْنَا أَحَدًّا﴾ [الجن: ١ - ٢].
فأنزل الله علی نبيه صلی الله عليه وسلم:
﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَى أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌّ يْنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا
سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا﴾ [الجن: ١]. وإنما أوحي إليه
قول الجن)(١).
تبدأ سورة الجن بأمر إلهي لسيدنا محمد
صلى الله عليه وسلم أن يقول للخلق جميعًا:
أوحي إليه من الله تعالى وحده أنه طاف
عدد لا يزيد عن عشرة من الجن فتوجهوا
نحو تهامة، فإذا بهم يسمعون كلام القرآن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان،
باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، ١٥٤/١، رقم
٧٧٣.
خامسًا: اتباع رضوان الله تعالى:
قال تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ
قَدْ جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ
اُلْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرِ، قَدْ
جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ
◌ُبِيبٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنٍ أَتَّبَعَ
رِضْوَنَُّسُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِ يهِمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦].
يخاطب الله تعالى أهل الكتاب ببيانه
لهم أن رسولنا محمدًا صلی الله عليه وسلم
قد جاءهم؛ ليوضح لهم الدين الذي أخفوا
كثيرًا منه؛ وليعفو عنهم في كثير من زلاتهم؛
ثم تذيل الآية ببيان أنه قد جاءكم يا أهل
الكتاب نور، وهو الرسول محمد صلى
الله عليه وسلم وقرآن کریم، و حتى يهتدي
المؤمن إلى القرآن، والاستقامة في التزامه،
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٣٤٦/٤.
www. modoee.com
١٢٧
حرف الألف
لا بد من اتباع رضوان الله تعالى؛ بالانضباط فقال ثابتٌ: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا
أنفسكم لفعلنا))(٢).
في طريق السلامة من غضب الله تعالى،
والخروج من الباطل وما فيه من ظلمات،
إلى طريق واحد وهو النور المبين، وكل هذا
منوطٌ فقط بإذن من الله تعالى وحده، فإذا قام
من قام ممن هدی الله قلبه للإيمان بذلك،
فعندها يرشد الله تعالى ويوفق إلى الطريق
القويم، وهو المنهج الرباني الأصيل(١).
سادسًا: التوبة والاستغفار:
التوبة إلى الله تعالى تعني الإنابة والرجوع
إلى الله تعالى والندم على الذنوب، والعزم
على العمل الصالح طاعةً لله تعالى، وهذا
كله عين الاستقامة المنجية من غضب الله
تعالى، وقد شهدت الآية الثامنة والستون من
سورة النساء نموذجًا واضحًا بهذا الشأن.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
أَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُجُواْ مِن دِيَرِكُمُ مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ
بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا ، وَإِذَا
لَأَتَيْنَهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ( ) وَلَهَدَيْنَهُمْ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦-٦٨].
(سبب نزولها ما روي أن ثابت بن
قیس بن شماسيٍ تفاخر هو ويهوديٌ، فقال
اليهودي: والله لقد كتب علينا أن نقتل
أنفسنا فقتلنا، وبلغت القتلى سبعين ألفًا،
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/
٠١١٨
يخبر الله تعالى في الآية السادسة
والستين من السورة: أن الله تعالى لو كتب
علی یهود عصر النبي صلی الله عليه وسلم
أن اقتلوا أنفسكم بالجهاد، أو اخرجوا من
دياركم كما كان من اليهود السابقين حين
استتيبوا من عبادة العجل؛ ما فعلوه إلا القليل
منهم، مع أن الأصل أن يفعلوا ما يوعظون
به، وذلك أفضل لهم وأعظم في الثبات على
الحق، ولأعطاهم الله تعالى الأجر العظيم،
ولمن الله تعالى عليهم بالهداية إلى الصراط
المستقيم، وهو الدين القويم، وهذا مرتبط
بمزيد الاستغفار والتوبة النصوح والرجوع
إلى الله تعالى، والتذلل والانكسار إليه جل
جلاله (٣).
ومن رحمة الله تعالى بهذه الأمة
المحمدية أن جعل منة الهداية إلى الاستقامة
ميسورة، ليس فيها مشقة كما كان حال
السابقين.
ولا يصل المؤمن إلى قبول توبته من
قبل الله تعالى إلا إذا تذلل وانكسر إليه جل
جلاله.
سابعًا: اتباع سنة النبي صلى الله عليه
وسلم:
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٧٠/٥.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٨٢/٢.
جَوَسُولَةُ النَّسية
القرآن الكريم
١٢٨
الاستقامة
قال تعالى: ﴿لَّا تَجْمَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ
بِنَكُمْ كَدُعََّ بَعْضِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللهُ
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذَاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ
يُقَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
تحذر هذه الآية الكريمة من أن ينادي
المسلمون رسول الله محمدًا صلى الله عليه
وسلم باسمه، كما لو كانوا ينادون بعضهم
البعض؛ فلا تقولوا: يا محمد، ولا يا أبا
القاسم، ولا يا ابن عبد الله؛ لأن الله تعالى
يعلم حال المنافقين الذين يخرجون من
المسجد خفيةً؛ هروبًا من أن يسمعوا كلام
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فهم
يلوذ بعضهم إلى بعض بدل أن ينطلقوا إلى
الحق، ثم تحذر الآية من مخالفة أمر رسول
الله صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبهم
بليةٌ، أو يصيبهم العذاب المؤلم في الدنيا
والآخرة؛ لأن من يتخلف أو يتقاعس عن
اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه
فلن يصل إلى الاستقامة الحقة(١)
ثامنًا: الشكر لله تعالى:
لا شك أن الشكر لله تعالى من أنجع
الطرق الموصلة إلى الاستقامة الحقة،
فاستقامة جدنا الذي نتشرف بالانتساب
إليه سيدنا إبراهيم عليه السلام، واصطفاؤه
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ٥٥٤/٣،
تفسیر السمرقندي، ٥٢٧/٢.
وتقريبه من المنزلة الرفيعة من الهداية، جاء
كل ذلك لأنه التزم القنوت والعبادة، وهو
إمام جامع لكل الفضائل، يأتم به أهل الهدى
في التزام الحنيفية السمحة؛ لاستجماعه
كمالاتِ لا توجد في غيره، وقد التزم الشكر
الذي لا مثيل له لله تعالى؛ واقتران الشكر مع
الهداية إلى الاستقامة؛ لبيان النتيجة والثمرة،
وهي تحبيب الله تعالى سيدنا إبراهيم عليه
السلام لكل الناس؛ لأنه موحد في دين
الإسلام ليس يهوديًا ولا نصرانيًا(٢).
ويتجلى ما ذكرنا في قوله تعالى:
﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا
شَاكِرًا
وَلَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
لِأَنْعُمِدَّ أَجْتَبَتُهُ وَهَدَنْهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
[النحل: ١٢٠-١٢١].
وإن من موجبات شكر العبد لله تعالى
نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومن هذه
النعم: أن الأمة المحمدية هي أمة العدل
والاستقامة التي تتوسط الناس، من حيث
دراية أخبارهم بما علم من كتاب الله تعالى
وسنة رسوله محمد صلی الله عليه وسلم،
ومن حيث التوسط في الدين؛ فلا هم أهل
غلوٍ فيه كالنصارى، ولا هم أهل جفاء
کالیهود، وإن الأمة شاهدٌ علی جمیع الناس
منذ سيدنا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة،
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمى، ٦/ ٤٢٠،
زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٨/ ٤١٢٧.
www. modoee.com
١٢٩
حرف الألف
كما يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً بالاستقامة الحقة، ومعلوم أن منهج الله جل
جلاله هو منهج مستقيم، بمعنى أن من يلتزم
أوامره يكون على هذا الصراط المستقيم (٢).
وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وتلك هي الخيرية بعينها مشروطةً
بلوازمها من أمرٍ بمعروفٍ ونھيٍ عن منكر،
وإيمانٍ بالله تعالى(١)، كما قال تعالى:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
◌ِاَللّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
تاسعًا: العدل:
﴿﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا
قال تعالى:
مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا
رِزْقًا حَسَنَّا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْرًاٌ هَلْ
يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا
٧٥
أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ
عَلَ مَوْلَنَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍّ هَلْ
يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ
[النحل: ٧٥-٧٦].
مُسَتْقِيمٍ
يضرب الله تعالى في هذه الآية مثلًا
لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه؛ فأما الآلهة
فهي لا تعدو عن کونھا صنمًا لا يسمع ولا
ينطق، ينتظر إذن الحركة والتقلب ممن
یعبده، إذا دعاه هذا العابد لا يأت بخير، فهل
يستوي هذا الوثن مع الله تعالى الذي يأمر
(١) انظر: معاني القرآن، الفراء، ٨٣/١، جامع
البيان، الطبري، ١٤٢/٣.
وأسلوب ضرب المثل في أخص
خصوص الاعتقاد، وهو إثبات وجود الله
تعالى، فيه مزيد حجةٍ بالغةٍ على أولئك
المعرضين عن طريق الاستقامة الحقة،
ولذلك فإن الله تعالى بين صفة العدل
والأمر به؛ لأن عذاب الله تعالى لعباده
عدلٌ، ورحمته بهم بإدخالهم الجنة فضلٌ.
عاشرًا: الدعاء:
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ
الْأَلْبَبِ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ
١٩١
عَذَابَ النَّارِ؟
زَّبَّنَآ
أَخْزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ
إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَنِ أَنْ ءَامِنُواْ
بِرَبِّكُمْ فَامَنَاْ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِرْ عَنَّا
سَيِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ { رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا
وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّكَ لَا
تُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩٤].
يذكر الله تعالى في هذه الآيات أن التفکر
في خلق الله تعالی الذي لا حصر له، ومن
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٧ /٢٦٢، تفسير
القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، ٢/ ٤١٢.
مَوَسُوبَةُ اللَّهـ
القرآن الكريم
١٣٠
الاستقامة
نماذجه المبصرة السماوات والأرض،
واختلاف المناخات والأوقات وما ينتج عن
ذلك من متغيرات، كل ذلك يعد عبرةً وآية
لكل ذي لبٍ، أي: عقلٍ صافٍ من الشوائب،
فهم الذين يستقيمون على المنهج؛
باستحضار الله تعالى في كل أحوالهم
وأقولهم وأفعالهم سواء أكانوا في الصلاة
أم في حياتهم عمومًا قيامًا وقعودًا وعلى
جنوبهم، ثم يتذللون وينكسرون مقرين بأن
الله تعالی أحسن وأتقن كل شيء خلقه، فهو
منزه عن أي نقص، متضرعين إلى الله تعالى
راجین أن ینجوا من العذاب الأخروي.
فإن من أدخل النار فقد أخزي من قبل
الله تعالى، وليس لأحد من الظالمين من أي
ناصر، إذا كان الله تعالى هو الآمر، ثم تتجلى
طبيعة الاستجابة من قبل هؤلاء المؤمنين
المستقيمين المعتدلين أنهم بمجرد سماع
منادي الإيمان من بعيد، فإنهم فطنوا إلى
ذلك - دونما فذلكةٍ- فآمنوا إيمانا يسلب
قلوبهم نحو بارئهم، فما دام الإيمان تغلغل
في قلوبهم، فإنهم يتقربون إلى الله تعالى
بالأعمال الصالحات، ويسألون الله خيرًا
فهم يطلبون أولًا المغفرة من الذنوب، ثم
الستر الكامل الذي يحط السيئات، ولضمان
استمرار الخير، أن يبقوا حتى وفاتهم في
صحبة أهل الخير البررة.
فإذا ما استجاب الله تعالى ببركة حسن
ظنهم به جل جلاله، فإنهم يرجون الجنة
التي وعدها الله تعالى للرسل عليهم السلام،
وعدم الخزي بعدم استجابة دعائهم؛ بأن
تتقلب قلوبهم إلى الشر في الدنيا قبل نهاية
حیاتهم، فالله تعالى لا يخلف وعده لأي من
خلقه، وهؤلاء المؤمنون المستقيمون يقرون
بذلك(١).
الحادي عشر: العلم:
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِ
وَاْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُّ أَلْوَتُهُ، كَذَلِكَّ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾
[فاطر: ٢٨].
تذكر هذه الآية الكريمة أنه كما كان
اختلاف في اللون والنوع في الثمار والجبال،
فإن الناس والدواب عمومًا مختلفون أيضًا
في اللون والنوع، ثم تستأنف الآية مقررة
لحقيقةٍ، ألا وهي أن الذين يخشون الله
تعالى ويعملون قصارى جهدهم للسلامة
من غضبه، ومن ثم الاستقامة، هم العلماء
المؤمنون المستسلمون لله تعالى ولأمره،
فالله تعالى متصف بالعزة والمعفرة، فهما
اسمان له(٢).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم،
٨٤١/٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
٤/ ٣٠، الكشف والبيان، الثعلبي، ١٠٥/٨.
www. modoee.com
١٣١
حرف الألف
موانع الاستقامة
لتحصيل الاستقامة موانع نتناولها في
النقاط الآتية :
أولًا: الكفر والشرك بالله تعالى:
قال تعالى: ﴿لَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَد تَبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
تبين هذه الآية الكريمة أن طريق
الاستقامة يختلف عن طريق الغواية في
صفاته وملامحه، فلا يختلط هذا بذاك.
وتبين أن الكفر بما یعبد من دون الله
قضية کبری في الدین، فلا يصح إيمان
العبد بالله تعالی حتی یکفر بکل ما یعبد من
دونه(١).
ثانيًا: اتباع سبل الشيطان:
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ◌ِمَا أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ
إلَّا
لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ )
عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ قَالَ هَذَا
صِرَاطُ عَلَّ مُسْتَقِيمٌ ) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾
[الحجر: ٣٩- ٤٢].
تذكر الآيات السابقة أولى مراحل
الصراع والعداوة بين الشيطان والإنسان.
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ١/ ٢٦٠.
وتذكر هذه الآيات أن إبليس تعهد
بمحاولة إغواء بني آدم، وإبعادهم عن
الطريق المستقيم، مستخدمًا أسلوب التزيين
والتدليس، فيظهر لهم الحق باطلًا، والباطل
حقًّا.
وأقسم أن سيبذل في سبيل ذلك كل
الوسائل والطرق التي تغوي بني آدم،
وتبعدهم عن دین الله، واتباع شرعه.
ولكنه أقر في نهاية حديثه أن هناك فئة
من بني آدم لا يستطيع إغواهم، وهم من
اصطفاهم الله، وهداهم إلى صراطه(٢).
ويفسر إبليس تكبره على الحق بأنه غواية
من الله تعالى بسبب خلقه آدم، الذي يرى
إبليس أنه أفضل منه، ولكنه استكبر، ولم
یستجب لأمر الله، ويسجد لآدم.
ثالثًا: الفرقة والاختلاف:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ
شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ
يُكَبِّثُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام : ١٥٩].
تبين هذه الآية الكريمة أن الذين تركوا
دینهم وخرجوا عنه کاليهود والنصارى، أو
الذين جعلوا دينهم متفرقًا، فأخذوا ببعضه
وتركوا بعضه، هؤلاء جميعًا أنت یا محمد
صلى الله عليه وسلم لست منهم في أي
شيء مما يسرون أو يعلنون، من حيث
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٥٨/١١، البحر
المديد، ابن عجيبة، ٨٨/٣.
١٣٢
مُوسُوبَةُ النَّفِيم
القرآن الكريم