النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الاستعادة
عناصر الموضوع
مفهوم الاستعاذة
٨
الاستعاذة في الاستعمال في القرآن
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
١٢
منزلة الاستعاذة وآثارها
أنواع الاستعاذة
١٥
المستعاذ منه
١٦
مواطن الاستعاذة
١٩
٢٣
ثمرات الاستعاذة وآثارها
المُجَلَّدَ الثَالِكْ

حرف الألف
مفهوم الاستعاذة
أولًا: المعنى اللغوي:
الاستعاذة: مصدر استعاذ، وهي قول القائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وأعوذ فعل
مضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو مشتق من العوذ؛ وهو الالتجاء إلى الشيء، ثم يحمل
عليه كل شئ لصق بشئ أو لازمه(١). وعلى هذا فإن العوذ له معنيان:
أحدهما: الالتجاء إلى الشيء، والانحياز له، والاستجارة به.
يقال: عذت بالشيء أعوذ عوذًا وعياذًا إذا لجأت إليه، وهو عياذي: أي ملجئي(٢).
قال ابن منظور: ((عاذ به يعوذ عوذًا وعياذًا ومعاذًا: لاذ به ولجأ إليه واعتصم))(٣).
والثاني: الالتصاق، يقال: أطيب اللحم عوذه، وهو ما التصق منه بالعظم (٤).
فعلى الوجه الأول: معنى قوله: أعوذ بالله: أي ألتجئ إلى رحمة الله وعصمته، ومنه:
العوذة، وهو ما يعاذ به من الشر، وقيل للرقية والتميمة - وهو ما يعلق على الصبي -: عوذة
وعوذة(٥). وعلى الوجه الثاني: معناه: التصق نفسي بفضل الله ورحمته (٦).
قال ابن القيم: ((والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا))(٧).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معنى الاستعاذة الاصطلاحي كثيرًا عن المعنى اللغوي.
عرفها ابن كثير بقوله: ((هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل شر، والعياذة
تكون لدفع الشر، و اللياذة تكون لطلب الخير)»(٨).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨٣/٤.
(٢) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ٨٣٣، الصحاح، الجوهري ٤٧٣/١، تهذيب الأسماء واللغات،
النووي ص٣٢٩.
(٣) لسان العرب ٩ /٤٦٤.
(٤) انظر: المصدر السابق ٩ / ٤٦٥.
(٥) انظر: المصدر السابق ٩ / ٤٦٥، الدر المصون، السمين الحلبي ١ / ٧.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي١ / ٦٤، بدائع الفوائد، ابن القيم ١٧١/٢.
(٧) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ١٧١ .
(٨) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦/١.
٨
القرآن الكريم

الاستعادة
الاستعاذة في الاستعمال في القرآن
وردت مادة (عوذ) في القرآن (١٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿وَقَالَ مُوسَى إِّ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّنْ كُلِّ مُتَكٍَِّّ
لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: ٢٧]
الفعل المضارع
٩
[البقرة: ٦٧]
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَأَسْتَعِذْ بِلَّهُّ إِنَّهُ
فعل الأمر
٤
سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]
المصدر الميمي
٢
﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ، رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: ٢٣]
وجاءت الاستعاذة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الالتجاء إلى الغير
والتعلق به (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم ص ٨٤٢-٨٤٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٩٤.
www. modoee.com
١٩
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ
٦٧

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الدعاء:
١
الدعاء لغة:
مأخوذ من مادة (دع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون
منك، ومن هذا الأصل: الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل ، وهو واحد الأدعية،
والفعل من ذلك: دعا يدعو، والمصدر: الدعاء والدعوى(١).
الدعاء اصطلاحًا:
هو سؤال العبد ربه حاجته.
الصلة بين الاستعاذة والدعاء:
بالتأمل نجد أن الدعاء أعم من الاستعاذة، فهو لجلب الخير أو دفع الشر، والاستعاذة
دعاء لدفع الشر.
الاستعانة:
٢
الاستعانة لغة:
الاستعانة: مصدر استعان، وهي: طلب العون، يقال: استعنته واستعنت به فأعانني(٢).
الاستعانة اصطلاحًا:
لا يخرج عن المعنى اللغوي، فالاستعانة بالله سبحانه وتعالى: طلب العون من الله،
والاستعانة بالمخلوق: طلب العون من المخلوق فيما يقدر عليه من الأمور.
الصلة بين الاستعاذة والاستعانة:
الاستعانة أعم من الاستعاذة، فإنهما يجتمعان في طلب كف الشر، وبذلك: فالاستعاذة
صورة من صور الاستعانة، وتزيد الاستعانة بأنها تكون في تحصيل الخير. فكل استعاذة
استعانة، وليس كل استعانة استعاذة.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٢٨٠، الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٣٧.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٩٨/١٣.
١٠
مُوسُوبَةُ الَخير
القرآن الكريم

الاستعادة
الاستغاثة:
٣
الاستغاثة لغة:
مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى: الإغاثة والنصرة عند الشدة(١).
الاستعاثة اصطلاحًا:
طلب الغوث في الشدائد والأزمات(٢).
الصلة بين الاستعاذة والاستغاثة:
عرفنا في تعريف الاستغاثة أنها طلب الغوث والتخليص من الشدة والنقمة، أو طلب
العون على فكاك الشدائد، والاستعاذة هي الالتجاء وطلب العون، ففي كل منهما طلب
العون والمدد، إلا أن طلب العون في الاستغاثة قيد بحالة الشدة والنقمة والكرب ونحوها،
ولم يقيد ذلك في الاستعاذة.
وعليه، فالاستغاثة تكون برفع الأمر بعد وقوعه، أما الاستعاذة فالأصل أن تكون بدفع
الأمر قبل وقوعه.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٤٩/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٤٠٠، لسان العرب، ابن منظور ٦/
٣٣١٢.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص١٥٩.
www. modoee.com

حرف الألف
منزلة الاستعاذة وآثارها
أولًا: الاستعاذة مظهر من مظاهر
التوحيد:
الاستعاذة نوع من أنواع العبادات القولية
التي يجب أن تصرف لله وحده دون ما سواه
من المخلوقين؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِّكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥].
ولا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ
بأحد من خلقه؛ بل هو يعيذ المستعيذين،
ويعصمهم، ويمنعهم من شر ما استعاذوا من
شره.
وقد أمر الله نبيه بالاستعاذة به دون ما
سواه في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
١ مِن شَرِّمَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ
مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ١-
٤].
وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين
باسم (الرب) و(الملك) و(الإله)، وجاءت
الربوبية فيهما مضافة إلى (الفلق) وإلى
(الناس) ، ولابد من أن يكون ما وصف به
نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة
المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه
أعظم مناسبة وأبينها (١).
(١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ١٧٤/٢.
و کلما کان توحید المسلم لله أکمل؛ کان
حفظ اللهله أتم.
قال ابن القيم: «التوحيد حصن الله الأعظم
الذي من دخله كان من الآمنين. قال بعض
السلف: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم
يخف الله أخافه من كل شيء))(٢).
ثانيًا: الاستعاذة من هدي الأنبياء
والصالحين:
الاستعاذة بالله من هدي الأنبياء
والصالحين، وقد أمرنا الله بالاقتداء بهم.
قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ
فَبِهُدَلُهُمُ أَقْتَدِةٌ قُل لَآَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْرَآ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام:
٩٠].
وهذا نبي الله نوح عليه السلام يستعيذ
بالله من أن يسأله ما ليس به علم عندما سأله
نجاة أهله.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِّ أَعُوذُ بِكَ
أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِّرْ لِ
وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
فاستجار بالله أن يتكلف مسألته مما قد
استأثر الله بعلمه، وطوی علمه عن خلقه،
وكذلك سأل الله أن يغفر زلته في سؤاله
نجاة ابنه، وأن الله إن لم يغفر له ويرحمه
لیکونن من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٠٩/٢.
مَوَسُو بر التشيك الوضوء
القرآن الكريمِ
١٢

الاستعادة
فهلكوا(١).
مثواه (٣)، وسیده الحق جل جلاله قد أحسن
مثواه بما سخر له، فكيف يخونه بما حرم
عليه (٤)، وهذا من أعظم الظلم، والظائم
قال تعالى: ﴿وَإِنِ عُدْتُ بِرَبِ وَرَيَّكُنْ أَن لايفلح.
وهذا موسی علیه السلام استعاذ بالله من
أن یرجمه قومه.
تَرْجُونِ﴾ [الدخان: ٢٠].
الرجم الذي استعاذ موسى عليه السلام عليها السلام طلبت من الله أن يعيذها
بربه منه قیل: هو الشتم باللسان، وقيل: هو
الرجم بالحجارة، وقيل: المراد بالرجم:
القتل.
قال ابن جرير: ((والصواب أن يقال:
استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم
الذي يصل منه إلى المرجوم أذى ومكروه،
شتما كان ذلك باللسان، أو رجمًا بالحجارة
بالید))(٢).
وهذا نبي الله يوسف عليه السلام يستعيذ
بالله من الوقوع في الفاحشة.
قال تعالى: ﴿وَرَوَدَتَّهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن
نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَنْزَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ
قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِ أَحْسَنَ مَنْوَىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].
وهذا في غاية النزاهة والطهر؛ يستعيذ
بالله -مع قوة الداعي - من أن يقع في هذا
الفعل القبيح؛ لأنه مما يسخط الله ويبعد
منه، ولأنه خيانة في حق سيده الذي أكرم
(١) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٦٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤٢/٢٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٨/١٦.
وهذه امرأة عمران حين وضعت مريم
وذريتها من الشيطان الرجيم.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِ
وَضَتْتُهَا أُنْقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ
كَالْأُنثَىّ وَإِي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمٌ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
فاستجاب الله لها، فأعاذها الله وذريتها
من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له عليها
سبيلًا(٥).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من
مولود يولد إلا نخسه الشيطان، إلا ابن مريم
وأمه)(٦).
قال القرطبي: ((قال علماؤنا: أفاد هذا
الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم؛
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٦٩.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢١٦/١٢، وهو
قول أكثر المفسرين.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤١٨/٢،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٣٣/٣.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٩/٣.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قوله تعالى: (واذكر في الكتاب
مريم)، ١٣٨/٧، رقم ٣٤٣١، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى
عليه السلام، ١١٩/١٥، رقم ٦٠٨٦.
www. modoee.com
١٣

حرف الألف
فإن الشيطان ينخس جميع ولدآدم، حتى الأنبياء بالجهل، وإحياء القتيل.
والأولياء، إلا مريم وابنها))(١).
ثالثًا: آثار الاستعاذة:
مما يبين لنا أهمية الاستعاذة ذكر آثارها
على المستعيذين:
قال الله تعالى - حكاية عن نوح عليه
السلام أنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ
أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَّسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ
وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
فأعطاه الله نعمتين: السلام، والبركات.
قال تعالى: ﴿قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا
وَبَرَكَتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨].
وقال يوسف عليه السلام : ﴿مَعَاذَ اَللّهِ
إِنَّهُ رَبٍِّ﴾ [يوسف: ٢٣].
فأعطاه الله نعمتين: صرف السوء عنه
والفحشاء.
وقال أيضًا: ﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَن تَأْخُذّ إِلَّا
مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ﴾﴾ [يوسف: ٧٩].
فأعطاه الله نعمًا كثيرة، منها: نعمة العدل،
وكشف الأمور، وظهور البراءة، ورفع أبويه
على العرش، وسجودهم له.
وحكى عن موسى عليه السلام: ﴿قَالَ
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجَهِلِينَ﴾ [البقرة:
٦٧].
فأعطاه الله نعمتين: إزالة التهمة له
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧٠/٣.
وحكى عن موسى عليه السلام أيضًا:
﴿وَقَالَ مُوسَىَ إِنِ عُذْتُ بِرَبِّ وَرَبِّكُم ◌ِّن
كُلِّ مُتَكَبٍِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:
٢٧].
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿وَإِنِّ عُدْتُ
بِرَقِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ﴾ [الدخان: ٢٠].
فأعطاه الله نعمتین: أفنی عدوه، وأورثهم
أرضهم ودیارهم.
وحكى عن أم مريم أنها قالت: ﴿وَإِّ
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل
عمران: ٣٦].
فأعطاها الله نعمتين: تقبل مريم منها
بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا، وهو قوله
تعالى: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا
نَبَاتًّا حَسَنًا ﴾ [آل عمران: ٣٧]
ومريم عليها السلام لما رأت جبريل
عليه السلام في صورة بشر يقصدها ﴿قَالَتْ
إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَّقِيًّا﴾ [مريم:
١٨].
فوجدت نعمتين: ولدًا من غير أب،
وتبرئة الله إياها بلسان ذلك الولد عن
السوء؛ وهو قوله تعالى: ﴿إِنِّ عَبْدُ اللَّهِ﴾
[مريم: ٣٠] (٢).
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
١٠٥/١-٠١٠٦
١٤
مَوَسُ بَرُ النَفسِير
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ

الاستعادة
أنواع الاستعاذة
أولًا: الاستعاذة المشروعة:
هي الاستعاذة التي تكون بالله،
والمستعاذ به هو الله وحده رب الفلق،
ورب الناس، وملك الناس، وإله الناس،
الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ
بأحد من خلقه؛ بل هو يعيذ المستعيذين
ويمنعهم، ويعصمهم من شر ما استعاذوا من
شره(١).
والاستعاذة به سبحانه مما لا يقدر عليه
سواه من مقتضيات التوحيد ولوازمه، فلا
يستعاذ من ذلك بغيره. ثم الاستعاذة تكون
بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأكثر
ما وردت به نصوص القرآن الاستعاذة
باسم (الله)؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّايَنْزَغَنَّكَ
مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ, هُوَ السَّمِيعُ
اَلْعَلِيمُ ﴾ [فصلت: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [غافر:
٥٦].
وقال سبحانه عن موسى عليه السلام:
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة:
٦٧].
ومن الكثير أيضًا الاستعاذة باسم (الرب)،
كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾
[الفلق: ١].
(١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ١٧٣/٢.
وقوله عز وجل عن موسى عليه السلام
﴿وَإِنِّي عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ﴾ [الدخان:
٢٠].
أو بالضمير العائد إلى الرب؛ كقوله
تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ
بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيَّسَ لِ بِهِ، عِلْمٌ﴾ [هود:
٤٧].
و قوله سبحانه عن امرأة عمران: ﴿رَبِّإِنِّ
وَضَعْتُهَا أُنْقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَ
كَالْأُنْقِّ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦].
أما اسم (الرحمن) فلم ترد الاستعاذة به
في القرآن إلا مرة واحدة؛ في قوله تعالى عن
مريم عليها السلام: ﴿قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ
مِنْكَ إِن كُنتَ تَّقِيًّا﴾ [مريم: ١٨](٢).
فنستنتج مما سبق: أن الاستعاذة
المشروعة تكون بالله أو أسمائه أو صفاته،
ويجوز الاستعاذة بالإنسان فيما هو داخل
تحت قدرته وإرادته، کان یستجير به من
حيوان مفترس، أو إنسان يريد الفتك به(٣).
ثانيًا: الاستعاذة المحرمة:
هي الاستعاذة التي تكون بغير الله؛
كالاستعاذة بالجن والشياطين والأموات
(٢) انظر: مسائل في الاستعاذة، عبد العزيز
الخضيري، مجلة الدراسات القرآنية، عدد ٥،
ص٣٣.
(٣) الموسوعة الفقهية الكويتية ٤ / ٥.
www. modoee.com
١٥

حرف الألف
والأصنام وغيرهم، فهي لا تزيد المستعيذ
بها إلا رمقًا، ولاشك أن ذلك كفر أو شرك.
قال تعالى حكاية عن مؤمني الجن:
وَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ
فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
والرهق في كلام العرب: الإثم والخطيئة
وغشيان المحارم(١)، فزادوهم بهذه
الاستعاذة غشيانًا لما كان محظورًا من
الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس
والجن(٢). وكان أول من تعوذ من الجن قوم
من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا
ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا
بالله وتركوهم(٣).
قال ابن عباس: كان رجال من الإنس
يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول:
أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك
إثمًا(٤).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٤٥/٥.
وانظر: جامع البيان، الطبري ١٣٠/٣٠،
معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٤٠٢.
(٢) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ١٧٤.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٣/١٩
(٣) تفسير مقاتل ٤٠٦/٣.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٩ / ١٢٨.
المستعاذ منه
ما یستعاذ منه أمور كثيرة، منها:
أولًا: من شر شياطين الإنس والجن
ومن شر كل مخلوق:
أمرنا الله تعالى بالاستعاذة من شياطين
الإنس والجن في عدة مواضع من كتابه،
فأمر الله بمصانعة شيطان الإنس ومداراته
بإسداء الجميل؛ ليرده عما هو فيه من أذى،
وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا
يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير
بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وورد
هذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن(٥):
الموضع الأول: قال تعالى: ﴿خُذٍ
الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
[الأعراف: ١٩٩].
هذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من
البشر، ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ
نَزْعٌ فَأَسْتَئِذْ بِاللَّهِّ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[الأعراف: ٢٠٠].
أي: يصيبك ويعرض لك من الشيطان
نزغ فاستجر بالله.
قال ابن جرير: (وإما يغضبنك من
الشيطان غضب يصدك عن الإعراض
عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم؛
فاستجر بالله من نزغه؛ فإنه سميع لجهل
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤/١.
مَوَسُوبَةُ النَِّيَة
القرآن الكريمِ
١٦

الاستعادة
الجاهل عليك، عليم بما يذهب عنك من نزغاته ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بما ألقى في نفسك
الشيطان))(١).
الموضع الثاني: قال تعالى: ﴿اَدْفَعْ بِالَِّی
هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةٌ فَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ
٩٧
وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يحضُرُونِ ﴾ [المؤمنون: ٩٦-
٩٨].
قال ابن عطية: ((والنزغات وسورات
الغضب من الشيطان، وهي المتعوذ منها
في الآية. وهمزات الشيطان: خطراته التي
يخطرها بقلب الإنسان))(٢).
الموضع الثالث: قال تعالى: ﴿وَمَا والجن، وشر السباع والهوام ، وشر النار
◌ُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّ ذُو
حَظٍ عَظِيمٍ (٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ
نَزٌْ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
[فصلت: ٣٥ - ٣٦].
قال ابن عباس: ((قوله: ادفع بالتي هي
أحسن قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند
الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا
فعلوا ذلك عصمهم من الشيطان، وخضع
لهم عدوهم کأنه ولي حميم»(٣).
قال قتادة: ((إن من الجن شياطين، ومن
ثم أمر الله نبيه بأنه إذا حمله الشيطان الإنس شياطين، فتعوذ بالله من شياطين
على مجازاة المسيء بالإساءة؛ بالاستجارة الإنس والجن))(٦).
منه والاعتصام بالله من خطراته؛ إن الله هو
﴿السَّمِيعُ﴾ لاستعادتك منه، واستجارتك به
(١) انظر: جامع البيان، ٩/ ١٨٥.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /١٥٥.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٤ / ١٣٧.
من نزغاته، وحدثتك به نفسك ومما يذهب
ذلك عن قلبك»(٤).
وأمر الله في سورة الفلق بالاستعاذة من
شر ما خلق، ويدخل فيه شياطين الإنس
والجن.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢].
قال ابن القيم: ((فالاستعاذة من شر ما
خلق تعم شر كل مخلوق فيه شر، وكل شر
في الدنيا و الآخرة، وشر شياطين الإنس
والهواء، وغير ذلك))(٥).
وكذلك أمر الله في سورة الناس
بالاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )
مِن
٣
مَلِكِ النَّاسِ ن إِلَهِ النَّاسِ
شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) الَّذِى يُؤَسْوِسُ
فِي صُدُورِ النَّاسِ ٥ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦].
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٩/٢٤.
(٥) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ١٨٤/٢.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٣٥/٢.
www. modoee.com
١٧

حرف الألف
ثانيًا: الجهل والسفه:
استعاذ نبي الله موسى عليه السلام من
الجهل والسفه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ
قَالُواْ أَلَتَّخِذُنَا هُزُوًّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ
الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
والجهل خلاف العلم(١). والجاهل: هو
الذي یتکلم بالكلام الذي لا فائدة فيه.
فهذا موسى عليه السلام استعاذ بالله أن
يكون من الجاهلين.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ»
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ قَالُوا أَتَّخِذُنَا
هُزُوَاْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴾
[البقرة: ٦٧].
والخروج عن جواب السائل المسترشد
إلى الهزء جهل؛ فاستعاذ منه عليه السلام؛
لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء، والجهل نقيض
العلم، فاستعاذ من الجهل كما جهلوا في
قولهم: أتتخذنا هزوًا لمن يخبرهم عن الله
تعالى ؟! وظاهر هذا القول يدل على فساد
اعتقاد من قاله، ولا يصح إيمان من قال لنبي
ذلك.
قال القرطبي: ((وفي الآية دليل على منع
الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن
يجب تعظيمه ، وأن ذلك جهل وصاحبه
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١٢٥/٢، لسان
العرب، ابن منظور ٢/ ٤٠٢.
مستحق للوعید»(٢).
ثالثًا: تسلط الجبابرة والمتكبرين:
استعاذ نبي الله موسى عليه السلام بالله
من كل متكبر على الله، تكبر عن توحيده،
والإقرار بألوهيته وطاعته، وأنكر اليوم
الآخر.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىّ إِنِ عُدْتُ
بِرَبِ وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكٍَِّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
اْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧].
قال ابن جرير: ((وإنما خص موسى
صلوات الله وسلامه عليه الاستعاذة بالله
ممن لا يؤمن بيوم الحساب؛ لأن من لا يؤمن
بیوم الحساب مصدقًا لم یکن للثواب راجيًا
ولا للعقاب خائفًا؛ لذلك كانت استجارته
من هذا الصنف من الناس خاصة))(٣).
وكذلك استعاذ بالله من أن يرجم
في قوله تعالى: ﴿وَإِّ عُذْتُبِرَقِ وَرَيِّگُزْ أَنْ
تَرْجُونِ﴾ [الدخان: ٢٠].
قال ابن عطية: «هذا كلام قاله موسى عليه
السلام لخوف لحقه من فرعون وملئه)) (٤)،
فكأنهم توعدوه بالقتل، فاستجار بالله من
ذلك (٥).
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ٤٨٤.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ١ / ٨٢، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٥ .
(٣) انظر: جامع البيان، ابن جرير ٦٨/٢٤.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٧١/٥.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨
مَوَسوبر النفسية الوضويـ
القرآن الكريم

الاستعادة
وكذلك أمر الله نبيه محمدًا صلى الله
عليه وسلم بالاستعاذة من الذي يجادل في
آيات الله بغير علم، ويتكبر عن قبول الحق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِ لُونَ
فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ إِن فِ
صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيةٍ
فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[غافر: ٥٦].
أي: فاستجر بالله يا محمد من شر
هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير
سلطان؛ لأن في صدورهم كبرًا، أي:
عظمة (١) يتعاظمون بها عن اتباعك وقبول
الحق منك؛ حسدًا منهم على الفضل الذي
آتاك الله، والكرامة التي أكرمك الله بها من
النبوة(٢).
١١٨/١٦.
(١) الصحاح، الجوهري ١/ ٦٤٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٨٩.
مواطن الاستعاذة
أولًا: عند قراءة القرآن :
أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه
وسلم بأنه إذا ابتدأ قراءة القرآن أن يستعيذ
بالله من الشيطان.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
قال ابن كثير: ((ومن لطائف الاستعاذة:
أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو
والرفث، وتطيب له، وهو لتلاوة كلام الله،
وهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة،
وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا
العدو المبين الباطني، الذي لايقدر على
منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه))(٣) .
وأجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست
من القرآن؛ ولكنها تطلب لقراءته؛ لأن قراءته
من أعظم الطاعات، وسعي الشيطان للصد
عنها أبلغ. وأيضًا القارئ يناجي ربهبكلامه والله
سبحانه وتعالى يحب القارئ الحسن التلاوة،
ويستمع إليه، فأمر بالاستعاذةلطرد الشيطانعند
استماع الله سبحانه وتعالى له (٤).
وذهب الجمهور إلى أنها سنة (٥)، وأن
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦/١.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٨/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٢٢،
الموسوعة الفقهية الكويتية ٤ /٦.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٨/١٤،
www. modoee.com
١٩

حرف الألف
محلها قبل القراءة (١)، ويستحب الجهر [فصلت: ٣٦].
بها عند افتتاح القرآن، وعند ابتداء كل
قارئ بعرض أو درس أو تلقين في جميع
القرآن (٢).
ووردت صيغ الاستعاذة:
الأولى: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
كما ورد في سورة النحل من قوله تعالی:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وهو المختار لجميع القراء، قال
السخاوي: (إن إجماع الأمة عليه)(٣).
قال في النشر: وقد تواتر عن النبي صلى
الله عليه وسلم التعوذ به للقراءة ولسائر
التعوذات (٤).
الثانية: (أعوذ بالله السميع العليم من
الشيطان الرجيم)، ويدل لها قوله تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَرْعٌ فَاسْتَعِذْ
◌ِاَللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ
نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ, هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٠/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٢١/١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٦٤٥.
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨٤/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ١٢٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ١٥.
(٢) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٤ /٧.
(٣) انظر: جمال القراء، السخاوي ص ٥٨٠.
(٤) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري
٢٤٣/١.
وهذه الصيغة مروية عن الإمام أحمد
وبعض الشافعية وطائفة من القراء(٥).
الثالثة: (أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم إن الله هو السميع العليم)،
ودليلها الجمع بين الصيغتين الأولى والثانية،
وقد قرأ بها نافع وابن عامر والكسائي(٦).
الرابعة: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان
الرجيم وهمزه ونفثه ونفخه)(٧)، ويدل لها
حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان
الرجيم وهمزه ونفثه ونفخه)(٨)(٩).
ثانيًا: عند همزات الشياطين ونزغاتهم:
أرشد الله في كتابه الكريم المسلم إذا
ثارت به ثورة الغضب ونزغه الشيطان (١٠) أن
يستعيذ به من الشيطان الرجيم.
(٥) انظر: المصدر السابق ٢٤٩/١.
(٦) انظر: المصدر السابق ٢٥٠/١.
(٧) همز الشيطان: الموتة، وهي: الخنق، نوع
من الجنون والصرع. ونفخه : الكبر، ونفثه:
الشعر.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٧٥/٥-٢٣٦،٧٧.
(٨) أخرجه أحمد في مسنده، ٦/ ٣٨٠، رقم
٣٨٣٠، وابن ماجه في سننه، ٢٦٦/١، رقم
٨٠٨.
(٩) انظر: مسائل في الاستعاذة، عبد العزيز
الخضيري، مجلة الدراسات القرآنية، عدد ٥،
ص/ ٣٠.
انظر: المحرر الوجيز، ابن
(١٠)
عطية ٥ / ١٧.
٢٠
القرآن الكريم

الاستعادة
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطِ
نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ ◌ِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[الأعراف: ٢٠٠].
وكذلك أمر الله المسلم بالاستعاذة
به عند حصول الوسوسة له من الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ
الشَّيَاطِينِ ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾
[المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
همزات الشیاطین هي: نزغاته ووساوسه.
وقيل: نفخه ونفثه.
وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى
المعاصي، وأصل الهمز: شدة الدفع(١).
وأمره أيضًا بأن يستعيذ به من حضور
الشياطين في أمر من أموره؛ وإنما
ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره
یوسوسه(٢).
قال ابن عطية: ((والنزغات وسورات
الغضب من الشيطان، وهي المتعوذ منها في
الآية))(٣).
ثالثًا: عند مواجهة الجاهلين:
أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه
وسلم بأن يستعيذ به عند مواجهة الجاهلین.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ
فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ إِن فِ
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ٦٦.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣١٦/٣.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ٤ / ١٥٥.
صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيهِ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
﴾ [غافر: ٥٦].
أي: استعذ بالله من الكبر الذي يوجب
التكبر عن الحق، واستعذ بالله من شياطين
الإنس والجن، واستعذ بالله من جميع
الشرور (٤).
قال ابن عطية: ((أمر الله نبيه صلى الله
عليه وسلم بالاستعاذة بالله في کل أمره من
كل مستعاذ منه؛ لأن الله يسمع أقواله وأقوال
مخالفیه، وهو بصير بمقاصدهم ونياتهم،
ويجازي كلا بما يستوجبه، کأنه قال: هؤلاء
لهم كبر لا يبلغون منه أملًا؛ فاستعذ بالله من
حالهم. وظاهر الاستعاذة هنا العموم في كل
مستعاذ منه»(٥).
رابعًا: عند الخوف من الضرر:
يشرع للمسلم أن يستعيذ بالله من كل
شيء يخاف ضرره، فهذا موسى عليه السلام
استعاذ بالله من فرعون لما هدده بالقتل.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٌّ إِّ عُدْتُ
بِرَتِ وَرَبِّكُمْ مِّنْ كُلِّ مُتَكٍَّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
اِْسَابِ﴾ [غافر: ٢٧].
أي من كل متعظم عن الإيمان بالله،
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٤٠.
(٥) المحرر الوجيز، ٥٦٥/٥.
www. modoee.com
٢١

حرف الألف
وصفته أنه لا يؤمن بيوم الحساب(١).
وكذلك استعاذ بالله من بنى إسرائيل أن
يقتلوه قال تعالى: ﴿وَإِی عُذْتُبِرِ وَرَێَّگُزْ أَن
تَرْجُونِ﴾ [الدخان: ٢٠].
وهذه مريم عليها السلام استعادت بالله
من الملك عندما خافت ضرره.
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن
كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].
أي ممن يتقي الله (٢).
وكذلك طلب الله من عبده أن يستعيذ به
من كل ما فيه شر.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ل وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ
وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِىِ الْعُقَدِ )
٣
وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥].
فأمر الله هنا بالاستعاذة من عموم الشر
الذي خلقه في المخلوقات من حيوان أو
غیره، ثم بین بعد ذلك أهم ما یستعاذ به من هذه
الشرور؛ وهو الاستعاذة من الليل إذا أظلم،
والسبب الذي من أجله أمر الله بالاستعاذة من
شرالليل؛ لأن فيه تتسلط شياطين الإنس والجن
وتنتشر. وأمره كذلك بالاستعاذة من ﴿شرّ
اَلنَّفَّشَتِ فِى الْمُقَدِ﴾، وهذا الشر هو شر
السحر؛ فإن النفاثات في العقد هن السواحر
اللاتي يعقدن الخيوط وینفئن على كل عقدة
حتی ینعقدما يردن من السحر.
والنفث: هو النفخ مع ريق(٣). وأمره
أيضًا بالاستعاذة من شر الحاسد إذا حسد،
وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد
الحاسد يؤذي المحسود، فنفس حسده شر
يتصل بالمحسود من نفسه وعينه، وإن لم
یؤذه بيده ولا لسانه؛ فإن الله تعالی قال:
﴿وَ مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، فحقق الشر
منه عند صدور الحسد (٤).
وكذلك شرع الله الاستعاذة من شياطين
الإنس والجن.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
٢) مِن
مَلِكِ النَّاسِ ) إِلَهِ النَّاسِ
شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ نَ الَّذِى يُؤَسْوِسُ
فِي صُدُورِ النَّاسِ ٥ مِنَ الْجِنَّةِ
وَاَلنَّاسِ﴾ [الناس: ١ -٦].
وأمر الله المستعيذ أن يتعوذ بالله رب
كل شيء ومليكه وإلهه من شر الوسواس
الخناس، وهو الشيطان الرجيم، الذي یزین
للإنسان المعاصي ويثبطه عن الطاعات،
وهذا معنی الوسواس، ووصفه الله بوصف
آخر؛ وهو الخناس الذي إذا ذكر العبد ربه
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٦٨/١٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١ /
٨٦ .
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥٧/٥،
لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٢٣.
(٤) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ١٨٤/٢-
١٩٥.
٢٢
لِلْعَشْرَآن الكَرِيْمِ

الاستعادة
خنس أي: کف وانقبض(١) وولی هاربًا؛ لأنه
جبان وضعيف يهرب عن ذكر الله. ثم عمم
الله في نهاية السورة بالأمر بالاستعاذة من
شياطين الإنس والجن.
وقد تضمنت المعوذتان الاستعاذة من
جميع الشرور التي تصيب الإنسان، وهي لا
تخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه، وهذا
راجع إلى الإنسان نفسه، وتسمى بالمعائب،
وإما شر یقع بالإنسان من غيره من حيوان أو
إنسان أو جآن، وتسمى بالمصائب.
فسورة الفلق تضمنت النوع الثاني؛ وهو
الاستعاذة من شر المصائب. أما سورة الناس
فتضمنت الاستعاذة من شر المعائب؛ وهو
الوسوسة الناجمة عن الشيطان، وهو شر
داخل تحت التكليف ويتعلق به النهي (٢)؛
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط
؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
النَّاسِ﴾))(٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٢٣/٢.
(٢) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٢١٢/٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة
المعوذتين ٦/ ٨٠، رقم ٨١٤.
ثمرات الاستعاذة وآثارها
١. حفظ النفس والمال من تسلط
الشیاطین.
شرع الله للمسلم أن يستعيذ به لحفظ
نفسه وماله. قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ
مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ
يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
قال السعدي: ((أعوذ بك من الشر
الذي يصيبني بسبب مباشرتهم وهمزهم
ومسهم، ومن الشر الذي بسبب حضورهم
ووسوستهم ، وهذه استعاذة من مادة الشر
كله وأصله، ويدخل فيها الاستعاذة من
جمیع نزغات الشيطان ومن مسه ووسوسته،
فإذا أعاذ الله عبده من هذا الشر، وأجاب
دعاءه؛ سلم من كل شر، ووفق لكل خير)) (٤).
وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّايَنزَغَنَّكَ
مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَهِذْ بِلَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمٌ
[الأعراف: ٢٠٠].
قال ابن عاشور: ((إن الله ضمن لمن
استعاذه أن يعيذه؛ لأنه هو الذي أمر
بذلك»(٥).
وفي الحديث القدسي: ((لئن استعاذني
لأعيذنه»(٦).
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٥٠٨.
(٥) انظر: التحرير والتنوير ٢٥/ ٦١.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
www. modoee.com
٢٣

حرف الألف
وقال في موضع آخر: ((العلة من إلى طريق الحق، فالشيطان حريص على
الاستعاذة أنها تمنع تسلط الشياطين على تلبيس الأمور لدى المؤمن، فيقع محتارًا
المستعيذ؛ لأن الله منعهم من التسلط على
الذين آمنوا المتوكلين، والاستعاذة منهم
شعبة من شعب التوكل على الله؛ لأن اللجأ
إليه توكلٌ عليه))(١).
وهذه امرأة عمران تطلب من الله أن من حال أولئك الكفار الذين يجادلون في
يعيذ ابنتها مريم عليها السلام وذريتها من
الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا
قَالَتْ رَبِّ إِ وَضَعْتُهَا أُنْقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ الذَّكَوِ كَالْأُنثَى وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنَّ
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾
[آل عمران: ٣٦].
وكذلك شرع للمسلم أن يتعوذ
بالمعوذتين دبر كل صلاة مرة واحدة ماعدا
صلاة الفجر والمغرب فإنه یکررهما ثلاثًا.
وشرع كذلك له أن يتعوذ بهما في الصباح
والمساء وغير ذلك من المواضع؛ لما لهما
من أثر عظيم في حفظ الإنسان من جميع
الشرور؛ خاصة في دفع السحر والعين.
قال ابن القيم: ((وإن حاجة العبد إلى
الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته
إلى النفس والطعام والشراب واللباس)» (٢).
٢. الهداية إلى الحق.
الاستعاذة بالله سبيل إلى هداية الإنسان
باب التواضع، ١٣ / ١٤٢، رقم ٦٥٠٢.
(١) انظر: المصدر السابق ١٣ / ٢٢٤.
(٢) انظر: بدائع الفوائد ٢/ ١٧٠.
في الوصول إلى الحق، فإذا استعاذ بالله
من الشيطان في ذلك الموقف فإنه بإذن الله
تنجلي له الأمور، ويهدى إلى سواء السبيل؛
ولذلك أمر الله عز وجل نبيه أن يستعيذ بالله
آیات الله، ویصدون عن قبول الحق؛ بسبب
كبر في نفوسهم عن اتباع الحق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ
فِىّ ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ إِن فِ
صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِفِيهِ
فَأَسْتَعِدْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[غافر: ٥٦]. أي: فاستعذ بالله أي من حالهم.
وكذلك استعاذ نبي الله يوسف من أن
يأخذ البريء بالمذنب.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا
مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ: إِنَّ إِذَا لَّظَلِمُونَ
(٣)﴾ [يوسف: ٧٩].
يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعنا
عنده إنا إذا نفعل ما ليس لنا فعله ونجور
على الناس (٣).
٣. الوقاية من الوقوع في الفعل القبيح.
أرشد الله عز وجل في كتابه الکریم إلى
أن الاستعاذة به سبيل إلى الوقاية من الوقوع
في الفواحش.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ / ٤١ .
٢٤
مُوَسُولَةُ النَِّيَّة
جوية
القرآن الكريم

الاستعادة
قال تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَِّ هُوَ فِي بَيْتِهَاعَنِ
نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ
قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبٍ أَحْسَنَ مَثْوَىِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٢ - ٢٣].
فأعاده الله من ذلك.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
الشُّوَّهَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
(٢٤ )﴾ [يوسف: ٢٤].
أحدها: قوله: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾.
والثاني: قوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾.
والثالث: قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
اَلظَّالِمُونَ﴾.
فما وجه تعلق هذه الجوابات بعضها
ببعض؟
والجواب: هذا الترتيب فى غاية الحسن؛
لأن الانقیاد لأمر الله تعالی وتکالیفه أهم
الأشياء؛ لكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد،
فقوله: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ إشارة إلى أن حق الله
يمنع من هذا العمل.
وأيضًا حقوق الخلق واجبة الرعاية ، فلما
كان هذا الرجل قد أنعم في حقي؛ فيقبح
معاملة إنعامه بالإساءة.
وأيضًا: صون النفس عن الضرر واجب،
وهذه اللذة قليلة ، ويتبعها خزي في الدنيا
وعذاب في الآخرة ، وهذه اللذة القليلة إذا
تبعها ضرر شديد؛ ينبغي تركها والاحتراز
عنها؛ لقوله: ﴿إِنَُّ لَ يُقْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
فهذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن
وجوه الترتيب)»(١).
٤. حفظ الأجر والبركة في العمل.
شرع الله للمسلم إذا ابتدأ قراءة القرآن أن
يستعيذ بالله؛ سواء في الصلاة أو خارجها؛
قال ابن عادل في تفسيره: ((ذكر يوسف حتى لا يصده الشيطان عن تدبر القرآن
عليه السلام في الجواب في كلامه ثلاثة
أشياء:
والعمل بما فيه، فيحفظ له بذلك الأجر،
ويبارك الله له في العمل.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ
مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
قال الطاهر بن عاشور: ((إنما شرعت
الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذانًا بنفاسة
القرآن ونزاهته؛ إذ هو نازل من العالم
القدسي الملكي، فجعل افتتاح قراءته
بالتجرد عن النقائص النفسانية التي هي
من عمل الشيطان، ولا استطاعة للعبد أن
يدفع تلك النقائص إلا أن يسأل الله أن يبعد
الشيطان عنه بأن یعوذ بالله)» (٢).
موضوعات ذات صلة:
الاستعانة، الدعاء، الذكر
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٥٩/١١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٢/١٣.
www. modoee.com
٢٥